من كلام له (عليه السلام) على منبر الكوفة: [يدعو الناس للإستفادة من علمه]

«سَلوني قبل أن تفقدوني، فإنّي بطرق السماء أدرى منّي بطرق الأرض. سَلوني هذا سفط العِلم و(أشار إلى صدره) وهذا لعاب رسول الله (صلى الله عليه وآله).(1) إنّي انطويت على مكنون علمٍ لو بُحتُ به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة».(2)

* * *

يستكثر بعض الناس على الإمام علي (عليه السلام) أن يقول ذلك لما فيه من الأنانيّة والدعوى، وأنّ إنساناً على هذه الأرض الجامعة بين الخير والشرّ في بنيها منذ جبلّتها لا يقدم على ما يشعر بعصمته وكماله.

ولكنّهم إذا رجعوا إلى قول محمد معلّم علي هذا حيث يقول: «أنا مدينة العلم وعلي بابها».(3) وإذا رجعوا إلى قول هذا المعلّم: «من زهد في الدنيا علّمه الله بغير تعلّم»(4) ثمّ إذا وقفوا على قول الإمام علي: «إنّ في السماء مدناً كمدنكم هذه تربط بينها أعمدة من نور». في تفسير علي بن إبراهيم القمي من علماء القرن الثالث الهجري (مج 2، ص 219 من الطبعة النجفية)، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ هذه النجوم التي في السماء مدائن مثل المدائن التي في الأرض، مربوطة كلّ مدينة بعمود من نور، طول ذلك العمود مسيرة مائتين وخمسين سنة».

أقول: لو رجع هذا المنكر إلى تلك الأقوال لأراح نفسه من عناء التفكير في إنكار هذا القول على الإمام، واستحالة صدوره من إنسان يبحث في السماء وهو على الأرض.

فهل حفظ التاريخ لنا أنّ سائلاً أفحم علياً بعد أن قال: «سلوني قبل أن تفقدوني» وعلى العكس يحفظ لنا التاريخ أنّ كثيراً من السائلين المتعنّتين كانوا يتحدّونه وهو على المنبر بأسئلة في العلوم والفنون التي لا تمتّ إلى الوعظ والارشاد وأحكام الدين بصلة، وكان علي يجمعهم بما يُذهلهم فيما وعوا، ويُخزيهم فيما أسّروا، ومن شآء الكشف عن ذلك فليرجع إلى شرح العلامة ابن أبي الحديد لنهج الإمام [الذي ألقاه] منذ ألف عام.

ولقد ترى اليوم في الصحف أبواباً خاصة في العلوم والفنون، ونرى فيها باباً للسؤال والجواب يختصّ به رجل كإحسان عبد القدّوس في (روز اليوسف)، وكأمينة السعيد في مجلّة الهلال، ونرى عنوان هذا الباب ـ اسألوني _، فهل كان إحسان هذا وهو ـ صاحب البدائع ـ ... وأمينة هذه وهي ـ أم المؤمنين ـ هل كانا أحقّ بكلمة (اسألوني) من علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو وزير محمد وعضده ووصيّه من بعده؟

ويُمعن بعض العلماء في تأويل كلمة الإمام هذه على الشكل الذي يحفظ تواضعه كإنسان، وأنّ أيّ انسان يجرأ على الدعوى بأنّه بما في السماء أعلم منه بما في الأرض.

يقول هذا البعض: إنّ الإمام مع افتراض سموّه وعلوّ كعبه في العلوم لم يخرج عن كونه إنساناً، وإلاّ كنّا مُغالين في تقديره، والنبي (صلى الله عليه وآله) كان قد تنبّأ لذلك بقوله: «يا علي يهلك فيك إثنان: عدوّ قالٍ، ومحبّ غال»(5) وحمل الإمام على الحقيقة في قوله: «إنّي بطرق السماء أعلم منّي بطرق الأرض» يدعونا لأن نكون مغالين في تحديد شخصه.

أقول: يمعن هؤلاء بتأويل قول الإمام في أنّه إنّما أطلق العام وأراد به الخاص ـ وهو من مجاز اللغة في علم البيان ـ فقد أراد بطرق السماء الخطط التي يضعها الله في السماء لهدي عباده في الأرض. وهذه الخطط هي النواميس الدينيّة التي يتنـزّل بها الروح الأمين على الأنبياء والرسل المصطفين لتبليغ الرسالة الإلهيّة في الخلق. ويريد الإمام وفقاً لذلك بقوله: «سلوني قبل أن تفقدوني» أن يكون السؤال في حدود هذه الخطط لا أنّها في شيء العلوم والفنون.

ذلك ما أراده هؤلاء المتأوّلون. وأراني جريئاًَ على أن لا أحسب حساباً لهذا التأويل، وإنّما يصحّ التمحّل في ذلك حرصاً على تنـزيه الرجل الناقص من أمثالنا.

فأمّا الرجل الكامل من أمثال علي (عليه السلام) فلا يصحّ أن نتأوّل عليه ولا له، لأنّه ثبت عن طريق النقل كونه معصوماً بقول معلّمه محمد (صلى الله عليه وآله): «عليّ مع الحقّ»(6) وعن طريق العقل من أنّ الرجل الكامل لا يتهافت في تفكير ولا عمل، وأنّ في وجود الإنسان حقّاً يهيمن عليه فيعصمه من هذا التهافت. فضلاً عن أنّ علياً (عليه السلام) كان أزهد الناس بدنياه، والرسول يقول: «من زهد في الدنيا علّمه الله بلا تعلّم».(7)

ومن هنا نسمع له إخباره بالمغيّبات كقوله لكميل بن زياد: «لو شئتُ أن أصيّر لكم من الماء نوراً لفعلت».

يقول الإمام هذا القول في وقت لم تعرف الكهربائيّة وكيفية استخدام الشلاّلات في تحريك الدينامو وإيجاد التيّار الكهربائي.

وقوله (عليه السلام): «والذي بعث محمّداً بالحقّ، لولا خوفي من أن تكفروا بي فيه لأمليت عليكم علم ما كان وما يجيء، فو الله ما فارقته حتى مرّ على سمعي بكلّ شيء».

تلك هي آثار محمد وأهل بيته ماثلة أمامنا في أقوالهم وأعمالهم تبعث فينا أقوى الايمان بأنّ علمهم قائم على الحكمة الملهمة، لأنّه وحي يتنـزّل به الروح الأمين على نبيّه من لدن حكيم خبير.

وللإمام علي (عليه السلام) شخصيّتان عبقريّتان: إحداهما إنسانيّة ترابيّة تضعف حتّى يستسلم لأوهن الأحداث، كانصياعه للتحكيم بالكره عنه يوم صفّين، وكانقياده موثوقاً يوم تهديد عمر داره بالإحراق، وثانيهما جبروتيّة سماويّة تقوى حتّى لا يصمد أمامها جبروت، كجندلته عمرو بن عبد ود يوم الأحزاب، ودكّه حصن خيبر، ثمّ اقتلاع باب الحصن وهو ما لا تطيقه قوّة إنسان.

فشخصيّته الأُولى هي الصلة بينه وبين البشر، وشخصيّته الثانية هي الصلة بينه وبين الملكوت الأعلى.

وللتدليل على هاتين الشخصيّتين وأنّهما رُكّبتا فيه، قوله لسائل سأله حين رآه يعجز عن كسر قرص يابس من الشعير بيديه، فاستعان على كسره بركبته، قال له السائل: كيف تضعف عن كسر القرص وأنت داحي باب خيبر؟ فقال له الإمام (عليه السلام): «ثكلتك أمّك تلك قوّة الله، وأمّا هذه فهي قوّتي». (ابن أبي الحديد مج 1، ط 1، ص 426).

وبالتالي يقول الإمام (عليه السلام): «إنّ في السماء مُدناً كمدنكم هذه تربط بينها أعمدة من نور».

 

[الحياة في كوكب المريخ]:

يقول العلماء الفلكيّون في العصر الحاضر تأييداً لقول الإمام (عليه السلام): «إنّه من الممكن أن يكون المرّيخ مسكوناً بمخلوقات وُهبت العقل والذكاء». وقد أيّدت هذه النظرية بعض الوقايع التي لوحظت خلال السنوات الثلاث الأخيرة. وأهم هذه الأدلّة هو بلا شكّ الانفجار الغامض الذي حدث في المريخ عام 1949م، وقد لاحظ هذه الظاهرة فلكيّ ياباني مشهور اسمه (تسوينو ساهيكي) الذي لم ينقطع عن مراقبة المريخ من 1933. ولذلك فإنّ لتقريره وزناً كبيراً، وقد أحدث الانفجار الذي حدث تحديداً في 9 ديسمبر 1949م ضوءاً ساطعاً خلال عدّة دقائق، تكوّنت على أثره سحابة مضيئة رماديّة تميل إلى الاصفرار بلغ ارتفاعها 64 كيلومتراً، وقطرها 112 كيلومتراً.

ويرى العالم المذكور أنّ هذا الانفجار قد حدث بواسطة مخلوقات على درجة هائلة من الذكاء، فأمّا أنّ سكّان المريخ هم الذين أحدثوه، وأمّا أنّ جنساً آخر جاء من كوكب آخر أمكنه أن يضع قدمه في المريخ.

وقد وردت الأنباء بأنّ الدكتور (ا.س.سليفر) العالم الفلكي الذي كان قائداً للبعثة التي أرسلتها الجمعية الجغرافيّة الأهلية بالولايات المتحدة في عام 1954م لتصوير المريخ من جنوب إفريقيا، أعلن أنّه لم يبق هناك شكّ في أنّ المناطق المعتمة فوق سطح المريخ هي نبات حيّ. ويؤخذ من بيان الجمعية الأهلية أنّ العلامة الجديدة المعتمة ـ والتي تشغل مساحة قدرها 200 الف ميل مربّع ـ لم تكن منتظرة وأنّها ليست ثابتة، ممّا يدلّ على أنّ الفاصل بين الصحراء والمناطق المعتمة متغيّر. كما أعلنت أنّ هذا الكشف يؤيّد الاعتقاد أنّ المريخ كوكب غير ميّت، وأنّ الظلمة المخيّمة على بعض أجزائه مرجعها نموّ حياة آتية فيه، وأنّ واقع الدراسة أثبت أنّ معالم المريخ تشهد بأنّه كوكب حيّ فيه نوع ما من الحياة.

يقول العلماء الذين تابعوا دراسة المريخ: إنّ ما به من ماء يبلغ نحواً من خُمس اليابس، وإنّ قُطبيه مغطّيان بطبقة من الثلج والجليد. وقد ظهرت على وجه المريخ خطوط مستوية منتظمة، عُرف أنّها قنوات رئيسيّة لتوزيع المياه، عندما شوهد تغيّر أماكنها سنة بعد أخرى.

وقد أعلن أنّه قد أنشيء في المريخ أخيراً جسر طويل طوله مئات الكيلو مترات، كما لوحظ تغيير لون مساحات شاسعة فيه من اللون الأخضر إلى الابيض إلى البنّي القاتم، وفي 5 مارس 1957 أعلنت الهيئات العلمية السوفيتية أنّه قد تحقّق وجود نباتات بالمريخ. وما دام الماء والنبات وُجدا فإنّ ذلك دليل على وجود الكائن الحيّ كائناً من كان. وإذا كان المريخ به أحياء، أليس ذلك دليلاً على وجود الأحياء في الكواكب التي في محيطه، إذ تُشابهه في كافّة الظروف المكيفة للحياة؟

 

[أصدقاء عالم الفضاء]:

وممّا أُذيع في 15 يناير 1957م أنّه قد تكونت جمعية في مدريد تضمّ مائة عضو، تطلق على نفسها اسم جمعية (أصدقاء الزائرين في عالم الفضاء) وذلك لدراسة الظواهر غير العاديّة التي تؤكد بأنّ الأرض يزورها رجال من الفضاء، أو على الأقل من كواكب أخرى.

ويجتمع هؤلاء الأعضاء كلّ أسبوع في مدريد، وممّا يستندون إليه من أدلّة على زيارة الأرض لرجال من العالم المجهول ما يحتفظون به من حجر يؤكّدون أنّهم أخذوه من قائد طبق طائر تحت شجرة بحديقة جامعة مدريد في الساعة الثانية من صباح أحد أيّام شهر نوفمبر 1954. وهذا الحجر كان في البداية ورديّ اللون، ثمّ تحوّل لونه إلى الأخضرار ثمّ إلى الاصفرار. وهو ملحيّ المذاق وقابل للاحتراق، وعلى سطحه رسوم كالكتابة الهيروغليفية، وقد أُرسلت قطعة من هذا الحجر إلى معلّمين جيولوجيين في أسبانيا، وإلى معهد علمي في نيويورك، ولكنّهما لم تستطيعا تحليله لافتقارهما إلى الأجهزة اللازمة التي تستطيع بها أداء هذا التحليل.

وقد صرّح الأميرال (بلمر فاهرناي) المشرف على توجيه الطائرات والقذائف الموجّهة، والمرشّح للعمل بمكتب الملاحة الجويّة في شؤؤن القذائف الموجّهة بامريكا، في حديث له في 17 يناير 1957 بأنّه شاهد أجساماً طائرة مجهولة يبدو أنّها موجّهة بفعل كائنات مفكّرة تخترق طبقات الجوّ، وأنّ هذه الاجسام تطير بسرعة مذهلة لا يمكن للعقل البشريّ أن يتصوّرها.

وقد جاء في تقرير نشر في 11 مارس 1957 لأحد طيّاري شركة (بان أمريكان) أنّ جسماً غريباً اعترض طائرته وهي في منتصف الطريق بين نيويورك وسان جون، وقال الطيّار: إنّ هذا الجسم واجه الطائرة بطريقة مباشرة، وأنّه اجتاز فترة عصيبة حتّى يتعدّاه. وقد أمضى ركّاب الطائرة مدّة من الوقت في المستشفى من أثر الصدمة والانفعال اللذين تسبّبا عن مجاورة الطيّارة للجسم الغريب.

وصرّح متحدّث رسمي أنّ طائرات أخرى تعرّضت لأكثر من جسم، ولم يمكن تحديد ماهيّة هذا الجسم.

أليس كلّ هذا تلميحاً ـ إن لم يكن تصريحاً ـ لما يقوله الامام علي (عليه السلام) من أربعة عشر قرناً: بأنّ في السماء مدناً كمدنكم هذه تربط بعضها ببعض أعمدة من نور.

وفي منتصف 1957 أذيع أنّ رجال البوليس الفرنسي قد وجدوا في شمال فرنسا كتلاً من مادة تشبه المادة البركانيّة السوداء، وأنّها كانت نهاية آثار واضحة في الطريق. وقال القرويّون في هذه المنطقة أنّها نتيجة مرور طبق طائر نزل إلى الأرض في الليلة السابقة وعليه أربعة أشياء متحرّكة. وأفضى (ميشيل سيكيت) إلى رجال التحقيق بأنّه كان متّجهاً إلى داره بعد منتصف الليل حين بهرت عينيه قذيفة غريبة، فاختبأ وراء أحد أعمدة أسلاك البرق، فرأى طبقاً طائراً يهبط ومحرّكاته تزمجر وأضواء غريبة تشعّ، خلفها مخلوقات صغار الأجسام غير واضحي المعالم، فصاح ميشيل واتّجه بكلّ سرعته صوب محطّة السكّة، وقرّر خفير المحطّة وزوجته أنّهم انتبهوا على صوت صراخ ميشيل وخرجوا من المبنى ليروا الطبق الطائر والمخلوقات الصغيرة... وفي لحظة خاطفة اختفى الطبق ومن فيه.

وهناك حوادث تعدّدت وأصبحت عشرات في كافّة البلاد، كلّها تلتقي عند وجود أشياء غامضة لم يمكن تفسيرها. ويستند الفلكيّون في قرارهم بوجود حياة وأحياء في المريخ على أنّ ظروفه الجويّة تقارب ظروف الارض.

فكلّ مقوّمات الحياة التي نعرفها على الأرض ومستلزماتها متوافرة في المريخ، بل في الكواكب التي تقع على بُعد مقارب من بعد الأرض. أمّا الكواكب التي تقرب من الشمس أو تبعد عنها فقد قال الفلكيّون: إنّها كواكب ميّتة لأنّ الظروف التي يمكن العيش معها لا تتوافر فيها.

واهتمام العلماء في هذه الناحية إنّما ينصبّ على الحياة التي نألفها على وجه الأرض، فهل يمكن أن توجد حياة في ظروف تغاير ظروف الارض؟

إنّ الانسان يعلم بتجاربه على نفسه أنّه لا بدّ للحياة من وجود الهواء، وأن تكون درجة حرارة الجو المحيط به بما يتناسب ودرجة حرارته التي تبلغ 37 درجة مئويّة، فما بالنا بالسمك؟ إنّه يعيش في الماء ولو خرج إلى الهواء لمات.

وحيوانات المناطق المتجمدة لو انتقلت إلى الحرارة العالية في منطقة خطّ الاستواء لماتت. ألا يمكن أن يكون هناك ـ قياساً على ذلك ـ حياة بلا هواء ـ مثلاً ـ لأحياء يسكنون في الكواكب التي ثبت أنّ جوّها خالٍ من الهواء. وإذا كانت درجة حرارة الكائن الحي مثلاً 1000 درجة مئوية، ألا يمكنه بذلك أن يعيش في كواكب تقرب من الشمس. ولماذا نتخيّل أنّ الكائنات الحيّة في الكواكب ستكون ذات أنف وأذن وفم ويد وقدم. إنّ الكائن تتلائم أعضاؤه مع حاجاته المعيشيّة، فقد يكون العيش في الكواكب لا يحتاج إلى سمع... أوهواء... أو غذاء عن طريق الفم. فلا توجد الأعضاء الخاصة بهذه الحواس، أو لماذا لا يوجد الكائن أو ينقسم مثلاً... ويكون نموّ خلاياه وانقسامها عن عنصر معيّن يوجد في جوّ الكوكب. هذا إن كان الكائن الحيّ يتكاثر بانقسام خلاياه... أو حتّى إن كان له خلايا... فلا بدّ أن تكون الكائنات في الكواكب على شكل يتناسب وظروف المعيشة، وبأعضاء تؤهّلها أن تحيا الحياة التي كتبها الله لها.

* * *

[لسنا وحدنا في الكون]:

جاء في ملحق جريدة الجريدة الجمهورية الأُسبوعي العراقية العدد 84 الخميس 23 تشرين ثاني 1978م 22 ذو الحجّة 1398هـ تحت عنوان (لسنا وحدنا في الكون) ما نصّه:

نشرت الصحف في الأسبوع الماضي أنّ طبقاً طائراً قد هبط مرّتين بالقرب من المحطة «أمّ العيش» بالكويت، وترتّب على هبوطه توقّف محطة ضخّ النفط القريبة من مكان الهبوط عن العمل طوال فترة وجوده التي استمرّت سبع دقائق، ثمّ عادت للعمل تلقائياً بمجرّد إقلاع الطبق الطائر.

وصرّح المسؤولون أنّ الجسم الطائر الغريب ليس لطائرة عموديّة، لأنّه لم يترك أيّة آثار على الرمال ولم يصدر أيّ صوت، كما أنّ سبعة شهود عيان من المهندسين والفنيّين العاملين في شركة نفط الكويت قد شاهدوا الطبق الطائر.

 

[طبق طائر في الكويت]:

وبدأت الحادثة عندما اكتشف الفنّيّون العاملون في المركز الرئيسيّ لمحطّة ضخّ النفط في شركة نفط الكويت توقّف احدى محطّات الضخّ عن العمل على الشاشة الالكترونيّة التي تتنبّأ بحدوث أيّ عطل في المحطة، وعلى أثر ذلك تمّ إرسال مجموعة مكوّنة من سبعة من المهندسين والفنيين من ضمنهم خبير أجنبي إلى موقع المحطة في ـ أمّ العيش ـ لمعرفة أسباب العطل الفنّيّ المفاجيء، وكانت دهشة المجموعة هناك كبيرة عندما فوجئوا بوجود جسم أسطواني الشكل يفوق في حجمه الطائرة العاديّة، تعلوه قبّة حمراء اللون يجثم على الأرض على بعد 250 متراً من المحطة، وكانت دهشتهم أكبر عندما توجّهوا إلى محطّة الضخ حيث وجدوا بابها مفتوحاً وجميع أجهزتها متوقّفة عن العمل دون ظهور أيّ سبب فنّيّ لهذا التوقف، ممّا أدّى إلى سريان الخوف والتوتّر في نفوس المجموعة، وقد حاولوا الاقتراب من الجسم إلاّ أنّهم تردّدوا خوفاً منه خلال دهشتهم، وبعد سبع دقائق أخذ الجسم الغريب بالارتفاع نحو الأعلى في كلّ هدوء وصمت حيث اختفى عالياً في الفضاء.

 

المنطقة العربية والأطباق الطائرة:

هذه الحادثة ليست الوحيدة من نوعها، فقد شهدت المنطقة العربية بشكلّ عام ظهور كثير من الأجسام الطائرة المجهولة الهويّة ـ الأطباق الطائرة ـ في السنوات الأخيرة الماضية في عام 1975، ذكرت وكالة اليونايتد بريس أنّ أجساماً طائرة غريبة ظهرت فوق سوريا والاردن والمغرب، وفي 29 آب من عام 1977م مرّ طبق طائر بسماء الكويت، وفي 9 حزيران من عام 1978 ظهر جسم طائر غريب أيضاً في سماء الكويت وشوهد من قبل مواطن كويتيّ، وفي 1 نيسان 1978 ظهرت أطباق طائرة بشكل مثير في سماء طهران في إيران على ارتفاع 45 ألف قدم وسرعة طيرانها 5 آلاف كيلومتر في الساعة، وقد قدّر حجمها عشرين مرة بقدر حجم طائرة الجمبو الضخمة حسب تقادير برج المراقبة في مطار طهران. ولا ننسى الجسمين الطائرين اللذين ظهرا في قُطرنا هذا العام، ففي 5 آذار ظهر جسم طائر في محافظة الديوانية، وجسم طائر آخر في سماء محافظة أربيل كما أوردت ذلك وكالة الأنباء العراقية نقلاً عن مراسليها هناك، وغيرها من الحوادث التي لا تُحصى في شتّى بقاع العالم، وخاصة في الأرجنتين وتشيلي والهند والولايات المتحدة وبيرو وبوليفيا وبريطانيا والاتحاد السوفيتي.

 

طبق طائر فوق الأراضي السوفيتية:

من الحوادث الأخرى الغريبة والمشابهة لما حدث لمحطّة ضخّ النفط في الكويت تلك التي جائت في كتاب ـ مشروع الكتاب الأزرق ـ ومشروع كوندان ـ وهو برنامج وضعته الحكومة الأمريكيّة أواخر الستّينات كان الهدف منه تشكيل فريق من العلماء والمختصّين لدراسة ظواهر الأجسام الطائرة المجهولة الهويّة (الأطباق الطائرة) يلاحظ عدّة صفات وظواهر مشتركة ومتشابهة، والعمل على كشف الخرافات والأساطير التي تدور حولها. ومن الحوادث الغريبة التي ذكرها الكتاب ما حدث في الاتحاد السوفيتي عام 1961، تلك الحادثة التي أذهلت الخبراء والعلماء الأمريكان وأثارت دهشة البنتاجون الامريكيّ، ففي صيف عام 1961 وأثناء إقامة قاعدة صاروخيّة جديدة ضمن الشبكة الدفاعيّة لمدينة موسكو ظهرت فجأة أجسام طائرة مجهولة بقيت محلّقة فوق قاعدة الصواريخ. كانت عبارة عن جسم كبير يشبه السيجار، أسطوانيّ الشكل، محاط بهالة من الأضواء، وحوله أجسام أصغر منه تحلّق معه. أصابت الدهشة قائد المركز الدفاعيّ فأسرع وأعطى أوامره بإطلاق القذائف على الأجسام الطائرة وخاصّة الجسم الكبير منها، وعندما أُطلقت الصواريخ كانت تنفجر كلّها قريباً من الجسم الكبير ولا تُصيبه، وحدث نفس الشيء عندما انطلقت الدفعة الثانية من الصواريخ، أمّا الدفعة الثالثة فلم يُكتب لها الانطلاق أصلاً، ذلك أنّ جميع الأجهزة الكهربائية التي تعمل القاعدة على أساسها قد توقّفت عن العمل فجأة وبشكل لا تفسير له، تماماً كما حدث لمحطّة ضخّ النفط في الكويت.

وقد اتّضح للسوفيت بعد فترة طويلة أنّه لا علاقة للأمريكان بهذه الحادثة الخارقة.

 

صفات مشتركة للأطباق الطائرة:

إنّ أيّ باحث أو متتبع لموضوع الاطباق الطائرة يلاحظ جملة من الصفات المشتركة فيها بينها، على الرغم من اختلاف الزمان والمكان الذي تقع فيه الحوادث.

1_ إنّ الأجسام الطائرة الغريبة (الأطباق الطائرة) تظهر فجأة دون أن تكشفها أجهزة الرصد الأرضيّ والجويّ المتقنة ـ وخاصة الرادار ـ والتي أحرز الانسان فيها تقدّماً كبيراً، وهذا يدلّ على أنّ الأطباق الطائرة تسير على نظام لا يخضع إطلاقاً للقوانين الأرضيّة، ذلك أنّها تملك قوّة وقدرة ذكية ومتطوّرة ـ قياساً لتقدّم الانسان في مجال الفضاء ـ تستطيع بها أن تدخل أيّ مكان في العالم دون أن يكشفها الرادار، تماماً كما حدث في الكويت والاتحاد السوفيتي الذي يملك أجهزة رادار ورصد متقدّمة جداً.

2 ـ أشكالها وحركاتها متشابهة (أسطوانيّة، دائريّة، مضيئة، مشعّة، تدور حول نفسها...).

3 ـ إن حادثة توقّف محطّة ضخّ النفط فجأة في الكويت ومحطّة إطلاق الصواريخ في الاتحاد السوفيتي بمجرد ظهور الأجسام يدلّ على أنّها تمتلك قوّة متقدّمة جداً وغير معروفة، الأمر الذي يدلّ على أنّها تعود إلى عقل ذكيّ ومتطوّر جداً.

إنّ الأمر في الواقع يحتاج إلى نظرة جديدة حول هذا الموضوع، فالأطباق الطائرة التي تظهر للإنسان تحاول أن تؤكّد له حقيقة واحدة، هي أنّنا لسنا وحدنا في الكون.

وممّا تحقّق أخيراً في النصف الأوّل من العام الحالي وهو عام 1379 هجرية: أنّ القمر ـ وقد اعتبره جميع العلماء كوكباً ميّتاً ـ ثبت أنّه ليس كذلك، فقد أعلن العالم السوفيتي (نيقولا كوزيريف) أنّ هناك نشاطاً بركانياً على سطح القمر، ثمّ بعد أن أطلقت روسيا صاروخها (مونيك) في يناير 1959 الذي تجاوز الجاذبية الأرضيّة ومرّ بالقمر واتّخذ مداره حول الشمس، أعلن أنّه أمكن إثبات وجود بترول وغاز طبيعي في القمر، وهذه المادّة تتكوّن نتيجة تحلّل كائنات حيّة دُفنت أجيالاً متعددة، إذاً لقد ثبت أنّ القمر على الأقلّ كان به أحياء، إن لم يكن به حتّى الآن. فهل الكواكب الأخرى التي يقول عنها العلماء أنّ ظروفها لا تساعد على وجود الحياة، أي الحياة بمعناها ومظاهرها التي نعرفها نحن بني الانسان، يتّضح أنّها ـ كالقمر ـ كان بها، أو مازال بها حياة وأحياء.

هذا وقد أصدر العالمان الروسيان (أوبارني وفسنكوف) كتاباً عنوانه (الكون) بحثا فيه موضوع الكواكب الأخرى وهل فيها حياة، وذلك على أثر الأبحاث التي قام بها علماء الفلك والكيمياء والفضاء الكوني وعلى رأسهم العالم (أميارتسوميان) و(شاني)، ويقول الكتاب إنّه بعد عدد لا يُحصى من التجارب ثبت أنّ الحياة لا تنتقل من كوكب إلى آخر. وإنّما تتولّد من جديد وبشكل جديد يتّفق مع ظروف كلّ كوكب، وأنّ نشأة الحياة لم تكن مجرّد مصادفة، وأنّ هناك كثيراً من الكواكب المسكونة في هذا الكون.

ويقول الكتاب كذلك: إنّ الوقت الذي ينطلق فيه المستكشفون من الأرض إلى أعماق الفضاء بات قريباً، وإنّنا سنرى في الكواكب عوالم خفيّة فيها أشكال الحياة العجيبة تتنفّس وتتطوّر وتتّجه دائماً نحو الكمال.

إنّ الصواريخ التي ترتفع من الأرض إلى الكواكب الأخرى، والأطباق الطائرة التي تهبط من الكواكب إلينا، والنهضة الخطيرة التي نهض بها علم السفر في الفضاء، والطفرة التي استحدثها التقدّم الفكريّ في العلوم في حياة الانسان. كلّ ذلك سيجعل اليوم الذي نعرف فيه الكثير عن الحياة والأحياء في الكواكب قريباً، وأقرب ممّا كان الانسان يتصوّر. وسنعرف أنّ الامام علياً (عليه السلام) سبق العلم في تقريره:

«إنّ في السماء مدناً كمدنكم هذه تربط بينها أعمدة من نور».

* * *

[حديث علي (عليه السلام) مع ذعلب]:

وبالتالي لمّا قال (عليه السلام) «سلوني»: قام إليه رجل يقال له ذعلب، جاء في كتاب «مسند الامام علي» (تأليف مؤلّف هذا الكتاب حسن السيّد علي القبانچي النجفي، يقع هذا المسند في عشر مجلدات، نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لطبعه كما وفّقنا لتأليفه)(8) جاء في المجلّد الأول في باب إبطال الرؤية:

محمد بن أبي عبد الله رفعه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «بَيْنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ إِذْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ ذِعْلِبٌ ذُو لِسَانٍ بَلِيغٍ فِي الْخُطَبِ شُجَاعُ الْقَلْبِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ قَالَ وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ مَا كُنْتُ أَعْبُدُ رَبّاً لَمْ أَرَهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ رَأَيْتَهُ قَالَ وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ لَمْ تَرَهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْأَبْصَارِ وَلَكِنْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ إِنَّ رَبِّي لَطِيفُ اللَّطَافَةِ لا يُوصَفُ بِاللُّطْفِ عَظِيمُ الْعَظَمَةِ لا يُوصَفُ بِالْعِظَمِ كَبِيرُ الْكِبْرِيَاءِ لا يُوصَفُ بِالْكِبَرِ جَلِيلُ الْجَلَالَةِ لا يُوصَفُ بِالغِلَظِ قَبْلَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ لا يُقَالُ شَيْ‏ءٌ قَبْلَهُ وَبَعْدَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ لا يُقَالُ لَهُ بَعْدٌ شَاءَ الْأَشْيَاءَ لا بِهِمَّةٍ دَرَّاكٌ لا بِخَدِيعَةٍ فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا غَيْرُ مُتَمَازِجٍ بِهَا وَلَا بَائِنٌ مِنْهَا ظَاهِرٌ لا بِتَأْوِيلِ الْمُبَاشَرَةِ مُتَجَلٍّ لا بِاسْتِهْلَالِ رُؤْيَةٍ نَاءٍ لا بِمَسَافَةٍ قَرِيبٌ لا بِمُدَانَاةٍ لَطِيفٌ لا بِتَجَسُّمٍ مَوْجُودٌ لا بَعْدَ عَدَمٍ فَاعِلٌ لا بِاضْطِرَارٍ مُقَدِّرٌ لا بِحَرَكَةٍ مُرِيدٌ لا بِهَمَامَةٍ سَمِيعٌ لا بِآلَةٍ بَصِيرٌ لا بِأَدَاةٍ لا تَحْوِيهِ الْأَمَاكِنُ وَلَا تَضْمَنُهُ الْأَوْقَاتُ وَ لا تَحُدُّهُ الصِّفَاتُ وَ لا تَأْخُذُهُ السِّنَاتُ سَبَقَ الْأَوْقَاتَ كَوْنُهُ وَالْعَدَمَ وُجُودُهُ وَالِابْتِدَاءَ أَزَلُهُ بِتَشْعِيرِهِ الْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لا مَشْعَرَ لَهُ وَبِتَجْهِيرِهِ الْجَوَاهِرَ عُرِفَ أَنْ لا جَوْهَرَ لَهُ وَ بِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لا ضِدَّ لَهُ وَبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لا قَرِينَ لَهُ ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ وَالْيُبْسَ بِالْبَلَلِ وَالْخَشِنَ بِاللَّيِّنِ وَالصَّرْدَ بِالْحَرُورِ مُؤَلِّفٌ بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا وَمُفَرِّقٌ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا دَالَّةً بِتَفْرِيقِهَا عَلَى مُفَرِّقِهَا وَبِتَأْلِيفِهَا عَلَى مُؤَلِّفِهَا وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى «وَمِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ»(9) فَفَرَّقَ بَيْنَ قَبْلٍ وَبَعْدٍ لِيُعْلَمَ أَنْ لا قَبْلَ لَهُ وَلَا بَعْدَ لَهُ شَاهِدَةً بِغَرَائِزِهَا أَنْ لا غَرِيزَةَ لِمُغْرِزِهَا مُخْبِرَةً بِتَوْقِيتِهَا أَنْ لا وَقْتَ لِمُوَقِّتِهَا حَجَبَ بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ لِيُعْلَمَ أَنْ لا حِجَابَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ كَانَ رَبّاً إِذْ لا مَرْبُوبَ وَإِلَهاً إِذْ لا مَأْلُوهَ وَعَالِماً إِذْ لا مَعْلُومَ وَسَمِيعاً إِذْ لا مَسْمُوعَ.

ثمّ أنشأ (عليه السلام) يقول:

ولم يزل سيّدي بالحمد معروفا
وكنت(10) إذ ليس نور يستضاء به
وربّنا بخلاف الخلق كلّهمُ
ومن يُرده على التشبيه ممتثلاً
وفي المعارج يلقي موج قدرته
فاترك أخا جدلٍ في الدين منعمقاً واصحب أخا ثقة حبّاً لسيده
أمسى دليل الهدى في الأرض منتشراً

 

ولم يزل سيّدي بالجود موصوفا
ولا ظلام على الآفاق معكوفا
وكلّ ما كان في الأوهام موصوفا
يرجع أخا حصر بالعجز مكتوفا
موجاً يعارض طرف الروح مكفوفا
قد باشر الشكّ فيه الرأي مأووفا
وبالكرامات من مولاه محفوفا
وفي السماء جميل الحال معروفا(11)

ثمّ قال (عليه السلام): سلوني! فقام إليه رجل من أقصى المسجد متوكّئاً على عكّازة فلم يزل يتخطّى الناس حتّى دنا منه، فقال: يا أمير المؤمنين دُلّني على عمل إذا أنا عملتُه نجّاني الله من النار وأدخلني الجنّة. فقال له (عليه السلام): «اسمع يا هذا ثمّ افهم ثمّ استيقن، قامت الدنيا بثلاثة: بعالمٍ ناطق مستعمل لعلمه، وبغنيٍّ لا يبخل بماله على أهل دين الله (عز وجل)، وفقير صابر، فإذا كتم العالمُ عِلمه وبخل الغنيّ ولم يصبر الفقير فعندها الويل والثبور، وعندها يعرف العارفون الله أنّ الدار قد رجعت إلى بدئها (أي إلى الكفر بعد الايمان)، أيّها السائل فلا تغترّنّ بكثرة المساجد وجماعة أقوام أجسادهم مجتمعة وقلوبهم شتّى، أيّها السائل إنّما الناس ثلاثة: زاهد وراغب وصابر، فأمّا الزاهد فلا يفرح بشيء من الدنيا أتاه ولا يحزن على شيء منها فاته، وأمّا الصابر فيتمنّاها بقلبه، فإن أدرك منها شيئاًَ صرف عنها نفسه لما يعلم من سوء عاقبتها، وأمّا الراغب فلا يبالي من حِلٍّ أصابها أم من حرام. قال: يا أمير المؤمنين فما علامة المؤمن في ذلك الزمان؟ قال: ينظر إلى ما أوجب الله عليه من حقّ فيتولاّه، وينظر إلى ما خالفه فيتبرّأ منه وإن كان حبيباً قريباً، قال: صدقتَ يا أمير المؤمنين، ثمّ غاب الرجل فلم نره، وطلبه الناس فلم يجدوه، فتبسّم علي (عليه السلام) على المنبر ثمّ قال: ما لكم، هذا أخي الخضر (عليه السلام)».(12)

 

[كلام الإمام علي (عليه السلام) مع ابن الكوا]:

وفي (مسند الإمام علي (عليه السلام)) في باب «سلوني» عن الأصبغ بن نباتة قال: خطبنا أمير المؤمنين (عليه السلام) على منبر الكوفة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أيّها الناس سلوني، فإنّ بين جوانحي علماً جمّاً، فقام إليه ابن الكوّا فقال: يا أمير المؤمنين ما الذاريات ذرواً؟ قال: الرياح. قال: فما الحاملات وقراً؟ قال السحاب. قال: فما الجاريات يُسراً؟ قال: السفن. قال: فما المقسّمات أمراً؟ قال: الملائكة. قال: يا أمير المؤمنين وجدت كتاب الله ينقض بعضه بعضاً. قال: ثكلتك أمّك يا ابن الكوّا! كتاب الله يصدّق بعضُه بعضَه ولا ينقض بعضه بعضاً، فسَلْ عمّا بدا لك».

قال: يا أمير المؤمنين سمعتُه يقول: «رَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ»(13) وقال في آية أخرى: «رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ»(14) وقال في آية أخرى: «رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ».(15) قال: ثكلتك أمّك يا ابن الكوّا! هذا المشرق وهذا المغرب. وأمّا قوله: «رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ »فإنّ مشرق الشتاء على حِدة ومشرق الصيف على حدة، أما تعرف بذلك من قُرب الشمس وبُعدها؟ وأمّا قوله: «رَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ »فإنّ لها ثلثماءة وستّين بُرجاً، تطلع كلّ يوم من برج وتغيب في آخر فلا تعود إليه إلاّ من قابل في ذلك اليوم.

قال: يا أمير المؤمنين كم بين موضع قدمك إلى عرش ربك؟ قال: ثكلتك أمُّك يا ابن الكوّا! سَل متعلّماً ولا تسأل متعنّتاً، من موضع قدمي إلى عرش ربّي أن يقول قائل مُخلصاً: «لا إله إلا الله».

قال: يا أمير المؤمنين فما ثواب من قال: «لا إله إلا الله»؟ قال: من قال: «لا إله إلاّ الله» مخلصاً طُمست ذنوبه كما يطمس الحرف الأسود من الرقّ الأبيض، فإن قال ثانية «لا إله إلاّ الله» مخلصاً خرقت أبواب السماوات وصفوف الملائكة حتّى تقول الملائكة بعضها لبعض: اخشعوا لعظمة الله، فإذا قال ثالثة «لا إله إلا الله» مخلصاً تنته دون العرش، فيقول الجليل: اسكني فوعزّتي وجلالي لأغفرنّ لقائلك بما كان فيه، ثمّ تلا هذه الآية: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ»(16) يعني إذا كان عمله صالحاً ارتفع قوله وكلامه.

قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن قوس قزح؟ قال: ثكلتك أمّك! لا تقل (قوس قزح) فإنّ قزحاً اسم شيطان، ولكن قُل: (قوس الله)، إذا بدت يبدو الخصب والريف.

قال: أخبرني يا أمير المؤمنين عن المجرّة التي تكون في السماء؟

قال: هي شرج في السماء، وأمان لأهل الأرض من الغرق، ومنه أغرق الله قوم نوح بماء منهمر. قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن المحو الذي يكون في القمر؟ قال (عليه السلام): الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، رجل أعمى يسأل عن مسألة عمياء، أما سمعت الله تعالى يقول: «وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً»؟(17) قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله). قال: عن أيّ أصحاب رسول الله تسألني؟ قال: يا أمير المؤمنين عن أبي ذر الغفاري. قال (عليه السلام): سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: «ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر». قال: يا أمير المؤمنين فأخبرني عن سلمان الفارسي؟ قال: بخ بخ سلمان منّا أهل البيت، ومن لكم بمثل لقمان الحكيم، عَلِم عِلم الأوّل والآخر. قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن حذيفة بن اليماني. قال: ذلك امرؤٌ عَلِم أسماء المنافقين، إن تسألوه عن حدود الله تجدوه بها عالماً. قال: يا أمير المؤمنين فأخبرني عن عمّار بن ياسر؟ قال: ذاك امرؤٌ حرّم الله لحمه ودمه على النار أن تمسّ شيئاً منها. قال: يا أمير المؤمنين فأخبرني عن نفسك؟ قال كنتُ إذا سألتُ اُعطيت، واذا سكتُّ ابتُديت. قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن قول الله (عز وجل): «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَْخْسَرِينَ أَعْمالاً» الآية؟ قال: كفرت أهلُ الكتاب اليهود والنصارى وقد كانوا على الحقّ، فابتدعوا في أديانهم وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً، ثمّ نزل (عليه السلام) عن المنبر وضرب بيده على منكب ابن الكوّا، ثمّ قال: يا ابن الكوّا وما أهل النهروان منهم ببعيد. فقال: يا أمير المؤمنين ما أريد غيرك ولا أسأل سواك. قال: فرأينا ابن الكوّا يوم نهروان، فقيل له: ثكلتك أمك! بالأمس تسأل أمير المؤمنين عمّا سألته وأنت اليوم تقاتله، فرأينا رجلاً حمل عليه فطعنه فقتله.(18)

* * *

[علي (عليه السلام) وآخر الزمان]:

قال (عليه السلام): «سلوني قبل أن تفقدوني» فقام إليه صعصعة بن صوحان وميثم التمار وكميل بن زياد وعمر بن صالح، فقالوا: سيّدنا حدِّثنا بما يجري في آخر الزمان، فإنّ حديثك يُحيي قلوبنا ويزيد في إيماننا.

قال: «نعم، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ستجتمع في آخر الزمان في أمّتي مائة خصلة لم تجتمع في غيرها من الأمم: يكون منهم قوم لهم وجوه جميلة وضمائر رديّة، من رآهم أعجبوه، ومن عاملهم ظلموه، الوجوه وجوه الآدميّين والقلوب قلوب الشياطين، هم أمرّ من الصبر وأنتن من الجيفة وأهرش من الكلب وأروغ من الثعلب، لا يتناهون عن منكر فعلوه، إن حدّثتهم كذّبوك، وإن ائتمنتهم خانوك، وإن كان لك مال حسدوك، وإن بخلت عليهم هلبوك، سمّاعون للكذب، أكّالون للسحت، يستحلّون الزنا والخمر والمغاني والطرب، الفقير بينهم هالك، والقويّ عندهم مالك، ويطيع الرجل زوجته ويعصي والديه، ويكثر ما بينهم سفك الدماء، فتقلّ المكاسب وتختلف المذاهب، ويحكم فيهم كلّ سلطان جائر، وشُربت الخمور، ورُكبت الذكور، واكتفت الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، وعلت الفروج السروج، ويتشبّهنّ بالرجال، وتحجّ الناس على ثلاثة أقسام: الأغنياء للنُزهة، والأوساط للتجارة، والفقراء للمسألة، فيختبط الإسلام وتظهر دولة الصبيان، مساجدهم معمورة بالأذان وقلوبهم خالية من الإيمان، فإذا دخلت السوق لم تسمع إلاّ ذامّاً لربّه، هذا يقول: لم أبع شيئاً، وهذا يقول: لم أربح شيئاً؛ إلى أن قال (عليه السلام): فإذا اجتمعت هذه الخصال توقّعوا ظهور القائم».(19) وهذا الباب واسع من أراد الزيادة فليرجع إلى كتابنا الكبير (مسند الإمام علي) في باب «سلوني قبل أن تفقدوني».

* * *

(1) الأمالي للصدوق: 422/ ح560؛ الاختصاص للمفيد: 235.

(2) بحار الأنوار 74: 332، من خطبة له (عليه السلام) أوّلها «أيّها الناس شقّوا أمواج الفتن بسفن النجاة»؛ ولم أعثر على الخطبة التي أشار إليها المؤلّف (قدس سره) كاملة مجموعة في المصادر التي بين يديّ.

(3) عيون أخبار الرضا 1: 71/ ح298؛ أمالي الصدوق: 425؛ ذخائر العقبى لمحبّ الدين الطبري: 77.

(4) انظر تحف العقول: 60؛ بحار الأنوار 74: 163.

(5) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد5: 4.

(6) الخصال للصدوق: 496؛ أمالي الصدوق: 150/ ح146.

(7) الجامع الصغير للسيوطي 2: 606 / ح8725.

(8) وقد طبع الكتاب بعد شهادة المؤلف في الجمهورية الإسلامية وفي بيروت، كما حصل على أكثر من جائزة علمية وتقديريّة، وقد عني سبطه سماحة الشيخ طاهر السلامي بمراجعته وتصحيحه مشكورا.

(9) الذاريات: 49.

(10) في بعض النسخ: «وكان».

(11) التوحيد: 308 - 309/ ح2؛ ورواه الكليني في الكافي ولم يذكر الشعر. الكافي 1: 138 - 139/ ح4.

(12) التوحيد للصدوق: 304 - 307/ ح1 (حديث ذعلب).

(13) المعارج: 40.

(14) الرحمن: 17.

(15) الشعراء: 28؛ المزمل: 9.

(16) فاطر: 10.

(17) الاسراء: 12.

(18) الاحتجاج 1: 385 - 388.

(19) قد وردت روايات كثيرة من هذا الحديث في تفسير القمّي 2: 307 في حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) لسلمان الفارسيّ (رضي الله عنه).