ومن كلام له (عليه السلام):في مدح الكوفة

«كأنّي بِكِ يا كوفةُ تُمَدّينَ مَدَّ الأَدِيمِ العُكاظِيّ، تُعرَكينَ بالنَوازِل، وتُركَبينَ بالزَلازِل، وإنّي لَأعلمُ أنّه ما أرادَ بكِ جَبّارٌ سُوءاً إلاّ ابتَلاهُ اللهُ بشاغِلٍ ورَماهُ بقاتِلٍ» (ابن ابي الحديد مج 1 ط 1 ص286).

* * *

ضبط الألفاظ اللغوية:

الأديم: الجلد المدبوغ الذي لم تتمّ دباغته، وعُكاظ ـ بالضمّ ـ موضع بناحية مكّة كانت العرب تجتمع فيه في كلّ سنة ويقيمون به سوقاً مدّة شهراً، ويتعاكظون أي يتفاخرون ويتناشدون الشعر، ويُنسب إليه الأديم لكثرة البيع فيه. والعرك: الدلك والحكّ، وعركه أي حمل عليه الشر، وعركت القوم في الحرب: إذا مارستهم حتّى أتعبتهم.

* * *

[الشرح]:

إنّ هذا الكلام من جملة ما أخبر به (عليه السلام) من المغيّبات، فقد بيّن فيه حال الكوفة وحال أهلها وتجاذب أيدي الظالمين وتسلّطهم عليهم بالظلم والعدوان.

وفي قوله (عليه السلام): «كأنّي بك يا كوفة» إشارة إلى أن المخبَر به لا محالة واقع، ووقوعه مشاهد بعين اليقين. وقوله: «تُمدين مدّ الأديم العُكاظيّ» وجه الشبه شدّة ما يقع بأهلها من الظلم والبلاء، كما أنّ الأديم العكاظيّ مُستحكم الدباغ شديد المدّ.

وقوله: «تُعركين بالنوازل وتركبين بالزلازل» أراد بهما الشدائد والمصائب التي نزلت بأهل الكوفة والظلم والبلايا التي حلّت بها وأوجبت اضطراب أهلها، وهي كثيرة مذكورة في كتب السير والتواريخ.

وقوله: «وإنّي لأعلم أنّه ما أراد بك جبّارٌ سوءاً» إشارة إلى تحقيق وقوع المخبر به، يعني أنّه معلوم بعلم اليقين أنّه ما أراد بك جبار سوءاً إلاّ ابتلاه الله بشاغل ورماه بقاتل.

قال ابن ابي الحديد المعتزلي: فأمّا ما همّ به الملوك وأرباب السلطان فيها من السوء ودفاع الله تعالى عنها فكثير. قال المنصور لجعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): إنّي قد هممتُ أن أبعث إلى الكوفة من ينقض منازلها ويجمّر نخلها ويستصفي أموالها ويقتل أهل الريبة منها، فأشِر عليَّ. فقال (عليه السلام): يا أمير المؤمنين إنّ المرء ليقتدي بسلفه، ولك أسلاف ثلاثة: سليمان أُعطي فشكر، وأيوب ابتُلي فصبر، ويوسف قَدَر فغفر، فاقتدِ بأيّهم شئت.

فصمت قليلاً ثمّ قال: قد غفرت.

وروى أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي في كتاب المنتظم: إنّ زياداً لمّا حصبه أهل الكوفة وهو يخطب على المنبر قطع أيدي ثمانين منهم، وهّم أن يخرّب دورهم ويجمّر نخلهم، فجمعهم حتّى ملأ بهم المسجد والرحبة يعرضهم على البراءة من علي (عليه السلام)، وعلم أنّهم سيمتنعون فيحتجّ بذلك على استئصالهم وإخراب بلدهم. قال عبد الرحمن بن السائب الأنصاري: فإنّي لمع نفر من قومي والناس يومئذ في أمر عظيم، إذ هوّمتُ تهويمة فرأيت شيئاً أقبل طويل العنق مثل عنق البعير أهدر أهدل، فقلت: ما أنت؟ فقال: أنا النقّاد ذو الرقبة بُعثت إلى صاحب هذا القصر، فاستيقظت فزعاً فقلت لأصحابي: هل رأيتم ما رأيت؟ قالوا: لا، فأخبرتهم، وخرج علينا خارج من القصر فقال: انصرفوا فإنّ الأمير يقول لكم: إنّي عنكم اليوم مشغول، وإذا بالطاعون قد ضربه، فكان يقول: إنّي لأجد في النصف من جسدي حرّ النار، حتّى مات، فقال عبد الرحمن بن السائب:

ما كان منتهياً عمّا أراد بنا
فأثبت الشقّ منه ضربة عظمت

 

حتّى تناوله النقّاد ذو الرقبهْ
كما تناول ظلماً صاحب الرحبه(1)

وابنه عبيد الله وقد أصابه الجذام، والحجّاج بن يوسف وقد تولّدت الحيّات في بطنه حتّى مات، وعمر بن هبيرة وابنه يوسف وقد أصابهما البرص، وخالد القسريّ وقد حُبس وضُرب فطوّلت مدّته في الحبس حتّى مات جوعاً.

 

[الكوفة وفضلها]:

وفي قوله (عليه السلام): «ما أراد بك جبّار سوءاً إلاّ ابتلاه الله» إشعار بمدح الكوفة وفضلها وأنّها المدينة المقدّسة.

ولا غرو فقد كانت قاعدة للعلم، ومركزاً للسياسة الإسلاميّة، وعاصمة للخلافة الكبرى، ودار هجرة المسلمين. وكفاها فخراً ما رواه أبو سعيد الخدريّ عن النبي (صلى الله عليه وآله) «الكوفة جُمجمة العرب ورُمح الله وكنـز الإيمان»(2) وقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «نعمت المدرة، إنّه يحشر من ظهرها يوم القيامة سبعون ألفاً وجوههم في صورة القمر»(3) وقوله: «مدينتنا ومحلّتنا ومقرّ شيعتنا».(4) وقال الصادق (عليه السلام): «اللهمّ ارمِ مَن رماها، وعادِ من عاداها»(5) وقوله: «تربة تحبنّا ونحبّها».(6)

وعن عبد الله بن الوليد قال: دخلنا على أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) فسلّمنا عليه وجلسنا بين يديه، فسألنا: من أنتم؟ قلنا: من أهل الكوفة، فقال: أما إنّه ليس من بلد من البلدان أكثر محبّاً لنا من أهل الكوفة، ثمّ هذه العصابة خاصّ، إنّ الله هداكم لأمرٍ جهله الناس، أحببتمونا وأبغضنا الناس، وصدّقتمونا وكذّبنا الناس، واتّبعتمونا وخالفنا الناس، فجعل الله محياكم محيانا، ومماتكم مماتنا.(7) وقول سلمان الفرسي (رضي الله عنه): «أهل الكوفة أهل الله، وهي قبّة الإسلام يحنّ إليها كلُّ مسلم».(8)

إذاً فلا بدع من أن تكون الكوفة مركزاً للأدب والعلم، ومدرسة للثقافة، وجامعة يأوي إليها مختلف طبقات الناس من كل فجّ عميق، ولقد ازدلفت إليها زرافات من خيار الصحابة ورجالات التابعين وروّاد العلم وحفّاظ الحديث، فكان منهم قضاة، وكان منهم نقباء، وذلك ممّا زاد في قيمتها التاريخية وأهميّتها العلميّة، كما أنّها أنجبت علماء وأدباء وشعراء هم مفاخر التاريخ الإسلامي وغرّة واضحة في جبهة الدهر.

 

[الكوفة رائدة الأدب العربي]:

كانت الكوفة ـ ولا سيّما في العصر الأمويّ ـ ملتقى العلماء والأدباء والشعراء، يزدحمون في المسجد الأعظم وغيره من الجوامع العامّة والنوادي والمحافل للمفاخرة والمناظرة، وكان أشراف الكوفة يخرجون إلى ضواحيها أيضاً لمثل هذا الغرض، لما كان في ضواحيها من جالية العرب وأهل البادية من القبائل التي نزحت إلى هناك بعد الإسلام، فكانت الكوفة وضواحيها يومئذ كسوق عُكاظ في الجاهليّة، تتألّف فيها من فحول شعرائها حلقات المناشدة والمفاخرة ومجالس العلم والأدب، وكان الشعر في الكوفة أكثر منه في البصرة، وقد وقف المختار بن أبي عبيدة في أثناء حروبه بالعراق على أشعار مدفونة في القصر الأبيض بالكوفة، وذلك ممّا يدلّ على عناية الكوفيّين بالشعر.

في الكوفة احتكّ العرب بغيرهم من الأمم المتمدّنة، وفيها اشتغل المسلمون بجمع أخبار العرب وأشعارهم وأمثالهم، وفيها وُلدت الآداب اللسانيّة، فتكاثرت فيها الأندية الأدبيّة، وذلك من أهمّ البواعث على زهو الشعر فيها، فلا غرو إذا نبغ فيها الشعراء والأدباء أمثال الكميت بن زيد الأسدي، وأبي الطيّب المتنبّئ، وأبي العتاهية، ودعبل الخزاعي، وحمّاد عجرد وحمّاد الراوية وغيرهم من فطاحل الشعراء.

ومن المعتقد أنّ شعراء السياسة في الكوفة أكثر من غيرهم من سائر الطبقات، إذ قلّما نبغ شاعر لم يتعرّض لحزب من الأحزاب التي كانت مؤلّفة فيها يومئذ، لا سيّما والكوفة كانت معروفة بأنها علويّة المبدأ على الأكثر، فكان فيها من أنصار العلويّين والهاشميّين ومن أنصار الأمويّين، وفيها من أنصار الخوارج وآل المهلّب وغيرهم.

وإنّ من يلقي نظرة في التاريخ الإسلاميّ في العهد العبّاسيّ الأوّل يرى أنّ سوق المناظرة والمفاخرة كانت رائجة بين الكوفيّين والبصريّين في مسائل شتّى في الفقه والنحو والأدب واللغة وغيرها، الأمر الذي كوّن المنافرة بين الفريقين بالطبع، وانتمت إلى كلّ مذهب طائفة، حتّى قيل: (مذهب الكوفيّين ومذهب البصريّين).

وكان خلفاء الدولة العباسيّة يقدّمون الكوفيّين لأنّهم كانوا من أنصارهم لمّا قاموا لطلب الخلافة في الكوفة، فكانوا يقرّبونهم دون البصريّين، ويختارون منهم أساتذة لأولادهم: فالكسائيّ والفرّاء والمفضّل الظبـّي والشرقي بن القطامي كلّهم من أهل الكوفة وقد علّموا أبناء الخلفاء.

وقد جرت مفاخرة طويلة بين أبي بكر الهذلي البصري وبين أبي العيّاش بالكوفة بمحضر أبي العباس السفاح، وكلّ يتعصّب لبلده فيصفها بكلّ ما في وُسعه من الصفات الفاضلة، فنرى أبا العباس يتعصّب لأبي عيّاش الكوفي ويقول بعد انتهاء المفاخرة: «الكوفة بلاد الأدب ووجه العراق ومبزغ أهله، وهي غاية الطالب ومنـزل خيار الصحابة وأهل الشرف، وإنّ البصرة لأشبه الناس بهم».

مرّت على الكوفة أدوار متناقضة مُنيت خلالها بحروب وحوادث مدهشة، فكانت الأفكار فيها تتضارب والنـزعات تتخالف، فربّما أخذت الحقائق بأعضاد ذويها، وربّما ساعدت الحظوظ وثّابة النهمة والشره، وكلّما خبا ذِكر أحد الفريقَين تربّص الفريق الآخر به الدوائر حتّى تتضاءل مِرّةُ صاحبه وتلين قوّته، ولم يزل تباين الخطط بهذه العاصمة حتّى حكم عليها بالتدمير وألحقها بحديث أمس الدابر.

 

[مسلم بن عقيل وأهل الكوفة]:

نعم انتابتها سلسلة حوادث، أشهرها حادثة مسلم بن عقيل سفير الحسين (عليه السلام) ورسوله إلى أهل الكوفة، فقد دخلها سنة ستّين للهجرة طالباً البيعة للإمام الحسين، فبايعه أهل الكوفة بيعة واحدة، ثمّ ما أسرع أن تفرّقوا عنه عندما دخلها ابن زياد.

يروي ابن أعثم الكوفي عن ابن اسحاق صاحب المغازي وابن هشام وغيرهم: أنّ أهل الكوفة لما تفرّقوا عن مسلم بن عقيل (عليه السلام) وبقي وحيداً امتطى ظهر جواده وهمّ بالخروج من الكوفة، إلاّ أنّه بقي يتردّد في شوارعها لعدم اهتدائه الطريق المنهي إلى خارجها، وبينما هو يسير إذ عرض له سعيد بن أحنف فعرف مسلماً بشمائله، فاستوقفه وسأله عن سبب خروجه هذا وأنّه على خلاف الغرض الذي جاء له، فقال له مسلم: إنّي لما يأست من الجماعة الذين بايعوني وتفرّقوا عني صمّمت على ترك الكوفة عَلّي أرى جماعة يُبايعوني ولا ينكثون، فقال له سعيد: لا يكون ذلك أبداً لأنّ القوم أخذوا عليك الطرق، وبثّوا الأرصاد والعيون والحرس من أجلك، فإذا وقعت عليك أعينهم قبضوك قبض اليد، فقال مسلم، إذن ما الرأي؟ قال: الرأي أن نذهب سويّة إلى دارٍ آمنة ومكان حصين لا يطّلع علينا أحد من القوم. فأجابه مسلم ومضيا حتّى انتهيا إلى دار محمد بن كثير.

وما أن شعر بهما محمد حتّى انكبّ على أقدام مسلم يقبّلهما وهو يقول: ما أسعدني ومَن مثلي! فقد حظوتُ بالدين والدنيا، وكانت في دار محمد مواضع خفيّة واقية قلّما يهتدي أحد لمعرفة من بها، ولكنّ الحرس الكثير والعيون المتطايرة والإرصادات المبثوثة استطاعت أن تكشف هذا الخبر، وسرعان ما طيّر إلى ابن زياد وما كان أشدّ فرحه بذلك، وبالفعل أمر ابنه خالد أن يصحب معه فوجاً من العسكر وأن يطوّقوا دار محمد بن كثير، وهكذا كان، ولمّا لم يكن مع محمد من الأعوان ما يكتفي بهم لصدّ هذا العمل فقد قُبض عليه وعلى ابنه بسهولة وبُعثا إلى ابن زياد، غير أنّه خفي عليهم موضع مسلم، وكلّما فتّشوا عليه زادوا بمقامه جهلاً وضلالاً، فراجع خالد دار الامارة بذاك وأطلعها على الحال.

ومن الجهة الثانية فإنّ سليمان بن صرد الخزاعي والمختار بن أبي عبيدة الثقفي وورقاء بن عازب وجماعة من أشراف أهل الكوفة لمّا علموا بخبر محمد وأنّه أُخذ هو وابنه صمّموا على أن يكوّنوا لهم أتباعاً وأعواناً ويهاجموا دار الامارة ويُنقذوا محمداً وابنه، وأن يخيّموا خارج الكوفة ويُعلنوا نصرة الحسين (عليه السلام) ويكوّنوا جيشاً قويّاً على أعدائه. هذا ما تآمروا عليه وصمّموا على تنفيذه صبح اليوم التالي. إلاّ أنّ من القضاء والقدر أن قدم عامر بن الطفيل مع عشرة آلاف جنديّ من عسكر أهل الشام قبل طلوع فجر تلك الليلة خاضعين لأوامر ابن زياد، فسُرّ ابن زياد بذلك سروراً عظيماً، وفي صبيحة تلك الليلة أحضر ابن زياد محمد بن كثير فسبّه وشتمه ما شاء، فقال له محمد: لستُ بالمكان الذي استحقّ من مثلك كلّ هذا الشتم، ولستَ بالمحلّ الذي تقتدر أن تشتم مثلي، فما أنت إلاّ لئيم حسبٍ خسيسُ نسبٍ اُلصقت بأبي سفيان إلصاقاً، وشرّ ما أولد هذا الإلصاق من الفساد والشر والفتن بين المسلمين، فإنّما أنت نغل وابن زنا.

وبينما هما بالكلام إذ علت أصوات الرجال وكثر الهتاف والغوغاء، وإذا هم بأربعين ألف رجل أو أكثر يحاصرون دار الامارة على أتمّ ما يكون من الاستعداد لمواجهة الطوارئ الحادثة، فلم يُبالِ ابن زياد ولم يُرعه ذلك، بل استمر مع محمد بن كثير واسترسل بجبروته وغطرسته، فأقسم لابن كثير برأس يزيد أن لا مزيد على هذا الاعتداء، وأن يسلّم مسلم بن عقيل لا محالة وإلاّ جعله طُعمة لحدّ السيوف. فقال له ابن كثير: لا، لستَ بالمقام الذي تتمكّن به من مسّ شعرة من بدني فضلاً عن إراقة قطرة من دمي.

وكان ابن زياد مغضباً في تلك الساعة، إلاّ أنّه بعيد نظر بعاقبة الأمر، فخفّف من غلوائه فجأة وألان طرفاً من لسانه حالاً مع ابن كثير، فقال له: حسناً فلتعرف هل روحك أعزّ عليك أم روح مسلم بن عقيل؟ فقال ابن كثير: أمّا روح مسلم فلها من خالقها وبارئها من يحميها وينصرها، وأمّا روحي فبينها وبين أن تُسلب ثلاثون ألفاً من السيوف المخضّبة بدماء صناديد الرجال.

وهاج بابن زياد غضبه واتّقدت عيونه، فنظر ما حوله فلم يجد إلاّ دواة ضرب بها جبهة محمد فتكسّرت أوصالاً، وسالت دماء محمد على وجهه ولحيته فجرّد سيفه وحمل على ابن زياد، فصرخ ابن زياد صرخة دوى لها كلّ من في دار الامارة من الجنود والغلمان، وحالت أشراف من الكوفة بين محمد وبين ابن زياد، إلاّ أنّ معقلاً الذي كان هاني بن عروة جرحه قبل هذا هجم على محمد، فاستقبله محمد استقبال الأسد لفريسته، فضربه ضربة واحدة شطرته شطرين، فثار ابن زياد وترك وسط المجلس وتجنّب ناحية منه، ثمّ صاح بغلمانه وحاشيته أن دونكم الرجل! فانثالوا على محمّد وابنه بأسيافهم من كلّ جانب، وكان محمّد يقاتلهم ويُضاربهم ذات اليمين مرّة وذات الشمال أخرى، وأماماً تارة وخلفاً أخرى، حتّى عثرت رجله بحبل الشاذروان فسقط على الأرض، فانكبّ عليه الحرس والغلمان انكبابة واحدة ما أمهلوه بها حتّى قضوا عليه.

وأمّا ابنه فاستمر على قتال القوم متّجهاً نحو باب دار الامارة، وقتل في الأثناء عشرين أو أكثر، فلمّا كان قريباً من الباب طعنه أحد الغلمان من خلفه طعنه أكبّه على وجهه، فتلاقفوه بالسيوف والرماح حتّى قُتل (رحمه الله).

وكان أهل الكوفة والجند الشامي في تلك الأثناء في تضارب وتصادم وتسايف وتنابل، فضجّ الجيش الشامي من جري الكوفيين وشدّة مقاومتهم، فشكوا ذلك إلى ابن زياد، فقال لهم: إنّ أهل الكوفة يشدّون حرصاً على محمد وابنه فارموا برأسيهما إليهم، فإذا رأوهم تفتر حركتهم ويسكن هياجهم، فُرمي الرأسان للناس من أعلى القصر، فما اكترث الناس بقتلهما بل اشتدّوا وداموا يحاربون الجيش حتّى حجزهم الليل وعاد كلّ منهم إلى داره ولم يبق منهم بباب القصر أحد، وكان ابن زياد غير آمن من هياج الكوفة عليه وانتصارها لمسلم، فجدّ في أثر مسلم وبثّ الأرصاد أيضاً والعيون عليه.

ولمّا انتهى خبر هذه الوقعة إلى مسلم ترك دار محمد بن كثير وخرج، إلاّ أنّه لا يدري أين يتّجه، وجيش ابن زياد أخذ الطرق عليه، وكان عدده اثني عشر ألف وُزِّعوا في طرق الكوفة وشوارعها، وكان بين كلّ الفرق والأقسام إشارات خاصّة يجتمعون بمجرد المبادرة لها. فقصد مسلم جهة من الجهات من دون أن يعلم ما هي وإلى أين تنتهي، وبينما هو سائر اذ عرض له قسم من هذه الأقسام، فصاحوا به: من أنت وإلى أين تريد؟ فقال: إنّي رجل من فزارة أريد الرواح إلى قبيلتي. فقالوا له: ارجع لا يمكن العبور من ههنا، فترك هذا الطريق وأخذ محلّة دار البيع فعارضه خالد بن عبيد الله بن زياد في ألف رجل فلم يُفسحوا له، فترك هذا الطريق أيضاً، فرجع وأخذ طريق الكناسة فعارضه الخادم الشامي في ألفي رجل، فرجع وأخذ طريق السوق، إلاّ أن رجلاً يقال له «الحراث» التفت إلى رجوع مسلم بسرعة من طريق الكناسة وأخذه طريق السوق فقطع أنّه هو مسلم بعينه، فمضى مسرعاً إلى دار الامارة ـ وكان الليل قد أوشك أن يصبح ـ وقال لنعمان الحاجب: إنّ مسلماً قصد السوق الفلاني راكباً فرسه متوجّهاً إلى باب البصرة، فركب نعمان من وقته ومعه خمسون فارساً وقصد السوق، فطرق سمع مسلم وقع حوافر الخيل فعرف أنّهم في طلبه، فلم يَر بُدّاً من أن يترجّل ويهمز جواده خالياً، وهكذا فعل ومرّ الجواد يسارع في الشوارع، فلحقه نعمان مع فوارسه حتّى ظفروا به في محلّة الحلاّجين خالياً فأخذوه إلى ابن زياد وأعلموه الحال، فبعث ابن زياد برجاله وحراسه إلى رؤوس المحلات ومفارق الطرق ومعابر الناس ومداخل الأسواق فأقامهم فيها، وأمر المنادي أن يُنادي في الناس كافّة أنّه: من دلّنا على مسلم أو عرّفنا بمكانه أو جاء به إلينا فله منّا المكافأة الجزيلة والعطايا الوفيرة والمنـزلة الرفيعة والمرتبة السامية وغير ذلك، ممّا بعث بمحبّي المال والجاه وعشّاق الذهب والفضة أن يصبحوا له عيناً واحدة على مسلم، يتجسّسون عليه في الصبح المضيء والليل المظلم.

وأمّا مسلم فبعد مغالطة نعمان وفرسانه أخذ يمشي في الأزقّة والطرق جائعاً عطشاناً لا يهتدي لسبيل ولا يركن إلى دليل، وخاف أن يظفر به الناس، فرأى في أحد الشوارع مسجداً خرباً فالتجأ إليه وقضى بياض نهاره فيه، حتّى إذا جنّ الليل قام وأخذ يجوب الطرق وكلّها مسدودة في وجهه سدّاً محكماً، وكان عبوره بمحلّة ابن جبلة من كندة فوقع نظره على دار عالية البنيان جلس أمامها يستريح بعض الشيء ممّا حلّ به، وكانت الدار لأم ولد يقال لها طوعة كانت قبلاً تحت الأشعث بن قيس، ولمّا طلّقها صارت تحت أسيد الحضرمي وأولدها غلاماً إسمه بلال.(9)

* * *

 

من خطبة له (عليه السلام): [ يوصي بالوفاء وعدم الغدر ويذكر سوء عصره]

«إِنَّ الْوَفَاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ وَلَا أَعْلَمُ جُنَّةً أَوْقَى مِنْهُ وَمَا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ وَلَقَدْ أَصْبَحْنَا فِي زَمَانٍ قَدِ اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الْغَدْرَ كَيْساً وَنَسَبَهُمْ أَهْلُ الْجَهْلِ فِيهِ إِلَى حُسْنِ الْحِيلَةِ مَا لَهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ قَدْ يَرَى الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ وَجْهَ الْحِيلَةِ وَدُونَهَا مَانِعٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ فَيَدَعُهَا رَأْيَ عَيْنٍ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَيَنْتَهِزُ فُرْصَتَهَا مَنْ لا حَرِيجَةَ لَهُ فِي الدِّينِ». (شرح النهج لابن أبي الحديد مج1، ص216، ط الأولى).

* * *

ضبط الألفاظ الغريبة:

(التوأم) معروف، يقال هذا توأم هذا، وهذه توأم هذه، وهما توأمان. (والجنّة) بالضم الترس. و(الكيس) الفطنة والعقل. (والحوّل القُلّب) البصير بتقليب الأمور وتحويلها. (والانتهاز) المبادرة، يقال انتهز الفرصة: اغتنمها وبادر إليها. (والحريجة) التحرّج والتأثّم، أي التحرّز من الحرج والاثم.

* * *

المعنى لهذه الفقرات النيّرة:

إنّ الوفاء والصدق من جنود العقل، كما إنّ الغدر والكذب من جنود الجهل، وتقابل الأوليين مع الآخرين تقابل العدم والمَلَكة، لأنّ عدّ هذه الأوصاف من جنود العقل والجهل باعتبار مباديها الراسخة ومَلَكاتها في النفس دون آثارها التي من الأعمال والأفعال.

وعلى هذا فالوفاء مَلكة نفسانيّة تنشأ من لزوم العهد كما ينبغي والبقاء عليه، والغدر ضدّ الوفاء عمّن من شأنه الوفاء، والصدق ملكة تحصل من لزوم مطابقة الأقوال للواقع، والكذب عدم الصدق لمن من شأنه الصدق.

ولمّا كان الوفاء والصدق متشاركين في كونهما من جنود العقل، متلازمين غالباً، لا جرم شبّههما بالتوأمين، قال: (إنّ الوفاء توأم الصدق) ثمّ قال (عليه السلام): (ولا أعلم جُنّة أوقى منه) أي أشدّ وقاية منه من عذاب الآخرة ومن عار الدنيا المترتّبين على الغدر وخلف الوعد، مضافاً إلى ما فيه من الثمرات والمنافع الدنيويّة والأُخرويّة. فمن ثمراته الدنيويّة اعتماد الناس على قول الوفيّ وثقتهم به وركونهم إليه، واستحقاق المدح الثناء عند الخالق والخلائق. ومن هنا قيل في المثل: (الوفاء مليح، والغدر قبيح).

 

[وفاء السمؤل]:

وحتّى الآن وقد مضت قرون وقرون يُضرب المثل بوفاء السموءل فيقال: (أوفى من السموءل).

ومن وفائه أنّ امرء القيس بن الحجر لمّا أراد الخروج إلى أحد الملوك استودع السموءل دروعاً، فلمّا مات امرؤ القيس غزاه ملك من ملوك الشام، فتحرّز منه السموءل، فأخذ الملك إبناً له كان مع ظئرٍ خارجاً من الحصن، ثمّ صاح بالسموءل فأشرف عليه، قال له الملك: هذا ابنك في يدي، وقد علمتَ أنّ امرء القيس ابن عمّي وأنا أحقّ بميراثه، فإن دفعت إليّ الدروع وإلاّ ذبحتُ ابنك. فقال السموءل: أجّلني، فأجّله، فجمع أهل بيته ونساءه فشاورهم فكلٌّ أشار إليه بدفع الدروع، فأبى قال: ما كنت لأحقر أمانة، فقال للملك: فاصنع ما أنت صانع، إنّ الغدر طوق لا يبلى، ولإبني هذا أخوة، فذبح الملك ابنه وهو ينظر إليه ورجع خائباً، فلمّا دخلت أيام الموسم وافى السموءل بالدروع الموسم فدفعها إلى ورثة امرئ القيس. وهذا أقصى ما يُتصوّر في الوفاء. لذلك ضُرب به المثل واستمرّ حتّى اليوم فيقال: (أوفى من السموءل)(10).

 

[قصة المنذر بن ماء السماء ويوماه البؤس والسعد]:

جاء في التاريخ: أنّ المنذر بن ماء السماء ـ ملك الحيرة ـ جدّ النعمان بن المنذر ـ خرج يتصيّد، فأجرى فرسه خلف صيد، فذهب الفرس به في الأرض ولم يقدر على كبح جماحه، فانفرد عن أتباعه، وأخذته السماء فطلب ملجأ يلجأ إليه، فدفع إلى بناء فإذا فيه رجل من طيء يدعى حنظلة ومعه امرأة له، فقال لهما: هل من مأوى؟ فقال حنظلة: نعم، فخرج إليه فأنزله ولم يكن للطائيّ غير شاة، وهو لا يعرفه، فقال لامرأته: أرى رجلاً ذا هيئة، وما أخلقه أن يكون شريفاً خطيراً، فما الحيلة؟ قالت: عندي شيء من طحين كنت ادّخرته، فاذبح الشاة، وأخرجت الطحين وخبزت منه، وقام الطائي إلى شاته فاحتلبها ثمّ ذبحها واتّخذ من لحمها مضيرة (طعام يُطبخ باللبن) فأطعمه من لحمها، وسقاه من لبنها، واحتال له بشراب فسقاه، وقطع بقيّة ليلته يحدّثه، فلمّا أصبحا لبس المنذر ثيابه وركب فرسه ثم قال: يا أخا طيء اطلب ثوابك، أنا الملك المنذر، قال: أفعل إن شآء الله، ثمّ اتّجه نحو الحيرة.

ومكث الطائي بعدها زماناً فأصابه جهد وساءت حاله، فقالت له إمرأته: لو أتيتَ الملك لأحسن إليك، فأقبل إلى الحيرة، وكان المنذر وقد جعل له يومين: يوم بؤس مَن صادفه فيه قتله وأرداه، ويوم نعيم مَن لقيه فيه أحسن إليه وأغناه، فصادف الطائيّ مجيئه يوم بؤس المنذر، فإذا هو واقف في خيله في السلاح، فلمّا نظر إلى الطائي عرفه وساءه مكانه، وجاء الطائي حتّى وقف بين يديه فقال له المنذر: أنت حنظلة؟ قال: نعم. قال: أفلا جئت في غير هذا اليوم؟ قال: أبيتَ اللعن وما عليّ بهذا اليوم؟ قال: والله لو سنح لي في هذا اليوم ابني لم أجد بدّاً من قتله، فاطلب حاجتك من الدنيا وسَل ما بدا لك فإنّك مقتول. قال: أبيتَ اللعن وما أصنع بالدنيا بعد نفسي؟ والله ما أتيتك إلاّ زائراً ولأهلي من خيرك مائراً، فلا تكن مبرّتهم قتلي. فقال: لا بدّ من ذلك، فاسأل حاجة أقضها لك قبل موتك. قال: تؤجّلني سنة أرجع فيها إلى أهلي وأحكم منهم ما أريد ثمّ أصير إليك فأنفِذ فيّ حكمك. فقال المنذر: ومَن يكفل بك حتّى تعود. فنظر في وجوه جلسائه فعرف منهم شريك بن عمرو بن شراحيل الشيباني ـ أبا الحوفزان ـ وكان صاحب الردافة فقال:

يا شريكٌ يا بن عمروٍ
يا شريكٌ يابن عمرو
يا أخا شيبان فُكَّ
يا أخا كلّ مضافٍ
إنّ شيبان قبيلي
وأبو الخيرات عمرو
رتّباك اليوم في المجد

 

ما من الموت مَحالَه
يا أخا من لا أخا لَه
اليوم رهناً قد أنالَه
وحيا من لا حَيا لَه
أكرم الناس رجالَه
وشراحيل الحِمالَه
وفي حسن المقالَه

فوثب شريك وقال: أبيت اللعن، يدي بيده ودمي بدمه إن لم يَعُدْ إلى أجله. فأطلقه المنذر، فلما كان من القابل قعد المنذر في مجلسه في يوم بؤسه ينتظر حنظلة فأبطأ عليه، فأمر بشريك فقُدّم ليُقتل، فلم يشعر إلاّ وراكب قد طلع، فإذا هو حنظلة وقد تحنّط وتكفّن ومعه نادبته تندبه، وقد قامت نادبة شريك تندبه، فلمّا رأى المنذر ذلك عجب من وفاء الطائيّ وقال له: ما حملك على قتل نفسك؟ فقال: أيّها الملك: الوفاء، ومَن لا وفاء له لا دين له، قال: وما دينك؟ قال: النصرانيّة، فاستحسن ذلك منه وأطلقهما معاً وأبطل تلك البدعة، وكان ذلك سبب تنصّره وتنصّر أهل الحيرة فيما زعموا.(11)

وأرجح دليل يتمسّك به الإنسان لمبتغاه، وأوضح سبيل يهدي سالكه إلى بلوغ مناه، كتاب الله الذي مَن تمسّك به هداه، ومن استدلّ به أرشده إلى هداه، وقد دلّ بمنطوقه أنّ الوفاء يجب على كلّ عاقل أن يرعاه، ويحرم عليه أن يخون عهده وينقض عراه، فقال (عز وجل): «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»(12) وقال تقدّس اسمه: «وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَْيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها»(13) وقال تعالى: «وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً»(14) فهذه الآيات مع اختلاف محالّها وتعدّد أسبابها متّفقة على وجوب الوفاء بالعهود والتمسّك بحبالها وتجنّب نقضها، ولو لم يكن في الوفاء فضيلة إلاّ أنّ المتّصف به يعدّ في زمرة الصادقين وينـزّه نفسه عن التحلّي بسمة المنافقين لكفى، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمّا سُئل عن صفات المنافقين قال: «إذا عاهد غدر».(15) فالوفاء من شيم النفوس الشريفة والأخلاق الكريمة والخِلال الحميدة، يعظم صاحبه في العيون ويحلّ بين الناس في رتب الكرامة.

ثمّ إنّه (عليه السلام) بعد الترغيب في الوفاء وبيان حسنه، حذّر من الغدر بقوله: «ولا يغدر من علم كيف المرجع» يعني من كان له علم بحالة الغادر في الآخرة وبما يستحّق بغدره من الجحيم والعذاب الأليم لا يصدر منه غدر ولا تكون له رغبة إليه.

قال (عليه السلام) على منبر الكوفة: «أيّها الناس، لولا كراهية الغدر لكنتُ من أدهى الناس، ألا إنّ لكلّ غدرة فجرة، ولكلّ فجرة كفرة، ألا وإنّ الغدر والفجور والخيانة في النار».(16)

* * *

وقال (عليه السلام): «قد يرى الحوّلُ القُلّب وجه الحيلة ودونها حاجز من تقوى الله، ثمّ ينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين».

يقول الإمام (عليه السلام) هذا وهو صادق في قوله، فكم أدرك مدرك متفقّه في حياته حيلة الوصول إلى مفاتن الدنيا، ثمّ حال بينه وبين تلك المفاتن وازع من دين ورادع من شرف أو كرامة أو إنسانية، فإذا بالرجل الانتهازي الذي لم يتوفّر على كرامة النفس ونُبل الضمير وشرف الدين، إذا به يتحلّل من كلّ ذلك، ويُقبل على دنياه طويل الأمل عريض الشهوات.

فمن هو ذلك المتحرّج الورع الزاهد؟ ثم من هو هذا المتحلّل المتحرّر؟ ذاك علي (عليه السلام) وهذا معاوية، ذاك علي وتابع علي منذ كان ويكون حتّى الحشر، وهذا معاوية وتابع معاوية منذ كان ويكون حتّى الحشر، ذاك علي والقليل النادر من الناس الذين تفهّموا حياة علي وفقهوا رسالة محمد على لسان علي، وهذا معاوية والكثير الغالب من الناس الذين آثروا الدنيا على الدين، والذين لم يفهموا من الدنيا إلاّ أنّها أداة للمتعة، ولم يفقهوا من الدين إلاّ أنّه واسطة لا غاية، وأنّ الغاية التي تبرّره إنّما هي بُلغة من العيش تضخم في عين الضعيف إيمانه حتّى تراها ملء الدنيا، أطائب من طعام، ولذائذ من شراب، ثمّ طرائف من لباس وسكن ومفاتن من جمال ومتع.

تلك هي فلسفة هذه الكلمة وحكمتها التي حيّرت عقول المؤرّخين، فضلّ بها من سفه، واهتدى بها من عقل، ضلّ بها من لم يعصمه دينه ولا شرفه بين يدي هواه، فكان مثالاً لمعاوية وأخلافه فينا حتّى يومنا هذا وحتّى تقوم الساعة. واهتدى بها من عصمه عقله عن أن يتردّى في هوّة لا ينشله منها إلاّ التحسّس من دينه كيف قام رغم المحن التي تعاقبت عليه، ومن عقله كيف نضج وهو يعلّل دنياه كيف قامت فاستقامت وكلّها بهرج زائف.

تلك هي الحكمة التي فاه بها عليٌ في صدر هذا البحث ردّاً على من يقول في عهده وبعد عهده من عبيد الشهوات، يقولون في معرض التحليل السياسي: إنّ علياً لا يُحسن السياسة، وإنّ معاوية هو الجدير بها، حتّى اضطرّوه إلى القول: «والله ما معاوية بأدهى مني، ولكنّه يفجر ويغدر، ولولا كراهية الغدركنتُ من أدهى الناس».(17)

ولا تليق السياسة بالغدر والفجور، فإنّ السياسة إذا لم تقم على الصدق والصراحة والعدل فإنّما هي ظلم وبُهتان وفجور، ولا تليق هذه الخلال بمن يسود أمّته ويخلف الله في خلقه.

تلك هي الحكمة في قول الإمام وتعليله، وتلك هي الغاية من إقدامه في السياسة على كلّ ما هو حق، وإحجامه فيها عن كلّ ما هو باطل.

إذا أفسد الدهرُ أخلاقَنا
ونافق تَسُد فبغير النفاق

 

فَعِث فالسياسة أن تُفسِدا
لم يكُ سيّدنا سيّدا

* * *

ألم ترَ ما حلّ بالمرتضى
أبى أن ينافق عصر النفاق

 

عليٍّ وما قيل في شأنه
ففاز ابنُ هند بسلطانه

* * *

وقالوا السياسة عند الطليق
ولو كان خبّاً لكانت له

 

وليس لحيدر فيها يدُ
يدٌ في السياسة لا تُجحدُ

* * *

إنّ سياسة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في جميع شؤونها قد عبّرت عن جميع القيم السياسيّة الخيّرة التي أعلنها الإسلام، فهي لا تقرّ الغدر ولا المكر ولا الخداع، ولا تؤمن بأيّ وسيلة من وسائل النفاق الاجتماعي وإن توقّف عليها النجاح السياسيّ المؤقّت، لأنّ الخلافة الإسلاميّة من أهمّ المراكز الحسّاسة في الإسلام، فلا بدّ لها من الاعتماد على الخُلق الرصين والايمان العميق بحقّ المجتمع والأمة.

وإنّ الغدر لا ينبعث إلاّ عن نفس لا تؤمن بالمُثل الانسانيّة والقِيم الدينيّة، ينبعث ممّن لا حراجة له في الدين ولا سلامة ضمير ولاشرف نفس.

فالدين يمنع من كلّ ذلك، ولا يوصف بالغدر رجل له حريجة في الدين. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «يا علي إيّاك والغدر، فإنّ كلّ غادر يأتي يوم القيامة مائلاً شدقه وله لواء يُعرف به فيقال: هذه غدرة فلان».(18)

كما أنّه لا يأتلف الغدر مع شيء من المآثر الفاضلة، لأنّه ينمّ عن خسّة في الطبع ودناءة العنصر وعدم مبالاة بنواميس الدين.

 

[آل الأشعث والغدر]:

وكانت العرب تجتنب الغدر وتأنف منه وتعدّه وصمة في جبين الرجل مدى الدهر، وكانوا يضربون المثل بغدرة آل الأشعث، وقالوا: (أعرق العرب في الغدر آل الأشعث) فإنّ عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث غدر بأهل سجستان، وغدر أبوه محمد بأهل طبرستان بعد أن عقد بينهم وبينه عهداً، فغزاهم فأخذوا عليه الشعاب وقتلوا ابنه أبا بكر وفضحوه. وغدر الأشعث ببني الحارث بن كعب ـ وكان بينه وبينهم عهد ـ فغزاهم وأسروه، ففدى نفسه بمأتي قلوص فأدّى مأة وعجز عن البقية، ولمّا أسلم أهدره الإسلام. وغدر قيس أبو الأشعث ببني مراد، فإنّه كان بينه وبينهم عهد إلى أجل وآخره يوم الجمعة فغزاهم يوم الجمعة، فقالوا له: لم ينتهِ الأجل، فكان جوابه: إنّه لا يحلّ لي القتال يوم السبت لأنّه يهودي، فقتلوه وهزموا جيشه. وغدر معديكرب أبو قيس ببني مهرة، وقد كان بينهم صلح فغزاهم غادراً، فقتلوه وشقّوا بطنه وملأوه حصى وقالوا: (اشبع لا شبعتَ يا ابن بغايا ضَرِيّة).(19)

فالغدر ضامن العثرة، قاطع ليد النصرة، والغالب في الغدر مغلوب، ولا عُذر لغادر.

يقول الشاعر العربي:

أخلق بمن رضيَ الخيانة شيمةً
ما زالت الأرزاء تلحق بؤسها

 

ألاّ يُرى إلاّ صريع حوادثِ
أبداً بغادر ذمّة أو ناكث

 

[غدرة خالد بن الولي]:

وكانوا ينصبون الألوية في الأسواق الحافلة بالناس للتعريف بغدرة الغادر والتشهير به ليتجنّبه الناس.

وغدرة خالد بن الوليد ببني جذيمة أعقبته عاراً وخزياً طول الزمن، وقد تبرّأ النبي (صلى الله عليه وآله) من فعله وغدره. وكان (صلى الله عليه وآله) قد أرسله داعياً لا مقاتلاً، وكانت بينه وبينهم إحنة، فإنّهم قتلوا عمّه الفاكه بن المغيرة في الجاهلية، فلمّا نزل على ماء لهم أخذوا السلاح فَرَقاً منه، فصاح بهم: ضعوا السلاح فإنّ الناس أسلموا، فلمّا وضعوا السلاح آمنين أمر جنده فكتّفوهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فساءه وأنكره ورفع يديه مبتهلاً إلى الله تعالى قائلاً: اللهمّ إنّي أبرأ إليك من فعل خالد، وأرسل أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) ومعه مال ليودي بني جذيمة حتّى ميلغة الكلب.

هكذا جاء في صحيح البخاري مج 3 من كتاب المغازي، والاستيعاب بترجمة خالد، وتاريخ الطبري ج 3 ص 123، وكامل ابن الأثير في حوادث سنة 8.

وكم أوقع الغدر في المهالك من غادر، وضاقت عليه من موارد الهلكات فسيحات المصادر، وطوّقه غدره طوق خزي، وأوقعه في خطّة حتفه،يقول الله تعالى: «وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ».(20)

 

[قصة ثعلبة بن حاطب]:

ويشهد لصّحة هذه الأسباب قصّة ثعلبة بن حاطب الأنصاري، وذلك أنّ ثعلبة هذا كان من أنصار النبي (صلى الله عليه وآله)، فجاءه يوماً وقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يرزقني مالاً. فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ويحك يا ثعلبة، قليلٌ تؤدّي شكره خير من كثير لا تُطيقه. ثمّ أتاه بعد ذلك مرّة أخرى فقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يرزقني مالاً. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا ثعلبة أما لك في رسول الله أُسوة حسنة؟ والذي نفسي بيده لو أردتُ أن تسير الجبال معي ذهباً وفضّة لسارت. ثمّ أتاه بعد ذلك مرّة ثالثة فقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يرزقني مالاً، والذي بعثك بالحقّ نبيّاً لئن رزقني الله مالاً لأُعطينّ كلّ ذي حقٍّ حقّه، وعاهد الله تعالى على ذلك. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اللهمّ ارزق ثعلبة مالاً، فاتّخذ ثعلبة غنماً فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحّى عنها ونزل وادياً من أوديتها، وهي تنمو كما ينمو الدود، وكان ثعلبة لكثرة ملازمته للمسجد يقال له حمامة المسجد، فلمّا كثرت الغنم وتنحّى صار يصلّي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) الظهر والعصر، ويصلّي بقيّة الصلوات في غنمه، فكثرت ونمت حتّى بَعُد عن المدينة، فصار لا يشهد إلاّ الجمعة، ثمّ كثرت ونمت فتباعد أيضاً عن المدينة حتّى صار لا يشهد جمعة ولا جماعة، فكان إذا كان يوم الجمعة خرج يتلقّى الناس يسألهم عن الأخبار، فذكره رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم فقال: ما فعل ثعلبة؟ قالوا: يا رسول الله اتّخذ غنماً ما يسعها وادٍ، فقال (صلى الله عليه وآله): يا ويح ثعلبة، فأنزل الله تعالى آية الصدقة، فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجلين: رجل من بني سليم ورجل من جهينة، وكتب لهما أنصاب الصدقة وكيف يأخذانها، وقال لهما: مرّا بثعلبة بن حاطب وبرجل آخر من بني سليم فخُذا صدقاتهما، فخرجا حتّى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: ما هذه إلاّ جِزية ـ أو ما هذه إلاّ أخت الجزية ـ انطلقا حتّى تفرغا ثمّ عودا إلي، فانطلقا، وسمع بهما السلمي فنظر إلى خيار إبله فعزلها للصدقة ثمّ استقبلهما بها، فلمّا رأياه قالا: ما هذا؟ قال: خُذاه نفسي به طيّبة، فمرّا على الناس وأخذا الصدقات ثمّ رجعا إلى ثعلبة، فقال: أروني كتابكما، فقرأه، ثمّ قال: ما هذه إلاّ جزية أو ما هذه إلاّ أخت الجزية، اذهبا حتّى أرى رأياً. قال: فذهبا من عنده وأقبلا على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلمّا رآهما قال قبل أن يتكلّما: يا ويح ثعلبة. فأنزل الله تعالى: «وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ * أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ».(21)

وكان عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجل من أقارب ثعلبة، فسمع ذلك فخرج حتّى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة، قد أنزل الله فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتّى أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فسأله أن يقبل صدقته، فقال: إنّ الله تعالى منعني أن أقبل منك صدقة، فجعل ثعلبة يحثو التراب على رأسه ووجهه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هذا عملك، قد أمرتُك فلم تُطعني، فلمّا أبى رسول الله أن يقبل صدقته رجع إلى منـزله، وقُبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يقبل منه شيئاً، ثمّ أتى إلى أبي بكر حين استُخلف فقال: قد علمت منـزلتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وموضعي من الأنصار، فاقبل صدقتي، فقال أبوبكر: لم يقبلها رسول الله (صلى الله عليه وآله) منك فلا أقبلها أنا، فقُبض أبوبكر ولم يقبلها، فلمّا ولي عمر أتاه فقال: يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي، فلم يقبلها منه وقال: لم يقبلها رسول الله ولا أبوبكر فأنا لا أقبلها، وقُبض عمر ولم يقبلها، ثمّ ولي عثمان بن عفّان فسأله أن يقبل صدقته، فقال له: لم يقبلها رسول الله ولا أبوبكر ولا عمر فأنا لا أقبلها، ثمّ هلك ثعلبة في خلافة عثمان.(22)

فانظر إلى سوء عاقبة غدره كيف أذاقه وبال أمره، ووسمه بسمة عار قضت عليه بخسران، فأيّ خزيٍ أرجح من ترك الوفاء بالميثاق، وأيّ سوء أقبح من غدر يسوق إلى النفاق؟

وكان يقال: لم يغدر غادر قطّ إلاّ لصغر همتّه من الوفاء، واتّضاع قدره عن احتمال المكاره في جنب نيل المكارم.

ولمّا حلف محمّد الأمين للمأمون في بيت الله الحرام وهما وليّا عهد، طالبه جعفر بن يحيى أن يقول: خذلني الله إن خذلتُه، فقال ذلك ثلاث مرات، فقال الفضل بن الربيع: قال لي الأمين في ذلك الوقت عند خروجه من بيت الله: يا أبا العبّاس أجد في نفسي أنّ أمري لا يتمّ. فقلت له: ولم ذلك أعزّ الله الأمير؟ قال: لأنّي كنت أحلف وأنا أنوي الغدر. وكان كذلك لم يتمّ أمره.

* * *

[قصة سابور وبنت الملك الغادرة]:

وورد في أخبار العرب: أنّ الضَيزَن بن معاوية بن قضاعة كان ملكاً بين دجلة والفرات، وكان له هناك قصر مشيد يُعرف بالجوسق، وبلغ مُلكه الشام، فأغار على مدينة سابور ذي الأكتاف فأخذها وقتل منهم خلقاً كثيراً، ثمّ إنّ سابور جمع جيوشاً وسار إلى الضيزن فأقام على الحصن أربع سنين لا يصل منه إلى شيء، ثمّ أنّ النضيرة بنت الضيزن عركت ـ أي حاضت ـ فخرجت من الربض ـ وكانت من أجمل أهل دهرها، وكذلك كانوا يفعلون بنسائهم إذا حضن ـ وكان سابور من أجمل أهل زمانه، فرآها ورأته فعشقها وعشقته، وأرسلت إليه تقول: ما تجعل لي إن دللتُك على ما تهدم به هذه المدينة وتقتل أبي؟ فقال: أحكّمك. فقالت: عليك بحمامة مطوّقة وورقة فاكتب عليها بحيض جارية ثمّ أطلقها فإنّها تقعد على حائط المدينة فتتداعى المدينة كلها ـ وكان ذلك طلسماً لا يهدمها إلاّ هو ففعل ذلك، فقالت له: وأنا أسقي الحرس الخمر، فإذا صُرعوا فاقتلهم، ففعل ذلك فتداعت المدينة وفتحها سابور عنوة وقتل الضيزن واحتمل ابنته النضيرة وأعرس بها، فلمّا دخل بها لم تزل ليلتها تتضوّر وتململ في فراشها وهو من حرير محشوّ بريش النعام ـ فالتمس ما كان يؤذيها فإذا هو ورقة آسٍ التصقت بعكنتها وأثّرت فيها، وقيل كان ينظر إلى مخّ عظمها من صفاء بشرتها. ثمّ إنّ سابور بعد ذلك غدر بها وقتلها، وقيل أنّه أمر رجلاً فركب فرساً جموحاً وضفر غدائرها بذنبه ثمّ استركضه فقطعها قطعاً.(23)

 

[جزاني جزاء سنمار]:

وتقول العرب في المثل: (جزاني جزاء سنّمار) وهو أنّ أزدجرد بن سابور لمّا خاف على ولده بهرام ـ وكان قبله لا يعيش له ولد ـ سأل عن منـزل صحّي مري فدُلّ على ظهر الجزيرة، فدفع ابنه بهرام إلى النعمان ـ وهو عامله على أرض العرب ـ وأمره أن يبني له جوسقاً، فامتثل أمره وبنى له جوسقاً كأحسن ما يكون، وكان الذي بنى الجوسق رجلاً يقال له سنّمار، فلمّا فرغ من بنائه عجبوا من حسنه، فقال: لو علمتُ أنّكم توفوني أجره لبنيته بناء يدور مع الشمس حيث دارت. فقالوا: وإنّك لتبني أحسن من هذا ولم تبنه، ثم أمر به فطُرح من أعلى الجوسق فتقطّع. فكانت العرب بعد ذلك تقول: (جزاني جزاء سنّمار) إلى كثير وكثير من هذه النظائر.(24)

وخرج قوم لصيد فطردوا ضبعة حتّى ألجؤها إلى خباء أعرابي، فأجارها وجعل يُطعمها ويسقيها، فبينما هو نائم ذات يوم إذ وثبت عليه فبقرت بطنه وهربت، فجاء ابن عمه يطلبه فوجده ملقى، فتبعها حتّى قتلها وأنشد يقول:

ومن يصنع المعروف مَعْ غير أهله
أعدّ لها لمّا استجارت ببيته
وأسمنها حتّى إذا ما تمكّنت
فقُل لذوي المعروف هذا جزاء من

 

يُلاقي كما لاقى مجيرُ أمّ عامرِ
أحاليب ألبان اللقاح الدرائر
فَرَتْهُ بأنياب لها وأظافر
يجود بمعروفٍ على غير شاكر(25)

* * *

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3: 198 - 199.

(2) فضل الكوفة للشريف العلوي: 72، وفيه: «الكوفة جمجمة الإسلام، وكنز الإيمان، وسيف الله ورمحه، يضعه الله حيث يشاء...».

(3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3: 198.

(4) نفس المصدر.

(5) نفس المصدر.

(6) نفس المصدر.

(7) الكافي 8: 236 / ح316.

(8) معجم البلدان للحموي 4: 492. وروى ابن أبي شيبة في المصنّف 7: 554/ ح12 عن سلمان قال: الكوفة قبّة الإسلام، يأتي على الناس زمان لا يبقى فيها مؤمن إلاّ بها أو قلبه يهوي إليها.

(9) انظر قصّة شهادة مسلم (عليه السلام) في الإرشاد 2: 39 - 66؛ تاريخ الطبري 4: 263 - 284؛ بحار الأنوار 44: 343 - 354.

(10) المحبر لمحمّد بن حبيب البغدادي: 349.

(11) معجم البلدان 4: 198 - 199.

(12) المائدة: 1.

(13) النحل: 91.

(14) الاسراء: 34.

(15) الخصال: 254/ ح129؛ بحار الأنوار 69: 261/ ح34.

(16) الكافي 2: 338/ ح6؛ بحار الأنوار 33: 197/ ح483.

(17) بحار الأنوار 33: 197؛ و40: 193.

(18) الكافي 2: 338/ ح5 باختصار أوّله.

(19) المحبر لمحمد بن حبيب البغدادي: 244 - 245.

(20) فاطر: 43.

(21) التوبة: 75 - 78.

(22) بحار الأنوار 22: 40؛ فيض القدير 4: 688 - 689.

(23) تاريخ الطبري 1: 484 - 585.

(24) تاريخ الطبري 1: 499.

(25) قضاء الحوائج لابن أبي الدنيا: 83.