من خطبة له (عليه السلام):[ يحذر فيها من الغفلة ويبين علمه وفضله على الآخرين]

«أَيُّهَا النَّاسُ الغافلون غَيْرُ الْمَغْفُولِ عَنْهُمْ وَالتَّارِكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ مَا لِي أَرَاكُمْ عَنِ اللَّهِ ذَاهِبِينَ وَإِلَى غَيْرِهِ رَاغِبِينَ كَأَنَّكُمْ نَعَمٌ أَرَاحَ بِهَا سَائِمٌ إِلَى مَرْعًى وَبِيٍّ وَمَشْرَبٍ دَوِيٍّ وَإِنَّمَا هِيَ كَالْمَعْلُوفَةِ لِلْمُدَى لا تَعْرِفُ مَا ذَا يُرَادُ بِهَا إِذَا أُحْسِنَ إِلَيْهَا تَحْسَبُ يَوْمَهَا دَهْرَهَا وَشِبَعَهَا أَمْرَهَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُ أَنْ أُخْبِرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَخْرَجِهِ وَمَوْلِجِهِ وَجَمِيعِ شَأْنِهِ لَفَعَلْتُ وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ تَكْفُرُوا فِيَّ بِرَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) أَلَا وَإِنِّي مُفْضِيهِ إِلَى الْخَاصَّةِ مِمَّنْ يُؤْمَنُ ذَلِكَ مِنْهُ وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ وَاصْطَفَاهُ عَلَى الْخَلْقِ مَا أَنْطِقُ إِلَّا صَادِقاً وَقَدْ عَهِدَ إِلَيَّ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَبِمَهْلِكِ مَنْ يَهْلِكُ وَمَنْجَى مَنْ يَنْجُو وَمَآلِ هَذَا الْأَمْرِ وَمَا أَبْقَى شَيْئاً يَمُرُّ عَلَى رَأْسِي إِلَّا أَفْرَغَهُ فِي أُذُنَيَّ وَأَفْضَى بِهِ إِلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَحُثُّكُمْ عَلَى طَاعَةٍ إِلَّا وَأَسْبِقُكُمْ إِلَيْهَا وَلَا أَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَةٍ إِلَّا وَأَتَنَاهَى قَبْلَكُمْ عَنْهَا».

(شرح النهج للمعتزلي مج 2 ص 507 ط الأُولى).

* * *

ضبط الألفاظ اللغوية:

(النَّعم) بالتحريك جمع لا واحد له من لفظه، وأكثر إطلاقه على الإبل. و(أراح) الإبل ردّها إلى المراح، وهو بالضمّ مأوى الماشية بالليل، وبالفتح الموضع الذي يروح منه القوم أو يروحون إليه. و(سامت) الماشية سوماً رعت بنفسها فهي سائمة، و(الوبيّ) بالتشديد ذو الوباء والمرض، و(الدويّ) ذو الداء، و(المُدى) بالضم جمع مدية وهي السكّين، و(الشبع) وزان عنب ضدّ الجوع.

الشرح:

إنّ مدار هذه الخطبة الشريفة على فصلين:

 

الفصل الاول: [إيقاظ الغافلين]

في إيقاظ الغافلين وتنبيه الجاهلين من رقدة الغفلة والجهالة، وهو قوله (عليه السلام): (أيّها الغافلون غير المغفول عنهم) الظاهر أنّ الخطاب لكلّ من اتّصف بالغفلة من المكلّفين، أي الذين غفلوا عمّا أُريد منهم من المعارف الحقّة والتكاليف الشرعيّة، ولم يُغفل عنهم وعمّا فعلوا، لكون أعمالهم مكتوبة محفوظة في اللوح المحفوظ وصحائف الأعمال، وكلّ ما فعلوه في الزُّبر وكلّ صغير وكبير مُستطَر.

(والتاركون) لما أُمروا به من الفرائض والواجبات، (المأخوذ منهم) ما اغترّوا به من الأهل والمال والزخارف والقينات، (ما لي أراكم عن الله ذاهبين) كناية عن إعراضهم عن الله سبحانه والتفاتهم إلى غيره تعالى، (وإلى غيره راغبين) إشارة إلى رغبتهم في زهرة الحياة الدنيا وإعجابهم بها.

(كأنّكم نَعَم أراح بها سائم إلى مرعى وبيّ ومشرب دويّ) شبّههم بأنعامٍ ذهب بها سائم إلى مرعى ومشرب وَصْفُهما ما ذكر، والمراد بالسائم حيوان يسوم ويرعى، وهو المستفاد من الشارح المعتزليّ حيث قال: شبّههم بالنعم التي تتبع نعماً أخرى سائمة أي راعية، وإنّما قال ذلك لأنّها إذا تبعت أمثالها كان أبلغ في ضرب المثل بجهلها من الإبل التي يسيمها راعيها.

وفسّره الشارح البحرانيّ بالراعي، أي الذي يراعي النعم ويحفظها ويواظب عليها، من الرعاية وهو المراعاة والملاحظة، قال: شبّههم بالنعم التي أراح بها راعيها إلى مرعى كثير الوباء والداء، ووجه الشبه أنّهم ـ لغفلتهم ـ كالنعم، ونفوسهم الأمّارة القائدة لهم إلى المعاصي كالراعي القائد إلى المرعى الوبي ولذّات الدنيا ومشتهياتها، وكون تلك اللذّات والمشتهيات محل الآثام التي هي مظنّة الهلاك الأُخرويّ والداء الدويّ، يشبه المرعى الوبيّ والمشرب الدويّ.

(إنّما هي كالمعلوفة للمُدى) السكاكين (لا تعرف ماذا يُراد بها إذا أحسن إليها) أي تزعم وتظن أنّ العلف إحسان إليها على الحقيقة، ولا تعرف أنّ الغرض من ذلك هو الذبح والهلاك، (تحسب يومَها دهرَها) يعني أنّها لكثرة إعجابها لعلفها في يومها تظنّ أنّ دهرها مقصور على ذلك اليوم ليس لها وراءه يوم آخر، وقيل: معناه أنّها تظن أنّ ذلك العلف والاطعام كما هو حاصل لها ذلك اليوم يكون حاصلاً لها أبداً، (وشبعها أمرها) أي تظنّ انحصار أمرها وشأنها في الشبع، مع أنّ غرض صاحبها من إطعامها وإشباعها أمر آخر.

 

الفصل الثاني: [إشارة إلى مناقب علي (عليه السلام)]

في الاشارة إلى بعض مناقبه الجميلة ومقاماته الجليلة، وهو قوله (عليه السلام): «واللهِ لو شئتُ أن أخبر كلّ رجلٍ منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلتُ» أي لو أشاء لأخبر كل واحد منكم بأنّه من أين خرج، وأين دخل، وكيفية خروجه وولوجه، وأُخبر بجميع شأنه وشغله من أفعاله وأقواله ومطعمه ومشربه وما أكله وما ادّخره في بيته وغير ذلك ممّا أضمروه في قلوبهم وأسرّوه في ضمائرهم، كما قال المسيح (عليه السلام): «أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ».(1)

«ولكن أخاف أن تكفروا فيَّ برسول الله (صلى الله عليه وآله)»،(2) قال الشارح المعتزلي: أي أخاف عليكم الغلوّ في أمري وأن تفضّلوني على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بل أخاف عليكم أن تدّعوا فيّ الألوهية كما ادّعت النصارى ذلك في المسيح لمّا أخبرهم بالأمور الغايبة، ومع أنّه قد كتم ما علمه حذراً من أن يكفروا فيه برسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقد كفر كثير منهم وادّعوا فيه النبوّة، وادّعوا فيه أنّه شريك الرسول في الرسالة، وادّعوا فيه أنّه هو مكان الرسول ولكن الملك غلط فيه، وادّعوا أنّه الذي بعث محمداً إلى الناس، وادّعوا فيه الحلول، وادّعوا فيه الاتحاد، ولم يتركوا نوعاً من أنواع الضلالة فيه إلاّ وقالوه واعتقدوه. وقال شاعرهم فيه من أبيات:

ومن أهلك عاداً وثموداً بدواهيه
ومن قال على المنبر يوماً وهو راقيه

 

ومن كلّم موسى فوق طور أو يناديه
سلوني أيها الناس فحاروا في معانيه

وقال بعض شعرائهم أيضاً:

إنّما خالق الخلائق مَن
قد رضينا به إماماً ومولى

زعزع أركان حصن خيبرٍ جَذْبا
وسجدنا له إلهاً وربّا(3)

* * *

في ناس هذا العصر من إذا وقعت أبصارهم أو سمعت آذانهم بالإخبار عن المغيّبات طاف على ثغورهم شبح ابتسامة، ولاح في أعينهم بريق الهزء، وارتسمت معالم وجوههم بإمارات الاستنكار، ولم كلّ هذا؟! لأنّنا في هذا العصر الآليّ لا نستطيع ـ إذا أردنا أن نحترم أنفسنا وعقولنا ـ أن نؤمن بوجود إنسان يعلم الغيب، إنسان تنقشع من أمام عينيه حُجب القرون وتنطوي المسافات، فيقرأ المستقبل البعيد أو الخاطر المحجوب كما يقرأ في كتاب مفتوح، ويعي حوادثه كأنّها بنت الساعة التي هو فيها.

وطبيعة الثقافة المنحرفة التي يلقاها إنسان هذا العصر في كلّ مكان هي التي تدفع بهؤلاء إلى أن يقفوا هذا الموقف ويتّجهوا هذا المتّجه في إنكار كلّ دعوة تذهب إلى أنّ في الانسان شيئاً آخر وراء غدده وخلاياه. فهذه الثقافة تعتبر الانسان آلة دقيقة الصنع فقط، فلا شيء وراء الغدد والأعصاب يمكن أن يعتبر موجِّهاً للنشاط الإنساني وباعثاً له.

وليس هؤلاء سوى طائفة من الناس تنظر إلى الإنسان من أحد جوانبه، وتبني أحكامها على ما ترى، غير حاسبة أن ثمّة غير هذا الجانب، وأنّ حكمها على الانسان قبل الاحاطة به من أقطاره ضرب في الخبط العشوائيّ الذي لا يليق بمن يدّعي العلم ويستهديه فيما يفعل أو يقول، وهؤلاء أشبه بمن يحكم بأنّ لون الهرم أحمر لمجرّد أنّه رأى ضلعاً واحداً من أضلاعه بهذا اللون قبل أن يرى بقية الأضلاع.

في حين أنّ العلم التجريبـي نفسه يؤمن بأنّ هناك قوّة خفيّة مودعة بالانسان تصله بالمجهول المحجوب في أحشاء الزمان أو ثنايا المكان، وتلك القوة هي المعبّر عنها بالروح، فكلّما كان الانسان على حال رفيعة من الصفاء العقليّ والطهارة الروحيّة والنقاء الوجدانيّ، كانت هذه القوى أنشط وأبلغ في النفوذ إلى المغيّب المحجوب.

وقد اكتشف الباحثون في العصور الأخيرة أنّ في الإنسان ملكات نفسيّة خارقة أهمّها ثلاث: تناقل الأفكار، رؤية الأشيآء من وراء حاجز أو عن بُعد، والتنبّؤ.

وإذا كانت هذه الظاهرة حقيقة واقعيّة، وكانت القوانين العلميّة الحديثة لا تأباها، فلا حرج علينا إذن أن ندرسها عند علي أمير المؤمنين (عليه السلام) كما تبدو لنا في نهج البلاغة وغيره.

قد دلّت الأبحاث الحديثة على أنّ كلّ إنسان يملك مقداراً من هذه القوة الخارقة التي تكشف له عما اضطمّت عليه أحشاء المستقبل، ولكنّ الناس إذا تساووا في نوع هذه القوّة فإنّهم يختلفون في مقدارها.

فقد ثبت أنّ هذه الحاسّة توجد عند بعض الناس بقوّة تثير الدهشة، بينما توجد في بعض آخر على حال من الضعف والوهن لا تكاد تبين معه، فما السبب في هذا التفاوت؟

لقد تبيّن للباحثين أنّ قوّة هذه الحاسّة تتناسب تناسباً طرديّاً مع درجة الصفاء الروحيّ والنقاء الداخليّ اللذين يتمتّع بهما الشخص، فكلّما كان الانسان صافي النفس نقيّ الضمير، منعتقاً من أسر التقاليد الاجتماعيّة الضارّة، منفلتاً من قيد الضرورات وما إليها، خالي النفس من العُقد والأحقاد والمطامع، كانت هذه الحاسّة فيه قويّة بالغة القوّة، وكلّما كان الانسان مشوّش النفس، موزّع الضمير، مستغرقاً في حواسّه، أسيراً لضرورات جسده وشهواته، كانت هذه الحاسّة فيه ضامرة لا تكاد تبين، فهذه الحاسّة لا تنشط إلاّ في ساعات الصفاء العقليّ والروحيّ والوجدانيّ، فعند ذلك تبلغ أقصى قوّتها.

فإذا شئنا أن نبحث عن هذه الظاهرة في حياة الإمام علي (عليه السلام) طالعتنا فيه على أتّم وأكمل ما تكون، فلقد بلغ من الصفاء الروحيّ حدّاً لم يُدانِه فيه إنسان على الإطلاق، ولم يزد عليه فيه إلاّ النبي (صلى الله عليه وآله)، وتاريخ حياته (عليه السلام) سلسلة ذهبيّة من هذه الظواهر الرائعة الفاتنة.

وإذا صحّ أنّ تجرّداً وصفاء وقتيّين يقوم بهما إنسان عاديّ يتيحان له إطلاق قواه الخارقة، فما قولك فيمن كانت حياته كلها تجرّداً وصفاء لا يعدله في بني الإنسان صفاء؟

إنّ هذه الظاهرة التي تبدو لأعيننا في تاريخه (عليه السلام) لتدلّ أنّه (عليه السلام) كان يدخل في وسعه أن يُطلق قواه الخارقة متى أراد، وأن يعي ما غاب عنه في أحشاء الزمان وطوايا المكان متى شآء.

ويصدّق قولنا هذا ما أثبته المؤرّخون وتسالموا عليه من إخباراته بالمغيّبات، وصدق ما أخبر به ووقوعه بعده بأزمان.

لقد تحدّث الإمام (عليه السلام) عن علمه بالمغيّبات في مناسبات كثيرة منها قوله: «فَاسْأَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَسْأَلُونَنِي عَنْ شَيْ‏ءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ السَّاعَةِ وَلَا عَنْ فِئَةٍ تَهْدِي مِائَةً وَتُضِلُّ مِائَةً إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ بِنَاعِقِهَا وَقَائِدِهَا وَسَائِقِهَا وَمُنَاخِ رِكَابِهَا وَمَحَطِّ رِحَالِهَا وَمَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِهَا قَتْلًا وَمَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتاً وَلَوْ قَدْ فَقَدْتُمُونِي وَنَزَلَتْ بِكُمْ كَرَائِهُ الْأُمُورِ وَحَوَازِبُ الْخُطُوبِ لَأَطْرَقَ كَثِيرٌ مِنَ السَّائِلِينَ وَفَشِلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَسْئُولِينَ». (ابن ابي الحديد مج 2 ط 1 ص 174).

وقد ذكر (عليه السلام) أنّه استقى علمه هذا من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقد أتى في كلام له بعد أن هزم أصحاب الجمل في البصرة على ذكر بعض ما يلمّ بالبصرة من الخطوب، فذكر فتنة الزنج، وذكر التتر، فقال له بعض أصحابه: لقد أُعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب، فضحك الإمام وقال للرجل: «لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْبٍ وَإِنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْمٍ وَإِنَّمَا عِلْمُ الْغَيْبِ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا عَدَّدَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الأَْرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ»(4) فَهَذَا عِلْمُ الْغَيْبِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَعِلْمٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ نَبِيَّهُ (صلى الله عليه وآله) فَعَلَّمَنِيهِ وَدَعَا لِي بِأَنْ يَعِيَهُ صَدْرِي وَتَضْطَمَّ عَلَيْهِ جَوَانِحِي». (ابن ابي الحديد مج 2 ط 1 ص 361).

وقال (عليه السلام): «أَيُّهَا النَّاسُ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ عِصْيَانِي وَلَا تَتَرَامَوْا بِالْأَبْصَارِ عِنْدَ مَا تَسْمَعُونَهُ مِنِّي فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّ الَّذِي أُنَبِّئُكُمْ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ (صلى الله عليه وآله) مَا كَذَبَ الْمُبَلِّغُ وَلَا جَهِلَ السَّامِعُ». (ابن ابي الحديد مج 2 ط 1 ص 193).

قلنا: لقد أخبر (عليه السلام) عن البصرة وما يلمّ بها من الخطوب، وذلك بعد فراغه من أصحاب الجمل بقوله: «... وَايْمُ اللَّهِ لَتَغْرَقَنَّ بَلْدَتُكُمْ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَسْجِدِهَا كَجُؤْجُؤِ سَفِينَةٍ أَوْ نَعَامَةٍ جَاثِمَةٍ». وقد صدّقت الحوادث هذه النبوءة، فقد ذكر ابن أبي الحديد أنّ البصرة غرقت مرّتين مرّة في أيام القادر بالله، ومرّة في أيام القائم بأمر الله، غرقت بأجمعها ولم يبق منها إلاّ مسجدها الجامع بارزاً كجؤجؤ الطائر حسب ما أخبر به أمير المؤمنين (عليه السلام)، وخربت دورها وغرق كلّ ما في ضمنها وهلك كثير من أهلها، وأخبار هذين الغرقين معروفة عند أهل البصرة يتناقله خلفهم عن سلفهم. (الحديدي مج 1 ط 1 ص 84).

وأخبر (عليه السلام) عن هلاك البصرة بالزنج، فقال مخاطباً الأحنف بن قيس بعد حرب الجمل: «يَا أَحْنَفُ كَأَنِّي بِهِ وَقَدْ سَارَ بِالْجَيْشِ الَّذِي لا يَكُونُ لَهُ غُبَارٌ وَلَا لَجَبٌ (أي صوت) وَلَا قَعْقَعَةُ لُجُمٍ وَلَا حَمْحَمَةُ خَيْلٍ يُثِيرُونَ الْأَرْضَ بِأَقْدَامِهِمْ كَأَنَّهَا أَقْدَامُ النَّعَامِ وَيْلٌ لِسِكَكِكُمُ الْعَامِرَةِ وَالدُّورِ الْمُزَخْرَفَةِ الَّتِي لَهَا أَجْنِحَةٌ كَأَجْنِحَةِ النُّسُورِ وَخَرَاطِيمُ كَخَرَاطِيمِ الْفِيَلَةِ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لا يُنْدَبُ قَتِيلُهُمْ وَلَا يُفْقَدُ غَائِبُهُمْ أَنَا كَابُّ الدُّنْيَا لِوَجْهِهَا وَقَادِرُهَا بِقَدْرِهَا وَنَاظِرُهَا بِعَيْنِهَا» (الحديدي مج 2 ط 1 ص 310).

هذه النبوءة صدّقتها الحوادث، ففي سنة خمسة وخمسين ومائتين ظهر المدعوّ علي بن محمد بن عبد الرحيم، وجمع الزنوج وخرج على المهتدي العبّاسي، واستشرى أمره، وكاد يبيد البصرة ويُفني أهلها، واستمرّت الحرب بينه وبين السلطة المركزيّة خمسة عشر عاماً، إلى أن قُتل في سنة سبعين ومائتين. وقد كتب ابن أبي الحديد فصلاً كبيراً عن هذه النبوءة في المجلّد الثاني من كتابه شرح النهج ص 310 و 361.

ولا يفوتنا التنبيه على تنبّؤه (عليه السلام) في النصّ الآنف بما ستكون عليه حال البصرة من الناحية العمرانيّة.

وأخبر (عليه السلام) عن هلاك البصرة بالتتر فقال:

«كَأَنِّي أَرَاهُمْ قَوْماً كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطَرَّقَةُ يَلْبَسُونَ السَّرَقَ وَالدِّيبَاجَ وَيَعْتَقِبُونَ الْخَيْلَ الْعِتَاقَ وَيَكُونُ هُنَاكَ اسْتِحْرَارُ قَتْلٍ حَتَّى يَمْشِيَ الْمَجْرُوحُ عَلَى الْمَقْتُولِ وَيَكُونَ الْمُفْلِتُ أَقَلَّ مِنَ الْمَأْسُورِ» (الحديدي مج 2 ط 1 ص 361) وهذه النبوءة تحقّقت بظهور التتار واكتساحهم للممالك حتّى وصلوا إلى العراق، فلقيت البصرة منهم أعظم البلاء وأشنعه، فقد تكدّست الجثث في الشوارع والأزقّة، وحلّ بالناس منهم خوف عظيم. وقد وقعت هذه الأحداث في زمن ابن أبي الحديد، فكتب عنها فصلاً كبيراً في المجلّد الثاني من كتابه «شرح النهج» ص 361.

وتنبّأ (عليه السلام) بما سيحلّ بالكوفة من الظالمين فقال:

«كَأَنِّي بِكِ يَا كُوفَةُ تُمَدِّينَ مَدَّ الْأَدِيمِ الْعُكَاظِيِّ تُعْرَكِينَ بِالنَّوَازِلِ وَتُرْكَبِينَ بِالزَّلَازِلِ وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِكِ جَبَّارٌ سُوءاً إِلَّا ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِشَاغِلٍ وَرَمَاهُ بِقَاتِلٍ».(5)

وقد صدّقت الحوادث نبوءته، فقد تعاقب على الكوفة سلسلة من ولاة الجور وأعوان الظلمة، أذاقوها المصاب، وساموها العذاب، فزياد بن أبيه، وعبيد الله بن زياد، والحجّاج بن يوسف، ويوسف بن عمرو الثقفيّ، والمغيرة بن شعبة، وخالد بن عبد الله القسري وأضرابهم، هؤلاء كلّهم أقاموا الحكم في الكوفة على ركام من الجماجم وأنهار من الدماء.

ورمى الله كلّ واحد منهم ببلاء: فمن ذلك أنّ زياد ابن أبيه جمع الناس في المسجد ليلعن علياً، فخرج الحاجب وقال: أيّها الناس انصرفوا فإنّ الامير مشغول عنكم وقد أصابه الفالج في هذه الساعة، وابنه عبيد الله وقد أصابه الجذام، والحجّاج بن يوسف وقد تولّدت الحيّات في بطنه حتّى مات، وعمر بن هبيرة وابنه يوسف وقد أصابهما البرص، وخالد القسريّ وقد حُبس فطوّلت مدّته حتّى مات في الحبس جوعاً.

وتنبّأ (عليه السلام) بتغلّب معاوية على الخلافة، وسيطرته على الكوفة، وأنّه سيأمر أهل الكوفة من الشيعة بسبّ الإمام والبراءة منه، فقال:

«أَمَا إِنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي رَجُلٌ رَحْبُ الْبُلْعُومِ مُنْدَحِقُ الْبَطْنِ يَأْكُلُ مَا يَجِدُ وَيَطْلُبُ مَا لا يَجِدُ فَاقْتُلُوهُ وَلَنْ تَقْتُلُوهُ أَلَا وَإِنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي وَالْبَرَاءَةِ مِنِّي فَأَمَّا السَّبُّ فَسُبُّونِي فَإِنَّهُ لِي زَكَاةٌ وَلَكُمْ نَجَاةٌ وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ فَلَا تَتَبَرَّءُوا مِنِّي فَإِنِّي وُلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَسَبَقْتُ إِلَى الْإِيمَانِ وَ الْهِجْرَةِ».(6)

هذه النبوءة تحقّقت بتمامها، فقد غلب معاوية بعد صلح الحسن(عليه السلام) وأمر الناس بسبّ الإمام (عليه السلام) والبراءة منه، وقتل طائفة من عظماء أصحابه لأنّهم ثبتوا على ولائه فلم يتبرّؤا منه، كحجر بن عديّ وأصحابه، وعمرو بن الحمق الخزاعيّ ونظرائه.

وتنبّأ (عليه السلام) بما سيصير إليه أمر الخوارج من بعده، فقال مخاطباً الخوارج:

«... أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلًّا شَامِلًا وَ سَيْفاً قَاطِعاً وَأَثَرَةً يَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ فِيكُمْ سُنَّةً».(7)

ولمّا قُتل الخوارج قيل له: هلك القوم بأجمعهم. قال: «كَلَّا وَاللَّهِ إِنَّهُمْ نُطَفٌ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَقَرَارَاتِ النِّسَاءِ كُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ لُصُوصاً سَلَّابِينَ».(8)

وقد صحّت نبوءته، فلم يمضِ زمن طويل حتّى نجم أمرهم مرّة أخرى واستمرّت بينهم وبين السلطات المركزيّة المتعاقبة حروب طاحنة، وكانت نهايتهم أن صاروا قطّاع طرق ولصوصاً سلاّبين.

وتنبّأ بعدد من يُقتل من أصحابه، وبقدر من يبقى من الخوارج قبل أن يشتبك معهم في النهروان، فقال: « مَصَارِعُهُمْ دُونَ النُّطْفَةِ ـ النهر _، وَاللَّهِ لا يُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ وَلَا يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ» فلم يُقتل من أصحاب الإمام إلاّ ثمانية، ولم ينجُ من الخوارج إلاّ تسعة. (الحديدي مج 1 ط 1 ص 424).

وتنبّأ (عليه السلام) بخلافة مروان بن الحكم وبما سيحلّ بالأمّة منه ومن أولاده، فقال: «أَمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَةً كَلَعْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ وَهُوَ أَبُو الْأَكْبُشِ الْأَرْبَعَةِ وَسَتَلْقَى الْأُمَّةُ مِنْهُ وَمِنْ وَلَدِهِ يَوْماً أَحْمَرَ».(9)

وقد تمّ كلّ ما قال: فقد كانت إمرة مروان قصيرة جدّاً، إذ لم تزد على تسعة أشهر، وكان له من الأبناء أربعة: عبد الملك، عبد العزيز، بشر، محمد، ولي عبد الملك الخلافة، ملك عبد العزيز مصر، ولي محمد الجزيرة، ولي بشر العراق، وقد حلّ بالمسلمين منهم ظلم عظيم.

وتنبّأ (عليه السلام) عن ظلم بني أميّة فقال: «وَاللَّهِ لا يَزَالُونَ حَتَّى لا يَدَعُوا لِلَّهِ مُحَرَّماً إِلَّا اسْتَحَلُّوهُ وَلَا عَقْداً إِلَّا حَلُّوهُ وَحَتَّى لا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا دَخَلَهُ ظُلْمُهُمْ وَنَبَا بِهِ سُوءُ رَعْيِهِمْ وَحَتَّى يَقُومَ الْبَاكِيَانِ يَبْكِيَانِ بَاكٍ يَبْكِي لِدِينِهِ وَبَاكٍ يَبْكِي لِدُنْيَاهُ وَحَتَّى تَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِهِمْ كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ إِذَا شَهِدَ أَطَاعَهُ وَإِذَا غَابَ اغْتَابَهُ». (الحديدي مج 2 ط 1 ص 186).

ولا يجهل أحد مبلغ ما نزل بالناس من ظلم بني أميّة وانتهاكهم للحرمات واستهتارهم بالفضيلة، حتّى صار خلفاؤهم مثلاً في الظلم والفسق والتهتّك.

وتنبّأ (عليه السلام) بولاية الحجّاج وبما سيحلّ بالعراق من بلوائه، فقال: «أَمَا وَاللَّهِ لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ غُلَامُ ثَقِيفٍ الذَّيَّالُ الْمَيَّالُ يَأْكُلُ خَضِرَتَكُمْ وَيُذِيبُ شَحْمَتَكُمْ إِيهٍ أَبَا وَذَحَةَ».(10)

وقال من تتمة خطبة أخرى تنبّأ فيها بولاية الحجّاج بن يوسف الثقفي، ويوسف بن عمرو الثقفي: «وَسَتَلِيكُمْ مِنْ بَعْدِي وُلَاةٌ يُعَذِّبُونَكُمْ بِالسِّيَاطِ وِالْحَدِيدِ، وَسَيَأْتِيكُمْ غُلاَما ثَقِيفٍ أَخْفَشُ وَجعبوب، يَقْتُلانِ وَيَظْلِمَانِ، وَقَلِيلٌ مَا يَمْكُثَانِ».

قال ابن أبي الحديد (مج 2 ط 1 ص 133): «الأخفش ضعيف البصر خلقة، والجعبوب القصير الذميم، وهما الحجّاج بن يوسف، ويوسف بن عمرو الثقفي.

وفي كتاب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج: قاتلك الله أخيفش العينين، أصكّ الجاعرتين.

ومن كلام الحسن البصري يذكر فيه الحجّاج: أتانا أخيفش اُعَيمش يمدّ بيد قصيرة البنان، ما عرق فيها عنان في سبيل الله. وكان المثل يُضرب بقصر يوسف بن عمرو، وكان يغضب إذا قيل له قصير.

ذكر ابن أبي الحديد (مج 1 ص 209) من كتابه «شرح النهج» عن الأعمش عن اسماعيل بن رجاء قال: قام أعشى باهلة ـ وهو غلام يومئذ حدث ـ إلى علي (عليه السلام) وهو يخطب ويذكر الملاحم فقال: يا أمير المؤمنين ما أشبه هذا الحديث بحديث خرافة، فقال علي (عليه السلام): «إنْ كنتَ آثماً فيما قلت يا غلام، فرماك الله بغلام ثقيف، ثمّ سكت، فقام رجال فقالوا: ومن غلام ثقيف يا أمير المؤمنين؟ قال: غلام يملك بلدتكم هذه، لا يترك لله حرمة إلاّ انتهكها، يضرب عنق هذا الغلام بسيفه، فقالوا: كم يملك يا أمير المؤمنين؟ قال: عشرين إن بلغها. قالوا: فيُقتل قتلاً أم يموت موتاً؟ قال: بل يموت حتف أنفه بداء البطن، يثقب سريره لكثرة ما يخرج من جوفه» قال إسماعيل بن رجاء: فو الله لقد رأيت بعيني أعشى باهلة وقد أُحضر في جملة الأسرى الذين أُسروا من جيش عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بين يدي الحجّاج، فقرّعه ووبخّه واستنشده شعره الذي يحرّض فيه عبد الرحمن على الحرب، ثمّ ضرب عنقه في ذلك المجلس.

* * *

إنّ الشريف الرضي (رحمه الله)لم يذكر في «نهج البلاغة» كلّ ما صحّ عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) من إخباره بالمغيّبات، ولكنّ ابن أبي الحديد قد سدّ هذا النقص حين أفاض في ذكر ما صحّ في هذا الباب. وممّا يحسن ذِكره هنا أنّ ابن أبي الحديد لم ينقل كلّما وقع إليه من إخبار الإمام (عليه السلام) بالمغيّبات، بل حقّق فيما وقع إليه من ذلك، فطرح المشتبه أمره وذكر ما صحّ عنه (عليه السلام).

قال ابن أبي الحديد في شرح النهج (مج 2 ط 1 ص 508) «... وقد وقفت له على خطب مختلفة فيها ذكر الملاحم، فوجدتُها تشتمل على ما يجوز أن يُنسب إليه وما لا يجوز أن يُنسب إليه، ووجدت في كثير منها اختلالاً ظاهراً، وهذه المواضع التي أنقلها ليست من تلك الخطب المضطربة، بل من كلام وجدته متفرّقاً في كتب مختلفة».

وعلّل ابن أبي الحديد هذه الظاهرة الفذّة في الامام بقوله:

«واعلم أنّه غير مستحيل أن تكون بعض الأنفس مختصّة بخاصيّة تدرك بها المغيّبات، ولكن لا يمكن أن تكون نفس تدرك كلّ المغيبات، لأنّ القوّة المتناهية لا تحيط بأمور غير متناهية، وكلّ قوّة في نفس حادثة فهي متناهية، فوجب أن يُحمل كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) لا على أن يريد به عموم العالميّة، بل يعلم أموراً محدودة من المغيّبات ممّا اقتضت حكمة الباري سبحانه أن يؤهّله لعلمه...».

ولابن أبي الحديد هذا نصّ طويل ذكر فيه طائفة كبيرة من إخبارات الإمام بالمغيّبات، نذكره لطرافته ولما له من الصلة ببحثنا هذا على أن نتبعه بذكر ما أهمل ابن أبي الحديد ذكره في هذا النصّ، وذكره في مناسبات أخرى.

 

[إخبار علي (عليه السلام) بالمغيبات]:

قال ابن أبي الحديد في المجلد الثاني ص 175 من كتابه شرح النهج:

«... وهذه الدعوى ليست منه (عليه السلام) إدّعاء الربوبيّة ولا ادّعاء النبوّة، ولكنّه كان يقول: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخبره بذلك، ولقد امتحنّا إخباره فوجدناه موافقاً، فاستدللنا بذلك على صدق الدعوى المذكورة، كإخباره عن الضربة التي يُضرب في رأسه فتخضب لحيته، وإخباره عن قتل الحسين (عليه السلام)، وما قاله في كربلاء حيث مرّ بها. وإخباره بملك معاوية الأمر من بعده. وإخباره عن الحجّاج وعن يوسف بن عمرو، وما أخبر به من أمر الخوارج بالنهروان. وما قدّمه إلى أصحابه من إخباره بقتل من يُقتل منهم وصلب من يُصلب. وإخباره بعدّة الجيش الوارد إليه من الكوفة لمّا شخص إلى البصرة لحرب أهلها، وإخباره عن عبد الله بن الزبير، وقوله فيه: «خبّ ضبّ يروم أمراً ولا يدركه، ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا، وهو بَعْدُ مصلوب قريش».

وكإخباره عن هلاك البصرة بالغرق، وهلاكها تارة أخرى بالزنج، وكإخباره عن ظهور الرايات السود من خراسان، وتنصيصه على قوم من أهلها يعرفون ببني رزيق وهم آل مصعب الذين منهم طاهر بن الحسين وولده إسحاق بن ابراهيم، وكانوا هم وسلفهم دعاة الدولة العباسية. وكإخباره عن الأئمة الذين ظهروا من ولده بطبرستان كالناصر والداعي وغيرهما في قوله: «وإنّ لآل محمد بالطالقان لكنـزاً سيظهره الله إذا شآء، دعاؤه حقّ حتى يقوم بإذن الله فيدعو إلى دين الله». وكإخباره عن مقتل النفس الزكية بالمدينة، وقوله: «إنّه يقتل عند أحجار الزيت». وقوله عن أخيه إبراهيم المقتول بباخمرا: «يُقتل بعد أن يظهر، ويُقهر بعد أن يَقهر» وقوله فيه أيضاً: «يأتيه سهم غرب تكون فيه منيّته، فيابؤساً للرامي شلّت يده ووهن عضده» وكإخباره عن قتلى (وَج) وقوله فيهم: «هم خير أهل الارض»، وكإخباره عن المملكة العلوية بالمغرب، وتصريحه بذكر كتامة وهم الذين نصروا أبا عبد الله الداعي المعلّم. وكقوله وهو يشير إلى أبي عبد الله المهدي وهو أوّلهم: «ثمّ يظهر صاحب القيروان الغضّ البَضّ(11) ذو النسب المحض المنتخب من سلالة ذي البداء، المسجّى بالرداء». وكان عبد الله المهدي أبيضاً مترفاً مشرباً بحمرة رخص البدن تار الأطراف، وذو البداء إسماعيل بن جعفر بن محمد (عليهما السلام) وهو المسجّى بالرداء، لأنّ أباه أبا عبد الله جعفر أسجاه بردائه لمّا مات وأدخل إليه وجوه الشيعة يشاهدونه ليعلموا موته وتزول عنهم الشبهة في أمره.

وكإخباره عن بني بويه وقوله فيهم: «ويخرج من ديلمان بنو الصيّاد» أشار إليهم وكان أبوهم صيّاد السمك يصيد منه بيده ما يتقوّت هو وعياله بثمنه، فأخرج الله تعالى من ولده لصُلبه ملوكاً ثلاثة، ونشر ذرّيتهم حتّى ضُربت الأمثال بملكهم، وكقوله فيهم: «ثمّ يستشري أمرهم حتّى يملكوا الزوراء ويخلعوا الخلفاء» فقال له قائل: فكم مدّتهم يا أمير المؤمنين؟ فقال: ماءة أو تزيد قليلاً، وكقوله فيهم: «والمترف بن الأجذم يقتله ابنُ عمّه على دجلة» وهو إشارة إلى عزّ الدولة بختيار بن معزّ الدولة أبي الحسن، وكان معزّ الدولة أقطع اليد قُطعت يده في الحرب، وكان ابنه عزّ الدولة بختيار مترفاً صاحب لهو وطرب، وقتله عضد الدولة فنا خسرو ابن عمه بقصر الجصّ على دجلة في الحرب وسلبه ملكه.

فأمّا خلعهم للخلفاء فإنّ معزّ الدولة خلع المستكفي ورتّب عوضه المطيع، وبهاء الدولة أبا نصر بن عضد الدولة خلع الطائع ورتّب عوضه القادر، وكانت مدّة مُلكهم كما أخبر به (عليه السلام).

وكإخباره (عليه السلام) لعبد الله بن العبّاس عن انتقال الأمر إلى أولاده، فإنّ علي بن عبد الله بن العباس لمّا ولد أخرجه أبوه عبد الله إلى علي (عليه السلام)، فأخذه وتفل في فيه وحنّكه بتمرة قد لاكها، ودفعه إليه وقال: «خُذ إليك أبا الاملاك...».

وكم له (عليه السلام) من الإخبار عن الغيوب الجارية هذا المجرى ممّا لو أردنا استقصاءه لكرّسنا كراريس كثيرة، وكتب السير تشتمل عليها مشروحة (شرح النهج مج 2، ط 1، ص 175).

 

[مجموعة أخرى من المغيبات]:

ونأخذ الآن في ذكر ما أهمل بن أبي الحديد ذكره في النصّ السابق، وأتى على ذكره في مناسبات أخرى:

1 ـ لمّا شجرهم ـ أي الخوارج ـ علي (عليه السلام) بالرماح قال: اطلبوا ذا الثدية، فطلبوه طلباً شديداً حتّى وجدوه في وهدة من الأرض تحت ناس من القتلى، فأُتي به وإذا رجل على ثديه مثل سبلات السنّور، فكبّر علي وكبّر الناس معه.(12)

2 ـ قال (عليه السلام) لمن قال له: أخبرني بما في رأسي ولحيتي من طاقة شعر! بعد كلام: «وإنّ في بيتك سخلاً يقتل ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله)». قال ابن أبي الحديد: وكان ابنه قاتل الحسين طفلاً يحبو، وهو سنان بن أنس النخعي لعنه الله.(13)

3 ـ وخطب ذات يوم فقام رجل من تحت منبره فقال: يا أمير المؤمنين إنّي مررت بوادي القرى فوجدت خالد بن عرفطة قد مات فاستغفرت له. فقال (عليه السلام): «والله ما مات ولا يموت حتّى يقود جيش ضلالة، صاحب لوائه حبيب بن حمّاد» فقام رجل آخر من تحت المنبر فقال: يا أمير المؤمنين أنا حبيب بن حمّاد، وإنّي لك شيعة ومحبّ. فقال (عليه السلام): أنت حبيب بن حماد؟ قال: نعم، فقال له ثانية: واللهِ إنّك لحبيب بن حمّاد؟ فقال: إي والله. قال: أما والله إنّك لحاملها، ولتحملنّها ولتدخلنّ بها من هذا الباب، وأشار إلى باب الفيل بمسجد الكوفة. قال ثابت ـ وهو راوي الحديث _: فو الله ما مات حتّى رأيت ابن زياد وقد بعث عمر بن سعد إلى الحسين بن علي (عليه السلام) وجعل خالد بن عرفطة على مقدّمته، وحبيب بن حمّاد صاحب رايته، فدخل بها من باب الفيل. وفي المجلد 4 من شرح النهج لابن ابي الحديد ص 17 اختلاف في الرواية.

4 ـ كان (عليه السلام) جالساً في مسجد الكوفة وبين يديه قوم منهم عمرو بن حريث إذ أقبلت إمرأة مختمرة لا تُعرف، فوقفت فقالت لعلي (عليه السلام): يا من قتل الرجال وسفك الدماء وأيتم الصبيان وأرمل النساء. فقال علي (عليه السلام): «وإنّها لهي هذه السلقلقة الجلعة المجعة، وإنّها لهي هذه الشبيهة بالرجال والنساء، التي ما رأت دماً قطّ» قال يزيد الأحمسي ـ وهو راوية الحديث_: فولّت هاربة منكّسة رأسها، فتبعها عمرو بن حريث، فلمّا صارت بالرحبة قال لها: والله لقد سررتُ بما كان منك اليوم إلى هذا الرجل فادخلي منـزلي حتّى أهب لك وأكسوك، فلمّا دخلت منـزله أمر الجواري بتفتيشها وكشفها ونزع ثيابها لينظر صدقه فيما قاله عنها، فبكت وسألته أن لا يكشّفها وقالت: أنا والله ـ كما قال ـ لي ركب النساء وأنثيان كأنثيين الرجال، وما رأيت دماً قط، فتركها وأخرجها ورجع إلى مجلسه مع الامام (عليه السلام) فحدّث بذلك.(14)

5 ـ قال (عليه السلام) لعمرو بن الحمق الخزاعي في حديث: «يا عمرو إنّك لمقتول بعدي، وإنّ رأسك لمنقول، وهو أوّل رأس نُقل في الاسلام، والويل لقاتلك، أما إنّك لا تنـزل بقوم إلاّ أسلموك برمّتك إلاّ هذا الحيّ من بني عمرو بن عامر من الأزد، فإنّهم لن يسلموك ولن يخذلوك» قال شمير بن سدير الازدي ـ وهو الراوي _: فو الله ما مضت الأيام حتى تنقّل عمرو بن الحمق في خلافة معاوية في بعض أحياء العرب خائفاً مذعوراً حتّى نزل في قومه من بني خزاعة، فأسلموه فقُتل وحُمل رأسه من العراق إلى معاوية بالشام، وهو أوّل رأس حُمل في الإسلام من بلد إلى بلد.(15)

 

[قصة عمرو بن الحمق الخزاعي]:

قال الخوئي في كتابه (شرح النهج): ما رواه صاحب مدينة المعاجز عن الخصيبـي مسنداً عن أبي حمزة الثمالي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: أرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) سريّة فقال: تصلون ساعة كذا وكذا من الليل أرضاً لا تهتدون فيها سيراً، فإذا وصلتم إليها فخُذوا ذات الشمال فإنّكم تمرّون برجل فاضل خيّر فتسترشدونه فيأبى أن يُرشدكم حتّى تأكلوا من طعامه، ويذبح لكم كبشاً فيُطعمكم، ثمّ يقوم معكم فيرشدكم على الطريق، فاقرءوه مني السلام وأعلموه أنّي قد ظهرت في المدينة.

فمضوا فلمّا وصلوا إلى الموضع في الوقت ضلّوا، فقال قائل منهم: ألم يقل لكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) خُذوا ذات الشمال، ففعلوا فمرّوا بالرجل الذي وصفه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فاسترشدوه الطريق، فقال: إنّي لا أرشدكم حتّى تأكلوا من طعامي، فذبح لهم كبشاً، فأكلوا من طعامه وقام معهم فأرشدهم الطريق، فقال: أظهر النبي صلوات الله عليه وآله بالمدينة؟ فقالوا: نعم، فأبلغوه سلامه، فخلّف في شأنه من خلّف ومضى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو عمرو بن الحمق الخزاعي ابن الكاهن بن حبيب بن عمرو بن القين بن درّاج بن عمرو بن سعد بن كعب، فلبث معه ما شاء الله.

ثمّ قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ارجع إلى الموضع الذي هاجرت إليّ منه، فإذا نزل أخي أمير المؤمنين الكوفة وجعلها دار هجرته فأْتِه.

فانصرف عمرو بن الحمق إلى شأنه، حتّى إذا نزل أمير المؤمنين (عليه السلام) أتاه فأقام معه في الكوفة. فبينا أمير المؤمنين جالس وعمرو بين يديه فقال له: يا عمرو ألك دار؟ قال نعم، قال: بعها واجعلها في الأزد فإنّي غداً لو قد غبت عنكم لطُلبت فتتبعك الأزد حتّى تخرج من الكوفة متوجّهاً نحو الموصل، فتمرّ برجل نصرانيّ فتقعد عنده فتستسقيه الماء فيسقيكه ويسألك عن شأنك فتخبره، وستصادفه مقعداً فادعه إلى الإسلام فإنّه يُسلم، فإذا أسلم فامرر بيدك على ركبتيه فإنّه ينهض صحيحاً سليماً ويتبعك.

وتمرّ برجل محجوب جالس على الجادّة فتستسقيه الماء فيسقيك ويسألك عن قصّتك وما الذي أخافك وممّن تتوقّع، فحدّثه بأن معاوية طلبك ليقتلك ويُمثّل بك لايمانك بالله وبرسوله (صلى الله عليه وآله) وطاعتك لي وإخلاصك في ولايتي ونصحك لله تعالى في دينك، فادعه إلى الإسلام فإنّه يُسلم، فامرر يدك على عينيه فإنّه يرجع بصيراً بإذن الله فيتبعانك ويكونان معك، وهما اللذان يُواريان جثّتك في الارض.

ثمّ تصير إلى الديرعلى نهر يدعى بالدجلة فإنّ فيه صدّيقاً عنده من علم المسيح (عليه السلام) ما تجده لك أعون الأعوان على سرّك, وما ذاك إلاّ ليهديه الله، فإذا أحسّت بك شرطة ابن أم الحكم وهو خليفة معاوية بالجزيرة ويكون مسكنه بالموصل فاقصد إلى الصدّيق الذي في الدير في أعلى الموصل فناده فإنّه يمتنع عليك، فاذكر اسم الله الذي علّمتك إياه فإنّ الدير يتواضع لك حتّى تصير في ذروته، فإذا رآك ذلك الراهب الصديق قال لتلميذ معه: ليس هذا أوان المسيح، هذا شخص كريم، ومحمد قد توفّاه الله، ووصيّه قد استشهد بالكوفة وهذا من حواريه, ثمّ يأتيك ذليلاً خاشعاً فيقول لك: أيّها الشخص العظيم قد أهّلتني لما لم استحقّه، فبم تأمرني! فتقول: استر تلميذيّ هذين عندك، وتشرف على ديرك هذا فانظر ماذا ترى؟ فإذا قال لك: إنّي أرى خيلاً غامرة نحونا، فخلّف تلميذيك عنده وانزل واركب فرسك واقصد نحو غار على شاطيء الدجلة تستتر فيه، فإنّه لا بدّ من أن يسترك, وفيه فسقة من الجنّ والانس, فإذا استترت فيه عرفك فاسق من مردة الجنّ يظهر لك بصورة تنين فينهشك نهشاً يبالغ في إضعافك، فينفر فرسك، فتبدر بك الخيل فيقولون: هذا فرس عمرو ويقفون أثره.

فإذا أحسست بهم دون الغار فابرز إليهم بين دجلة والجادّة، فقف لهم في تلك البقعة فإنّ الله جعلها حفرتك، فالقهم بسيفك فاقتُل منهم ما استطعت حتّى يأتيك أمر الله، فإذا غلبوك حزّوا رأسك وشهروه على قناة إلى معاوية، ورأسك أوّل رأس يُشهر في الإسلام من بلد إلى بلد.

ثمّ بكى أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: بنفسي ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وثمرة فؤاده وقرّة عينه ابني الحسين، فإنّي رأيته يسير وذراريه بعدك يا عمرو من كربلا بغربيّ الفرات إلى يزيد بن معاوية عليهما لعنة الله.

ثمّ ينـزل صاحبك المحجوب والمقعد فيواريان جسدك في موضع مصرعك، وهو من الدير والموصل على مأة وخمسين خطوة من الدير.(16)

 

[دخول جويرية على علي (عليه السلام)]:

6 ـ قال ابن ابي الحديد: دخل جويرية بن مسهر العبدي على علي (عليه السلام) يوماً وهو مضطجع وعنده قوم من أصحابه، فناداه جويرية: أيّها النائم استيقظ، فلتضربنّ على رأسك ضربة تُخضب بها لحيتك. قال حبّة العرني ـ وهو الراوي ـ فتبسّم أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: «وأحدّثك باجويرية بأمرك، أما والذي نفسي بيده لتأتينّ إلى العُتلّ الزنيم، فليقطعنّ يدك ورجلك، وليصلبنّك تحت جذع كافر» قال حبّة العرني: فوالله ما مضت الايام على ذلك حتّى أخذ ابن زياد جويرية فقطع يده ورجله وصلبه إلى جانب جذع ابن مكعبر، وكان جذعاً طويلاً فصلبه على جذع قصير إلى جانبه.(17)

 

[إخباره (عليه السلام) بصلب ميثم التمار]:

7 ـ قال الامام (عليه السلام) لميثم التمّار بمحضر من خلق كثير من أصحابه، وفيهم الشاكّ والمخلص: «يا ميثم إنّك تؤخذ بعدي وتُصلب، فإذا كان اليوم الثاني ابتدر منخراك وفمك دماً حتّى تخضب لحيتك، فإذا كان اليوم الثالث طُعنت بحربة تقضي عليك، فانتظر ذلك، والموضع الذي تُصلب فيه على باب دار عمرو بن حريث، إنّك عاشر عشرة أقصرهم خشبة وأقربهم من المطهّرة ـ يعني الأرض ـ ولأرينّك النخلة التي تُصلب على جذعها، ثمّ أراه إيّاها بعد ذلك بيومين. وقد تحقّقت هذه النبوءة بحذافيرها كما ذكر ذلك ابن أبي الحديد في حديث طويل يضيق به المقام في المجلد 1، ص 210 من شرحه.

 

[قصة رشيد الهجري]:

8 ـ روى إبراهيم بن العباس النهدي في سند ينتهي إلى زياد بن النضر الحارثي أنّه قال: كنت عند زياد وقد أُتي برُشيد الهجري وكان من خواصّ أصحاب علي (عليه السلام)، فقال له زياد: ما قال لك خليلك إنّا فاعلون بك؟ قال: تقطعون يدي ورجلي وتصلبونني، فقال زياد: أما والله لأكذّبنّ حديثه، خلّوا سبيله، فلمّا أراد أن يخرج قال: رُدّوه، لا نجد شيئاً أصلح ممّا قال لك صاحبك، إنّك لا تزال تبغي لنا سوء إن بقيتَ، اقطعوا يديه ورجليه، فقطعوا يديه ورجليه وهو لا يتكلّم، فقال: اصلبوه خنقاً في عنقه، فقال رشيد: قد بقي لكم عندي شيء ما أراكم فعلتموه، فقال زياد: اقطعوا لسانه، فلمّا أخرجوا لسانه ليقطع، قال: نفّسوا عني أتكلّم كلمة واحدة، فنفّسوا عنه فقال: هذا والله تصديق خبر أمير المؤمنين (عليه السلام)، أخبرني بقطع لساني. فقطعوا لسانه وصلبوه. (ابن ابي الحديد مج 1، ط 1، ص 310).

9 ـ حدّث سعد بن وهب فقال في حديث: فأتيته ـ يعني علياً ـ في كربلاء، فوجدته يُشير بيده ويقول: «هنا ههنا، فقال له رجل: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ فقال: ثقل لآل محمد ينـزل ههنا، فويلٌ لهم منكم، وويلٌ لكم منهم. فقال له الرجل: ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤمنين؟ قال: ويلٌ لهم منكم تقتلونهم، وويلٌ لكم منهم يُدخلكم الله بقتلهم النار» (ابن ابي الحديد مج 1، ط1، ص 278).

10 ـ قال ابن ابي الحديد في المجلد الثاني من شرح النهج، ط 1، ص 508: ومن عجيب ما وقفت عليه من ذلك قوله في الخطبة التي يذكر فيها الملاحم، وهو يشير إلى القرامطة: «ينتحلون لنا الحبّ والهوى، ويُضمرون لنا البُغض والقِلى، وآية ذلك قتلهم ورّاثنا وهجرهم أحداثنا» وصحّ ما أخبر به لأنّ القرامطة قتلت من آل أبي طالب خلقاً كثيرة وأسماؤهم مذكورة في كتاب مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الاصفهاني، ومر أبو طاهر سليمان بن الحسن الجنابي في جيشه بالغري والحائر فلم يعرج على واحد منهما ولا دخل ولا وقف. وفي هذه الخطبة قال (عليه السلام) وهو يشير إلى السارية التي كان يستند إليها في مسجد الكوفة: «كأنّي بالحجر الاسود منصوباً ههنا، ويحهم إنّ فضيلته ليست في نفسه بل في موضعه وأُسّه، يمكث ههنا برهة ثمّ هاهنا برهة ـ وأشار إلى البحرين ـ ثمّ يعود إلى مأواه وأمّ مثواه» ووقع الأمر في الحجر الاسود بموجب ما أخبر به (عليه السلام).

 

[إخباره (عليه السلام) بمقتل الحسين (عليه السلام) بكربلاء]:

11 ـ ذكر ابن ابي الحديد (مج 1 من شرح النهج ص 278) عن أبي عبيدة، عن هرثمة بن سليم قال: غزونا مع علي (عليه السلام) صفّين، فلمّا نزل كربلاء صلّى بنا، فلمّا سلّم رفع إليه من تربتها فشمّها ثمّ قال: «واها لك يا تربة، ليحشرنّ منك قوم يدخلون الجنّة بغير حساب» قال فلمّا رجع هرثمة من غزاته إلى امرأته جرداء بنت سمير ـ وكانت من شيعة علي ـ حدّثها فيما حدث، فقال لها: ألا أعجبك من صاحبك أبي حسن؟ قال: لمّا نزلنا كربلاء وقد أخذ حفنة من تربتها فشمّها وقال: واهاً لك أيتها التربة، ليحشرنّ منك قوم يدخلون الجنّة بغير حساب. وما علمه بالغيب؟! فقالت المرأة له: دعنا منك أيّها الرجل، فإنّ أمير المؤمنين لم يقل إلاّ حقّاً. قال: فلمّا بعث عبيد الله بن زياد البعث الذي بعثه إلى الحسين (عليه السلام) كنت في الخيل التي بعث إليه، فلمّا انتهيت إلى الحسين (عليه السلام) وأصحابه عرفت المنـزل الذي نزلنا فيه مع علي والبقعة التي رفع إليه من تربتها والقول الذي قاله، فكرهت مسيري، فأقبلت على فرسي حتّى وقفت على الحسين فسلّمت عليه وحدّثته بالذي سمعت من أبيه في هذا المنـزل، فقال الحسين (عليه السلام): أمعنا أم علينا؟ فقلت: يا ابن رسول الله لا معك ولا عليك، تركت ولدي وعيالي بالكوفة وأخاف عليهم من ابن زياد. فقال الحسين (عليه السلام): فولِّ هرباً حتّى لا ترى مقتلنا، فوالذي نفسُ حسينٍ بيده لا يرى اليوم مقتلنا أحد ثمّ لا يُعيننا إلاّ دخل النار. قال: فأقبلت في الأرض اشتدّ هرباً حتّى خفي عليَّ مقتلُهم.

إلى غير ذلك ممّا لا نطيل بروايته، وقد وضح و اتّضح ممّا أوردناه من الأخبار تصديق ما ذكره (عليه السلام) في هذه الخطبة من علمه بالغيب وأنّه يعلم أعمال الناس وأفعالهم، ويطّلع على ما أعلنوه وما أسرّوه، ويعرف مهلك من يهلك، ومنجى من ينجو، ويخبر من ذلك ما يتحمّل على من يتحمّل من خواصه وبطانته وشيعته، ومن رام الوقوف على أكثر ممّا ذكرناه هنا فليرجع إلى كتابنا (مسند الإمام علي) في باب إخباره بالملاحم.

* * *

(1) آل عمران: 49.

(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 10: 10.

(3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 10: 12 - 13.

(4) لقمان: 34.

(5) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3: 197.

(6) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4: 54.

(7) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4: 129.

(8) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 5: 73.

(9) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6: 146.

(10) نفس المصدر 7: 277.

(11) وفي بعض المصادر «النضّ».

(12) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 276.

(13) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 286.

(14) نفس المصدر 2: 288.

(15) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 290.

(16) مدينة المعاجز: 179 - 182/ ح820.

(17) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 291.