من خطبة له (عليه السلام): [ التحذير من اتباع الهوى وطول الأمل]

«أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَانِ اتِّبَاعُ الْهَوَى وَطُولُ الْأَمَلِ فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ وَأَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَةَ أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ حَذَّاءَ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ اصْطَبَّهَا صَابُّهَا أَلَا وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا بَنُونَ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا فَإِنَّ كُلَّ وَلَدٍ سَيُلْحَقُ بِأَبِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ وَغَداً حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ».

(شرح النهج لابن أبي الحديد مج 1 ص 218، ط الأولى).

* * *

ضبط الألفاظ الغريبة:

(الحذّاء) السريعة. ومن الناس من يروي جذّاء بالجيم والذال أي انقطع خيرها ودرّها. (والصبابة) بضمّ الصاد المهملة: بقيّة الماء في الاناء. (والاصطباب) افتعال من الصبّ وهو الإراقة.

* * *

المعنى:

إنّ مقصوده (عليه السلام) بهذه الخطبة: النهي عن اتّباع الهوى، والمنع من طول الأمل في الدنيا، فإنّهما من أعظم الموبقات وأشدّ المهلكات، كما قال سبحانه: «فَأَمَّا مَنْ طَغى * وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى * وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى».(1)

يعني من تجاوز الحدّ الذي حدّه الله وارتكب المعاصي وفضّل الدنيا على الآخرة واختارها عليها فإنّ النار منـزله ومأواه، وأمّا من خاف مقام مسألة ربّه فيما يجب عليه فعله أو تركه، ونهى نفسه عن الحرام الذي تهواه وتشتهيه فإنّ الجنّة مقرّه ومثواه، ولكونهما من أعظم المهلكات كان خوفه منهما أشد، كما أشار اليهما بقوله (عليه السلام): «أيّها الناس إنّ أخوف ما أخافه عليكم اثنتان» أي خصلتان، إحداهما (اتّباع الهوى) والمراد به ميل النفس الأمّارة بالسوء إلى مقتضى طباعها من اللذات الدنيوية إلى حدّ الخروج عن قصد الشريعة.

 

[إتباع الهوى]:

ولا ريب أنّ حبّ الهوى يعمي البصيرة، وقد قيل: حبّك الشيء يُعمي ويُصمّ. قال بعض الصالحين: رحم الله امرءاً أهدى إليّ عيوبي، وذاك لأنّ الإنسان يحبّ نفسه، ومن أحبّ شيئاً عمي عن عيوبه فلا يكاد يلمح عيب نفسه، وقد قيل في ذلك:

أرى كلّ إنسان يرى عيب غيره ويعمى عن العيب الذي هو فيه(2)

ولهذا استعان الصالحون على معرفة عيوبهم بأقوال غيرهم، علماً منهم أنّ هوى النفس لذاتها يصمّها عن أن تدرك عيبها، وما زال الهوى مردياً قتّالاً، ولهذا قال سبحانه: «وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى»(3) وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ثلاث مهلكات: شحّ مطاع، وهوىً متّبع، وإعجاب المرء بنفسه.(4)

 

[مجامع الهوى خمسة]:

ومجامع الهوى خمسة أمور جمعها قوله سبحانه:

«أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الأَْمْوالِ وَالأَْوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الآْخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ».(5)

والأعيان التي تحصل منها هذه الخمسة سبعة جمعها قوله سبحانه:

«زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَْنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ».(6)

 

[طول الأمل]:

والخصلة الثانية (طول الأمل) والمراد بالأمل تعلّق النفس بحصول محبوب في المستقبل، ويرادفه الطمع والرجاء، إلاّ أنّ الأمل كثيراً ما يستعمل فيما يستبعد حصوله، والطمع فيما قرب حصوله، والرجاء بين الأمل والطمع، وطول الأمل عبارة عن توقّع أمور دنيويّة يستدعي حصولها مهلة في الأجل وفسحة من الزمان المستقبل.

ثم أنّه (عليه السلام) بعد تحذيره عن اتّباع الهوى وطول الأمل أشار إلى ما يترتّب عليهما من المفاسد الدينيّة والمضار الأخرويّة فقال: «أمّا اتّباع الهوى فيصدّ عن الحقّ» وذلك لأنّ اتّباع الهوى يوجب صرف النظر إلى الشهوات الدنيويّة وقصر الهمّة في اللذّات الفانية، وهو مستلزم للاعراض عن الحقّ، وهو واضح، لأنّ حبّك للشيء صارفك عمّا وراه، وشاغلك عمّا عداه.

«وأمّا طول الأمل فيُنسي الآخرة» وذلك لما عرفت من أنّ طول الأمل عبارة عن توقّع أمور محبوبة دنيويّة، فهو يوجب دوام ملاحظتها، ودوام ملاحظتها مستلزم لإعراض النفس عن ملاحظة أحوال الآخرة، وهو مستعقب لانمحاء تصوّرها في الذهن، وذلك معنى النسيان لها.

قال بعضهم: سبب طول الأمل هو حبّ الدنيا، فإنّ الإنسان إذا أنس بها وبلذّاتها ثقل عليه مفارقتها وأحبّ دوامها، فلا يتفكّر في الموت الذي هو سبب مفارقتها، فإنّ من أحبّ شيئاً كره الفكر فيما يُزيله ويُبطله، فلا تزال نفسه تتمنّى البقاء في الدنيا وتقدّر حصول ما تحتاج إليه من أهل ومال وأدوات وأسباب، ويصير فكره مستغرقاً في ذلك، فلا يخطر الموت ولا الآخرة بباله.

وإن خطر بخاطره الموت والتوبة والاقبال على الأعمال الأخرويّة أخّر ذلك من يوم إلى يوم، ومن شهر إلى شهر، ومن عام إلى عام، وقال: إلى أن أكتهل ويزول سنّ الشباب، فإذا اكتهل قال: إلى أن أصير شيخاً، فإذا شاخ قال: إلى أن أتمّ هذه الدار وأزوّج ولدي فلاناً، وإلى أن أعود من هذا السفر، وهكذا يسوّف التوبة، كلّما فرغ من شغل عرض له شغل آخر ـ بل أشغال ـ حتّى يختطفه الموت وهو غافل عنه غير مستعدّ له مستغرق القلب في أمور الدنيا، فتطول في الآخرة حسرته، وتكثر ندامته، وذلك هو الخسران المبين.

 

[النهي والتحذير من طول الأمل]:

وقد وردت أخبار كثيرة في ذمّ طول الأمل والتحذير منه وبيان ما يترتّب عليه من المفاسد.

ففي الحديث القدسيّ: يا موسى لا تطوّل في الدنيا أملك فيقسو لذلك قلبك، وقاسي القلب منّي بعيد.(7) وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأبي ذر (رحمه الله): «يا أبا ذر إيّاك والتسويف بأملك، فإنّك بيومك ولست لما بعده، فإن يكن غدٌ لك فكن في الغد كما كنت في اليوم، وإن لم يكن غد لك لم تندم على ما فرّطت، يا أبا ذر كم مُستقبلٍ يوماً لا يستكمله، ومُنتظرٍ غداً لا يبلغه، يا أبا ذر لو نظرتَ إلى الأجل ومصيره لأبغضتَ الأمل وغروره، يا أبا ذر إذا أصبحتَ فلا تُحدثّ نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدّث نفسك بالصباح، وخُذ من صحّتك قبل سقمك، ومن حياتك قبل موتك، فإنّك لا تدري ما اسمك غداً».(8)

وعن أنس أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) خطّ خطاً وقال: هذا الانسان، وخط خطّاً إلى جنبه وقال: هذا أجله، وخطّ آخر بعيداً منه فقال: هذا الأمل، فبينما هو كذلك إذ جاءه الأقرب.(9)

وفي رواية أنّه اجتمع عبدان من عباد الله، فقال أحدهما للآخر: ما بلغ من قصر أملك؟ فقال: أملي إذا أصبحتُ أن لا أُمسي، وإذا أمسيتُ أن لا أصبح. فقال: إنّك لطويل الأمل، أمّا أنا فلا أؤمّل أن يدخل لي نَفَس إذا خرج، ولا يخرج لي نَفَس إذا دخل.

وفي الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام):

تؤمّل في الدنيا طويلاً ولا تدري
فكم من صحيحٍ مات من غير علّة
وكم من فتىً يُمسي ويُصبح آمناً

 

إذا جنّ ليلٌ هل تعيش إلى فجرِ
وكم من مريضٍ عاش دهراً إلى دهر
وقد نُسجت أكفانُه وهو لا يدري

* * *

ومن خطبة له (عليه السلام): [ يدعو فيها للزهد والشكر عند النعم]

«أَيُّهَا النَّاسُ الزَّهَادَةُ قِصَرُ الْأَمَلِ وَالشُّكْرُ عِنْدَ النِّعَمِ وَالتَّوَرُّعُ عِنْدَ الْمَحَارِمِ فَإِنْ عَزَبَ ذَلِكَ عَنْكُمْ فَلَا يَغْلِبِ الْحَرَامُ صَبْرَكُمْ وَلَا تَنْسَوْا عِنْدَ النِّعَمِ شُكْرَكُمْ فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ بِحُجَجٍ مُسْفِرَةٍ ظَاهِرَةٍ وَكُتُبٍ بَارِزَةِ الْعُذْرِ وَاضِحَةٍ».

(شرح النهج لابن ابي الحديد مج 2، ص 82، ط 1).

* * *

ضبط الألفاظ الغريبة:

(الزهادة) كسعادة، والزهد بمعنى ترك الميل إلى الشيء، وفي الاصطلاح إعراض النفس عن الدنيا وطيّباتها، وقيل: هو ترك راحة الدنيا طلباً لراحة الآخرة. و(عزب) الشيء غاب وذهب. و(أعذر الله إليكم) أظهر عذره.

المعنى: [الحث على الزهد]

إنّ مقصوده (عليه السلام) بهذه الخطبة بيان معنى الزهد والتنبيه على لزومه لكونه من عظائم مكارم الصالحين، وجلائل صفات المتّقين، وعمدة مقامات السالكين إلى الله تعالى بقدمَي الطاعة واليقين، والرغبة ضدّه، والأوّل من جنود العقل، والثاني من جنود الجهل، وقد فسّره بقوله (عليه السلام): «أيّها الناس الزهادة قصر الأمل، والشكر عند النعم، والورع عن المحارم» وهذه الثلاثة من لوازم الزهد.

وإنّما قلنا إنّها من لوازمه لأنّ الزهد في الحقيقة عبارة عن إعراض النفس عن الدنيا وإقبالها إلى الآخرة، ومن هنا قيل إنّه جَعْلُ القلب حيّاً بمشاهدة أحوال الآخرة وميّتاً في طمع الدنيا، ومن المعلوم أنّ إعراض النفس عن الدنيا مستلزم لقصر الأمل فيها، والإقبال على الآخرة مستلزم للشكر، إذ الكفران موجب للعذاب باعث للسخط والعقاب، كما قال تعالى: «وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ».(10)

وكذلك يلزمه الورع عن المحارم والكفّ عنها، إذ لا يُنال ما عند الله إلاّ بالورع، قال الإمام الصادق (عليه السلام) في رواية الوسائل: «عليكم بالورع، فإنّه الدين الذي نلازمه وندين الله تعالى به، ونريدهُ ممّن يوالينا، لا تُتعبونا بالشفاعة».(11)

وفي حديث أبي ذر (رحمه الله) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «يا أبا ذر من لم يأتِ يوم القيامة بثلاث فقد خسر. قلت: وما الثلاث فداك أبي وأمّي؟ قال: وَرَعٌ يحجزه عمّا حرّم الله (عز وجل) عليه، وحلم يردّ به جهل السفيه، وخُلق يداري به الناس».(12)

ولمّا كان ملازمة هذه الأمور الثلاثة بأجمعها شاقّة صعبة في حقّ الأغلب من الناس، لاجرم رخصّ لهم في طول الأمل بقوله: «فإن عزب» بَعُد «ذلك عنكم فلا يغلب الحرامُ صبرَكم، ولا تنسوا عند النعم شُكركم» يعني أنّكم إن لم تتمكّنوا من الإتيان بالأمور الثلاثة، فلا محالة لا تتركوا الاثنين، إذ ما لا يُدرك كلّه لا يُترك كلّه.

وإنّما رخّص في ترك طول الأمل ولم يرخّص في ترك الشكر أو الورع، لأنّ طول الأمل ليس محرّماً بالذات وإن كان ينجرّ إلى المحرّم أحياناً، بخلاف الكفران والتقحّم في المحارم، فإنّهما محرّمان بالذات، والترخيص فيهما موجب للاغراء بالقبيح.

ثم أكّد ملازمة الزهادة وعلّل لزومها بقوله (عليه السلام): «فقد أعذر الله إليكم بحُجج مُسفرة وكُتب بارزة العذر واضحة» يعني أظهر عذره إليكم في تعذيبكم لو خالفتم تكاليفه بإقامة الحجج الظاهرة المضيئة وإنزال الكتب الواضحة التي أبرز فيها عذره، «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ»(13) و«لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ».(14)

أو أنّه سبحانه أزال عذره بإقامة البراهين العقلية والنقليّة والحُجج الباطنيّة والظاهريّة، فلم يبق لكم مقام للاعتذار وأن تقولوا يوم القيامة: «رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى».(15)

ومن الخير أن نشير إلى بعض ما ورد في فضيلة الزهد من الآيات والأحاديث الشريفة.

قال الله سبحانه: «فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ».(16)

فنسب الزهد إلى العلماء ووصف أهله بالعلم، وهو غاية المدح والثناء.

 

[موكب قارون]:

استعرض الله سبحانه في هذه الآية الشريفة قصّة قارون وطغيانه وتجبّره لما رآى كثرة ما عنده من خزائن المال، وأنّ هذا إنّما أُوتيه باستحقاق، فخرج يوماً على قومه في زينة تبهر العقول، خرج في أربعة آلاف من أتباعه ومواليه على خيول مصفّحة بالذهب، عليها من اليواقيت والفلزّات ما يخطف الأبصار ويُدهش الأفكار، وعلى قومه من ألبسة الحرير والديباج ما لم تره عين، فأخذه الزهو والعجب وأظهر التكبّر على موسى ـ وهو ابن عمّه أو ابن خالته ـ فكفر وتحدّى أمر موسى واستهزأ به وأوغل في إيذائه، وصرف وجه الناس وموّه عليهم إلى أن موسى إنّما هو ساحر وليس بنبيّ مرسل، وألجأه الحسد لموسى أنّه دعى إمرأة من بني اسرائيل بغيّاً فقال لها: إنّي أعطيك ألفين على أن تجيئي غداً إذا اجتمعت بنو اسرائيل عندي فتقولي: يا معشر بني إسرائيل ما لي ولموسى قد آذاني. قالت: نعم، فأعطاها خريطتين عليهما خاتمه، فلمّا جاءت بيتها ندمت وقالت: يا ويلتي قد عملت كلّ فاحشة، فما بقي إلاّ أن أفتري على نبيّ الله، فلمّا أصبحت أقبلت ومعها الخريطتان حتى قامت بين بني إسرائيل، فقالت: إنّ قارون قد أعطاني هاتين الخريطتين على أن آتي جماعتكم فأزعم أنّ موسى يراودني عن نفسي، ومعاذ الله أن أفتري على نبيّ الله، وهذه دراهمه عليها خاتمه. فعرف بنو اسرائيل خاتم قارون. فغضب موسى فدعا الله عليه، فأوحى الله إليه: إنّي أمرت الأرض أن تطيعك، وسلّطتها عليه فمُرها. فقال موسى: يا أرض خُذيه ـ وهو على سريره وفرشه _، فأخذته حتى غيّبت سريره، فلمّا رأى قارون ذلك ناشده الرحم، فقال: خذيه، فأخذته حتى غيّبت قدميه، ثم أخذته حتى غيّبت ركبتيه، ثم أخذته حتى غيّبت حقويه، وهو يُناشده الرحم، فأخذته حتى غيّبته، فأوحى الله إليه: يا موسى ناشدك الرحم واستغاثك فأبيتَ أن تُغيثه، لو إيّاي دعا واستغاثني لأغثته.

ولمّا ابتلعته الأرض قال بنو إسرائيل: إنّما فعل ذلك موسى ليرث ماله لأنّه كان ابن عمّه، فخُسف بداره وبجميع أمواله بعده بثلاثة أيام «فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ» بنفسه لنفسه «وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأَْمْسِ» حين خرج عليهم في زينته «يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ» وهي كلمة تندّم واعتراف «لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ»(17) أي لا يفوز بثواب الله وينجو من عقابه الجاحدون لنعمه، العابدون معه سواه.(18)

وقال سبحانه: «وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى».(19)

وقال سبحانه: «مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآْخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الآْخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ».(20)

ومن الأحاديث الشريفة ما جاء في أصول الكافي، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: «من زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه، وبصّره عيوب الدنيا داءها ودواءها، وأخرجه من الدنيا سالماً إلى دار السلام».(21)

وقال (عليه السلام): «جُعل الخير كله في بيت، وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا».(22)

وعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ من أعوان الأخلاق على الدين الزهد في الدنيا».(23)

وإنّ رجلاً سأل علي بن الحسين (عليه السلام) عن الزهد، فقال: عشرة أشياء، فأعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع، وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين، وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا، ألا وإنّ الزهد في آية من كتاب الله (عز وجل) «لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ».(24) (25)

وعن سفيان بن عيينة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) وهو يقول: «كلّ قلب فيه شكّ أو شرك فهو ساقط، وإنّما أرادوا بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم في الآخرة».(26)

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ علامة الراغب في ثواب الآخرة زهده في عاجل زهرة الحياة الدنيا، أما إنّ زهد الزاهد في هذه الدنيا لا ينقصه ممّا قسم الله (عز وجل) له فيها وإن زهد، وإنّ حرص الحريص على عاجل زهرة الدنيا لا يزيده فيها وإن حرص، فالمغبون من حُرم حظّه من الآخرة».(27)

 

[موعظة علي(عليه السلام) لنوف صاحبه]:

في كتاب (مسند الإمام علي (عليه السلام)) عن أمالي الشيخ المفيد، عن نوف البكّالي: قال: بتّ ليلة عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فرأيته يكثر الاختلاف من منـزله وينظر إلى السماء، قال: فدخل كبعض ما كان يدخل، قال: أنائم أنت أم رامق؟ فقلت: بل رامق يا أمير المؤمنين، ما زلت أرمقك منذ الليلة بعيني وأنظر ما تصنع، قال: يَا نَوْفُ طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا الرَّاغِبِينَ فِي الْآخِرَةِ أُولَئِكَ قَوْمٌ اتَّخَذُوا الْأَرْضَ بِسَاطاً وَتُرَابَهَا فِرَاشاً وَمَاءَهَا طِيباً وَالْقُرْآنَ شِعَاراً وَالدُّعَاءَ دِثَاراً ثُمَّ قَرَضُوا الدُّنْيَا قَرْضاً عَلَى مِنْهَاجِ الْمَسِيحِ (عليه السلام).

يا نوف إنّ الله أوحى إلى عيسى (عليه السلام): قل للملأ من بني اسرائيل لا يدخلوا بيتاً من بيوتي إلاّ بقلوب طاهرة وأبصار خاشعة وأكفّ نقيّة، وقل لهم: اعلموا إنّي غير مستجيب لأحد منكم دعوة ولأحد من خلقي قِبَله مظلمة، يا نوف إيّاك أن تكون عشّاراً أو شاعراً أو شرطياً أو عرّيفاً أو صاحب عرطبة ـ وهي الطنبور ـ أو صاحب كوبة ـ وهي الطبل ـ فإنّ نبيّ الله خرج ذات ليلة فنظر إلى السماء فقال: إنها الساعة التي لا تُردّ فيها دعوة إلاّ دعوة عِرّيف أو دعوة شاعر أو شرطيّ أو صاحب عرطبة أو صاحب كوبة.(28)

 

[رسول الله (صلى الله عليه وآله) وليلة الإسراء]:

وفي إرشاد القلوب للديلميّ عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: قال الله تعالى له في ليلة الإسراء: «يا أحمد إن أحببت أن تكون أورع الناس فازهد في الدنيا وارغب في الآخرة. فقال: يا إلهي وكيف أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة؟ فقال: خُذ من الدنيا خفّاً من الطعام والشراب واللباس، ولا تدّخر شيئاً لغدٍ، ودُم على ذِكري. إلى أن قال: يا أحمد هل تعرف ما للزاهدين عندي في الآخرة؟ قال: لا يا ربّ، قال: تُبعث الخلائق ويُناقشون بالحساب وهم من ذلك آمنون، إنّ أدنى ما أُعطي للزاهدين في الآخرة أن أعطيهم مفاتيح الجنان كلّها حتّى يفتحوا أيّ باب شاؤا، ولا أحجب عنهم وجهي، ولأمتّعنّهم بأنواع التلذّذ من كلامي، ولأُجلسنّهم في مقعد صدق، فأذكّرهم ما صنعوا وتعبوا في دار الدنيا، وأفتح لهم أربعة أبواب: باب تدخل عليهم الهدايا بكرة وعشيّاً من عندي، وباب ينظرون منه إليّ كيف شاؤا بلا صعوبة، وباب يطّلعون منه إلى النار فينظرون إلى الظالمين كيف يُعذَّبون، وباب تدخل عليهم منه الوصائف والحور العين. قال: يا ربّ فمن هؤلاء الزاهدون الذين وصفتهم؟ قال: الزاهد الذي ليس له بيت يخرب فيغتمّ بخرابه، ولا ولد يموت فيحزن بموته، ولا له مال يذهب فيحزن بذهابه، ولا يعرفه إنسان يشغله عن الله (عز وجل) طرفة عين، ولا له فضل طعام فيُسئل عنه، ولا له ثوب ليّن.

يا أحمد، وجوه الزاهدين مصفرّة من تعب الليل وصوم النهار، وألسنتهم كلال إلاّ من ذِكر الله، قلوبهم في صدورهم مطعونة من كثرة ما يخالفون أهواءهم، قد ضمروا أنفسهم من كثرة صمتهم، قد أعطوا المجهود من أنفسهم، لا من خوف نار ولا من شوق جنّة ولكن ينظرون في ملكوت السماوات والأرضين فيعلمون أنّ الله سبحانه وتعالى أهل للعبادة».(29)

 

[أوجه الزهد]:

وبالتالي: الزهد على ثلاثة أوجه:

الأول الزهد الذي ليس فوقه زهد، أن يكون المرء لا يسرّه أنّ الدنيا كلها له يُعَمَّرُ عمرها ويحتوي ملكها ولا يصل إليه شيء من مكارهها، فلا يسأل عليها ولا يرضى بها ولا يتمنّاها لنفادها وانقراضها، فهذا هو الزهد الذي ليس فوقه زهد، وهو غير موجود إلاّ ما بقي ذِكره في الكتب ويتردّد على الألسنة منه في المحاضر.

الوجه الثاني: أن يزهد الانسان في الدنيا وقلبه معلّق بها محبّ لها مائل إليها، فهو يمنع نفسه قسراً عنها مخافة سوء عواقبها، فهو من نفسه في جهاد، ومن علاجها في اجتهاد، فهو زاهد صابر.

والوجه الثالث: أن يزهد فيما حرّم الله عليه، وهو اللازم للعباد والمفروض عليهم الذي ليس للعبد فيه عذر ولا له عليه حجّة، وهو دون الوجه الثاني، وله فيه نجاة من النار برحمة الله العزيز الغفار. قال بعض العلماء: «لن يصل الانسان إلى ما يريد من الطاعة، ولن يبلغ إلى بُغيته من العبادة إلاّ بالزهد في الدنيا والصبر على تركها».

وصفوة القول: إنّ الزهد في الدنيا ليس بإهمال النفس وحرمانها المتاع المباح وإضعاف الجسم وإدخال الضرر بتقتير العيش والتعرّض للمعاطب والتصدّي إلى المهالك، فإنّ استعمال ما تصحّ به القوى وتحيا به النفس ويُعين على العمل واجب متعيّن، وحقيقة الزهد كما قال تعالى: «لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ».(30)

* * *

جاء في دائرة المعارف البستانية: الزهد لغةً: الاعراض عن الشيء احتقاراً له، من قولهم: شيء زهيد ـ أي قليل ـ وهو عند الصوفيّة أخذ قدر الضرورة من الحلال. وقيل: بغض الدنيا والاعراض عنها. وقيل: ترك راحة الدنيا طلباً لراحة الآخرة. وقيل: هو أن يخلو قلبك ممّا خلت منه يدك. وقيل: هو أخذ قدر الضرورة من الحلال المتيقّن الحلّ، فهو أخصّ من الورع، إذ هو ترك المشتبه وهذا زهد العارفين؛ وأعلى منه زهد المقرّبين، وهو الزهد فيما سوى الله تعالى من دنيا وجنّة وغيرهما، إذ ليس لصاحب هذا الزهد إلاّ الوصول إليه تعالى والقرب منه، ويندرج فيه كلّ مقصود لغيرهم.

وقد اختلف العلماء في تفسير المزهود فيه، فقيل: الدنيا والدرهم، وقيل: المطعم والمشرب والملبس والمسكن، وقيل: الحياة. ويشتمل الزهد عندهم على ثلاثة أمور كلّها من القلب دون الجوارح، ومن ثم كان أبو سليمان يقول: لا نشهد إلى أحد بالزهد لأنّه في القلب، فمنشأ أوّل تلك الأمور الثلاثة من صحّة اليقين وقوّته، فإنّ الله تعالى يتكفّل بأرزاق عباده. وفي حديث مرفوع: من سرّه أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق مما في يده.(31) ومنشأ الثاني من كمال اليقين، ومن ثم روي أنّ من دعائه (صلى الله عليه وآله): اللهمّ اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلّغنا به جنّتك، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدنيا.(32) ولهذا قيل: من زهد في الدنيا هانت عليه المصائب. ومنشأ الثالث من سقوط منـزلة المخلوقين من القلب وامتلائه من محبّة الحقّ.

وقد عرّف بعض الصوفية الزهد بقوله: إنه إسقاط الرغبة عن الشيء بالكليّة، فلا يفرح بموجود ولا يأسف على مفقود، وثمرته القناعة من الدنيا بقدر الضرورة من زاد الطريق: وهو مطعم يدفع الجوع، وملبس يستر العورة، ومسكن يصونه عن الحرّ والبرد، وأثاث يحتاج إليه. وأقسامه ثلاثة: وهي زهد العوام وهو ترك الحرام، وزهد الخواص وهو ترك ما زاد عن الضرورة من الحلال، وزهد خواص الخواص وهو ترك ما سوى الله تعالى. وأنشد بعضهم:

وما الزهد إلاّ في انقطاع العلائق
وما الحبّ إلاّ حبّ من كان قلبه

 

وما الحقّ إلاّ في وجود الحقائقِ
عن الخلق مشغولاً برب الخلائقِ(33)

* * *

وكان شقيق بن إبراهيم البلخي يقول: ثلاث خصال هي تاج الزاهد: الأولى أن يميل على الهوى ولا يميل مع الهوى، والثانية ينقطع الزاهد إلى الزهد بقلبه، والثالثة أن يذكر كلّما خلا بنفسه كيف مدخله في قبره وكيف مخرجه، ويذكر الجوع والعطش والعري، وطول القيامة والحساب والصراط وطول الحساب والفضيحة البادية، فإذا ذكر ذلك شغله عن ذكر دار الغرور، فإذا كان ذلك كان من محبّي الزهّاد، ومن أحبّهم كان معهم.

وقال إبراهيم بن أدهم: أقرب الزهّاد من الله (عز وجل) أشدّهم خوفاً، وأحبّ الزهّاد إلى الله أحسنهم له عملاً، وأفضل الزهّاد عند الله أعظمهم فيما عنده رغبة، وأكرم الزهّاد عليه أتقاهم له، وأتمّ الزهّاد زهداً أسخاهم نفساً وأسلمهم صدراً، وأكمل الزهّاد زهداً أكثرهم يقيناً.

وقال أيضاً: الزاهد يكتفي من الأحاديث والقال والقيل وما كان وما يكون، يقول الله تعالى: «لأَِيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ * لِيَوْمِ الْفَصْلِ * وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ»(34) يوم يقال «اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً».(35)

وقال شقيق البلخيّ: والزاهد والراغب كرجلين يريد أحدها المشرق والآخر يريد المغرب، هل يتّفقان على أمر واحد وبغيتهما مخالفة هواهما؟ دعاء الراغب: الله ارزقني مالاً وولداً وخيراً، وانصرني على أعدائي، وادفع عنّي شرورهم وحسدهم وبغيهم وبلاءهم وفتنهم آمين. ودعاء الزاهد: اللهم ارزقني علم الخائفين، وخوف العاملين، ويقين المتوكّلين، وتوكّل الموقنين، وشكر الصابرين، وصبر الشاكرين، وإخبات المغلبين، وإنابة المخبتين، وزهد الصادقين، وألحقني بالشهداء والأحياء المرزوقين، آمين ربّ العالمين. هذا دعاء هل من شيء من دعاء الراغب يحيط به؟ لا والله! هذا طريق وذاك طريق.

 

كلام الإمام الصادق (عليه السلام) في الزهد:

جاء في كتاب (إحياء الأحياء) روي في الكافي عن علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال: دخل سفيان الثوري على أبي عبد الله (عليه السلام) فرأى عليه ثياب بيض كأنها غرفئ البيض، فقال له: إنّ هذا اللباس ليس من لباسك، فقال له: اسمع منّي وعِ ما أقول لك، فإنّه خير لك عاجلاً وآجلاً إن أنت متّ على السنّة والحقّ ولم تمت على بدعة، أُخبرك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان في زمان مقفر جدب، فأمّا إذا أقبلت الدنيا فأحقّ أهلها بها أبرارُها لا فجّارها، ومؤمنوها لا منافقوها، ومسلموها لا كفّارها، فما أنكرتَ يا ثوريّ؟! فو الله إنّني ـ لمع ما ترى ـ ما أتى علي مُذ عقلت صباح ولا مساء ولله في مالي حقّ أمرني أن أضعه موضعاً إلاّ وضعته.

قال: فأتاه قوم ممّن يُظهرون الزهد ويدعون الناس أن يكونوا معهم على مثل الذي هم عليه من التقشّف، فقالوا له: إنّ صاحبنا حصر عن كلامك ولم تحضره حُججه، فقال لهم (عليه السلام): فهاتوا حُججكم، فقالوا له: إنّ حُججنا من كتاب الله، فقال لهم: فأدلوا بها فإنها أحقّ ما اتُّبع وعُمل به، فقالوا: يقول الله تبارك وتعالى مُخبراً عن قوم من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله): «وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»(36) فمدح فعلهم، وقال في موضع آخر: «وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً».(37)

فنحن نكتفي بهذا، فقال رجل من الجلساء: إنّا ما رأيناكم تزهدون في الأطعمة الطيّبة ومع ذلك تأمرون الناس بالخروج من أموالهم حتى تمتّعوا أنتم منها؟

فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): دعوا عنكم ما لا تنتفعون به، أخبروني أيها النفر ألكم علم بناسخ القرآن من منسوخه، ومحكمه من متشابهه الذي في مثله ضلّ من ضلّ وهلك من هلك من هذه الأمّة؟ فقالوا له: أو بعضه فأمّا كلّه فلا، فقال لهم: فمن ههنا أُتيتم، وكذلك أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأمّا ما ذكرتم من إخبار الله (عز وجل) إيّانا في كتابه عن القوم الذين أخبر عنهم بحُسن فعالهم فقد كان مباحاً جائزاً ولم يكونوا نُهوا عنه، وثوابهم منه على الله (عز وجل)، ذلك أن الله جلّ وتقدّس أمر بخلاف ما عملوا به فصار أمره ناسخاً لفعلهم، وكان نهي الله تبارك وتعالى رحمة منه للمؤمنين ونظراً لكيلا يضرّوا بأنفسهم وعيالاتهم، منهم الضعفة الصغار والولدان والشيخ الفاني والعجوز الكبيرة الذين لا يصيرون على الجوع، فإن تصدّقت برغيفي ولا رغيف لي غيره ضاعوا وهلكوا جوعاً، ومن ثمّة قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «خمس تمرات أو خمس قرص أو دنانير أو دراهم يملكها الانسان وهو يريد أن يمضيها فأفضلها ما أنفقه الانسان على والديه ثم الثانية على نفسه وعياله، ثم الثالثة على قرابته الفقراء، ثم الرابعة على جيرانه الفقراء، ثم الخامسة في سبيل الله وهو أخسّها أجراً».

وقال (صلى الله عليه وآله) للأنصاري حين أعتق عند موته خمسة أو ستّة من الرقيق ولم يكن يملك غيرهم وله أولاد صغار: «لو أعلمتموني أمره ما تركتكم تدفنونه مع المسلمين، ترك صبية صغاراً يتكفّفون الناس» ثم قال (عليه السلام): حدّثني أبي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «إبدأ بمن تعول الأدنى فالأدنى».

ثم هذا ما نطق به الكتاب رداً لقولكم ونهياً عنه مفروضاً من الله العزيز الحكيم، قال: «وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً»(38) أفلا ترون أن الله تبارك وتعالى قال غير ما أراكم تدعون الناس إليه من الأثرة على أنفسهم، وسمّى مَن فعل ما تدعون الناس إليه مسرفاً، وفي غير آية من كتاب الله يقول: «إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ»(39) فنهاهم عن الاسراف ونهاهم عن التقتير ولكن أمر بين أمرين، لا يعطي جميع ما عنده ثم يدعو الله أن يرزقه فلا يستجيب له للحديث الذي جاء عن النبي (صلى الله عليه وآله): إن أصنافاً من أمتي لا يُستجاب لهم دعاؤهم: رجل يدعو على والديه، ورجل يدعو على غريم ذهب له بمال فلم يكتب عليه ولم يُشهد عليه، ورجل يدعو على امرأته وقد جعل الله (عز وجل) تخلية سبيلها بيده، ورجل يقعد في بيته ويقول: ربّ ارزقني، ولا يخرج ولا يطلب الرزق، فيقول الله له: عبدي ألم أجعل لك السبيل إلى الطلب والضرب في الأرض بجوارح صحيحة فتكون قد أعذرت فيما بيني وبينك في الطلب لاتباع أمري، ولكيلا تكون كلاًّ على أهلك، فإن شئت رزقتك، وإن شئت قتّرت عليك وأنت غير معذور عندي، ورجل رزقه الله مالاً كثيراً فأنفقه ثم أقبل يدعو: يا ربّ ارزقني، فيقول الله (عز وجل): ألم أرزقك رزقاً واسعاً، فهلاّ اقتصدتَ فيه كما أمرتُك ولم تسرف وقد نهيتُك عن الاسراف؟ ورجل يدعو في قطيعة رحم.

ثم علّم الله نبيّه (صلى الله عليه وآله) كيف ينفق وذلك أنه كانت عنده أوقية من الذهب، فكره أن تبيت عنده فتصدّق بها، فأصبح وليس شيء، وجاءه من يسأله فلم يكن عنده ما يعطيه، فلامه السائل واغتمّ هو حيث لم يكن عنده ما يعطيه، وكان رحيماً رقيقاً، فأدّب الله (عز وجل) نبيّه (صلى الله عليه وآله) بأمره فقال: «وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً»(40) يقول: إنّ الناس قد يسألونك ولا يعذرونك، فإذا أعطيت جميع ما عندك من المال كنت قد حسرت من المال.

فهذه أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصدّقها الكتاب، والكتاب يصدّقه أهله من المؤمنين.

وقال أبو بكر عند موته حيث قيل له: أوصِ، فقال: أوصي بالخُمس والخمس كثير فإنّ الله (عز وجل) قد رضي بالخُمس، فأوصى بالخمس، وقد جعل الله له الثُلث عند موته، ولو علم أن الثلث خير له أوصى به، ثم من قد علمتم بعده في فضله وزهده سلمان الفارسي (رضي الله عنه) وأبو ذر (رحمه الله)، فأمّا سلمان فكان إذا أخذ عطائه رفع منه قوته لسنته حتى يحضر عطاؤه من قابل، فقيل له: يا أبا عبد الله أنت في زهدك تصنع هذا وأنت لا تدري لعلّك تموت اليوم أو غداً؟ فكان جوابه أن قال: ما لكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم عليّ الفناء، أما علمتم يا جهلة أنّ النفس قد تلتاث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه، فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنّت، وأما أبو ذر (رضي الله عنه) فكانت له نويقات وشويهات يحلبها ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم، أو نزل به ضيف، أو رأى بأهل الماء الذين هم معه خصاصة، نحر لهم الجزور أو من الشياه على قدر ما يذهب عنهم بقرم اللحم فيقسمه بينهم ويأخذ هو كنصيب واحد منهم لا يتفضّل عليهم، ومن أزهد من هؤلاء وقد قال فيهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قال؟ ولم يبلغ من أمرهما أن صارا لا يملكان شيئاً البتة كما تأمرون الناس بإلقاء أمتعتهم وشيئهم ويؤثرون به على أنفسهم وعيالاتهم.

واعلموا أيّها النفر أنّي سمعت أبي يروي عن آبائه أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال يوماً: «ما عجبت من شيء كعجبي من المؤمن أنّه إن قُرِض جسده في دار الدنيا بالمقاريض كان خيراً له، وإن ملك ما بين مشارق الأرض ومغاربها كان خيراً له، وكلّ ما يصنع الله به فهو خير له» فليت شعري هل يحيق فيكم ما قد شرحت لكم منذ اليوم أم أزيدكم، أما علمتم أنّ الله قد فرض على المؤمنين في أوّل الأمر أن يقاتل الرجل منهم عشرة من المشركين ليس له أن يولّي وجهه عنهم، ومن ولاّهم يومئذ دبره فقد تبوّأ مقعده من النار، ثم حوّلهم عن حالهم رحمة منه لهم، فصار الرجل منهم عليه أن يقاتل رجلين من المشركين تخفيفاً من الله (عز وجل) للمؤمنين، فنسخ الرجلان العشرة.

وأخبروني أيضاً عن القضاة أجورةً هم حيث يقضون على الرجل منكم نفقة امرأته إذا قال: إنّي زاهد وإنّي لا شيء لي، فإن قلتم «جورة» ظلمتم أهل الإسلام، وإن قلتم «بل عدول» خصمتم أنفسكم، وحيث تردّون صدقة من تصدّق على المساكين عند الموت بأكثر من الثلث.

أخبروني لو كان الناس كلّهم كالذين تريدون زهّاداً لا حاجة لهم في متاع غيرهم، فعلى من كان يُتصدّق بكفّارات الأيمان والنذور والصدقات من فرض الزكاة من الذهب والفضة والتمر والزبيب وسائر ما وجب فيه الزكاة من الإبل والبقر والغنم وغير ذلك إذا كان الأمر كما تقولون لا ينبغي لأحد أن يحبس شيئاً من عرض الدنيا إلاّ قدّمه وإن كان به خصاصة، فبئس ما ذهبتم إليه وحملتم الناس عليه من الجهل بكتاب الله (عز وجل) وسنّة نبيّه وأحاديثه التي يصدّقها الكتاب المنـزل، وردّكم إيّاها بجهالتكم وترككم النظر في غرائب القرآن من التفسير بالناسخ من المنسوخ والمحكم والمتشابه والأمر والنهي.

وأخبروني أين أنتم عن سليمان بن داود حيث سأل الله مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه الله جلّ اسمه ذلك وكان يقول الحقّ ويعمل به، ثمّ لم نجد الله (عز وجل) عاب عليه ذلك ولا أحداً من المسلمين. وداود النبي قبله في مُلكه وشدّة سلطانه، ثم يوسف النبي حيث قال لملك مصر «اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأَْرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ»(41) فكان من أمره الذي كان أن اختار مملكة الملك وما حولها إلى اليمن، وكانوا يمتارون الطعام من عنده لمجاعة أصابتهم، وكان يقول الحقّ ويعمل به، فلم نجد أحداً عاب ذلك عليه، ثم ذوالقرنين عبد أحبّ الله فأحبّه الله وطوى له الأسباب وملّكه مشارق الأرض ومغاربها، وكان يقول الحقّ ويعمل به، ثم لم نجد أحداً عاب ذلك عليه، فتأدّبوا أيها النفر بآداب الله (عز وجل) للمؤمنين، واقتصروا على أمر الله ونهيه، ودعوا عنكم ما اشتبه عليكم ممّا لا علم لكم به، ورُدّوا العلم إلى أهله تُؤجروا وتعذروا عند الله تبارك وتعالى، وكونوا في طلب علم ناسخ القرآن من منسوخه ومحكمه من متشابهه وما أحلّ الله فيه ممّا حرّم، فإنّه أقرب لكم من الله وأبعد لكم من الجهل، ودعوا الجهالة لأهلها، فإنّ أهل الجهل كثير وأهل العلم قليل، وقد قال الله (عز وجل): «وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ» (42) (43) .

* * *

(1) النازعات: 37 - 41.

(2) فيض القدير للمناوي (6): 591، ولم ينسبه.

(3) النازعات: 40.

(4) عوالي اللئالي 1: 273/ ح96.

(5) الحديد: 20.

(6) آل عمران: 14.

(7) الجواهر السنيّة: 31؛ بحار الأنوار 74: 31.

(8) أمالي الطوسي: 526؛ مكارم الأخلاق: 459.

(9) العهود المحمّديّة للشعراني: 559.

(10) إبراهيم: 7.

(11) وسائل الشيعة 15: 248/ ح20411.

(12) بحار الأنوار 74: 87.

(13) الأنفال: 42.

(14) النساء: 165.

(15) طه: 134.

(16) القصص: 79 و80.

(17) القصص: 82.

(18) تفسير مجمع البيان 7: 461 - 462.

(19) طه: 131.

(20) الشورى: 20.

(21) الكافي 2: 128/ ح1.

(22) الكافي 2: 128/ ح2.

(23) الكافي 2: 128/ ح3.

(24) الحديد: 23.

(25) الكافي 2: 128/ ح4.

(26) الكافي 2: 129/ ح5.

(27) الكافي 2: 129/ ح6.

(28) أمالي المفيد: 133، المجلس 16؛ بحار الأنوار 41: 16.

(29) إرشاد القلوب، الباب 54؛ وعنه بحار الأنوار 74: 21 - 30/ ح6.

(30) الحديد: 23.

(31) فقه الرضا: 354؛ الكافي 2: 139/ ح8.

(32) عوالي اللئالي 1: 159/ ح144.

(33) تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 41: 250، أنّ أبا العبّاس البلخي أنشده بمدينة السلام، وبعده:

يصدّ عن الدنيا ولم يرضَ بالمُنى وصار إلى المولى بأرضى الطرائق

(34) المرسلات: 12 - 15.

(35) الاسراء: 14.

(36) الحشر: 9.

(37) الدهر: 8.

(38) الفرقان: 67.

(39) الأنعام: 141؛ الأعراف: 31.

(40) الاسراء: 29.

(41) يوسف: 55.

(42) يوسف: 76.

(43) الكافي 5: 65 - 70/ ح1، كتاب المعيشة؛ بحار الأنوار 67: 122 - 128 / ح13.