ومن خطبة له (عليه السلام): [ يوصي بالتقوى والاعتبار بالقرون السالفة ويشير إلى المهدي (عليه السلام)]

«أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي أَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمُ الْمَعَاشَ فَلَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إِلَى الْبَقَاءِ سُلَّماً أَوْ لِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلًا لَكَانَ ذَلِكَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ ع الَّذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ مَعَ النُّبُوَّةِ وَعَظِيمِ الزُّلْفَةِ فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ وَاسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ رَمَتْهُ قِسِيُّ الْفَنَاءِ بِنِبَالِ الْمَوْتِ وَأَصْبَحَتِ الدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً وَالْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً وَوَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرُونِ السَّالِفَةِ لَعِبْرَةً أَيْنَ الْعَمَالِقَةُ وَأَبْنَاءُ الْعَمَالِقَةِ أَيْنَ الْفَرَاعِنَةُ وَأَبْنَاءُ الْفَرَاعِنَةِ أَيْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ الرَّسِّ الَّذِينَ قَتَلُوا النَّبِيِّينَ وَأَطْفَئُوا سُنَنَ الْمُرْسَلِينَ وَأَحْيَوْا سُنَنَ الْجَبَّارِينَ أَيْنَ الَّذِينَ سَارُوا بِالْجُيُوشِ وَهَزَمُوا بِالْأُلُوفِ وَعَسْكَرُوا الْعَسَاكِرَ وَمَدَّنُوا الْمَدَائِنَ «وَمِنْهَا» قَدْ لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا وَأَخَذَهَا بِجَمِيعِ أَدَبِهَا مِنَ الْإِقْبَالِ عَلَيْهَا وَالْمَعْرِفَةِ بِهَا وَالتَّفَرُّغِ لَهَا فَهِيَ عِنْدَ نَفْسِهِ ضَالَّتُهُ الَّتِي يَطْلُبُهَا وَحَاجَتُهُ الَّتِي يَسْأَلُ عَنْهَا فَهُوَ مُغْتَرِبٌ إِذَا اغْتَرَبَ الْإِسْلَامُ وَضَرَبَ بِعَسِيبِ ذَنَبِهِ وَأَلْصَقَ الْأَرْضَ بِجِرَانِهِ بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا حُجَّتِهِ خَلِيفَةٌ مِنْ خَلَائِفِ أَنْبِيَائِهِ». (شرح ابن أبي الحديد مج 2 ص 534 ط الأولى).

* * *

ضبط الألفاظ اللغوية:

(الرياش) والريش ما ظهر من اللباس، وقيل الرياش جمع الريش وهو اللباس الفاخر. و(المعاش) والمعيشة مكتسبة الإنسان الذي يعيش به، و(السلّم) كسكّر ما يُرتقى عليه، و(القسيّ) جمع القوس، و(النبل) السهام العربية، و(العمالقة) والعماليق أولاد عمليق من ولد نوح، و(الفراعنة) جمع فرعون، و(الرسّ) بتشديد السين نهر عظيم بين آذربيجان وإرمينيّة، وهو المعروف بالآن بالأرس، مبدؤه من مدينة طراز وينتهي إلى شهر الكر فيختلطان ويصبّان في البحر.

وقال في القاموس: بئر كانت لبقيّة من ثمود كذّبوا نبيّهم ورسّوه في بئر، و(مدّن المدائن) مصّرها، و(الجُنّة) بالضم نوع من السلاح يُتّقى به. (عسيب ذنبه) العسيب عظيم الذنب أو منبت الشعر منه، و(جران) البعير صدره أو مقدّم عنقه.

* * *

الشرح:

قوله (عليه السلام): «أوصيكم عباد الله بتقوى الله» التي هي الزاد وبها المعاد، زاد مبلغ ومعاد منجح، وهي أن لا يراك حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك.

وإنّما عقّب بالموصول، أعني قوله «الذي ألبسكم الرياش وأسبغ عليكم المعاش» تأكيداً للغرض المسوق له الكلام، وتنبيهاً على أنّه سبحانه مع عظيم إحسانه ومزيد فضله وإنعامه حيث أنعم عليكم باللباس والرياش، وأكمل عليكم المعاش، اللذين هما سببا حياتكم وبهما بقاء نوعكم، كيف يسوغ كفران نعمته بالعصيان، ومقابلة عطوفته بالخطيئة، بل اللازم مكافاة نعمائه بالتقوى وعطاياه بالحسنى.

ثمّ لمّا كان رأس كلّ خطيئة هو حبّ الدنيا، وكان عمدة أسباب الغفلة والضلالة الركون إليها وطول الأمل فيها، نبّه على فنائها وزوالها بقوله: (ولو أنّ أحداً يجد إلى البقاء سلّماً) ووسيلة (أو لدفع الموت سبيلاً)، أو سبباً (لكان ذلك سليمان بن داود (عليه السلام)) لأنّه (الذي) اختصّ من سائر الخلق لكمال السلطنة والملك العظيم حيث (سخّر له ملك الجنّ والانس) والوحش والطير فهم يوزعون (مع النبوّة وعظيم الزلفة) والقربى إلى الحقّ سبحانه. ومعلوم أنّ النبوّة والتقرّب والمنـزلة من الوسائل إلى البقاء لاستجابة الدعاء معهما، فهما مظنّتان للتوصّل إليه في الباطن كما أنّ الملك والسلطنة مظنّة لأن تكون وسيلة إليه في الظاهر، لكنّه مع نبوّته وعظم سلطانه وقدرته على ما لم يقدر عليه غيره لم يجد وسيلة إلى البقاء، فليس لأحد بعده أن يطمع في وجدانه. أمّا أنّه (عليه السلام) لم يجد وسيلة إلى ذلك، فلأنّه (لمّا استوفى طُعمته) أي رزقه المقدّر (واستكمل مدّته) المقرّرة (رمته قسيُّ الفناء بنبال الموت) إسناد الرمي إلى القسيّ من المجاز العقليّ والنسبة إلى الآلة.

قال الشارح البحراني: ولفظ القسيّ والنبال استعارة لمرامي الأمراض وأسبابها التي هي نبال الموت. (وأصبحت الديار منه خالية والمساكن معطّلة ورثها قوم آخرون).

 

[سليمان (عليه السلام) وملك الموت]:

جاء في البحار من (العلل) و(العيون) عن أحمد بن زياد الهمداني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد قال: «إنّ سليمان بن داود (عليه السلام)، قال ذات يوم لأصحابه: إنّ الله تبارك وتعالى قد وهب لي مُلكاً لاينبغي لأحد من بعدي، سخّر لي الريح والإنس والجنّ والطير والوحوش، وعلّمني منطق الطير، وآتاني كلّ شيء، ومع جميع ما أُوتيت من الملك ما تمّ لي سرور يوم إلى الليل، وقد أحببتُ أن أدخل قصري في غد فأصعد أعلاه وأنظر إلى ممالكي، فلا تأذنوا لأحدٍ عليَّ لئلاّ يرد عليَّ ما ينغّص عليَّ يومي، قالوا: نعم.

فلمّا كان من الغد أخذ عصاه بيده وصعد إلى أعلى موضع من قصره، وقف متّكئاً على عصاه ينظر إلى ممالكه مسروراً بما أُوتي، فرحاً بما أُعطي، إذ نظر إلى شاب حسن الوجه واللباس قد خرج عليه من بعض زوايا قصره، فلمّا بصر به سليمان (عليه السلام) قال: من أدخلك إلى هذا القصر وقد أردتُ أن أخلو فيه اليوم، فبإذن من دخلت؟

فقال الشاب: أدخلني هذا القصر ربُّه، وبإذنه دخلت، فقال (عليه السلام): ربّه أحقّ به مني، فمن أنت؟ قال: أنا ملك الموت. قال: وفيما جئت؟

قال: جئت لأقبض روحك، قال: إمضِ لما أمرت به فهذا يوم سروري، وأبى الله (عز وجل) أن يكون لي سرور دون لقائه، فقبض ملك الموت روحه وهو متّكئ على عصاه.

فبقي سليمان متّكئاً على عصاه وهو ميّت ما شاء الله والناس ينظرون إليه، وهم يقدّرون أنّه حي، فافتتنوا فيه واختلفوا، فمنهم من قال: إنّ سليمان قد بقي متّكئاً على عصاه هذه الأيام الكثيرة ولم يتعب ولم ينم ولم يأكل ولم يشرب، إنّه لربّنا الذي يجب علينا أن نعبده، وقال قوم: إنّ سليمان ساحر، إنّه يرينا أنّه واقف ومتّكئ على عصاه بسحر أعيننا وليس كذلك. فقال المؤمنون: إنّ سليمان هو عبد الله ونبيّه يدبّر الله بما شاء.

فلمّا اختلفوا بعث الله (عز وجل) الأرضة فدبّت في عصاه، فلمّا أكلت جوفها انكسرت العصا وخرّ سليمان من قصره على وجهه، فشكر الجنّ للأرضة صنيعها، فلأجل ذلك لا توجد الأرضة في مكان إلاّ وعندها ماء وطين، وذلك قول الله (عز وجل): «فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَْرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ».(1) (2)

 

[قصة راعي الغنم مع صاحب الزرع]:

كان سليمان (عليه السلام) أنبه الملوك شأناً، وأعجبهم نبأ، وأمدّهم شوكة، وأبسطهم ولاية، ناهيك بما فيه من النبوّة والحكمة، فإنّه خُصّ بأمور ليس من سعة العقل أن يتصوّرها في مخلوق سواه، فذكروا أنّ أوّل ما ظهر من نجابته وتبريزه في القضاء مسألة راعي الغنم مع صاحب الزرع، قالوا: أتى يوماً صاحب الزرع إلى داود (عليه السلام) وقال له: إنّ هذا انفلتت غنمه ليلاً فوقعت في زرعي فلم تُبقِ منه شيئاً، قال له داود: اذهب فإنّ الغنم لك، فأعطاه رقاب الغنم بالحرث، فمرّا على سليمان وهو ابن إحدى عشرة سنة، فقال لهما: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه، فقال: لو وليتُ أمركما لقضيت بغير هذا، فأخبرا بذلك داود النبي (عليه السلام)، فاستقدمه وقال له: كيف كنت تصنع في القضاء بينهما؟ قال: كنت أدفع الغنم إلى صاحب الحرث سنة فيكون له نسلها وصوفها ومنافعها، وينذر صاحب الغنم لأهل الحرث مثل حرثهم، فإذا كان العام المقبل وصار الحرث كهيئته يوم أُكل فيدفع إلى أهله ويأخذ صاحب الغنم غنمه، فقال داود: القضاء ما قضيتَ،(3) وعلى ذلك الآية: «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً»(4) والآية المشيرة إلى هذه القصة في قوله تعالى: «وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ».(5)

 

[إجابة سليمان (عليه السلام) على أسئلة السماء]:

وأنزل الله على داود كتاباً من السماء مختوماً بخاتم من ذهب فيه ثلاث عشرة مسألة، فأوحى إليه أن: سَل عنها ابنك سليمان، فإن هو أخرجها فهو الخليفة من بعدك، فدعا داود سبعين قسّاً وسبعين حبراً وأجلس سليمان بين أيديهم وقال: يا بُنيّ إنّ الله تعالى أنزل عليَّ كتاباً من السماء فيه مسائل أمرني أن أسألك عنها، فإن أخرجتها فأنت الخليفة من بعدي؟

فقال سليمان: ليسأل نبي الله عمّا بدا له وما توفيقي إلاّ بالله.

قال داود: يا بُنيّ ما أقرب الأشياء وما أبعدها؟ وما آنس الأشياء وما أوحشها؟ وما أحسن الأشياء وما أقبحها؟ وما أقلّ الأشياء وما أكثرها؟ وما القائمان؟ وما الساعيان؟ وما المشتركان؟ وما المتباغضان؟ وما الأمر الذي إذا ركبه الرجل حمد آخره؟ وما الأمر الذي إذا ركبه الرجل ذمّ آخره؟

فقال سليمان: أمّا أقرب الأشياء فالآخرة، وأمّا أبعد الأشياء فما فاتك من الدنيا، وأمّا آنس الأشياء فجسدٌ فيه روح، وأمّا أوحش الأشياء فجسد لا روح فيه، وأمّا أحسن الأشياء فالايمان بعد الكفر، وأمّا أقبح الأشياء فالكفر بعد الايمان، وأمّا أقلّ الأشياء فاليقين، وأمّا أكثر الأشياء فالشكّ، وأمّا القائمان فالسماء والأرض، وأمّا الساعيان فالشمس والقمر، وأمّا المشتركان فالليل والنهار، وأمّا المتباغضان فالموت والحياة، وأمّا الأمر الذي إذا ركبه الرجل حمد آخره فالحلم عند الغضب، وأمّا الأمر الذي إذا ركبه الرجل ذمّ آخره فالحدّة عند الغضب، ففكّوا خاتم الكتاب فإذا جواب السؤال سواء على ما نزل من السماء. فقال القسّيسون والرهبان: لا نرضى حتّى نسأله عن مسألة، فإن أخرجها فهو الخليفة من بعدك.

فقال سليمان: سلوني وما توفيقي إلاّ بالله.

قالوا: ما الشيء الذي إذا صلح صلح كلّ شيء من الإنسان، وإذا فسد فسد كلّ شيء منه؟ فقال: هو القلب.

فقام داود وصعد المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: إنّ الله تعالى يأمرني أن استخلف عليكم سليمان، فضجّوا وقالوا: غلام حدث يُستخلف علينا وفينا من هو أفضل منه وأعلم منه، فبلغ ذلك داود فدعا رؤساء أسباط بني اسرائيل وقال لهم: أروني عصيكم فأيّ عصاة أثمرت فإنّ صاحبها وليّ هذا الأمر بعدي، قالوا: رضينا، فجاؤا بعصيّهم، فقال لهم داود: ليكتب كلّ رجل منكم اسمه على عصاه، فكتبوا، ثمّ جاء سليمان بعصاه فكتب اسمه عليها، ثمّ أُدخلت العصيّ بيتاًَ وأغلق عليها الباب وسُدّ بالأقفال، ومرّت رؤساء أسباط بني إسرائيل، فلمّا أصبح فتح الباب فأخرج عصيّهم كما هي، وأمّا عصا سليمان فقد أورقت وأثمرت، فسلّموا إليه الأمر.(6)

وفي المجلّد الأول من السيرة الحلبية ص 27 ط ـ 2 مطبعة الأزهرية بمصر.

 

[من وصايا داود لسليمان (عليهما السلام)]:

«إنّ داود (عليه السلام) لمّا استخلف ولده سليمان أوصاه فقال: يا بُنيّ إيّاك والهزل فإنّ نفعه قليل ويهيّج العداوة بين الاخوان، ومن ثمّ قيل لا تمازح الصبيان فتهون عليهم، ولا تمازح الشريف فيحقد عليك، ولا تمازح الدنيّ فيجترء عليك، ولكلّ شيء بذور وبذر العداوة المزاح. وقد قيل: المزاح يذهب بالمهابة ويورث الضغينة، وقيل: آكد أسباب القطيعة المزاح، وقد قيل: من كثر مزاحه لم يخلُ من استخفاف به أو حقد عليه، واقطع طمعك من الناس فإنّ ذلك هو الغِنى، وإيّاك وما تعتذر فيه من القول أو الفعل، وعوّد لسانك الصدق، والزم الاحسان، ولا تُجالس السفهاء، وإذا غضبت فألصق نفسك بالأرض ـ وقد جاء في الحديث (إذا جهل على أحدكم جاهل فإن كان قائماًَ جلس، وان كان جالساً فليضطجع).(7)

 

نوادر أخبار ملك سليمان (عليه السلام):

قال تعالى في سورة النمل: «وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ».(8)

وفي سورة سبأ: «وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ».(9)

وقوله سبحانه: «وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ».(10)

قال الإمام الصادق (عليه السلام) في رواية إكمال الدين: «إنّ داود (عليه السلام) أراد أن يستخلف سليمان لأنّ الله (عز وجل) أوحى إليه يأمره بذلك، فلمّا أخبر بني اسرائيل ضجّوا من ذلك وقالوا: يستخلف علينا حدثاً وفينا من هو أكبر منه، فدعى أسباط بني اسرائيل فقال لهم: قد بلغني مقالتكم، فأروني عصّيكم فأيّ عصا أثمرت فصاحبها وليّ الأمر»(11) الحديث المتقدّم الذكر.

وفي البحار من محاسن البرقي عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: استخلف داود سليمان وهو ابن ثلاثة عشر سنة، ومكث في ملكه أربعين سنة.(12)

قوله :«عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ» قيل: إنّ النطق عبارة عن الكلام وهو مختصّ بالانسان، إلاّ أنّ سليمان لمّا فهم معنى صوت الطير سمّاه منطقاًً مجازاً، وقال علي بن عيسى: إنّ الطير كانت تكلّم سليمان (عليه السلام) معجزة له كما أخبر عن الهدهد، ومنطق الطير صوت يتفاهم به معانيها على صيغة واحدة، بخلاف منطق الناس الذي يتفاهمون به المعاني على صيغ مختلفة، ولذلك لم نفهم عنها مع طول مصاحبتها ولم تفهم هي عنّا، لأنّ إفصاحها مقصور على تلك الأمور المخصوصة، ولمّا جعل سليمان يفهم عنها كان قد علم منطقها.

قوله: «وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ »أي من كلّ شيء تؤتى الأنبياء والملوك، وقيل: من كلّ شيء يطلبه طالب لحاجته إليه وانتفاعه به.

وقوله: «وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ»(13) قال الطبرسي: أي وسخّرنا لسليمان الريح مسير غدوّ تلك الريح المسخّرة مسير شهر، ومسير رواحها مسير شهر، والمعنى أنّها كانت تسير في اليوم مسيرة شهرين للراكب. قال قتادة: كانت تغدو مسيرة شهر إلى نصف النهار، وتروح مسيرة شهر إلى آخر النهار. وقال الحسن: كانت تغدو من دمشق فتقيل باصطخر من أرض اصفهان وبينهما مسيرة شهر للمستريح، وتروح من اصطخر فتبيت بكابل وبينها مسيرة شهر، تحمله الريح مع جنوده، أعطاه الله الريح بدلاً من الصافنات الجياد.

قوله: «وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ »أي أذبنا له عين النحاس وأظهرناها له.

قوله: «وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ »المعنى وسخّرنا له من الجنّ من بحضرته وأمام عينه ما يأمرهم به من الأعمال كما يعمل الآدميّ بين يدي الآدميّ بأمر ربّه تعالى، وكان يكلّفهم الأعمال الشاقة، وفيه دلالة على أنّه قد كان من الجنّ من هو غير مسخّر له.

قوله: «وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ »أي من يعدل من هؤلاء الجنّ الذين سخّرناهم لسليمان عمّا أمرناهم به من طاعة سليمان نُذقه من عذاب النار في الآخرة عن أكثر المفسّرين. وقيل: نذقه العذاب في الدنيا، وأنّ الله سبحانه وكّل بهم ملكاً بيده سوط من نار، فمن زاغ منهم من طاعة سليمان ضربه ضربة أحرقته.

 

[بناء بيت المقدس]:

قوله: «يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ »وهي بيوت الشريعة، قيل: وهي القصور والمساجد يُتعبّد فيها، عن قتادة والجبائي، قال: وكان ممّا عملوا بيت المقدس، وقد كان الله (عز وجل) سلّط على بني إسرائيل الطاعون فهلك خلق كثير في يوم واحد، فأمرهم داود أن يغتسلوا ويبرزوا إلى الصعيد بالذراري والأهلين ويتضرّعوا إلى الله تعالى لعلّه يرحمهم، وذلك صعيد بيت المقدس قبل بناء المسجد، وارتفع داود (عليه السلام) فوق الصخرة فخرّ ساجداً يبتهل إلى الله سبحانه وسجدوا معه، فلم يرفعوا رؤوسهم حتّى كشف الله عنهم الطاعون.

فلمّا أن شفّع الله داود في بني اسرائيل جمعهم داود بعد ثلاث وقال لهم: إنّ الله تعالى قد منّ عليكم ورحمكم، فجدّدوا شكراً بأن تتّخذوا من هذا الصعيد الذي رحمكم فيه مسجداً، ففعلوا، وأخذوا في بناء بيت المقدس، فكان داود (عليه السلام) ينقل الحجارة لهم على عاتقه، كذلك خيار بني اسرائيل حتّى رفعوه قامة، ولداود يومئذ سبع وعشرون ومائة سنة، فأوحى الله إليه أنّ تمام بنائه يكون على يد ابنه سليمان.

فلمّا صار داود (عليه السلام) ابن أربعين ومائة سنة توفّاه الله تعالى واستخلف سليمان، فأحبّ إتمام بيت المقدس، فجمع الجنّ والشياطين فقسّم عليهم الأعمال، يخصّ كلّ طائفة منهم بعمل، فأرسل الجنّ والشياطين في تحصيل الرخام والمها الأبيض الصافي من معادنه، وأمر ببناء المدينة من الرخام والصفاح وجعلها اثني عشر ربضاً، وأنزل كلّ ربض منها سبطاً من الأسباط.

فلمّا فرغ من بناء المدينة ابتدأ في بناء المسجد فوجّه الشياطين فرقاً، فرقة يستخرجون الذهب واليواقيت من معادنها، وفرقة يقلعون الجواهر والأحجار من أماكنها، وفرقة يأتونه بالمسك والعنبر وسائر الطيب، وفرقة يأتونه بالدرّ من البحار، فأُوتي من ذلك بشيء لا يُحصيه إلاّ الله تعالى، ثمّ أحضر الصنّاع وأمرهم بنحت تلك الأشجار حتّى يصيّروها ألواحاً، ومعالجة تلك الجواهر واللآلي.

وبنى سليمان المسجد بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر، وعمّده بأساطين المها الصافي، وسقّفه بألواح الجواهر، وفضّض سقوفه وحيطانه باللآلي واليواقيت والجواهر، وبسط أرضه بألواح الفيروزج، فلم يكن في الأرض بيت أبهى منه ولا أنور من ذلك المسجد، كان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر.

وجعل فيه أشياء عجيبة: منها القبّة التي فيها السلسلة المعلقة ينالها صاحب الحقّ ولا ينالها المبطل، حتّى اضمحلت بحيلة غير معروفة، وكان من عجائب بنائه أنّه بنى بيتاً وأحكمه وَصَقَله، فإذا دخله الفاجر والورع تبيّن الفاجر من الورع، لأنّ الورع كان يظهر خياله في الحائط أبيض، والفاجر يظهر خياله أسود، وكان أيضاً ممّا اتّخذ من الأعاجيب أن نصب في زاوية من زواياه عصا آبنوس، فكان من مسّها من أولاد الأنبياء لم تضرّه، ومن مسّها من غيرهم أحرقت يده.

فلمّا فرغ من ذلك جمع إليه خيار بني اسرائيل فأعلمهم أنّه بناه لله تعالى، واتّخذ ذلك اليوم الذي فرغ منه عيداً.

فلم يزل بيت المقدس على ما بناه سليمان حتّى غزا بخت نصّر بني إسرائيل فخرّب المدينة وهدمها، ونقض المسجد وأخذ ما في سقوفه وحيطانه من الذهب والدرّ واليواقيت والجواهر، فحملها إلى دار مملكته من أرض العراق.

قال سعيد بن المسيّب: لمّا فرغ سليمان من بناء بيت المقدس تغلّقت أبوابه، فعالجها سليمان فلم تنفتح، حتّى قال في دعائه: بصلوات أبي داود (عليه السلام) إلاّ فتحت الأبواب، ففرغ له عشرة آلاف من قرّاء بني اسرائيل: خمسة آلاف بالليل وخمسة آلاف بالنهار، ولا تأتي ساعة من ليل ونهار إلاّ ويعبد الله فيها.

قوله: «وَتَماثِيلَ »يعني صوراً من نحاس وشبه زجاج كانت الجنّ تعملها، ثمّ اختلفوا فقال بعضهم: كانت صوراً للحيوانات، وقال آخرون: كانوا يعملون صور السّباع والبهائم على كرسيّه ليكون أهيب له.

فذكروا أنّهم صوّروا أسدين أسفل كرسيّه، ونسرين فوق عمودي كرسيّه، فكان إذا أراد أن يصعد الكرسيّ بسط الأسدان ذراعيهما، وإذا علا على الكرسيّ نشر النسران أجنحتهما فظلّلاه من الشمس، ويقال: إنّ ذلك كان ممّا لا يعرفه أحد من الناس.

فلمّا حاول بخت نصّر صعود الكرسي بعد سليمان حين غلب على بني إسرائيل لم يعرف كيف كان يصعد سليمان، فرفع الأسد ذراعيه فضرب ساقه فقدّها فوقع مغشيّاً عليه، فما جسر أحد بعده أن يصعد ذلك الكرسي.

قال الحسن: ولم تكن يومئذ التصاوير محرّمة وهي محظورة في شريعة نبيّنا (صلى الله عليه وآله) فإنّه قال: «لعن الله المصوّرين»(14) ويجوز أن يكره ذلك في زمن دون زمن، وقد بيّن الله سبحانه أنّ المسيح (عليه السلام) كان يصوّر بأمر الله من الطين كهيئة الطير، وقال ابن عباس: كانوا يعملون صور الأنبياء والعبّاد في المساجد ليقتدى بهم.

وروي عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: والله ما هي تماثيل النساء والرجال، ولكنّها الشجر وما أشبهه.(15)

قوله : «وَجِفانٍ كَالْجَوابِ» أي صحاف كالحياض التي يُجبى فيها الماء أي يجمع، وكان سليمان (عليه السلام) يصلح طعام جيشه في مثل هذه الجفان، فإنّه لم يمكنه أن يطعمهم في مثل قصاع الناس لكثرتهم، ويقال إنّه كان يجمع على كلّ جفنة ألف رجل يأكلون من بين يديه.

«وَقُدُورٍ راسِياتٍ» أي ثابتات لا يزلن عن أمكنتهنّ لعظمهنّ، وقيل: كانت عظيمة كالجبال يحملونها مع أنفسهم، وكان سليمان (عليه السلام) يُطعم جنده.

 

[صفة سليمان في ملكه وفي بدنه]:

وفي البحار عن صاحب الكامل قال: لمّا توفّي داود ملك بعده ابنه سليمان (عليه السلام) على بني اسرائيل، وكان عمره ثلاث عشر سنة، وآتاه مع الملك النبوّة وسخّر له الجنّ والإنس والشياطين والطير والريح، فكان إذا خرج من بيته إلى مجلسه عكفت عليه الطير وقام الإنس والجنّ متى يجلس فيه.

وكان سليمان أبيض جسيماً كثير الشعر يلبس البياض، وكان يأكل من كسبه، وكان كثير الغزو، وكان إذا أراد الغزو أمر فعُمل بساط من خشب يسع عسكره فيركبون عليه هم ودوابّهم وما يحتاجون إليه، ثمّ أمر الريح فسارت في غدوته مسيرة شهر وفي روحته كذلك، وكان له ثلاثمائة زوجة وسبعمائة سريّة، وأعطاه الله أخيراً أنّه لا يتكلّم أحد بشيء إلاّ حملته الريح فيعلم ما يقول.(16)

وفيه من كتاب قصص الأنبياء بالإسناد عن أبي حمزة، عن الأصبغ بن نباتة قال: خرج سليمان بن داود من بيت المقدس مع ثلاثمائة ألف كرسي عن يمينه عليها الإنس وثلاثمائة ألف كرسي عن يساره عليها الجنّ، وأمر الطير فأظلّتهم، وأمر الريح فحملتهم حتّى وردت بهم المدائن، ثمّ رجع وبات في اصطخر، ثمّ غدا فانتهى إلى جزيرة بركاوان، ثمّ أمر الريح فخفضتهم حتّى كادت أقدامهم يصيبها الماء، فقال بعضهم لبعض: هل رأيتم ملكاً أعظم من هذا؟ فنادى ملك: لثواب تسبيحة واحدة أعظم ممّا رأيتم.(17)

وفيه منه عن الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان ملك سليمان ما بين الشامات إلى بلاد اصطخر.(18)

وفيه عن الطبرسي قال: قال محمد بن كعب: بلغنا أنّ سليمان بن داود (عليه السلام) كان عسكره مائة فرسخ، خمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للجنّ، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير، وكان له ألف بيت من القوارير على الخشب فيها ثلاثمائة مهيرة وسبعمائة سرية، فيأمر الريح العاصف فترفعه، ويأمر الرّخاء فتسير به، فأوحى الله إليه وهو يسير بين السماء والأرض: إنّي قد زدتُ في ملكك أنّه لا يتكلّم أحد من الخلائق بشيء إلاّ جاءت الريح فأخبرتك.

وقال مقاتل: نسجت الشياطين لسليمان بساطاً فرسخ في فرسخ ذهباً في ابريسم، وكان يوضع فيه منبر من ذهب في وسط البساط فيقعد عليه وحوله ثلاثة آلاف كرسيّ من ذهب وفضّة، فيقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضّة وحولهم الناس، وحول الناس الجنّ والشياطين، وتظلّها الطير بأجنحتها حتّى لا تقع عليهم الشمس، وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح إلى الرواح ومن الرواح إلى الصباح.(19)

 

[عرش سليمان]:

وفيه من تفسير الثعلبي قال: وروي أنّ سليمان (عليه السلام) لمّا ملك بعد أبيه أمر باتّخاذ كرسيّ ليجلس عليه للقضاء، وأمر بأن يعمل بديعاً مهولاً، بحيث أن لو رآه مبطل أو شاهد زور ارتدع وتهيّب.

قال: فعُمل له كرسي من أنياب الفيلة، وفصّصوه باليواقيت واللؤلؤ والزبرجد وأنواع الجواهر، وحفّوه بأربع نخلات من ذهب شماريخها الياقوت الأحمر والزمرد الأخضر، على رأس نخلتين منها طاووسان من ذهب، وعلى رأس الآخرين نسران من ذهب بعضها مقابلاً لبعض، وجعلوا من جنبي الكرسي أسدين من الذهب، على رأس كلّ واحد منهما عمود من الزمرّد الأخضر، وقد عقدوا على النخلات أشجار كروم من الذهب الأحمر، واتّخذوا عناقيدها من الياقوت الأحمر، بحيث يظلّ عريش الكروم النخل والكرسي.

قال: وكان سليمان (عليه السلام) إذا أراد صعوده وضع قدميه على الدرجة السفلى فيستدير الكرسيّ كلّه بما فيه دوران الرحى المسرعة، وتنشر تلك النسور والطواويس أجنحتها، وتبسط الأسدان أيديهما فتضربان الارض بأذنابهما،فكذلك كلّ درجة يصعدها سليمان (عليه السلام).

فإذا استوى بأعلاه أخذ النسران اللذان على النخلتين تاج سليمان فوضعاه على رأس سليمان، ثمّ يستدير الكرسي بما فيه ويدور معه النسران والطاووسان والأسدان مايلات برؤسهما إلى سليمان ينضحن عليه من أجوافها المسك والعنبر. ثمَّ تناولت حمامة من ذهب قائمة على عمود من جوهر من أعمدة الكرسي التوراة فيفتحها سليمان يقرؤها على الناس ويدعوهم إلى فصل القضاء، ويجلس عظماء بني إسرائيل على كراسي من الذهب المفصّص بالجوهر وهي ألف كرسي عن يمينه، وتجيء عظماء وتجلس على كراسي الفضّة على يساره وهي ألف كرسي حافّين جميعاً به، ثمَّ تحفّ بهم الطير فتظلّهم، وتتقدّم إليه الناس للقضاء.

فإذا دعى البيّنات والشهود لإقامة الشهادات دار الكرسي بما فيه مع جميع ما حوله دوران الرحى المسرعة، ويبسط الأسدان أيديهما ويضربان الأرض بأذنابهما وينشر النسران والطاووسان أجنحتهما، فتفزع منه الشهود ويدخلهم من ذلك رعب ولا يشهدون إلاّ بالحق.(20)

 

[هدايا بلقيس]:

في تفسير مجمع البيان، أنّ بلقيس لمّا وقفت على كتاب سليمان وفيه «أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ»(21) قالت لأشراف قومها «إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ» أي إلى سليمان وقومه «بِهَدِيَّةٍ »أصانعه بذلك عن ملكي «فَناظِرَةٌ »أي منتظرة «بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ»(22)بقبول أم ردّ،وإنّما فعلت ذلك لأنّها عرفت عادة الملوك في حسن موقع الهدايا عندهم، وكان غرضها أن يتبيّن لها بذلك أنّه ملك أو نبيّ، فإن قبل الهدية تبيّن أنّه ملك وعندها ما يرضيه، وإن ردّها تبيّن أنّه نبيّ.

واختُلف في الهدية، فقيل: أهدت إليه وصفاء ووصائف، ألبستهم لباساً واحداً حتّى لا يُعرف ذكر من أنثى، وقيل: أهدت مائتي غلام ومائتي جارية، ألبست الغلمان لباس الجواري، وألبست الجواري ألبسة الغلمان، وقيل: أهدت له صفائح الذهب في أوعية من الديباج، فلمّا بلغ ذلك سليمان أمر الجن فموّهوا له الآجر بالذهب، ثمّ أمر به فأُلقي في الطريق، فلمّا جاؤوا رأوه ملقى في الطريق في كلّ مكان، فلمّا رأوا ذلك صغر في أعينهم ما جاؤوا به، وقيل أنّها عمدت إلى خمسمائة غلام وخمسمائة جارية، فألبست الجواري الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان في سواعدهم أساور من ذهب وفي أعناقهم أطواقاً من ذهب وفي آذانهم أقراطاً وشنوفاً مرصّعات بأنواع الجواهر، وبعثت إليه خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة، وتاجاً مكلّلاً بالدرّ والياقوت المرتفع، وعمدت إلى حقّة فجعلت فيها درّة يتيمة غير مثقوبة وخرزة جزعيّة مثقوبة معوجّة الثقب، ودعت رجلاً من أشراف قومها اسمه المنذر بن عمرو وضمّت إليه رجالاً من قومها أصحاب رأيٍ وعقل، وكتبت إليه كتاباً بنسخة الهدية، قالت فيها: إن كنتَ نبياً فميّز بين الوصفاء والوصائف، وأخبر بما في الحقّة قبل أن تفتحها، واثقب الدرّة ثقباً مستوياً، وأدخل الخرزة خيطاً من غير علاج إنس ولاجنّ، وقالت للرسول: أُنظر إليه إذا دخلت عليه، فإن نظر إليك نظرة غضب فاعلم أنّه مَلِك، فلا يهولنّك أمره، فأنا أعزّ منه، وإن نظر إليك نظر لطف فاعلم أنّه نبيّ مرسل.

فانطلق الرسول بالهدايا، وأقبل الهدهد مسرعاً إلى سليمان فأخبره الخبر، فأمر سليمان الجنّ أن يضربوا لبنات الذهب ولبنات الفضّة ففعلوا، ثمّ أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى بضع فراسخ ميداناً واحداً بلبنات الذهب والفضة وأن يجعلوا حول الميدان حائطاً شُرَفه من الذهب والفضّة ففعلوا، ثم قال للجّن: عليّ بأولادكم، فاجتمع خلق كثير، فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثمّ قعد سليمان في مجلسه على سريره ووضع له أربعة آلاف كرسيّ عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفّوا صفوفاً فراسخ، وأمر الانس فاصطفّوا فراسخ، وأمر الوحش والسباع والهوام والطير فاصطفوا فراسخ عن يمينه ويساره، فلمّا دنا القوم من الميدان ونظروا إلى مُلك سليمان تقاصرت إليهم أنفسهم ورموا بما معهم من الهدايا.

فلمّا وقفوا بين يدي سليمان نظر إليهم نظراً حسناً بوجهٍ طلق، وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاؤوا له وأعطاه كتاب الملكة، فنظر فيه وقال: أين الحقّة؟ فأُتي بها وحرّكها وجاءه جبرئيل (عليه السلام) فأخبره بما في الحقّة، فقال: إنّ فيها درّة يتيمة غير مثقوبة وخرزة مثقوبة معوجّة الثقب، فقال الرسول: صدقتَ، فاثقُب الدرّة وأدخِل الخيط في الخرزة، فأرسل سليمان إلى الأرضة فجاءت فأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتّى خرجت من الجانب الآخر، ثمّ قال: مَن لهذه الخرزة يسلكها الخيط؟ فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا رسول الله، فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتّى خرجت من الجانب الآخر، ثم بيّن بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم، فكانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثمّ تجعله على اليد الآخرى ثمّ تضرب به الوجه، والغلام كان يأخذ من الآنية يضرب به وجهه، وكان الجارية تصبّ على باطن ساعدها والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصبّ الماء صباً والغلام يحدر الماء على يده حدراً، فميّز بينهما بذلك.

وقيل: أنّها أنفذت مع هداياها عصاً كان يتوارثها ملوك حمير، وقالت: أريد أن تعرّفني رأسها من أسفلها، وبقدح ماء وقالت: تملؤها ماء رواء ليس من الأرض ولا من السماء، فأرسل سليمان العصا إلى الهواء وقال: أيّ الرأسين سبق إلى الأرض فهو أسفلها، وأمر الخيل فأُجريت حتّى عرقت وملأ القدح من عرقها وقال: ليس هذا من ماء الأرض ولا من ماء السماء.

ثمّ قال سليمان: «أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ» أي مما أعطاني الله من الملك والحكمة والنبوّة خير مما أعطاكم من الدنيا وأموالها، «بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ»(23) إذا أهدى بعضكم إلى بعض، وأمّا أنا فلا أفرح بها، أشار إلى قلّة اكتراثه بأموال الدنيا.

ثمّ قال للرسول: «ارْجِعْ إِلَيْهِمْ »بما جئت من الهدايا «فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها» أي لا طاقة لهم بها ولا قدرة لهم على دفعها «وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً»أي من تلك القرية ومن تلك المملكة «وَهُمْ صاغِرُونَ »فلمّا ردّ سليمان الهدية وميّز بين الغلمان والجواري إلى غير ذلك علموا أنّه نبيّ مرسل وأنّه ليس كالملوك الذين يغترّون بالمال.(24)

* * *

وفي البحار من كتاب تنبيه الخاطر: روي أنّ سليمان بن داود (عليه السلام) مرّ في موكبه والطير والجنّ والإنس عن يمينه وعن شماله بعابد بني إسرائيل فقال: واللهِ يا ابن داود لقد آتاك الله مُلكاً عظيماً، فسمعه سليمان فقال: لَتسبيحة في صحيفة مؤمن خير ممّا أعطي ابن داود، وإنّ ما أعطي ابن داود يذهب وإنّ التسبيحة تبقى.(25)

وكان سليمان إذا أصبح تصفّح وجوه الأغنياء والأشراف حتّى يجيء إلى المساكين ويقعد معهم ويقول: مسكين مع المساكين.(26)

ومن إرشاد القلوب: كان سليمان مع ما هو فيه من الملك يلبس الشعر، وإذا جنّه الليل شدّ يديه إلى عنقه فلا يزال قائماً حتّى يُصبح باكياً، وكان قُوته من سفائف الخوص يعملها بيده، وإنّما سأل المُلك ليقهر ملوك الكفر.(27) انتهى.

وجاء في المجلّد الأول من كتاب (ماذا في التاريخ) ص 169 تحت عنوان:

 

[سيرة نبي الله سليمان وتاريخه (عليه السلام) ]:

«وهو الذي أفاء الله عليه بنِعم الدنيا والآخرة معاً، وجعل له مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فقد أكرمه الله تعالى بالنبوّة، وجمع له معها الملك، وزاده عليها بالحكمة حتّى لُقّب بالحكيم، ثمّ جعل مُلكه شاملاً للبشر والجنّ والشياطين والحيوانات والطيور والحشرات».

فكان يفهم لغتها جميعاً، وكانت كلّها تأتمر بأمره، وزاده سلطة على الرياح والسحاب، ومع هذا كلّه فإنّه لم يخرج عن تواضعه، ولم يغادر خوف الله قلبه، ولم يتعالَ على المساكين، وكان يعمل بيده لقوت نفسه.

وممّا يُذكر من كرامات سليمان (عليه السلام) أنّ الله تعالى لمّا أمر داود (عليه السلام) أن يجعل الخلافة لولده سليمان من بعده وكان لا يزال حدثاً ابن ثلاث عشرة سنة فقط، أنكر ذلك بنو إسرائيل وضجّوا قائلين:

إنّ داود يستخلف فينا حدثاً لأنّه ابنه، وفينا من هو أولى منه وأقدر على إدارة الحكم، فدعا داود (عليه السلام) أكابرهم وأسباطهم وقال لهم: قد بلغني ما قلتم من أنّ سليمان صبيّ لا يليق للخلافة، ولكنّ هذا أمر الله، وإن شئتم أن تختبروا مقدرة سليمان وجدارته فوجّهوا إليه ما يقضي به الإمتحان من الأسئلة، ثمّ دعاه داود (عليه السلام) وأراد امتحانه بحضرتهم ليبين لهم فضله وحكمته.

فوجّه إليه إسئلة كثيرة، وقد أجاب عليها بأجمعها ممّا أخضع شوكة المعارضين لاستخلافه، فمن جملة تلك الأسئلة أنّه قال له: يا بُنيّ أيّ شيء أبرد؟ فقال سليمان (عليه السلام): عفو الله على عبده، وعفو الناس بعضهم عن بعض، فقال داود: أيّ شيء أحلى؟ فأجاب سليمان (عليه السلام): المحبّة من الله في عباده. فقال بعض كبار بني اسرائيل له: ما الشيء إذا صلح صلح معه كلّ شيء في الانسان، وإذا فسد فسد كلّ شيء فيه؟ فقال سليمان (عليه السلام): ذاك هو القلب.

وممّا نُقل عن الثعلبي أنّ كتاباً نزل من السماء على نبيّ الله داود وفيه ثلاث عشرة مسألة، أمر الله أن يسأل عنها ابنه سليمان (عليه السلام)، فتكون برهاناً له على تعيينه خليفة من الله تعالى.

فدعا داود (عليه السلام) سبعين قسّاً وسبعين حبراً، وأجلس سليمان بينهم فقال: يا بُنيّ أخبِرني ما أقرب الأشياء؟ وما أبعد الاشياء؟ وما آنس الاشياء وما أوحشها؟ وما أحسن الاشياء وما أقبحها؟ وما أقل الاشياء وما أكثرها؟ وما القائمان وما المختلفان وما المتباغضان؟ وما الأمر الذي إذا ركبه الرجل حمد آخره؟ وما الأمر الذي إذا ركبه ذمّ آخره؟

فقال سليمان (عليه السلام): أمّا أقرب الأشياء فالآخرة، وأبعد الأشياء ما فاتك من الدنيا، وأمّا آنس الأشياء فجسد فيه روح ناطق، وأوحشها جسد بلا روح، وأمّا أحسن الأشياء فالايمان بعد الكفر، وأقبحها الكفر بعد الايمان، وأمّا أقل الاشياء فاليقين، وأكثرها الشكّ.

وأمّا القائمان فالسماء والأرض، والمختلفان فالليل والنهار، وأمّا المتباغضان فالموت والحياة، وأمّا الذي إذا ركبه الرجل حمد آخره فالحلم عند الغضب، وأمّا الذي إذا ركبه ذمّ آخره فالحدّة عند الغضب.

ولمّا أتّم سليمان (عليه السلام) الجواب عن جميع تلك الأسئلة، فكّ داود خاتم الكتاب بحضرة القوم فإذا المسائل مكتوبة فيه مع أجوبتها كما ذكرها سليمان (عليه السلام)، فعندئذ سلّم بنو إسرائيل لسليمان بالحكمة والخلافة، وظهر لهم أهليّته وجدارته لما خصّه الله تعالى به.

ومن جملة دلائل حكمة سليمان واستحقاقه للخلافة بعد أبيه، حكمة مسألة الغنم التي أكلت الكرم، فحكم بنتاجها لصاحب الكرم تلك السنة مقابل تلف ثمره، بعد أن كان الحكم تمليك الغنم لصاحب الكرم، وقد أشار الله تعالى لذلك في كتابه المجيد فقال تعالى:

«وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً...». (28)

 

حكاية سليمان مع النملة:

روي أنّ سليمان (عليه السلام) كان على ساحل البحر ينتظر بعض جنوده، فأبصر نملة تحمل حبّة حنطة وهي تسعى إلى الماء، فتعجّب من قصدها الماء مع أنّها تهرب منه لو وقعت فيه قهراً، فما أن وصلت إلى شاطئ البحر حتّى خرجت ضفدع فدنت من النملة ثمّ فتحت فاها فدخلت النملة في فيها باختيارها، فأطبقت الضفدع فمها عليها وغاصت في البحر، فما لبثت إلاّ بُرهة يسيرة حتّى رجعت الضفدع فقفزت إلى البرّ ثمّ فتحت فاها فخرجت النملة من فيها وليس معها حبّة الحنطة، فلمّا نظر سليمان النملة تقدّم إليها وسألها عن شأنها مع الضفدع، وأين ذهبت معها، وكيف أرجعتها، وأين وضعت حبّة الحنطة؟

فقالت له النملة: اعلم يا نبّي الله أنّه يوجد في قعر هذا البحر صخرة مجوّفة، في وسطها دودة عمياء ولا تستطيع الخروج منها لطلب معاشها، وقد وكّلني الله تعالى برزقها وسخّرني مع هذا الضفدع لتأمين معاشها، فأنا أحمل طعامها من البرّ، وهذا الحيوان يقلّني في فمه إليها، فإذا وصل بي إلى الصخرة وضع فمه على ثقبها ثمّ قذف بي إلى داخلها، فأوصل الحبّة إلى الدودة فأضعها في فمها ثمّ أعود إلى هذا الحيوان فيحملني إلى البرّ ثانية، وهذه قصّتي يا نبي الله.

فدهش نبي الله سليمان من تلك القصة فزاد في تمجيد الله سبحانه، ثمّ سألها: هل سمعتِ لها تسبيحاً؟ فقالت: نعم سمعتها تردّد دائماً هذا الدعاء:

«يا من لا ينساني في جوف هذه الصخرة تحت هذه اللجّة من رزقه، لا تنسَ عبادك المؤمنين من رحمتك الواسعة».(29)

 

قصّة بلقيس ملكة سبأ مع سليمان:

روي أنّ نبي الله سليمان (عليه السلام) سافر إلى بلاد اليمن في بعض رحلاته، وكانت الطير تضلّله من حرارة الشمس، فلمّا حان وقت الصلاة نزل عن بساطه وانصرفت الطيور لسبيلها في تلك البرهة، وكان من جملتها الهدهد، فتوغّل في طيرانه، فصادف هدهداً مثله فتعارفا وجعل كلّ منهما يسأل رفيقه عن حاله وحال بلاده، فأخبره هدهد سليمان عن عظمة سليمان وكثرة جنوده وبطشه وما آتاه الله من المال والنبوّة وتسخير الإنس والجن والوحوش والطير له في كلّ ما أراد.

وجعل هدهد بلاد سبأ يشرح لرفيقه عظمة ملكة سبأ وكثرة جنودها وسعة بلادها، ودعاه للذهاب معه ليشاهد ذلك بعينه، فرغب هدهد سليمان بذلك وأحبّ أن ينقل أخبار ذلك لنبيّ الله سليمان، خصوصاً حينما سمع من رفيقه أنّ ملكة سبأ وقومها يعبدون الشمس دون الخالق القهّار، وطالت غيبة الهدهد، وانتهى سليمان من صلاته وجلس على بساطه فظلّلته الطير وبقي مكان الهدهد فارغاً، فسأل سليمان عنه وتهدّده إن لم يأت بسبب صحيح يدلّ على مضيّه، ثمّ أرسل العقاب وراءه، فصادفه راجعاً فأتى به إلى سليمان (عليه السلام).

فسأله عن غيابه بدون إذنه، فشرح له قصّه ملكة سبأ وعظمة ملكها، وأنّها وقومها يعبدون الشمس ويسجدون لها دون الخالق القهّار، فأراد سليمان (عليه السلام) أن يتحقّق صحّة كلام الهدهد، فكتب كتاباً أرسله معه إلى ملكة سبأ، وأمره أن يعرّفه بحالها بعد قراءتها الكتاب، فأخذ الهدهد الكتاب ودخل على بلقيس وهي في قصرها من كوة كانت في أعلى القصر، فما شعرت إلاّ والكتاب قد سقط على صدرها وهي مستلقاة، فدهشت من ذلك وقد شاهدت الهدهد حينما دخل من الكوة وكيف ألقاه وخرج من حيث أتى.

فأخذت بلقيس الكتاب وإذا فيه: «إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ».(30) وكانت عاقلة فلم تتسرّع بالغضب والاستنكار أو الردّ، بل أرسلت إلى أشراف قومها ووجوه أجناده، فلمّا حضروا قالت:

«يا أَيُّهَا الْمَلأَُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ».

وقرأت لهم الكتاب، وكانوا قد سمعوا عن سليمان وعظمة ملكه، فقالوا لها:

«نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَْمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ».

فجعلت تفكّر وتدبّر،ثمّ انتهى بها التفكّر إلى أن تداري سليمان وتغريه بالأموال والهدايا، وتمتحن صحّة نبوّته، فإن كان مَلِكاً دنيويّاً قبل الهدايا ومغريات الملك، وحينئذ يمكنها الانتصار عليه مهما بلغت عظمته، وإن كان نبيّاً فلا يرضى بديلاً عن التوحيد وعبادة الله تعالى، ولن تغريه الهدايا مهما عظمت وغلت، وفي هذه الحالة لن تستطيع الانتصار عليه ولو كان لها أضعاف قوّتها.

ثمّ جمعت الهدايا المتنوّعة، فجهّزت خمسمائة غلام ألبستهم لباس الجواري، وخمسمائة جارية ألبستهنّ لباس الرجال. وجهّزت له خمسمائة لبنة من ذهب ومثلها من فضة، وعصا نفيسة كانت تتوارثها الملوك السابقة، لا يُعرف رأسها من أسفلها، وأضافت إلى كلّ هذه الهدايا درّة يتيمة غير مثقوبة، ودرّة مثقوبة معوجّة الثقب أرسلتها مع العصا لاجراء امتحان آخر.

ثمّ دعت رجلاً من الأشراف فرأسته على الوفد الناقل للهدايا، فبعثت معه قدحاً، وضمّت إليه رجالاً من قومها من أصحاب الرأي والعقل، وأمرتهم بحمل الهدايا إلى سليمان (عليه السلام)، وأرسلت معهم رسالة إلى سليمان، وأوصتهم بطلب الجواب على أسئلتها هذه: منها أن يعرّفها رأس العصا، وأن يثقب الدرة ثقباً مستقيماً، وأن يُدخل في المثقوبة خيطاً دون أن يعالجه إنس ولاجان، ثمّ يملأ القدح بماء لا من السماء نزل ولا من الأرض نبع ولا من البحار أُخذ.

ثمّ أوصت القيّم على الوفد أن تأمّل أحوال سليمان حين تدخل عليه، فإن هو نظر إليك نظر غضب وإرهاب فاعلم أنه مَلِكَ عادي، فلا يهولنّك أمره، فأنا أعزّ منه، وإن نظر إليك نظرة حلم وعطف فاعلم أنّه نبي مرسل، فاحذر من مخالفته.

فلمّا تحرّكت قافلة الهدايا في المسير، صادف مجيء الهدهد فنظر إلى جميع ما أعدّته بلقيس من الهدايا والتحف لسليمان فسارع ليخبره الخبر، فبادر سليمان بعد إخباره إلى إعداد ما يلزم فعله في مقابلة ذلك الوفد المرسل من عند ملكة سبأ.

فأمر جنوده من الإنس والجنّ والطير والوحش أن يصطّفوا على جانبي طريق الوفد إلى بُعد أميال. فلمّا دنا رُسل بلقيس من الميدان ونظروا إلى عظمة سليمان (عليه السلام) وكثرة جيوشه وعظمة ملكه وشدّة سطوته ووفرة غِناه، تصاغرت عندهم نفوسهم واستحقروا هداياهم واستضعفوا شأنهم وشأن ما حملوه معهم، فعدلوا عن تقديم هداياهم خجلاً بها.

ثمّ أقبلوا خاشعين حتّى وقفوا بين يدي سليمان (عليه السلام) بخشية وخوف وتهيّب. ولكنّ نبيّ الله استقبلهم بوجه باشّ، ورحّب بهم ترحيباً صادقاً، وشجّعهم على الحديث عن مهمّتهم وعن ملكتهم وديارهم.

فتقدّم إليه رئيسهم وناوله رسالة بلقيس وفيها أسئلتها وطلباتها، ولمّا قرأ سليمان أسئلة بلقيس طلب الدرّة، ثمّ أمر (الأرضة) أن تثقبها ثقباً مستقيماً، ثمّ طلب الخرزة المثقوبة فتقدّمت إليه دودة بيضاء وقالت: أنا لها يا رسول الله، فأخذت خيطاً بفمها ودخلت في ثقب الخرزة حتّى خرجت من الطرف الآخر. وطلب العصا وأمر برميها في الهواء قائلاً: أيّ الطرفين كان أقرب إلى الأرض فهو رأسها، وأخيراً استحضر الكأس وأمر بفرسان تُجري الخيل حتّى عرقت عرقاً كثيراً فملأ القدح منه وقال: هذا ماء ليس من ماء السماء ولا من ماء الأرض ولا من البحار.

وبعد أن أرى الوفد مقدرته وحسن تدبيره، طلب استعراض الهدايا، فلمّا عُرضت عليه غضب وقال: ليس من أجل هذا طلبنا طاعتكم، بل نحن طلبنا الإسلام وعبادة الواحد الديّان، فأرجِعوا هداياكم إلى ملكتكم وأنذروها وقومها بالمجيء إليَّ مسلمين ولله خاضعين، فإن لم يفعلوا فلنأتينّهم بجنود لا يستطيعون مقاومتها.

فلمّا رجع رسول بلقيس إليها بهداياها وبتهديد سليمان (عليه السلام) لها ولقومها علمت أنّه نبيّ لا طاقة لها بمقاومته، فتجهّزت للخروج إليه مع وجوه قومها...

ونزل جبرئيل (عليه السلام) على سلمان (عليه السلام) بنبأ خروجها إليه في حاشيتها، ففكّر سليمان في أمر يُدهشها فيه ويريها مقدرته التي خصّه الله تعالى بها، فالتفت إلى أشراف عسكره قائلاً:

«أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ»؟

وكانت بلقيس قد خلّفت عرشها في قصرها بمدينة سبأ بعد أن أوثقته في الأرض ووكّلت به ثقات قومها، لأنّه رائع الصنعة من حيث النقش أو الترصيع بالمجوهرات، فلمّا سأل سليمان (عليه السلام) عمّن يأتيه به.

«قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ».

ولكنّ سليمان كأنّه أراد أعجل من ذلك.

«قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ».

وكان القائل آصف بن برخيا وزير سليمان ووصيّه من بعده، وابن أخته، وكان عنده جزء من ثلاثة وسبعين جزءاً من أجزاء اسم الله الأعظم، وفعلاً سأل آصف ربّه تعالى فقام العرش من مكانه بقدرة الله تعالى وطويت له الأرض حتّى كان بطرفة عين أمام كرسي سليمان، وقد كان عند نبي الله سليمان (عليه السلام) مثل ما عند وزيره آصف من العلم باسم الله الأعظم، ولكنّه تعمّد أن يترك وزيره وابن أخته به ليرُي أمّته طاقة آصف على الإيمان بالمعجزة بقدرة الله تعالى وأنّه خليفته فيهم من بعده.

فلمّا رآه سليمان (عليه السلام): «مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي».

فلمّا جائت بلقيس استقبلها سليمان استقبالاً حسناً، فلمّا صارت أمامه «قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ»؟

فبهتت وحارت في أمرها وجعلت تنظر إليه وهي تراه شبيهاً بعرشها، وكانت حليمة لا تتسرّع في أحكامها قبل أن تتثبّت، لذا قالت «كَأَنَّهُ هُوَ»وبذلك لم تنفِ ولم تُثبت، فلمّا رأى نبي الله سليمان دهشتها وعجبها حمد الله تعالى على ما آتاه من العلم ونعمة الإسلام.

ثمّ إنّ بلقيس أسلمت وتابت إلى الله تعالى من عبادة الأوثان توبة نصوحاً، وتزوّجها سليمان وردّها إلى أرضها وممالكها بعد أن أقرّها على ملكها.

وكان نبي الله سليمان (عليه السلام) يعتكف غالباً في مسجد بيت المقدس، فلمّا بلغ من العمر ثلاثاً وخمسين سنة أي بعد أربعين سنة من توليه الملك ـ إذ أنّه تولّى الملك وهو ابن ثلاثة عشر سنة ـ أحبّ يوماً أن يعمد إلى أعلى قصره ويتأمّل وحده بناء مسجده من عَلٍِ، فأمر أن يمنع دخول أي شخص حتّى لو كان من خواصّه وجنوده، ثمّ صعد وحده حتّى بلغ أعلى مطلّ تحت القبّة المصنوعة من قوارير، وأطلّ على العمال وهم يشهدون المسجد، وكان قد بقي من مدة كمال بنائه ما يقرب من سنة.

وفجأة نظر فلمح شجرة خرنوب من ناحية من نواحي البلدة، وكان متّكئاً على عصاه فاضطربت جوارحه، لأنّ الله تعالى كان قد عرّفه أنّ آية موته خروج شجرة خرنوب من بيت المقدس، وبعد هذا الاضطراب الذي أصابه التفت فرأى شاباً جميل الوجه في زيّ حسن يخرج إليه، فغضب وقال: من أدخلك هذا القصر، ومن الذي سمح لك في دخوله، ومن أنت؟

فقال: أمّا الذي أمرني بالدخول فهو صاحب القصر، وأمّا الاستئذان عليك فلم يكن لي عادة أن أستأذن في الدخول على الملوك والسلاطين.

فعلم عندئذٍ أنّ هذا ملك الموت، فسأله (عليه السلام): فيم جئت؟ قال: جئت لأقبض روحك.

عندئذٍ سأل ربّه أن يخفى عن الجنّ موته لجهتين: الأولى ليداوموا على أعمالهم في عمارة بيت المقدس، الثانية يعلمهم هم والإنس أنّهم لا يعلمون الغيب وأنّ عِلمه عند الله.

فأجابه الله تعالى، وقبض عزرائيل (عليه السلام) روحه، وقومه ينظرون إليه وهو متّكئ على عصاه، وهم يحسبونه حيّاً مدّة سنة كاملة.

وكان وزيره آصف خلال تلك المدة يُدير أمر المملكة وينظّم أعمال الجنّ والإنس، فلمّا كمل بناء المسجد بعد سنة ولم يعد موجب لبقاء جثمانه قائماً، أرسل الله تعالى دودة الأرض فأكلت العصا فقط.

«فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ».(31)

وتبيّنت الجن أنّهم لو كانوا علموا بموته يوم وفاته كانوا يخلّصون أنفسهم من عذاب العمل طيلة هذه المدة، فظهر لهم ولغيرهم أنّهم عاجزون عن معرفة الأشياء إلاّ ما عرّفهم الله تعالى».

* * *

(1) سبأ: 14.

(2) علل الشرايع: 73 - 74/ ح2؛ عيون أخبار الرضا 2: 239 - 240/ ح24؛ بحار الأنوار 14: 136 - 137/ ح1.

(3) تفسير الطبري 17: 68.

(4) الأنبياء: 79.

(5) الأنبياء: 78.

(6) بحار الأنوار 14: 5.

(7) لم أعثر عليه بهذا اللفظ. وقد روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله): إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب، وإلا فليضطجع. انظر: الترغيب والترهيب 3: 450/ ح16؛ مسند أحمد 5: 152.

(8) النمل: 15 و16.

(9) سبأ: 12 و13.

(10) النمل: 16.

(11) كمال الدين: 156 الباب 7/ ح17.

(12) بحار الأنوار 11: 56/ ح 5.

(13) سبأ: 12.

(14) تفسير مجمع البيان 8: 203.

(15) تفسير مجمع البيان 8: 204.

(16) بحار الأنوار 14: 79 نقلا عن صاحب الكامل.

(17) بحار الأنوار 14: 72/ ح11.

(18) بحار الأنوار 14: 70.

(19) بحار الأنوار 14: 80 - 81، تفسير مجمع البيان 7: 370.

(20) بحار الأنوار 14: 84 - 85 نقلا عن تفسير الثعلبي.

(21) النمل: 31.

(22) النمل: 35.

(23) النمل: 36.

(24) تفسير مجمع البيان 7: 380 - 383.

(25) بحار الأنوار 14: 83/ ح27.

(26) بحار الأنوار 14: 83/ ح28.

(27) بحار الأنوار 14: 83/ ح29، نقلاً عن إرشاد القلوب.

(28) الأنبياء: 77.

(29) بحار الأنوار 14: 97 - 98/ ح4؛ الدعوات للراوندي: 115/ ح264.

(30) النمل: 30 و31.

(31) سبأ: 14.