من كلام له (عليه السلام): [ينهى عن التنجيم ويدعو إلى الاستعانة بالله]

قال لبعض أصحابه لمّا عزم على المسير إلى الخوارج، وقد قال له: إن سرت يا أمير المؤمنين في هذا الوقت خشيتُ أن لا تظفر بمرادك، من طريق علم النجوم.

فقال (عليه السلام): «أَتَزْعُمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ وَتُخَوِّفُ مِنَ السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا حَاقَ بِهِ الضُّرُّ فَمَنْ صَدَّقَكَ بِهَذَا فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ وَاسْتَغْنَى عَنِ الِاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ فِي نَيْلِ الْمَحْبُوبِ وَدَفْعِ الْمَكْرُوهِ وَتَبْتَغِي فِي قَوْلِكَ لِلْعَامِلِ بِأَمْرِكَ أَنْ يُولِيَكَ الْحَمْدَ دُونَ رَبِّهِ لِأَنَّكَ بِزَعْمِكَ أَنْتَ هَدَيْتَهُ إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي نَالَ فِيهَا النَّفْعَ وَأَمِنَ الضُّرَّ، ثم أقبل (عليه السلام) على الناس، فقال: أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَتَعَلُّمَ النُّجُومِ إِلَّا مَا يُهْتَدَى بِهِ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْكَهَانَةِ وَالْمُنَجِّمُ كَالْكَاهِنِ وَالْكَاهِنُ كَالسَّاحِرِ وَالسَّاحِرُ كَالْكَافِرِ وَالْكَافِرُ فِي النَّارِ سِيرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ».

(شرح النهج لابن ابي الحديد مج 2، ص 71، ط الأولى).

* * *

قال الشارح الخوئي (قدس سره): إن هذا الكلام قاله (عليه السلام) لمّا عزم على المسير إلى حرب الخوارج، فقال له بعض أصحابه ـ وهو عفيف بن قيس أخو الأشعث بن قيس الكندي الملعون رأس المنافقين ومثير الفتن في أيام خلافة أمير المؤمنين، ولا سيّما في وقعة صفّين.

وكيف كان فقال له عفيف: «يا أمير المؤمنين إن سرت في هذا الوقت خشيت أن لا تظفر بمرادك» الذي هو الغلبة على أهل النهر (من طريق علم النجوم) فقال له (عليه السلام) على سبيل الاستفهام التقريري «أتزعم أنّك تهدي إلى الساعة التي مَن سار فيها صُرف عنه السوء» لسعود الساعة، «وتُخوِّف من الساعة التي مَن سار فيها حاق به الضرّ» وأحاط به سوء الحال بملاحظة نحوس الساعة، «فمن صدّقك بهذا فقد كذّب القرآن» أي من صدّقك بدعواك العلم بالساعتين فقد كذّب كتاب الله، لأنّ الله تعالى يقول:

«وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً»(1) «قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأرض الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ»(2) «وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ».(3)

إلى غير ذلك ممّا أفاد انحصار العلوم الغيبيّة في الله سبحانه.

وقال العلاّمة المجلسي (قدس سره): ويمكن حمل الكلام على وجه آخر، وهو أنّ قول المنجّم بأنّ صرف السوء ونزول الضر تابع للساعة، سواء قال إنّ الأوضاع العلوية مؤثّرة تامة في السفليّات ولا يجوز تخلّف الآثار عنها، أو قال بأنّها علامات تدلّ على وقوع الحوادث حتماً، فهو مخالف لما ثبت من الدين من أنّه سبحانه يمحو ما يشاء ويثبت، وأنّه يقبض ويبسط ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولم يفرغ من الأمر، وهو تعالى كلّ يوم في شأن. والظاهر من أحوال المنجّمين السابقين وكلماتهم جلّهم ـ بل كلّهم ـ أنّهم لا يقولون بالتخلّف وقوعاً أو إمكاناً، فيكون تصديقهم مخالفاً لتصديق القرآن وما عُلم من الدين والايمان من هذا الوجه.

ولو كان منهم من يقول بجواز التخلّف ووقوعه بقدرة الله واختياره، وأنّه تزول نحوسة الساعة بالتوكّل و الدعاء والتوسّل والتصدّق، وينقلب السعد نحساً والنحس سعداً، وبأنّ الحوادث لا يعلم وقوعها إلاّ إذا علم أنّ الله سبحانه لم تتعلّق حكمته بتبديل أحكامها، كان كلامه (عليه السلام) مخصوصاً بمن لم يكن كذلك، فالمراد بقوله «صُرف عنه السوء وحاق به الضرّ» أي حتماً هذا.(4)

ولمّا نبّه على فساد زعم المنجم بكون تصديقه موجباً لتكذيب كلام الله سبحانه، نبّه على فساده ثانياً بقوله: (واستغنى) أي مصدّقُك ومتّبعك (عن الاستعانة بالله) تعالى (في نيل المحبوب ودفع المكروه) لأنّك إذا كنت عارفاً بالساعة السعد والساعة النحس وهادياً إليهما فيهتدي بك التابعون لك والمصدّقون بك، ويتراقبون سعد الساعات فينالون الخير والسعادة، ويتّقون نحسها فيسلمون من النحوسة والكراهة، فيلزم على ذلك استغناؤهم بك عن الله، وغناهم برأيك عن اللجأ إلى الله والفزع إليه سبحانه.

وأيضاً ينبغي في قولك للعامل بأمرك أن يُوليك الحمد دون ربِّه، لأنّك ـ بزعمك ـ أنت هديته إلى الساعة التي نال فيها النفع وأمن فيها الضّر، فكنت أنت المنعم عليه بتلك النعمة، فلا بدّ أن تستحقّ الحمد والثناء بذلك، ولزم أن يكون حمده على تلك النعمة راجعاً إليك.(5)

(ثم) إنّه (عليه السلام) بعد التنبيه على فساد زعم المنجّم بالوجوه الثلاثة (أقبل على الناس) ونهاهم عن الأخذ بالنجوم وحذّرهم عن تعلّمها، فقال: «أيّها الناس إيّاكم وتعلّم النجوم».

 

[النهي عن تعلم النجوم]:

قال الشارح البحراني (قدس سره): الذي يلوح من سرّ نهي الحكمة النبويّة عن تعلّم النجوم أمران:

الأوّل: اشتغال متعلّمها بها، واعتماد كثير من الخلق السامعين لأحكامها فيما يرجون ويخافون عليه فيما يسنده إلى الكواكب والأوقات، والاشتغال بالفزع إليه وإلى ملاحظة الكواكب عن الفزع إلى الله والغفلة عن الرجوع إليه فيما بهم من الأحوال، وقد علمت أنّ ذلك يضادّ مطلوب الشارع، إذ كان غرضه ليس إلاّ دوام التفات الخلق إلى الله وتذكّرهم لمعبودهم بدوام حاجتهم إليه.

الثاني: أنّ الأحكام النجوميّة إخبارات عن أمور ستكون، وهي تشبه الاطّلاع على الأمور الغيبيّة، وأكثر الخلق من العوامّ والنساء والصبيان لا يميّزون بينها وبين علم الغيب والإخبار به، فكان تعلّم تلك الأحكام والحكم بها سبباً لضلال كثير من الخلق وموهناً لاعتقاداتهم في المعجزات أو الإخبار عن الكائنات منها، وكذلك في عظمة بارئهم، وتشكّكهم في عموم الآيات الدالّة على اختصاص علم الغيب بالله سبحانه، وكان هذان الوجهان هما المقتضيان لتحريم الكهانة والسحر والعزائم ونحوها.

وكيف كان، فلمّا نهى الناس عن تعلّم النجوم بالوجهين الذين عرفت استثنى عن ذلك قوله: «إلاّ ما يُهتدى به في برّ أو بحر» لعدم استلزام تلك الجهتين المذكورتين، وقد نصّت على جواز الاهتداء بها الآيات الكريمة مضافة إلى الأخبار الكثيرة، قال تعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآْياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ»(6) وقال تعالى: «وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ».(7)

قال الطبرسي: لأنّ من النجوم ما يكون بين يدي الانسان، ومنها ما يكون خلفه، ومنها ما يكون عن يمينه، ومنها ما يكون عن يساره، ويُهتدى بها في الأسفار وفي البلاد وفي القبلة وأوقات الليل، وإلى الطرق في مسالك البراري والبحار.(8) وقيل: أراد الاهتداء به في القبلة. قال ابن عباس: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنه فقال: «الجدي علامة قِبلتكم، وبه تهتدون في برّكم وبحركم».(9)

قال الشارح الخوئي (قدس سره): وهذه الرواية موافقة لما رواه الصدوق مرسلاً قال: قال رجل للصادق (عليه السلام): «أنا أكون في السفر ولا أهتدي إلى القبلة بالليل. قال: أتعرف الكوكب الذي يقال له جدي؟ قلت: نعم. قال: اجعله على يمينك، وإذا كنت في طريق الحجّ فاجعله بين كتفيك».(10)

وروى أيضاً محمد بن سنان عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن القبلة قال: ضع الجدي في قفاك وصلِّ.(11)

هذا ولا ينحصر جواز تعلّمها فيما ذُكر، بل ربّما يجوز التعلّم لما يترتّب عليها من الأحكام الشرعيّة المتعلّقة بها في أبواب العبادات والمعاملات، بل قد يجب لوجوب الحكم المترتّب عليها، فيجب معرفتها من باب المقدّمة مثلاً لوجوب معرفة الأوقات الخمسة للصلاة، ومعرفة الحول المضروبة للزكاة وإتيان الحجّ والعمرة في الأشهر المعلومات، وضبط عدد الحولين لرضاع الحاملات، وتعيين أيام العدّة للمتوفّى عنها زوجها وللحامل وسائر المطلّقات، والعلم بما ضرب للدَّين المؤجّل من الأوقات، كما اُشير إلى ذلك في غير واحدة من الآيات، قال تعالى:

«أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ»(12) وقال:«يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأَْهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ»(13) وقال: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآْياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ».(14)

وقوله (عليه السلام): «فإنّها تدعو إلى الكهانة» تعليل للنهي عن النجوم.

والكِهانة بالكسر. قال في البحار: هي عمل يوجب طاعة بعض الجان له، بحيث يأتيه بالأخبار الغايبة، وهي قريبة من السحر، قيل قد كان في العرب كهنة كشقّ وسطيح وغيرهما، فمنهم من يزعم أنّ له تابعاً من الجن يلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يزعم أنّه يعرف الأمور بمقدّمات وأسباب يستدّل بها على مواقعها من كلام ممّن يسأله أو فعله أو حاله، وهذا يخصّونه باسم العرّاف، كالذي يدّعي معرفة الشيء المسروق ومكان الضالّة ونحوهما.

ودعوة معرفة النجوم إلى الكهانة إمّا لأنّه ينجرّ أمر النجم إلى الرغبة في تعلّم الكهانة والتكسّب به، أو ادّعاء ما يدّعيه الكاهن.

ثمّ إنّه شبّه المنجّم بالكاهن وقال: المنجّم كالكاهن، ووجه الشبه إمّا الاشتراك في الإخبار عن الغائبات أو في الكذب والإخبار بالظنّ والتخمين والاستناد إلى الامارات الضعيفة والمناسبات السخيفة، أو في العدول والانحراف عن سبيل الحقّ والتمسّك في نيل المطالب ودرك المأرب بأسباب خارجة عن حدود الشريعة وصدّهم عن التوسّل إلى الله بالدعاء والصدقة وسائر أصناف الطاعة، أو في البُعد عن الرحمة والمغفرة.

وتجري بعض هذه الوجوه في التشبيهين في قوله (عليه السلام): «والكاهن كالساحر، والساحر كالكافر» والمشبّه في التشبيهات أقوى.

 

[حقيقة السحر]:

والسحر ـ على ما قيل ـ كلام أو كتابة أو رُقية أو أقسام وعزائم ونحوها يحدث بسببها ضرر على الغير، ومنه عقد الرجل عن زوجته، وإلقاء البغضاء بين الناس، ومنه استخدام الملائكة والجن واستنـزال الشياطين في كشف الغائبات وعلاج المصاب واستحضارهم وتلبسّهم ببدن صبيّ أو امرأة وكشف الغائبات على لسانه انتهى.(15)

والظاهر أنّه لا يختصّ بالضرر، بل ربّما يفعل لعباً أو لإبداء أمر غريب. وعن صاحب العين: السحر عمل يقرب إلى الشياطين، ومن السحر الأخذة التي تأخذ العين حتّى تظنّ أنّ الأمر كما ترى وليس الأمر كما ترى، فالسحر عمل خفيّ لخفاء سببه يصوّر الشيء بخلاف صورته ويقلبه من جنسه في الظاهر ولا يقلبه من جنسه في الحقيقة، ألا ترى إلى قوله تعالى:

«يُخَيَّلُ إليه مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى».(16)

قال الشيخ في محكيّ كلامه عن التبيان: قيل في معنى السحر أربعة أقوال:

أحدها: أنّه خدع ومخاريق وتمويهات لا حقيقة يخيّل إلى المسحور أنّها حقيقة.

والثاني: أنّه أخذ بالعين على وجه الحيلة.

والثالث: أنّه قلب الحيوان من صورة إلى صورة وإنشاء الأجسام على وجه الاختراع، فيمكن الساحر أن يقلب الانسان حماراً وينشئ أجساماً.

والرابع: أنّه ضرب من خدمة الجنّ. وأقرب الأقوال الأوّل، لأنّ كلّ شيء خرج عن العادة الجارية فإنّه سحر لا يجوز أن يأتي من الساحر، ومن جوّز شيئاً من هذا فقد كفر، لأنّه لا يمكن مع ذلك العلم بصحّة المعجزات الدالّة على النبوات، لأنّه أجاز مثله على جهة الحيلة والسحر، وفي الرياض والسحر عرّف تارة بما في الكتاب، قال تعالى:

«فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ».(17) (18)

وفي الاحتجاج: من أكبر السحر النميمة يفرّق بها بين المتحابّين، وتجلب العداوة بين المتصافيين.(19) قيل: ومنه استخدام الجنّ، وعرف بأنّه عمل يستفاد منه حصول ملكة نفسانيّة يقتدر بها على أفعال غريبة وأخرى لوجه يدخل فيه علم الطلسمات والنيرنجات وغير ذلك، وذلك أن يقال: هو استحداث الخوارق إمّا بمجرد التأثيرات النفسانيّة وهو السحر، أو بالاستعانة بالفلكيّات فقط وهو دعوة الكواكب، أو على تمزيج القوى السماويّة بالقوى الأرضيّة، وهو الطلسمات، أو على سبيل الاستعانة بالأرواح الساذجة، وهو العزائم، قيل: والكلّ حرام في شريعة الإسلام.

وظاهره إجماع المسلمين عليه، وهو الحجّة مضافاً إلى النصوص المستفيضة منها، ويدخل فيه النيرنجات على ما ورد في الساحر أنّ دم الساحر حلال، وأن تعلّم السحر آخر العهد بالله تعالى، وحدّه القتل ونحو ذلك، وظاهرها التحريم مطلقاً، وقد استُثني منه السحر للترقّي ودفع المتنبّي، وربّما وجب كفايةً.

وروي في العيون في تفسير آية «هارُوتَ وَمارُوتَ»(20) أنّه كان بعد نوح قد كثرت السحرة والمموّهون، فبعث الله ملكين إلى نبيّ ذلك الزمان بذكر ما يسحر به السحرة وذكر ما يبطل به سحرهم ويردّ به كيدهم، فتلقّاه النبي من الملكين وأدّاه إلى عباد الله بأمر الله أن يقفوا به على السحر وأن يُبطلوه، ونهاهم أن يسحروا به الناس،(21) وربما خصّت روايات الحلّ بغير السحر كالقرآن والذكر والتعويذ ونحوها جمعاً، وهو أحوط.

ثمّ إنّه (عليه السلام) بعد تشبيه المنجم بالكاهن، والكاهن بالساحر، والساحر بالكافر، أشار بقوله: «والكافر في النار» إلى نتيجة الجميع وهو دخول النار، إمّا على وجه الخلود ـ كما في الكافر ـ أو لا كما في غيره.

 

فصل ووصل:

استعرض العلاّمة الشيخ محمد جواد مغنية في كتابه (علي والقرآن) قول الإمام (عليه السلام): «الكاهن كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار».

ثمّ قال: «وكلّنا يعرف القصّة المشهورة: حين أراد السفر إلى بعض أسفاره، وقال له بعض أصحابه: إن سرتَ في هذا الوقت خشيتُ أن لا تظفر بمرادك. فأجابه الإمام: من صدّقك بهذا القول فقد كذّب القرآن».(22)

ورأى ذات يوم منجّماً فسأله مُنكراً: أتدري ما في بعض هذه الدابّة أذَكَرٌ أو أنثى؟ ! من صدّقك فقد كذّب القرآن: «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الأَْرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ».(23)

وقال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «المنجّم ملعون، والكاهن ملعون، والساحر ملعون».(24)

وقال علماء الإماميّة: «من صدّق منجّماً أو كاهناً فقد كفر بما أُنزل على محمّد (صلى الله عليه وآله)».(25)

وأطالوا الكلام في هذا الباب، فشدّدوا النكير على من سلك غير طريق الحقّ والعلم، واستعمل الغشّ والكذب والرياء والتدليس في معاملاته وأقواله وأفعاله، وعلّلوا ذلك بأنّه بدعة في الدين وإخلال في النظام وإفساد للأخلاق الإنسانيّة، وأجمعوا على أنّ من عمل بالسحر يُقتل إن كان مسلماً، ويؤدّب إن كان كافراً، والآن يتّجه هذا السؤال: إذا كان السحر والكهانة والإخبار بالغيب محرّماً عند علي وشيعته، فكيف أخبر (عليه السلام) بحوادث تقع بعد زمانه؟ فمن الجائز من الوجهة المنطقيّة أن يحدّد العلماء وقت الكسوف والخسوف استناداً إلى قياساتهم لدورات الأرض، أمّا أن يتنبّأ متنبّئ بحدوث حريق في مكان معيّن بعد عشرات السنين، أو بقيام ثورة في بلد من البلدان، أو بأنّه سيخلق من صُلب فلان حاكماً أو عالماً، أمّا هذا التنبؤ وما إليه ممّا لا تناله الخبرة العلمية فمستحيل.

ويمكننا أن نستخرج الجواب عن هذا السؤال من الإمام (عليه السلام): «من أفتى بغير علمٍ لعنته الأرضُ والسماء».(26) «لا تقل ما لا تعلم وإن قلّ ما تعلم».(27) «ما من حركة إلاّ وتحتاج إلى علم».(28) وما إلى ذلك، ولو جُمعت أقواله في هذا الباب لجاءت في كتاب.

وما كان الإمام لينهى عن خُلقٍ ويأتي مثله. إذن لا بدّ أن يكون إخباره عمّا يقع في المستقبل تعلّماً من ذي علم، كما أشرنا إليه في بحث الملاحم وإخباره بالمغيبات حين أجاب من قال له: لقد اُعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب؟! فقال (عليه السلام): «ليس هو علم غيب، وإنّما تعلّمٌ من ذي علم».(29)

وذو العلم الذي عناه الإمام وأخذ عنه هو النبيّ بالذات، فكلّ ما أخبره به ممّا لا يمكن معرفته بالنهج العلميّ فقد تعلّمه عن الرسول (صلى الله عليه وآله)، وتلقّاه الرسول وحياً من الله (عز وجل) «عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ»(30) والرسول بدوره يُطلع من ارتضى من وليّ حسب ما تستدعيه المصلحة.

 

[إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) بالمغيبات]:

وقد أخبر النبي (صلى الله عليه وآله) بمغيّبات كثيرة تحقّق قسم منها قبل زماننا، وقسم تحقّق في هذا الزمان، فمن القسم الأول: قوله (صلى الله عليه وآله) أنّ المسلمين بعده يحكمون ويفتحون كنوز كسرى وقيصر،(31) وقوله لأم الفضل حين ولدت عبد الله بن العباس: «إذهبي بأبي الخلفاء»،(32) ومنها قوله لعلي (عليه السلام): «ستقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين»،(33) «وأنّه لا يموت حتّى تُخضب لحيته من هامته».(34)

 

[إخباره (صلى الله عليه وآله) لقيس بعدم مسّه بضرر]:

ومنها قوله (صلى الله عليه وآله) لقيس بن خرشة العبيسي وقد قال له: يا رسول الله أبايعك على ما جاء من الله وعلى أن أقول الحقّ. قال: يا قيس عسى إن مرّ بك الدهر أن يليك ولاة لا تستطيع أن تقول معهم الحقّ، فقال قيس: لا والله لا أبايعك على شيء إلاّ وفيتُ به، فقال له رسول الله: إذاً لا يضرّك شيء، وكان قيس يعيب زياداً وابنه عبيد الله بن زياد ومن بعده، فبلغ ذلك عبيد الله بن زياد فأرسل إليه فقال له: أنت الذي تفتري على الله وعلى رسوله؟ فقال: لا والله ولكن إن شئت أخبرتُك بمن يفتري على الله وعلى رسوله، قال: ومن هو؟ قال: مَن ترك العمل بكتاب الله وسنّة رسوله (صلى الله عليه وآله)، قال: ومن ذلك؟ قال: أنت وأبوك ومن أمّركما، قال: وأنت الذي تزعم أنّك لا يضرّك بشر؟ قال: نعم. قال: لتعلمنّ اليوم أنّكّ كاذب، آتوني بصاحب العذاب، فمال قيس عند ذلك فمات. السيرة الحلبية مج3 ص32 ط ـ 2 مطبعة الأزهرية بمصر.

 

[إشارته إلى عائشة بأنّها صاحبة الجمل]:

وتنبحها كلاب الحوأب جاء في السيرة الحلبية مج 3، ص 320 ط 2، مطبعة الأزهرية بمصر:

«ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لزوجاته: أيتّكنّ تنبحها كلاب الحوأب؟ وأيتكنّ صاحبة الجمل الأدبب؟ يُقتل حولها قتلى كثير وتنجو بعد ما كادت، فكانت تلك عائشة، فإنّه لما قتل عثمان بن عفان كانت عائشة بمكّة، لأنها خرجت إلى مكـّة وهو محاصر، وكلّمها مروان بن الحكم في عدم الخروج وقال لها: لا تخرجي يا أماه، فجاء إليها طلحة والزبير بعد أن بايعا علياً على كره، واستأذنا علياً ـ كرم الله وجهه ـ في العمرة، فأذن لهما فقدما مكّة، وخرجت بنو أمية من المدينة ولحقت بمكّة قبل المبايعة لعلي، فخرج مروان وغيره من أهل المدينة، وجاء إلى عائشة يعلى بن أمية وكان عاملاً لعثمان باليمن فلمّا بلغه حصار عثمان قدم لنصرته فسقط من على بعيره في أثناء الطريق فكُسر فخذه وبلغه قتل عثمان، فلا زالوا بعائشة حتى وافقت على الخروج إلى العراق في طلب دم عثمان، ودفع لها ذلك الجمل يعلى بن أمية، اشتراه بمائتي دينار، وأعان الزبير بأربعماءة ألف دينار وصار يقول: من خرج في طلب دم عثمان فعليَّ جهازه، فحمل سبعين رجلاً من قريش، وطلبت عائشة عبد الله بن عمر أن يكون معها: فقال: معاذ الله أن أدخل في الفتنة، ويقال أن طلحة والزبير دعوا عبد الله بن عمر إلى الخروج معهم فقال لهم: أما تخافون الله أيها القوم وتدعوا هذه الأباطيل عنكم، وكيف أضرب في وجه علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ بالسيف وقد عرفت فضله وسابقته ومكانته من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإنّكما بايعتماه وسألتماه القيام بهذا الأمر ثم نكثتما بعد أن جعل الله عليكما شهيداً، وإنه ما غيّر ولابدّل، والقاتل لعثمان أخو زعيمتكم ورئيستكم يعني عائشة وأخوها محمد بن أبي بكر، فلما كانت عائشة في أثناء الطريق سمعت كلاب تنبح، فسألت عن ذلك المحل، فقيل لها: هذا الحوأب، فأرادت الرجوع لمّا تذكرت ما قال لها رسول الله، فصرخت وأناخت بعيرها وقالت: والله أنا صاحبة الحوأب، ردّوني ردّوني، فعند ذلك أحضر طلحة والزبير خمسين وشهدوا أن هذا ليس بماء الحوأب وأن المخبر لها كذاب. قال الشعبي وهي أوّل شهادة زور وردت في الإسلام، وبالتالي سارت معها ونشبت الحرب حتى قُتل بسببها من المسلمين عشرة آلاف، ويقال اثنا عشر ألفاً».

ومنها قوله لأبي ذر: «كيف بك إذا أخرجوك من مكانك هذا»(35) مشيراً إلى قصّته مع عثمان ونفيه إلى الربذة.

ومنها قوله يوم بدر لعمّه العبّاس: «أين المال الذي استودعته زوجتك أم الفضل؟»(36) وكان العبّاس ادّعى أنّه لا مال عنده. ومنها قوله لابنته فاطمة (عليها السلام): «إنّك أوّل أهلي لحاقاً بي»(37) فكان كما قال (صلى الله عليه وآله).

ومنها قوله لعمّار بن ياسر: «تقتلك الفئة الباغية، وآخر زادك من الدنيا ضياح من لبن»(38) فقتله معاوية يوم صفين بعد أن شرب اللبن.

ومنها إخباره عن قتل ذي الثديّة رئيس الخوارج،(39) فقُتل يوم النهروان. ومنها قوله للزبير: «ستقاتل علياً وأنت ظالم له»(40) فخرج عليه يوم الجمل. ومنها ما أخبر به (صلى الله عليه وآله) عن بني مروان إذا بلغوا ثلاثين رجلاً اتّخذوا مال الله بينهم دولاً، وعباده خولاً، ودينه دغلاً.(41)

ومنها أن كسرى ملك الفُرس أرسل رسله ليأتوه بالنبي (صلى الله عليه وآله) حيّاً وميتاً، فلما وصلوا إليه أخبرهم بأن كسرى قتله ولده شيرويه(42)، فجاء الحديث موافقاً.

ومنها إخباره عن وقعة الحرّة.(43)

ومنها قوله: «إنّ زيد بن صوحان أحد الصحابة سيسبق منه عضو إلى الجنّة،(44) فقُطعت يده يوم نهاوند في سبيل الله..

ومنها إشاراته وتلويحاته المتكرّرة إلى ما حدث لأهل بيته من بعده.(45) وما إلى هذه ممّا لا يُحصى عددها، وهي مذكورة في أبواب شتّى من كتب التفسير والحديث والتاريخ والسيرة.

ومن القسم الثاني ـ أي المغيّبات التي تحقّقت في هذا العصر ـ ما جاء عن النبي (صلى الله عليه وآله) في صحيح البخاري (الجزء التاسع صفحة 73 طبعة محمد علي صبيح) قال (صلى الله عليه وآله): «يوشك أن ينحسر الفرات عن كنـز من الذهب». إشارة إلى البترول.

وفي الكتاب المذكور صفحة 61: «سيتقارب الزمان وينقص العمل» إشارة إلى سرعة المواصلات والاستغناء بالآلات الفنّية عن اليد العاملة.

وفي مسند أحمد (ج12 ص 173 طبعة سنة 953) قال (صلى الله عليه وآله): «تتقارب الأسواق وتتقارب الأزمان» ومن أبرز المظاهر في هذا العصر تصدير الانتاج إلى جميع الاسواق بأمد قصير.

وفي كتاب (مطابقة الاختراعات العصرية لما أخبر به سيّد البرية) تأليف الشيخ أحمد الصدّيق الغماري:

روى أحمد بن حنبل في مسنده عن النبي (صلى الله عليه وآله): «لا تقوم الساعة حتى تكلّم الرجل عذبة سوطه وشراك نعاله».(46) إشارة إلى الراديو الصغير وما إليه من آلات الالتقاط أو الارسال التي يحملها الانسان معه كما يحمل علبة الدخان.

وجاء في الكتاب المذكور: «يخرج قوم يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر»(47) وفي رواية ابن أبي الحديد (مج 2، ط 1، ص 190 من شرح النهج). قال (صلى الله عليه وآله): «يكون قوم يأكلون الدنيا بألسنتهم كما تلحس الأرض البقر بألسنتها».

إشارة إلى أرباب الصحف المأجورة الذين يعيشون على الأكاذيب والشتائم. فالصحف اليوم عندنا ـ ولعلّي قويّ العزم على لا أن أستثني واحدة منها ـ تتهادى في الكذب، ويزعمون أنّ ذلك يستهوي القرّاء فيزداد البيع، هذه الصحافة التي يطلقون عليها لقب صحابة الجلالة، والمأخوذ من مفهومها توجيه الشعب وإصلاحه، ورعاية حقوقه وردّ مظالمه، هذه الصحافة ترى أنّ الكذب والتهويل والجعجعة الفارغة تعود على مهنتها بالنفع والتعزيز والرواج في الشعب.

الغرض وأعجب ما جاء عنه (صلى الله عليه وآله) قوله: «سيرى الناس أموراً يتفاقم شأنها في نفوسهم يتسائلون بينهم هل كان النبي (صلى الله عليه وآله) ذكر ذلك». رواه أحمد بن حنبل في كتاب المسند،(48) وقد مضى على وفاة بن حنبل 1338 عام، ولم يكتفِ النبي (صلى الله عليه وآله) بالإخبار عن البترول في بلاد العرب، بل أخبر أنّ الذين يستخرجونه ويصفّونه حتّى يصبح حاضراً صالحاً للاستعمال هم المستعمرون شرار الناس وأراذلهم، فقد جاء في مسند أحمد بن حنبل: «ستكون معادن يحضرها شرار الناس»(49) وفي حديث آخر: أراذل الناس.(50)

وفي كتاب ـ الشجرة المباركة ـ للشيخ علي اليزدي حديث طويل نقله عن تفسير علي بن إبراهيم القمي من علماء القرن الثالث الهجري، جاء فيه عن النبي (صلى الله عليه وآله): «تتقارب الأسواق، ويظهر الربا، وتتعامل الناس بالغيبة والرشا، ويتفقّه أقوام لغير الله، ويكثر أولاد الزنا ويتغنّون بالقرآن».(51)

ولم يبق شيء من هذه إلاّ تحقّق في هذا العصر، ولكنّ الذي يبعث على الدهشة أكثر من أيّ شيء قوله (صلى الله عليه وآله): «يتعامل الناس بالغَيبة» (بفتح الغين) وهو إخبار عمّا يجري الان بين التجّار، يُبرق تاجر في الشرق لآخر في الغرب، فتتمّ الصفقة دون أن يشاهد أحدهما الآخر، ودون أن يحصل بينهم السوء والأخذ والردّ. وفي الكتاب المذكور عن الإمام (عليه السلام): «ستخرج الأرض بركاتها، وتؤكل ثمرة الصيف في الشتاء وبالعكس، وتحمل الشجرة في كلّ سنة مرّتين، ويزرع الرجل الحنطة والشعير فينتج الصاع مئة... وتكون السنة كالشهر، والشهر كالأسبوع، والأسبوع كاليوم، واليوم كالساعة».(52)

وإذا أخبر النبي (صلى الله عليه وآله) أصحابه بهذه المغيّبات فأولى أن يُطلع علياً على أمثالها ونظائرها، وأيّ إنسان أحقّ بعلم النبي (صلى الله عليه وآله) من علي (عليه السلام) وهو منه بمنـزلة الرأس من الجسد كما جاء في الحديث.

إذن جميع إخباراته (عليه السلام) بالغيب تستند إلى الرسول وتنتهي إليه، وليس للإمام إلاّ الرواية، فمن أنكر عليه الإخبار بالغيب فإنّما يُنكر على الرسول من حيث يريد أو لا يريد.

ومن الطريف أنّ بعض من أنكر واستكثر أن يخبر الإمام عن الرسول يؤمن ويعتقد بأنّ شقّاً وسطيحاً كانا يخبران الناس بالغيب وبظهور النبي (صلى الله عليه وآله) قبل زمانه.

قال الرازي في كتابه الكبير عند تفسير آية «عالِمُ الْغَيْبِ»(53) إنّه كان في بغداد كاهنة في عهد السلطان سنجر بن ملك شاه تُخبر بالغيب فيأتي على وفق كلامها، وأنّه رأى كباراً من المحقّقين في علم الكلام والحكمة يؤمنون بأقوالها، وإنّ (أبو البركات) بالغ في كتاب ـ المعتبر ـ في شرح حالها، إنّه قد تفحّص عنها ثلاثين سنة حتّى تيقّن أنّها كانت تخبر بالمغيبات خبراً مطابقاً. وروى هذه القصة أيضاً ابن أبي الحديد في شرح النهج (مج 1، ط 1، ص 427).

إمرأة لا يُعرف لها أصل ولا حقيقة تقول الغيب فيصدّقها العلماء المحقّقون، بل حتّى الرازي المشكّك الكبير يقول: «ليس علم الغيب مختصّاً بالأولياء، بل قد يوجد في السحرة أيضاً». وبعد فأيّ غرابة أن يحدّث الإمام بالغيب عن النبي (صلى الله عليه وآله) عن الله سبحانه؟

رُبّ قائل يقول: بأنّ ما قدّمته من الأدلّة إنّما يقنع، أو يجب أن يقتنع به المسلم الذي يؤمن بالله ونزول الوحي على محمد، لأنّ كلّ ما ذكرته مبنيّ على أساس التسليم بالقرآن وأصول الاسلام، أمّا الذي لا يؤمن بالله أصلاً، أويؤمن ولا يعترف بنبوّة محمد فلا تلزمه الحجّة، وبالتالي لا يجب عليه التصديق بشيء ممّا قلت. واُجيب بأنّي لا أطلب ممّن يشكك بمغيبات الإمام أن يغيّر دينه وعقيدته كي يصدّق ما أقول، ولكنّي أخاطب عقله ووجدانه إذا كان على شيء من التمييز والانصاف، وأوجّه إليه هذا السؤال: إذا أخبرك مُخبرٌ بوقوع حادثة ما، وصَدَق قولُه مئة بالمئة، فبماذا تفسّر هذا الصدق، مع العلم بأنّ تلك الحادثة لا تمتّ إلى التبئّوات العلميّة وخبرة الانسان بسبب؟!

بماذا تفسّر المغيّبات التي نقلناها عن الرسول (صلى الله عليه وآله) وعن الإمام علي (عليه السلام)؟ وإلى أيّ شيء نسند قول الإمام علي: «إنّ في الطالقان كنوزاً ليست من ذهب ولا فضّة»(54) إشارة إلى بترول ايران. نقل هذا القول عن الإمام أبو الغنائم الكوفي في كتاب (الفتن) وقد مضى على وفاته مئات السنين.

بماذا تفسّر قول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) حفيد الإمام علي (عليه السلام): «إنّه يأتي على الناس زمان يرى ويسمع مَن في المشرق من في المغرب، وكلّ قوم يسمعون الصوت بلغتهم، وإنّ العرب تخرج من سلطان الأجانب وتملك نفسها بنفسها، وحينئذٍ تخلع أعنّتها، وإنّه لا يبقى صنف من الناس إلاّ ويحكم الناس». ذكر ذلك المجلسي مج 13 من البحار ص 135 و 163 و 168. والشيخ الطوسي في كتابه (الغيبة)، والمفيد في الارشاد، وقد مضى على وفاتيهما ما يقرب من ألف سنة.

نطق الإمام بهذه الحقائق منذ ألف سنة ومئتي سنة. ودُوّنت في الكتب منذ ألف سنة وأكثر. وقد تحقّقت بكاملها، ونحن الآن نراها ونعيش معها، فنسمع أهل الغرب يخاطبون أهل الشرق بواسطة الراديو، ويوجّهون الإذاعات إلى كلّ قوم بلغتهم، وعمّا قريب نشاهد الأوروبيين والأمريكيين بالتلفزيون، بعد أن وضع العلماء التصميم لأن يكون البعيد فيه كالقريب تماماً كالراديو، وسادت الديمقراطيّة في أكثر الشعوب، وأجهزت على أرستقراطية الأنساب والأموال، وحكم الناس كلّ فئة من الناس من نكروما إلى كاسترو إلى كلّ جنس ولون، وما أوشك أن يسير العرب في طريق الاستقلال حتّى خلعوا اللجام وشتم بعضهم بعضاً، فكأنّ مصيبة الاستعمار كانت تجمع كلمتهم، فلمّا استقلّوا أوكادوا ألقى كلّ عربي بأسه على رأس أخيه.

هذه صورة طبق الأصل عبّر بها الإمام (عليه السلام) عمّا سيقع قبل عشرات الأجيال، ومحال أن يعلم بحدوثها قبل الأوان إلاّ علام الغيوب ومَن ارتضى من عباده الصالحين.

* * *

(1) لقمان: 34.

(2) النمل: 65.

(3) الأنعام: 59.

(4) بحار الأنوار 55: 258 - 259.

(5) ذكر الصفوري في نزهة المجالس ج2 ص 207 ط مطبعة الأزهرية بمصر سنة 1345هـ/ 1937م: دخل علي مدينة فوجد فيها منجّماً يدّعي معرفة الغيب وعنده خلق كثير، فقال له علي (رضي الله عنه): أنت في ضيافتي، فأعطاه رغيفاً وأخذ علي رغيفاً، وقال: كلّ واحد منا يثرد رغيفه في هذا الطعام، ثم قال له: ميِّز رغيفك من رغيفي، فقال: لا أعلم، فقال: رغيف ثردته بيدك عجزت عن معرفته، فكيف تدّعي الغيب، فقال: يا أمير المؤمنين أأنت تعرف رغيفك؟ قال: لا، ولكنّي أسأل الله إلهي أن يميزه، فارتفع رغيفه فأكل منه نحو ثلاثة آلاف رجل من أهل تلك المدينة.

(6) الأنعام: 97.

(7) النحل: 16.

(8) تفسير مجمع البيان 4: 120.

(9) تفسير مجمع البيان 6: 146.

(10) من لا يحضره الفقيه 1: 280.

(11) وسائل الشيعة 4: 306/ ح5223.

(12) الاسراء: 78.

(13) البقرة: 189.

(14) يونس: 5.

(15) بحار الأنوار 55: 259 - 260.

(16) طه: 66.

(17) البقرة: 102.

(18) تفسير التبيان للطوسي 1: 374.

(19) الاحتجاج 2: 82.

(20) البقرة: 102.

(21) عيون أخبار الرضا 2: 241.

(22) انظر: الاحتجاج 1: 357؛ بحار الأنوار 33: 362.

(23) لقمان: 34.

(24) الخصال للصدوق: 297/ ح67.

(25) المكاسب للشيخ الأنصاري 1: 205 نقلاً عن المعتبر.

(26) المحاسن للبرقي 1: 205/ ح58 و59؛ دعائم الإسلام 1: 96.

(27) وسائل الشيعة 15: 169/ ح20224، وفيه «لا تقل ما لا تعلم، بل لا تقل كلّ ما تعلم».

(28) تحف العقول: 171؛ مستدرك الوسائل 17: 268، وفيهما «ما من حركة الاّ وأنت محتاج فيها إلى المعرفة».

(29) نهج البلاغة 2: 10؛ الصراط المستقيم للبياضي 1: 167.

(30) الجن: 27.

(31) الكافي 8: 216/ ح264؛ روضة الواعظين: 86.

(32) تاريخ بغداد 1: 85؛ كنز العمّال 11: 705/ ح33432.

(33) عوالي اللئالي 4: 87/ ح106؛ بحار الأنوار 18: 132.

(34) الارشاد 1: 322؛ الاحتجاج 1: 229؛ مناقب آل أبي طالب 3: 46.

(35) الخرائج والجرائح 1: 65؛ بحار الأنوار 18: 112.

(36) تاريخ اليعقوبي 2: 46.

(37) بحار الأنوار 43: 37؛ تفسير ابن كثير 4: 600.

(38) دعائم الإسلام 1: 392؛ الخصال: 275.

(39) الخصال: 574؛ أبواب السبعين؛ شرح الأخبار 2: 63.

(40) الاحتجاج 1: 238؛ مناقب آل أبي طالب 1: 95.

(41) سليم بن قيس: 303؛ بحار الأنوار 33: 152.

(42) بحار الأنوار 20: 390؛ تاريخ الطبري 2: 297.

(43) بحار الأنوار 18: 125، قال (صلى الله عليه وآله): يُقتل بهذه الحرّة خيار أمّتي بعد أصحابي.

(44) الخرائج والجرائح 1: 66/ ح116؛ بحار الأنوار 18: 112/ ح81.

(45) شرح الأخبار 3: 360؛ بحار الأنوار 51: 83.

(46) مسند أحمد 3: 84.

(47) مجمع الزوائد 8: 116 وقال: رواه أحمد والبزّار.

(48) مسند أحمد 5: 16.

(49) مسند أحمد 5: 430.

(50) مجمع الزوائد 7: 331.

(51) تفسير القميّ 2: 303 - 307.

(52) انظر مستدرك الوسائل 11: 377 - 378 / ح13304.

(53) الجن: 27.

(54) عقد الدرر: 122، ب 5.