[ضرورة الاعتبار من التاريخ]:

ثم نبّه (عليه السلام) على الاعتبار بأحوال القرون الخالية والأمم الماضية فقال: «وإنّ لكم في القرون السالفة لعبرة» وأشار إلى وجه العبرة على سبيل الاستفهام التقريري قصداً للتذكير والتذكر بقوله: «أين العمالقة وأبناء العمالقة».

 

[تاريخ العمالقة]:

قوله (عليه السلام): «أين العمالقة وأبناء العمالقة» قال الشارح المعتزلي: العمالقة أولاد لاوز بن ارم بن سالم بن نوح (عليه السلام)، كان الملك باليمن والحجاز وما تاخم ذلك من الأقاليم، فمنهم عملاق بن لاوز، ومنهم طسم بن لاوز أخوه، ومنهم جديس بن لاوز أخوهما، وكان العزّ والملك بعد عملاق بن لاوز في طسم، فلمّا ملكهم عملاق بن طسم بغى وأكثر الفساد في الأرض، حتّى كان يطأ العروس ليلة إهدائها إلى بعلها، وإن كانت بكراً افتضّها قبل وصولها إلى البعل، ففعل ذلك بإمرأة من جديس يقال لها غفيرة بنت غفار، فخرجت إلى قومها وهي تقول:

لا أحدٌ أذل من جديس        أهكذا يُفعل بالعروس

فغضب لها أخوها الأسود بن غفار وتابعه قومه على الفتك بعملاق بن طسم وأهل بيته، فصنع الأسود طعاماً ودعى العملاق إليه، ثمّ وثب به وبطسم فأتى على رؤسائهم، ونجا منهم رباح بن مز فصار إلى ذي جيشان بن تبّع الحميري ملك اليمن فاستغاث به على جديس، فسار ذوجيشان في حمير فأتى بلاد جوّ وهي قصبة اليمامة واستأصل جديساً كلها وأخرب اليمامة، فلم يبق لجديس باقية ولا لطسم إلاّ اليسير منهم، ثمّ ملك بعد طسم وجديس وباز بن ايم بن لاوز بن ارم فسار بولده وأهله ونزل برمل عالج، فبغوا في الأرض حيناً حتّى أفناهم الله، ثمّ ملك الأرض بعد وباز عبد طعحم بن أثيف بن لاوز فنـزلوا بالطايف حيناً ثم بادوا.

قال الشارح: وممن يعدّ من العمالقة عاد وثمود.

فأمّا عاد فهو ابن عويص بن أرم بن سام بن نوح (عليه السلام) كان يعبد القمر، يقال إنّه كان رأى من صلبه أولاداً وأولاد أولاد أربعة آلاف، وأنّه نكح ألف جارية، وكانت بلاده الأحقاف المذكورة في القرآن، وهي من شجر عمان إلى حضرموت، ومن أولاده شدّاد بن عاد صاحب المدينة المذكورة في سورة الفجر.

وأمّا ثمود فهو ابن عامر بن ارم بن سام بن نوح (عليه السلام)، وكانت دياره بين الشام والحجاز إلى ساحل بحر الحبشة.(1)

«أين الفراعنة وأبناء الفراعنة» وهم ملوك مصر، فمنهم الوليد بن الريّان فرعون يوسف (عليه السلام)، ومنهم الوليد بن مصعب فرعون موسى، ومنهم فرعون بن الأعرج الذي غزا بني إسرائيل وأخرب بيت المقدس.(2)

«أين أصحاب مدائن الرسّ» وهم (الذين) جحدوا ربّ العالمين و(قتلوا النبييّن) مظلومين (وأطفئوا سنن المرسلين) وشرايع الدين (وأحيوا سُنن الجبّارين) وبدع الشياطين (وأين) الملوك (الذين ساروا بالجيوش وهزموا الألوف) وفتحوا الأمصار (وعسكروا العساكر) وجمعوهم (ومدّنوا المدائن) وبنوها.

 

في بيان مدائن الرسّ وقصّة أصحابها:

قال تعالى في سورة الفرقان: «وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ»(3) وفي سورة ق: «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ».(4)

قال الطبرسي: أي وأهلكنا عاداً وثمود وأصحاب الرسّ ـ وهو بئر رسّوا فيها نبيّهم ـ أي ألقوه فيها، عن عكرمة.

وقيل: إنّهم كانوا أصحاب مواشٍ ولهم بئر يقعدون عليها، وكانوا يعبدون الأصنام، فبعث الله إليهم شعيباً (عليه السلام) فكذّبوه فانهار البئر وانخسفت بهم الأرض فهلكوا.

وقيل: الرسّ قرية باليمامة يقال لها فلج قتلوا نبيّهم فأهلكهم الله، عن قتادة.

وقيل: كان لهم نبيّ يسمّى حنظلة فقتلوه فُأهلكوا، عن سعيد بن جبير والكلبي.

وقيل: هم أصحاب رسّ، والرسّ بئر بانطاكية قتلوا فيها حبيباً النجّار فنُسبوا إليها، عن كعب ومقاتل.(5)

وفي البحار من تفسير علي بن إبراهيم: أصحاب الرسّ هم الذين هلكوا لأنّهم استغنوا الرجال بالرجال والنساء بالنساء.(6)

ومن معاني الأخبار: معنى أصحاب الرسّ أنّهم نُسبوا إلى نهر يقال له: الرسّ من بلاد المشرق.(7)

وقد ذكروا في الرسّ أقوالاً كثيرة أعرضنا عنها وذكرنا موضع الحاجة.

* * *

[الإمام المهدي على لسان عليّ (عليه السلام)]:

قوله (عليه السلام): «قد لبس للحكمة جُنّتها الخ».

قال العلاّمة المجلسي (قدس سره): إنّه اشارة إلى القائم (عليه السلام) ونقله الشارح المعتزلي عن الشيعة الإماميّة.

وقالت الصوفيّة: إنّه (عليه السلام) يعني به وليّ الله في الارض، وعندهم لا تخلو الدنيا من الأبدال والأولياء.

وقالت الفلاسفة: إنّ مراده (عليه السلام) به العارف.

وقالت المعتزلة: إنّه يريد به العالم بالعدل والتوحيد، وزعموا أنّ الله لا يُخلي الأمّة من جماعة من المؤمنين العلماء بالتوحيد والعدل، وإنّ الاجماع إنما يكون حجّة باعتبار قول أولئك، لكنّه لمّا تعذّرت معرفتهم بأعيانهم اعتبر إجماع الجميع، وإنّما الأصل قول أولئك.

قال الشارح المعتزلي بعد نقل هذه الأقوال: وليس يبعد أن يريد (عليه السلام) به القائم من آل محمد (صلى الله عليه وآله) في آخر الوقت إذا خلقه الله تعالى وإن لم يكن الآن موجوداً، فليس في الكلام ما يدلّ على وجوده الآن، وقد وقع اتّفاق الفرق من المسلمين أجمعين على أنّ الدنيا والتكليف لا ينقضي إلاّ عليه،(8) انتهى.

قال الخوئي في شرح النهج: أمّا ما ذكره من كون المراد به القائم (عليه السلام) فهو كما ذكره غير بعيد، لظهور اتّصافه (عليه السلام) بهذه الأوصاف وكونه مظهراً لها، وأمّا ما زعمه ـ كسائر المعتزلة ـ من أنّه (عليه السلام) غير موجود الآن وإنّما يخلقه الله في آخر الزمان فهو زعمٌ فاسد ووهم باطل، لقيام البراهين العقلية والنقلية على أنّ الأرض لو تبقى بغير حجّة لانخسفت وساخت، وعلى أنّه لابدّ من وجوده في كلّ عصر وزمان، وأنّه إمّا ظاهر مشهود أو غائب مستور، وأنّ القائم من آل محمد (صلى الله عليه وآله) مخلوق من غابر الزمان وموجود الآن، وهو غائب مستور لمصالح مقتضية لغيبته، والانتفاع بوجوده الشريف حال الغيبة كالانتفاع بالشمس المجلّلة للعالم المحجوبة بالسحاب.

وبعد قيام الأدلة المحكمة على ذلك كلّه فلا يُعبأ بالاستبعادات الوهميّة للمنكرين، والاستدلالات السخيفة الهيّنة للمبطلين على ما أُشير إليها في كتب أصحابنا الإماميّة المؤلّفة في الغيبة مع أجوبتها المتقنة.

* * *

معرفة الحكمة وتفسيرها:

هذا والحكمة اسم لمجامع الخير كلّه، قال أبو البقاء: هي في عُرف العلماء استعمال النفس الانسانيّة باقتباس العلوم النظريّة، واكتساب الملكة التامّة على الأفعال الفاضلة قدر طاقتها.

وقال بعضهم: هي معرفة الحقائق على ما هي عليه بقدر الاستطاعة، وهي العلم النافع المعبّر عنها بمعرفة ما لها ومعرفة ما عليها.

وقال ابن دريد: كلّ ما يؤدّي إلى ما يلزمه أو يمنع من قبيح، وقيل: ما يتضمّن صلاح النشأتَين.

وقال في البحار: العلوم الحقّة النافعة مع العمل بمقتضاها، قال: وقد تُطلق على العلوم الفائضة من جنابه تعالى على العبد بعد العمل بما علم.(9)

وقد تفسّر بأنها معرفة الله وطاعته، وقد تفسّر بأنها العلم الذي يرفع الانسان عن فعل القبيح، وفسّرت في قوله تعالى: «بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ»(10) بالنبوّة، وفي قوله: «وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ»(11) بالفقه والمعرفة وفي قوله: «وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ»(12) بالقرآن والشريعة وفي قوله: «يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً»(13) بتحقيق العلم وإتقان العمل.

وفي الصافي من الكافي وتفسير العياشي عن الصادق (عليه السلام) في تفسير هذه الآية قال: طاعة الله ومعرفة الإمام.(14)

وعنه (عليه السلام): معرفة الإمام واجتناب الكبائر التي أوجب الله عليها النار.(15)

وعن العياشي عنه (عليه السلام): إنّ الحكمة المعرفة والثفقّه في الدين، فمن فقه منكم فهو حكيم.(16)

وعن مصباح الشريعة عنه (عليه السلام): الحكمة ضياء المعرفة وميراث التقوى وثمرة الصدق، ولو قلت: ما أنعم الله على عباده بنعمة أنعم وأعظم وأرفع وأجزل وأبهى من الحكمة، لقلت: قال الله «يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الأَْلْبابِ»(17) أي لا يعلم ما أودعتُ وهيّأتُ في الحكمة إلاّ من استخلصتُه لنفسي وخصصته بها، والحكمة هي الكتاب، وصفة الحكيم الثبات عند أوائل الأمور والوقوف عند عواقبها، وهو هادي خلق الله إلى الله.(18)

وعن الخصال عن النبي (صلى الله عليه وآله): رأس الحكمة مخافة الله.(19)

وعنه وعن الكافي عنه (صلى الله عليه وآله): أنّه كان ذات يوم في بعض أسفاره إذ لقاه ركب فقالوا: السلام عليك يا رسول الله، فالتفت إليهم وقال: ما أنتم؟ فقالوا: مؤمنون، قال: فما حقيقة إيمانكم؟ قالوا: الرضا بقضاء الله والتسليم لأمر الله والتفويض إلى الله، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): علماء حكماء كادوا أن يكونوا من الحكمة أنبياء، فإن كنتم صادقين فلا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تجمعوا ما لا تأكلون، واتّقوا الله الذي إليه ترجعون.(20)

 

[معاني الحكمة في القرآن]:

وقد جاء معنى الحكمة في القرآن على أربعة أوجه:

أحدها: مواعظ القرآن وهو قوله تعالى: «وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ»(21) يعني مواعظ القرآن.

ثانيها: الحكمة بمعنى الفهم والعلم ومنه قوله تعالى: «وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا»(22) وقوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ»،(23) يعني الفهم والعلم.

ثالثها: الحكمة بمعنى النبوّة، ومنه قوله تعالى: «فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ»(24) ـ يعني النبوّة ـ وقوله: تعالى: «وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ»(25) وقوله تعالى: «وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ».(26)

رابعها: القرآن بما فيه من عجائب الأسرار، ومنه قوله تعالى: «ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ»(27) وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم.

وبالتالي فحقيقة الحكمة نور من أنوار صفات الحقّ يؤيّد الله به عقل من يشآء من عباده، فهي ليست ممّا تُدرك بالعقول وبالبراهين العقلية والنقليّة.

وذلك أنّ المعقولات مشتركة بين أهل الدين وأهل الكفر، فالمعقول ما يحكم العقل عليه ببرهان عقليّ، وهذا ميسّر لكلّ عاقل بالدراية وعالم بالقراءة، فمن صفّى عقله عن شوب الوهم والخيال فيدرك عقله المعقولات بالبرهان درايةً عقليّة، ومن لم يُصفِّ العقل عن هذه الآفات فهو يدرك المعقول قراءةً بتفهيم أستاذ مرشد.

أمّا الحكمة فليست من هذا القبيل، وما يذّكّر إلاّ أُولو الألباب، وهم الذين لم يقنعوا بقشور العقول الانسانيّة، بل سعوا في طلب لبّها بمتابعة الأنبياء (عليهم السلام)، فأخرجوهم من ظلمات قشور العقول الانسانيّة إلى نور لبّ المواهب الربّانيّة، فتحقّق لهم أنّ «مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ». وقد استوعبنا ذلك في كتابنا (الحكمة والحكماء).(28)

* * *

تبع حكيم حكيماً سبعمائة فرسخ في سبع كلمات:

عن معاوية بن وهب عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: تبع حكيم حكيماً سبعمائة فرسخ في سبع كلمات، فلمّا لحق به قال له: يا هذا ما أرفع من السماء، وأوسع من الأرض، وأغنى من البحر، وأقسى من الحجر، وأشدّ حرارة من النار، وأشدّ برداً من الزمهرير، وأثقل من الجبال الراسيات؟ فقال له: يا هذا الحقّ أرفع من السماء، والعدل أوسع من الارض، وغنى النفس أغنى من البحر، وقلب الكافر أقسى من الحجر، والحريص الجشع أشدّ حرارة من النار، واليأس من روح الله أشدّ برداً من الزمهرير، والبُهتان على البريء أثقل من الجبال الراسيات.(29)

 

[بين إفلاطون وسقراط]:

كتب إفلاطون إلى سقراط: إنّي أسألك عن ثلاثة أشياء فإن أجبتَ عنها تلمّذت لك. فكتب إليه سقراط: سَل وبالله التوفيق. فكتب إفلاطون إليه: أيّ الناس أولى بالرحمة، ومتى تضيّع أمور الناس، وبماذا تتلّقى الرحمة والنعمة من الله تعالى؟ فأجابه: أولى الناس بالرحمة ثلاثة: الحكيم الذي في مملكة السلطان الفاجر، فهو في الدهر حزين لما يسمع ويرى، والعاقل في تدبير الجاهل، فهو في الدهر متعب مغموم، والكريم المحتاج إلى اللئيم، فهو في الدهر له خاضع ذليل؛ وتُضيّع أمور الناس إذا كان الرأي عند من لا يعقل، والسلاح لمن لا يستعمله، والمال عند من لا يُنفقه؛ وتتلقّى نعمة الله بكثرة الشكر له ولزوم طاعته واجتناب معصيته؛ فأقبل إفلاطون إليه وتتلمذ له حتّى مات.

 

[بزرجمهر في السجن]:

غضب أنوشروان على وزيره بزرجمهر فسجنه في بيت كالقبر وصفّده بالحديد وألبسه الخشن من الصوف وأمر أن لا يزاد في كلّ يوم على قرصين من الخبز وكفّ ملح جريش ودورق ماء، وأن تُنقل ألفاظه إليه، فأقام شهوراً لا تُسمع له لفظة، فقال أنوشروان: أدخِلوا عليه أصحابه ومروهم أن يسألوه ويفاتحوه الكلام وعرّفونيه، فدخل إليه جماعة من المختصّين به فقالوا له: أيّها الحكيم نراك في هذا الضيق والحديد والشدّة التي دفعت إليها، ومع هذا فإنّ سحنة وجهك وصحّة جسمك على حالها لم تتغيّر، فما السبب في ذلك؟ فقال: إنّي عملت جوارش من ستّة أخلاط، فآخذ منه كلّ يوم شيئاً، فهو الذي أبقاني على ماترون. فقالوا: فصفه لنا فعسى أن نُبتلى بمثل بلواك أو أحد من إخواننا فنستعمله أو نصفه له. فقال: الخليط الأول الثقة بالله، والثاني أنّ كلّ مقدّر كائن، والثالث الصبر خير ما استعمله الممتحن، والرابع إن لم أصبر فأيّ شيء أعمل؟ ولِمَ أُعن على نفسي بالجزع؟ والخامس قد يمكن أن أكون في شرٍّ أصعب مما أنا فيه، والسادس من ساعة إلى ساعة فرج.(30)

 

[حكمة فيثاغورس]:

كان فيثاغورس الحكيم اليوناني إذا جلس على كرسيّه أوصى بهذه الوصايا السبع: قوّموا موازينكم واعرفوا أوزانها، عدّلوا الخط تصحبكم السلامة، لا تشعلوا النار حيث ترون السكّين يقطع، عدّلوا شهواتكم تستديموا الصحّة، استعملوا العدل تحظ بكم المودّة، عاملوا الزمان كالولاة الذين يُستعملون عليكم ويُعزلون عنكم، لا ترفّهوا أبدانكم وأنفسكم فتفقدوا في أوقات الشدائد إذا وردت عليكم.

 

[حكمة أرسطاطاليس]:

أمر أرسطاطاليس عند موته أن يُدفن ويُبنى عليه بيت مثمّن يُكتب على كلّ ثُمن منه كلمة من هذه الكلمات الجامعات لجميع الأمور التي بها يصلح الناس: «العالم بُستان ساقيته الدولة، الدولة سلطان محجّته الشريعة، الشريعة سياسة يسوسها الملك، الملك راع يعضده الجيش، الجيش أعوان يكفلهم المال، المال رزق تجمعه الرعيّة، الرعيّة عبيد يستملكهم العدل، العدل ألفة بها صلاح العالم».

 

[حكاية الملك ووزراءه الأربعة]:

كان ملك من الملوك من ذوي البصيرة والرأي والتقى والصلاح قد اتّخذ له جملة من الحكماء الروحانيّين يستروح بهم ويسكن إلى حكمتهم، وكان أربعة من عظمائهم أقربهم منـزلة منه وأخصّهم عنده: فارسيّ ويسمى المنُجِّح، وهندي ويسمّى المُصحّح، ورومي ويسمّى المُفصح، وعربي ويسمى الموضّح، فجمعهم يوماً عنده وقال: أيّها الحكماء أريد أن أسألكم عن أشياء تختلج في ذهني فأجيبوني. قالوا: نعم أيّها الملك سَل. قال: أيهّا الحكماء بما السعادة في الدنيا والآخرة ونجاة النفوس الفاخرة؟ قال الحكيم الفارسي: بالتسليم لأمر الله. قال الحكيم الهندي: بالرضا بقضاء الله. قال الحكيم الرومي: بالتوكّل على الله. قال الحكيم العربي: بالخشية من أمر الله والطاعة لله.

فقال: أيّها الحكماء بم تزكو الأعمال ويفوز المرء بعد الانتقال؟ قال الحكيم الفارسي: بطاعة الربّ وعصيان الهوى. قال الحكيم الهندي: بكثرة الصيام وبرّ الأيتام. قال الحكيم الرومي: بأداء الشكر والانعطاف على من شمله الفقر. قال الحكيم العربي: بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.

فقال: أيّها الحكماء فبما الخلاص والكون مع الخواصّ؟ قال الحكيم الفارسي: بالاجتهاد في العبادة والاعتماد على الزهادة والاغتنام للافادة. قال الحكيم الهندي: بتصحيح اليقين وإيثار الدين وتحقيق النبييّن. قال الحكيم الرومي: بطول الرحمة واتّباع الحكمة والشكر على النعمة. قال الحكيم العربي: بحسن الصمت وإزالة المقت والقيام بواجب الوقت.

فقال الملك: أيّها الحكماء فبم السموّ والافتخار؟ فقال الحكيم الفارسي: بحكمةٍ زاهرة ونفس طاهرة ودولة قاهرة وعشرة فاخرة. قال الحكيم الهندي: بعلومٍ مضيئة ونفس رضيّة ومملكة هنيّة وعطيّة زكيّة. قال الحكيم الرومي: بهداية شاملة ونفس فاضلة ونعمة متوالية ومواهب متواصلة. قال الحكيم العربي: ببصيرة رشيدة، ونفس سعيدة، وولاية حميدة، وسماحة مفيدة.

فقال: أيّها الحكماء فبم دوام الملك وحراسته من الهلك؟ قال الحكيم الفارسي: ببسط العدل، وكثرة الفضل، واستشارة أهل العدل. قال الحكيم الهندي: بالقيام بالقسطاس، والاقناط من الناس، وقهر العدوّ بشدّة البأس. قال الحكيم الرومي: بحسن السيرة في الرعيّة، والعدل في البريّة، والحكم بينهم بالسويّة، وكثرة البذل والعطيّة. قال الحكيم العربي: بجمع الأموال، وحسن الأعمال، وكثرة الإفضال، والرأفة والإجمال.

فقال: أيّها الحكماء فبم زوال النعم والتعرّض لحلول النقم؟ قال الحكيم الفارسي: بالجرأة على المحارم، والهجوم على المآثم، وارتكاب العظائم، واستثقال المكارم. قال الحكيم الهندي: بإهانة السادات، وترك الواجبات، واتّباع الشهوات. قال الحكيم الرومي: بالكسل الفاضح، واستعمال القبائح، وترك القبول من الناصح، والميل من الصالح إلى الطالح. قال الحكيم العربي: باتّباع الفضول، ومشاورة الجهول، وشرب الخمور، والعزف بالطنبور.

قال الملك: أيّها الحكماء فبم بقاء الملك ودوامه وعلوّه وتمامه؟ قال الحكيم الفارسي: بإغاثة اللهيف وإعانة الضعيف وأمن المخيف، وإنصاف الدنيّ من الشريف. قال الحكيم الهندي: بتدبير الحكم وإدرار النعم وإمداد الكرم وإنفاذ الهمم. قال الحكيم الرومي: بنفع الأولياء وقمع الأعداء ومؤانسة العقلاء وإبعاد الجهلاء. قال الحكيم العربي: بكثرة البرّ وترك الكبر والصدقة في السرّ.

فقال الملك: أيّها الحكماء بم تكمل السعادة وتستوجب الافادة؟ قال الحكيم الفارسي: بلين الجانب وإرفاد الطالب والصبر على المصائب والقيام بحقّ الصاحب. قال الحكيم الهندي: ببذل العطايا والعدل في القضايا والصبر على الرزايا والاحسان في البرايا. قال الحكيم الرومي: بطلب المعالي والنجاح واصطفاء الثقاة من أهل الصلاح وترك رقدات الصباح. قال الحكيم العربي: بلين الكلام وإطعام الطعام واجتناب الآثام وإفشاء السلام.

* * *

وفي كتب الفرس أنّ أنوشروان جمع عمّال السواد وبيده درّة يقلّبها، فقال: أيّ شيء أضرّ بارتفاع السواد وأدنى إلى محقه؟ أيّكم قال ما في نفسي جعلت هذه الدرّة في فيه؟ فقال بعضهم: انقطاع الشرب، وقال بعضهم: احتباس المطر، وقال بعضهم: استيلاء الجنوب وعدم الشمال، فقال لوزيره: قُل أنت فإنّي أظنّ عقلك يعادل عقول الرعيّة كلّها أو يزيد عليها، فقال: تغيّر رأي السلطان في رعيّته وإضمار الحيف لهم، والجور عليهم، فقال: لله أبوك، بهذا العقل أهّلك آبائي وأجدادي لما أهّلوك له، ودفع إليه الدرّة فجعلها في فيه.

* * *

رُأيَ صورة حكيمين من الحكماء في بعض المساجد وفي يد أحدهما رقعة فيها: إن أحسنت كلّ شيء فلا تظننّ أنّك أحسنتَ شيئاً حتّى تعرف الله وتعلم أنّه سبب الأسباب وموجد الأشياء.

وفي يد الآخر: كنت قبل أن عرفت الله أشرب وأظمأ، حتّى إذا عرفته رويتُ بلا شرب.

* * *

تكلّم أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بتسع كلمات ارتجلهنّ ارتجالاً، فقأن عيون الحكمة والبلاغة، وأيتمن جواهر الحكمة، وقطعن جميع الأنام عن اللحاق بواحدة منهنّ: ثلاث منها في المناجاة، وثلاث منها في الحكمة، وثلاث منها في الأدب.

فأمّا اللاتي في المناجات: فقال: «إلهي كفى بي عِزّاً أن أكون لك عبداً، وكفى بي فخراً أن تكون لي ربّاً، أنت كما أحبّ، فاجعلني كما تحبّ».

وأمّا اللاتي في الحكمة: فقال: «قيمةُ كلّ امريءٍ ما يُحسنه، وما هلك امرؤٌ عرف قدره، والمرء مخبوء تحت لسانه».

واللاتي في الأدب: فقال: «أمنُن على مَن شئت تكن أميره، واحْتَج إلى من شئت تكن أسيره، واستغنِ عمّن شئت تكن نظيره».

* * *

[وصفة الحكيم لكل داء]:

قال رجل من الصالحين: مررت بجماعة من الناس مجتمعين، بينهم حكيم يصف لكلّ داءٍ دواء ولكلّ علّة شفاء، دنوتُ منه فسلّمت عليه فقلت: أيّها الحكيم هل عندك لدائي دواء ولعلّتي شفاء؟ قال: نعم عندي دواؤك إن عملت به شُفيت، وإن تركته بقيت. قال: فقلت: إن كان موافقاً صرت مرافقاً، فما هو؟ قال لي: خُذ عروق الفقر وورق الصبر، وهليلج الخضوع وترياق الخشوع، واجعله في هاون التوبة، واسحنه بمسحن التقوى، وانخله بمنخل العقل، وأفرغه في قدح المناجاة وأوقد عليه نار المحبّة، وروّحه بمروحة الزهد، واشربه بمعاليق الاستغفار، وتمضمض بماء الورع، فالنفس بيت كلّ دواء، والحميا بيت كلّ شفاء، ودع نفسك وما عوّدتها فإنّك تبرأ بإذن الله تعالى.

قال: فقلت: أيّها الحكيم ليس عندي ثمن الدواء. قال: اقصد باب الرضا وادع صاحبه بالضيق والفضا، وقل بالتذلّل والخضوع والاستكانة والخشوع: يا معدن الجود والاحسان لك الحمد يا منّان.

فقلت: أيّها الحكيم إنّ بيني وبينه قطعة ووحشة من سوء معاملة عاملته بها قبيحة غير صحيحة، فهربت منه خائفاً متوجّلاً.

فقال لي: يا ضعيف اليقين أما علمتَ بأنّ الله تعالى يغفر ذنوب المذنبين؟ ثم أنشأ يقول:

حاسبونا فدقّقوا
هكذا عادة الملوك
إنّ قلبي يقول لي
إنّ من مات عاشقاً

 

ثم منّوا فأعتقوا
بالمماليك ترفقُ
ولساني يُصدّق
ليس بالنار يحرقُ

قال: ثم قام ومضى عنّي فتفرّق الناس، فقلت لبعضهم: بالله عليك من هذا الحكيم؟ قال لي: أو لم تعرفه؟ قلت: أجل والله، قال: هذا علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام).

* * *

ومن رام الزيادة في معرفة الحكمة ومعرفة حال الحكماء أكثر مما ذكرنا هنا، فليرجع إلى كتابنا (الحكمة والحكماء).(31)

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى الأصل من شرح الكلمات في خطبته (عليه السلام) فأقول:

قوله (عليه السلام): «قد لبس للحكمة جُنّتها» الظاهر أنّه أراد بجُنّة الحكمة مخافة الله، كما أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) جعلها رأسها في قوله: «رأس الحكمة مخافة الله»(32) فاستعار لفظ الجُنّة لها باعتبار أنّ مخافته سبحانه ووجود وصف التقوى الموجب لقمع النفس عن الشهوات وقلعها عن العلائق والأمنيات مانع عن كون الحكمة غرضاً عن إلهام الهوى، وعن وقوع الحكيم في الهلاك والردى، كما أنّ الجُنّة ـ وهو ما يُستتر به من السلاح كالدرع ونحوه ـ مانعة للابسها عن إصابة سهام الأعداء.

فيكون محصّل المعنى أنّ ذلك الحكيم قد اتّصف بمخافة الله سبحانه وخشيته التي هي بمنـزلة الجُنّة للحكمة لأجل حفظ حكمته وكونها وقاية لها عمّا يصادمها، كما أنّ الجُنّة تحفظ الانسان عن صدمات الأعداء.

قوله (عليه السلام): «وأخذها بجميع أدبها» أي أخذ الحكمة على وجه الكمال وقام بآدابها (من الاقبال عليها والمعرفة بها والتفرّغ لها) يعني أنّه لما علم أنّه لاخصلة أعظم وأشرف وأرفع وأبهى من الحكمة، وعرف أنّه من يُؤتها فقد أُوتي خيراً كثيراً، أقبل بالكليّة عليها وقصرت همّته ونهمته فيها، وعرف شرفها وقدرها ونفاستها، وتفرّغ لها وتخلّى عن جميع العلائق الدنيويّة التي تضادّها، وتنحّى عن كلّ ما سواها.

«فهي عند نفسه ضالّته التي يطلبها وحاجته التي يسأل عنها» ذلك مثل قوله (عليه السلام): «الحكمة ضالّة المؤمن».(33)

 

[دلالة قوله (عليه السلام) «فهو مغترب» على الإمام المهدي]:

«فهو مغترب» يعني هذا الشخص يخفي نفسه ويختار العزلة، وهو إشارة إلى غيبة القائم (عليه السلام) «إذا اغترب الاسلام» أي إذا ظهر الجور والفساد وصار الإسلام غريباً ضعيفاً بسبب اغتراب الصلاح والسداد، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): بدء الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدء.(34) ثمّ شبّه الإسلام بالبعير البارك في قلّة النفع والضعف على سبيل الاستعارة بالكناية، فأثبت له لوازم المشبّه به وقال: «وضرب بعسيب ذنبه» لأنّ البعير إذا أعيى وتأذّى ضرب بذنبه، «وألصق الارض بجرانه» أي مقدّم عنقه فلا يكون له تصرّف ولا نهوض، وقلّ أن يكون له نفع حال بُروكه.

ولمّا وصفه (عليه السلام) بلبسه لجُنّة الحكمة وإيثاره العزلة والغيبة عرّفه بأنّه «بقيّة من بقايا حجتّه» على عباده «وخليفة من خلائف أنبيائه» في بلاده، وهذان الوصفان يقويّان الظنّ بكون نظره (عليه السلام) بما أورده في هذا الفصل إلى القائم المنتظر (عليه السلام) وآبائه الطاهرين (عليهم السلام).

قال الشارح المعتزلي: فإن قلت: أليس لفظ الحجّة والخليفة مُشعراً بما يقوله الإماميّة ـ أي كون المراد بها الإمام القائم (عليه السلام).

قلت: لا، لأنّ أهل التصوّف يسمّون صاحبهم حجّة وخليفة، وكذلك الفلاسفة وأصحابنا لا يمتنعون من إطلاق هذه الألفاظ على العلماء المؤمنين في كلّ عصر لأنّهم حُجج الله ـ أي إجماعهم حجّة ـ وقد استخلفهم الله في أرضه ليحكموا بحكمه.(35)

 

[الرد على المعتزلي]:

قال الشارح الخوئي: أقول: فيه أوّلاً: منع صحّة إطلاق حجّة الله وخليفته على غير الأنبياء والأوصياء، إذ العصمة منحصرة فيهم، فتختصّ الحُجّيّة والخلافة بهم لمكان العصمة التي فيهم، وأمّا غيرهم فليس بمعصوم بالاتّفاق، فلا يكون قوله وفِعله حجّة، وحجّيّة إجماع العلماء أيضاً باعتبار دخول قول المعصوم في جملة أقوالهم لا من حيث أنّ كلاً من العلماء من حيث إنّه عالم قوله حجّة.

وثانياً: على فرض التنـزّل والتسليم لصحّة إطلاقه على غيرهم، إنّ أميرالمؤمنين (عليه السلام) ليس بمعتزليّ المذهب ولا صوفيّ المذاق ولا فلسفيّ المسلك، فلا يُحمل لفظ الحجّة والخليفة في كلامه (عليه السلام) على اصطلاحاتهم، وإنّما يُحمل على المعنى الغالب إرادته من هذه اللفظة في كلماتهم (عليهم السلام)، وغير خفيّ على المتتبّع لأحاديثهم وكثير الأُنس بأخبارهم أنّهم كثيراً ما يُطلقون لفظ الحُجج ويريدون به الأئمّة الاثني عشر، وقد يطلقونه ويريدون به سائر المعصومين من الأنبياء والأوصياء، ويطلقون لفظ الحجّة أيضاً أحياناً بالقرائن على العقل والقرآن، ولم نر إلى الآن أن يُطلق هذا اللفظ في كلامهم على العارف أو العالم غير المعصوم أو أحد الأبدال المصطلح في لسان الفلاسفة والمعتزلة والمتصوّفة.

وعلى ذلك فحيثما أطلق لفظ حجّة الله في كلامهم خالياً عن القرائن فلا بدّ من حمله على المعنى الكثير الدوران في ألسنتهم وهو الإمام، لأنّ الظنّ يلحق الشيء بالأعمّ الأغلب.

 

[الردّ على ابن ميثم]:

ومن هذا كلّه ظهر ما في كلام الشارح البحراني أيضاً، فإنّه بعد ما جعل قوله (عليه السلام): «قد لبس للحكمة جنّتها» إشارة إلى العارف مطلقاً ونفى ظهور كونه إشارة إلى الامام المنتظر (عليه السلام)، قال في شرح هذا المقام: قوله (عليه السلام): «بقيّة من بقايا حُججه» أي على خلقه إذ العلماء والعارفون حُجج الله في الارض على عباده، وظاهر كونه خليفة من خلفاء أنبيائه لقوله (صلى الله عليه وآله): «العلماء ورثة الأنبياء».(36) انتهى.

ويرد عليه ـ مضافاً إلى ما مرّ ـ أنّ استدلاله على خلافة العلماء والعرفاء بقوله «ورثة الأنبياء» واستظهاره من ذلك كون المراد بالخليفة في كلام أميرالمؤمنين (عليه السلام) هؤلاء لا وجه له.

أمّا أولاً: فلأنّ الدليل أخصّ من الدعوى، لإفادته وراثة العلماء فقط دون العرفاء مع أنّ المدّعى أعمّ.

وثانياً: أنّ قوله (صلى الله عليه وآله): «العلماء ورثة الأنبياء» لم يُرِد به الوراثة الحقيقيّة قطعاً، وإنّما هو من باب التشبيه والمجاز، يعني أنّ علومهم انتقلت إليهم كما أنّ أموال المورث تنتقل إلى الوارث، فكانوا بمنـزلة الورثة.

قال الشارح الخوئي: وعلى ذلك فأقول: إنّ وراثة العلماء للأنبياء وخلافتهم عنهم على سبيل المجاز والاستعارة، ووراثة الإمام المنتظر (عليه السلام) وخلافته على سبيل الحقيقة، فلا بدّ من حمل لفظ الخليفة في كلامه (عليه السلام) عليه لا على العالم، لأنّ اللفظ إذا دار بين أن يُراد منه معناه الحقيقي ومعناه المجازي، فالأصل الحقيقة كما بُرهن في علم الأصول.

 

موضوع الإمام المنتظر (عليه السلام):

قضيّة الإمام الثاني عشر في الحقيقة كثيراًَ ما تعلو عليها نبرات الاستهتار والاستنكار من سائر فرق المسلمين، بل ومن غيرهم على الإماميّة في الاعتقاد بوجود إمام غائب عن الأبصار وليس له أثر من الآثار، زاعمين أنّه رأي فائل وعقيدة سخيفة، والمعقول من إنكارهم يرجع إلى أمرين:

 

الأوّل: [استبعاد طول العمر]

استبعاد بقائه طول هذه المدّة التي تتجاوز الألف سنة، وهذا الاستغراب والاستبعاد لا يتأتّى من أرباب الأديان، لأنّهم جميعاً يقولون بأكثر من هذه المدّة في أعمار البشر، فالبراهمة والبوذائيّون يعتقدون في براهما وكرشنا ومهاديو وبوذا أنّهم أحياء مضت على حياتهم ألوف ألوف من السنين، والمجوس يعتقدون أنّ الطبقة الأُولى للبشر ـ وهم طبقة مهاباد ـ كانوا يعيشون ألوف الملايين من السنين، والطبقة الثانية ـ وهم طبقة جي إفراميان ـ كانوا يعيشون ملايين السنين، وهكذا سائر طبقات البشر منهم مثل «كلشاه» و«جمشيد» و«افراسياد» وهوشنك» و«مَنُوجَهَر» وأمثالهم يعيشون أُلوفاً من السنين، وذلك مذكور في كتبهم الدينية مثل كتاب «الدساتير» وكتاب «زند» وكتاب «بازند» وكتاب «أوستا» وغيرها.

واليهود والنصارى يعتقدون بالتوراة، وقد جاء في الأبواب الأُولى من سفرها الأول ـ وهو سفر التكوين (براشيت) ـ أنّ آدم وأخنوخ ومهلائيل ونوحاً وغيرهم عاشوا بين ستمائة سنة وألف سنة وأكثر، ويضيف النصارى إلى ذلك أنّ المسيح (عليه السلام) حيّ وقد مضت على ولادته ما يقرب من ألفي سنة، واليهود يعتقدون أنّ (الياهو) ـ وهو من أنبياء بني إسرائيل ـ دعا الناس إلى التوراة ثمّ غاب خمسمائة سنة، ثمّ ظهر ودعا إليها، ثمّ غاب ولا يزال حيّاً، وقد مضى على عمره ما يقرب من ثلاثة آلاف سنة.

وجميع أهل الأديان القديمة والحديثة معتقدون بأنّه سيظهر في آخر الزمان عند فساد العالم وانتشار الظلم والجور مَن يصلحه ويبدّل الظلم بالعدل والفساد بالصلاح، وإن اختلفوا في ذلك المصلح، فالبراهمة يسمّونه بهرام ـ وترجمة بهرام في العربية (محمد) ـ واليهود يسمّونه الياهو، والنصارى يقولون هو المسيح، وأنّه هو الذي يقتل الدجّال كما جاء في أواخر مكاشفات يوحنّا من كتب الإنجيل (العهد الجديد).

وأمّا المسلمون فلا مجال لهم إلى استبعاد هذا العمر الطويل بعد أن يقرأوا في سورة الصافّات قوله تعالى: «فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ»(37) فجوّز إمكان البقاء واللبث إلى يوم البعث، وقوله تعالى في سورة الكهف: «وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً»(38) فأخبر أنّ أصحاب الكهف عاشوا أكثر من ثلاثمائة سنة، وقوله تعالى في سورة العنكبوت: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ»(39) فأخبر أنّ نوحاً (عليه السلام) دعا قومه ما يقرب من ألف سنة إلى زمن الطوفان، ولا بدّ أنّه عاش بعد الطوفان طويلاً، وكان قبل الدعوة كثيراً، والأخبار وردت أنّ عمره كان يزيد على ألفي سنة، فإمكان هذا العمر الطويل ووقوعه ثابت في القرآن، وتحتّمه لصاحب الزمان ثابت بقوله تعالى في سورة الصفّ، وفي سورة الفتح، وفي سورة التوبة: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ»(40) فلا بدّ من يوم يُظهر الله فيه دين الإسلام على جميع الأديان حتّى يدين به أهل العالم، وليس هو إلاّ اليوم الموعود الذي يظهر فيه الإمام الثاني عشر، وبقوله تعالى في أُخريات سورة النساء عن المسيح (عليه السلام): «وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ»(41) فأخبر أنّ جميع أهل الكتاب مؤمنون بالمسيح ولم يقع ذلك، وهو ما جاءت به الأحاديث الشريفة من أنّ المسيح يكون مع المهدي، وأنّ الأمم كلّهم يؤمنون بهما، وقد تواترت الأحاديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّ المهدي سيظهر فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً، وقد رواها جميع فرق المسلمين من الخاصّة والعامّة، وذكر ابن حجر وحده منها خمسين حديثاً، فكيف ينكر مسلم قرأ القرآن وتصفّح الأحاديث بقاءه وظهوره وأنّه هو الذي سيحكم الأرض كلها وبه يدين أهل العالم جميعهم بدين الإسلام، وهو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما مُلئت ظلماً وجوراً، حتّى ترعى الشاة إلى جنب الذئب فلا يصيبها منه أذى كما ورد في الأحاديث،(42) والعدل إذا بسط في العالم استراح الانسان والحيوان معاً ورغد عيشهما.

فهذه الأديان كلها تصرّح بإمكان العمر الطويل للبشر ووقوعه، وأهل الأديان جميعاً مُذعنون به ولا يتأتّى لهم أن يستبعدوه، ولم يبقَ إلاّ الطبيعيّون والماديّون الملحدون الذين ينكرون وجود الله وقدرته ولا يدينون بدين وإن استبعدوه فليس لنا هنا معهم كلام، لأنّا إنّما نتكلّم في هذا المقام بعد إثبات التوحيد وقدرة الله، وأنّه هو القاهر فوق عباده، القدير على كلّ شيء، الذي يفعل ما يشآء ويحكم ما يريد، ونحن إذا أثبتنا قدرة الله تعالى على كلّ شيء وأنّه إذا قضى أمراً فإنّما يقول له كن فيكون، لم نُبق مجالاً للاستبعاد المادي والطبيعي لهذا العمر الطويل بعد أن أثبتنا له قدرة الله وأنّه الفاعل لما يشآء كيف يشآء.

وقد اعترف أهل العلم في هذا العصر الذي حدث فيه التطوّر العلمي والصناعي بإمكان بقاء الانسان طويلاً، وتصدّى كثير من الأطباء والعلماء إلى ايجاد وسائل تُعيد الشيخ شاباً أو تمنع شيخوخة الشاب حتّى يعيش أُلوفاً من السنين، وقد أعدّت الدول جوائز كبيرة لمن يتوصّل إلى هذا الاختراع، فاعترف كلّهم علماً وعملاً بإمكان هذا الأمر بنفسه لطبيب مخترع، فكيف باللطيف الخبير الذي هو على كلّ شيء قدير.

 

الثاني: [عدم الحكمة في الوجود مع الغيبة]

السؤال عن الحكمة والمصلحة في بقائه مع غيبته، وهل وجوده مع عدم الانتفاع به إلاّ كعدمه؟ ولكن ليت شعري هل يريد أولئك القوم أن يصلوا إلى جميع الحكم الربّانيّة والمصالح الإلهيّة وأسرار التكوين والتشريع، ولا تزال جملة أحكام إلى اليوم مجهولة الحكمة: كتقبيل الحجر الأسود مع أنّه [في الظاهر] حجر لا يضرّ ولا ينفع، وفرض صلاة المغرب ثلاثاً والعشاء أربعاً والصبح اثنين، وهكذا إلى كثير من أمثالها.

 

[حكاية الشيخ محمد حسين الاصفهاني عن الإمام المهدي (عليه السلام)]:

حدّثني العلاّمة المرحوم الشيخ جعفر نقدي عن حجّة الإسلام الشيخ محمد حسين الاصفهاني (قدس سره) قال: كان رجل من أهل العلم والفضيلة اسمه الشيخ حسن، وكان أكثر اختصاصه بعلم الحساب والاصطرلاب، فخطر يوماً في ذهنه أن يجتمع مع الإمام المنتظر حجّة آل محمد (عليه السلام) ويسأله عن يوم خروجه، فأوّل ما وضع دائرة الحساب حسب فنّه على مكّة وحصر شوارعها وطرقها وأسواقها وبيوتها في الخانات الحسابيّة ورقّمها، ثمّ أخذ يتتبّع خانة خانة ودائرة دائرة حسب تخطيطه حتّى استقصى جميع مكّة فلم يجده في مكّة، فانتقل إلى المدينة فحصرها كما حصر مكّة في الدوائر الحسابيّة فلم يجده في المدينة، ثم انتقل إلى النجف وهكذا كربلاء والكاظميّة، فوجده في الكاظميّة، فحصرها ثمّ ضيّق الدوائر حتّى حصره في الجلوخانة ما بين بابي الصحن الشريف، وكان هذا المكان سابقاً تُباع فيه الخرّازيّة، فذهب يفتّش وينظر وجوه الناس ليصل إلى الإمام، فوقف على حانوت خرّاز وعلى باب الحانوت رجل جالس وامرأة واقفة تعامل صاحب الحانوت على قفل فيسومه صاحب الحانوت مثلاً بخمسة وثلاثين فلساً وهي تقول له: لا أملك إلاّ أربعة وثلاثين فلساً، فقال لها صاحب الحانوت: يا أمة الله هو عليّ أربع وثلاثين وأنا أربح منه فلساً واحداً، حتّى طال الالحاح من المرأة، فالتفت الشيخ إلى صاحب الحانوت قائلاً: ما يضرّك لو دفعت لها القفل بما عندها وهي صادقة في قولها، فقال له صاحب الحانوت: ما أنت وذاك؟ أوما بلغك أنّه من حُسن إسلام المرء تَرْكُه ما لا يعنيه؟ فقال الرجل الجالس: صحيح إنّ هناك أناساً يريدون أن يتوصّلوا إلى سرٍّ ليس من شأنهم، فانزعج الشيخ ولم يلتفت إلى قول الرجل وأنّه هو مطلوبه والذي هو في صدره، فانصرف يفتّش عن غرضه إلى أن وصل إلى باب الصحن الثانية فذكر قول الرجل وأنّه هو مطلوبه والذي يسعى في أثره، وأنّ الرجل وقف على سرّه، فرجع مسرعاً فلم ير الرجل، فسأل عنه صاحب الحانوت فقال له: قام ومضى في سوق الاستربادي، فأسرع يفتّش عليه فلم يجده، فرجع إلى صاحب الحانوت مستفسراً عنه فقال: لا أعرفه، إلاّ أنّه أكثر من عشرين سنة يتردّد عليّ ولا أحبّ أن أسأله من هو خوفاً ألاّ يرضى، إلاّ أنّ هذا الرجل من نوادر الزمن، فقال: كيف ذاك؟ فقال: يظهر أنّه من الأثرياء، لأنّه يذكر لي أنّ له قصراً في مكّة وفي المدينة والنجف وكربلاء وسامرّاء وأعتقد أنّه صادق. ثمّ إنّه عالم لأنّه لم تعترض لي مسألة فقهيّة فأسأل عنها الحجّة الشيخ محمّد حسن آل ياسين فيُجيبني، فإذا جاءني هذا الرجل فيسألني: هل عرضت لك مسألة فقهيّة؟ فأقول: بلى فسألت عنها الشيخ محمد حسن آل ياسين فأجابني بكذا، فيقول: صحيح، دليلُها من القرآن فلان آية وآية كذا، فيذكر جملة من الآيات القرآنيّة، ومن السنّة كذا وكذا، فيذكر جملة من الأحاديث النبوية، ثم إنّه طبيب حاذق، ما وَصف لي دواء إلاّ وعوفي مرضي من وقته وساعته بذلك الدواء. فقال الشيخ: أما تعرفه؟ قال: لا والله ولا أحبّ أن أسأله، فقال الشيخ: هذا صاحب الأمر المنتظر، فقال صاحب الحانوت: من الأسف أنّه لا يعود إليّ بعد هذا، وهكذا كان؛ انتهى ما علق بخاطري.

وبالتالي فقد استأثر الله سبحانه بعلم جملة أشياء لم يُطلع عليها ملكاً مقرّباً ولا نبيّاً مُرسَلاً: كعِلم الساعة وأخواتها «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الأَْرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ».(43)

وأخفى جملة أمور لم يعلم على التحقيق وجه الحكمة في إخفائها: كالاسم الأعظم وليلة القدر وساعة الاستجابة. والغاية أنّه لا غرابة في أن يفعل سبحانه فعلاً أو يحكم حكماً مجهول الحكمة لنا، إنّما الكلام في وقوع ذلك وتحقّقه، فإذا صحّ إخبار النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأوصيائه المعصومين (عليهم السلام) لم يكن بدّ من التسليم والاذعان ولا يلزمنا البحث عن حكمته وسببه.

والقول الفصل أنّه إذا قامت البراهين في مباحث الإمامة على وجوب وجود الإمام في كلّ عصر، وأنّ الأرض لا تخلو من حجّة، وأنّ وجوده لطف وتصرّفه لطف آخر فالسؤال عن الحكمة ساقط.

 

[كلام محي الدين العربي في حق الإمام المهدي (عليه السلام)]:

والأدلّة والأحاديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) مستفيضة متواترة لا يسعها المقام. ونكتفي هنا بعبارة الشيخ محي الدين العربي، فقد ذكر في الباب السادس والستين والثلاثمائة من كتابه ـ الفتوحات المكّيّة ـ وهو من كبار علماء السنّة وأحد أقطابها قال ما نصّه في وصف الإمام:

«واعلم أنّه لابدّ من خروج المهدي (عليه السلام)، لكن لا يخرج حتّى تمتلأ الأرض جوراً وظلماً فيملؤها قسطاً وعدلاً، ولو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يلي هذا الخليفة، وهو من عترة رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ولد فاطمة (عليها السلام)، جدّه الحسين بن علي بن أبي طالب ووالده الحسن العسكري ابن الإمام علي النقي ـ بالنون ـ ابن الإمام محمد التقي ـ بالتاء ـ ابن الإمام علي الرضا ابن الإمام موسى الكاظم ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمد الباقر ابن الإمام زين العابدين علي ابن الإمام الحسين ابن الإمام علي ابن أبي طالب (عليهم السلام)، يواطئ اسمه اسم رسول الله، يُبايعه المسلمون ما بين الركن والمقام، يشبه رسول الله في الخَلق وينـزل عنه في الخُلق، إذ لا يكون أحد مثل رسول الله في أخلاقه والله تعالى يقول: «إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ».(44)

هو أجلى الجبهة، أقنى الأنف، أسعد الناس به أهل الكوفة، يقسم المال بالسويّة، ويعدل في الرعيّة، يأتيه الرجل فيقول: يا مهدي أعطني ـ وبين يديه المال ـ فيحثي له ما استطاع أن يحمله، يخرج على فترة من الدين، يزع الله به ما لا يزع بالقرآن، يُمسي الرجل [من أتباعه] جاهلاً وبخيلاً، فيصبح عالماً شجاعاً كريماً، يمشي النصر بين يديه، يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً، يقفو أثر رسول الله ولا يُخطئ، له مَلَك يُسدّده من حيث لا يراه، يحمل الكَلّ ويُعين الضعيف ويساعد على نوائب الحقّ، يفعل ما يقول ويقول ما يفعل ويعلم ما يشهد، ويُصلحه الله في ليلة(45) يفتح المدينة الرومية بالتكبير مع سبعين ألف من المسلمين من ولد إسحاق، يشهد الملحمة العظمى مأدبة الله بمرج عكاء، يُبيد الظلم وأهله ويقيم الدين وينفخ الروح في الإسلام، يُعزّ الله به الإسلام بعد ذلّه، ويُحييه بعد موته، يضع الجزية ويدعو إلى الله بالسيف، فمن أبى قتل، ومن نازعه خذل، يُظهر الدين على ما هو عليه في نفسه حتّى لو كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيّاً لحكم به، فلا يبقى في زمانه إلاّ الدين الخالص عن الرأي، يخالف في غالب أحكامه مذاهب العلماء فينقبضون منه لذلك لظنّهم أنّ الله تعالى لا يحدث بعد أئمتهم مجتهداً.

وأطال في ذلك وفي ذكر وقايعه معهم، ثمّ قال: واعلم أنّ المهدي إذا خرج يفرح به جميع المسلمين خاصّتهم وعامّتهم، وله رجال إلهيّون يُقيمون دعوته وينصرونه وهم الوزراء له يتحمّلون أثقال المملكة ويُعينونه على ما قلّده الله له، ينـزل عليه عيسى ابن مريم (عليه السلام) بالمنارة البيضاء شرقيّ دمشق متّكئاً على مَلَكين ملك عن يمينه وملك عن شماله، وفي زمانه يُقتل السفياني عند شجرة بغوطة دمشق ويخسف بجيشه في البيداء، فمن كان مجبوراً من ذلك الجيش مكرهاً يُحشر على نيّته، وقد جاءكم زمانه وأظلّكم أو أنه، وقد ظهر في القرن الرابع اللاحق بالقرون الثلاثة الماضية قرن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو قرن الصحابة ثمّ الذي يليه ثمّ الذي يلي الثاني، ثمّ جاء بينها فترات وحدثت أمور وانتشرت أهواء وسُفكت دماء فاختفى إلى أن يجيء الوقت المعلوم، فشهداؤه خير الشهداء، واُمناؤه خير الأمناء، وقد استوزر الله له طائفة خبأهم الحقّ له في مكنون غيبه أطلعهم كشفاً وشهوداً على الحقائق وما هو أمر الله عليه في عباده، وهم على إقدام رجال من الصحابة الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وهم من الأعاجم ليس فيهم عربي لكن لا يتكلّمون إلاّ بالعربية، لهم حافظ من غير جنسهم ما عصى الله قطّ هو أخصّ الوزراء به.

وبعد فصل صحيفة يقول: فإن قلت: فما صورة ما يحكم به المهدي إذا خرج، هل يحكم بالنصوص أو الاجتهاد أو بهما؟ فالجواب أنّه يحكم بما ألقى إليه ملك الإلهام من الشريعة، وذلك أن يُلهمه الله الشرع المحمّدّي فيحكم به، كما أشار إليه حديث النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه يقفو أثري،(46) فعرّفنا (صلى الله عليه وآله) أنّه متّبع لا مُبتدع، وأنّه معصوم في حكمه، إذ لا معنى للمعصوم في الحكم إلاّ أنّه لا يُخطئ، وحكم رسول الله لا يخطئ، فإنّه لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يُوحى، وقد أخبر عن المهدي أنّه لا يخطئ، وجعله ملحقاً بالأنبياء في ذلك الحكم، قال الشيخ: فعلم أنّه يحرم على المهدي القياس مع وجود النصوص التي منحه الله إياها على لسان ملك الالهام، بل حرّم بعض المحقّقين على جميع أهل القِبلة القياس لكون رسول الله (صلى الله عليه وآله) مشهوداً لهم، فإذا شكّوا في صحّة حديث أو حكم رجعوا إليه في ذلك فأخبرهم بالأمر الحقّ يقظة ومشافهة، وصاحب هذا المشهد لا يحتاج إلى تقليد أحد من الأئمّة غير رسول الله (صلى الله عليه وآله)... إلى آخر مقالته «قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي»(47) وأطال في ذلك.(48) انتهى.

وجاء هذا المقال أيضاً في كتاب (مشارق الأنوار) تأليف الشيخ حسن العدوي الحمزاوي ص 112 طبقة 1307 سنة هجرية بالمطبعة العثمانيّة بمصر، وذكر أيضاً في كتاب (اليواقيت والجواهر) لعبد الوهاب الشعراني في الجزء الثاني ص 143 طبعة سنة 1321 هجرية بالمطبعة الأزهرية بمصر.

* * *

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 10: 93 - 94.

(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 10: 95.

(3) الفرقان: 38.

(4) ق: 12.

(5) تفسير مجمع البيان 7: 296.

(6) بحار الأنوار 14: 152 - 153/ ح2.

(7) بحار الأنوار 14: 153/ ح3.

(8) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 10: 96.

(9) بحار الأنوار 1: 215؛ الخصال للصدوق: 111/ ح83.

(10) النحل: 125.

(11) آل عمران: 48.

(12) البقرة: 129؛ آل عمران: 164؛ الجمعة: 2.

(13) البقرة: 269.

(14) تفسير الصافي 1: 298.

(15) تفسير الصافي 1: 298؛ تفسير العيّاشي 1: 151 / ح496.

(16) تفسير الصافي 1: 98، تفسير العيّاشي 1: 151/ ح498.

(17) البقرة: 269.

(18) تفسير الصافي 1: 299؛ مصباح الشريعة: 198.

(19) تفسير الصافي 1: 299؛ الخصال: 111 / ح83.

(20) تفسير الصافي 1: 299 / ح269؛ الخصال: 146/ ح145؛ الكافي 2: 53/ ح1.

(21) البقرة: 231.

(22) مريم: 12.

(23) لقمان: 12.

(24) النساء: 54.

(25) ص: 20.

(26) البقرة: 251.

(27) نحل: 125.

(28) مخطوط.

(29) الخصال: 348/ ح21؛ بحار الأنوار 75: 31/ ح99.

(30) الفرج بعد الشدّة للقاضي التنوخي 1: 38.

(31) مخطوط.

(32) مستدرك الوسائل 11: 229 / ح12823؛ الاختصاص للمفيد: 343.

(33) الكافي 8: 167/ ح186.

(34) المعجم الأوسط للطبراني 3: 156، وفيه «إنّ الدين بدأ غريباً، وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء».

(35) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 10: 98 - 99.

(36) الدعوات للراوندي: 63؛ الكافي 1: 32/ ح2.

(37) الصافات: 143 و144.

(38) الكهف: 25.

(39) العنكبوت: 14.

(40) التوبة: 33؛ الفتح: 28؛ الصف: 9.

(41) النساء: 159.

(42) انظر معجم أحاديث المهدي 5: 148 و418.

(43) لقمان: 34.

(44) القلم: 4.

(45) وفي رواية أخرى: يُصلح الله له أمره في ليلة. «قد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنـّه قال لبعض أصحابه: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو، فإنّ موسى بن عمران (عليه السلام) خرج ليقتبس لأهله ناراً، فرجع إليهم وهو رسول نبيّ، فأصلح الله تبارك وتعالى أمر عبده ونبيّه موسى (عليه السلام) في ليلة، وهكذا يفعل الله تبارك وتعالى بالقائم.

(46) إسعاف الراغبين للصبّان: 141.

(47) يوسف: 108.

(48) الفتوحات المكـّيّةلابن عربي، الباب 366 من المجلـّد الثالث.