من كلام له (عليه السلام): يصف الدنيا

«مَا أَصِفُ مِنْ دَارٍ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ وَآخِرُهَا فَنَاءٌ فِي حَلَالِهَا حِسَابٌ وَفِي حَرَامِهَا عِقَابٌ مَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ وَمَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ وَمَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ وَمَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ وَمَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ وَمَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ».

(شرح النهج لابن أبي الحديد مج 2، ص 84، ط 1).

* * *

ضبط الألفاظ الغريبة:

(العناء) بالمدّ التعب والمشقة. و(فُتن) بالبناء على المجهول من الفتنة بمعنى الضلالة. و(حزن) بالبناء على المعلوم من باب فرح. (واتته) من المواتاة، قال الطريحي: هو حسن المطاوعة والموافقة، ومنه الحديث: خير النساء المواتية لزوجها.(1)

* * *

المعنى: [عشرة أوصاف للدنيا]

إنّ هذا الكلام له (عليه السلام) مسوق للتنفير عن الدنيا والذمّ لها، وقد ذكر من أوصافها أموراً عشرة:

الأوّل: [عناء في بداية الطريق] قوله (عليه السلام): «ما أصف من دار أوّلها عناء» وهو إشارة إلى أنّ الإنسان فيها في تعب ومشقّة، كما قال تعالى: «لَقَدْ خَلَقْنَا الإِْنْسانَ فِي كَبَدٍ»(2) أي في شدّة منذ حمله وولادته ورضاعه وفطامه ومعاشه وحياته وموته، ثم إنّه سبحانه لم يخلق خلقاً يكابد ما يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق، ويكفي في الاشارة إلى متاعب الانسان فيها ما نقل عن الحكيم برزويه في صدر (كتاب كليلة ودمنة) في معرض تطويع نفسه بالصبر على عيش النساء:

أو ليست الدنيا كلها أذىً وبلاء، أو ليس الانسان يتقلّب في ذلك من حين يكون جنيناً إلى أن يستوفي أيّامه، فقد حقّق في كتب الطبّ أنّ مبدء نشوء الانسان هو الماء الدافع يخرج من بين الصلب والترائب، وذلك الماء إذا ما وقع في الرحم اختلط بماء المرأة ودمها وغلظ، ثم الريح يمخض ذلك الماء والدم حتى يتركه كالرائب الغليظ، ثم يقسّمه في الأعضاء، فإن كان ذكراً فوجهه قِبل ظهر أمّه، وإن كان أنثى فوجهها قِبل بطن أمّها، وذقنه على ركبتيه ويداه على جنبيه، مُقبَض في المشيمة كأنه مصرور في صرّة، ويتنفس من متنفّس شاقٍ، وليس منه عضو إلاّ كأنّه مقموط، فوقه حزّ البطن وتحته ما تحته، وهو منوط بمعاء من سرته إلى سرّة أمّه، ومنها يمتصّ ويعيش من طعام أمّه وشرابها.

فهو بهذه الحالة في الغمّ والظلمات والضيق، حتى إذا كان وقت ولادته سلّط الله الريح على بطن أمّه وقوي عليه التحريك، فتصوّب رأسه قِبل المخرج، فيجد من ضيق المخرج وعصره ما يجده صاحب الرهق، فإذا وقع على الأرض فأصابته ريح أو مسّته يد وجد من ذلك من الألم ما لا يجده من سلخ جلده.

ثم هو في ألوان من العذاب إن جاع فليس له استطعام، وإن عطش فليس له استسقاء، أو وجع فليس له استغاثة، مع ما يلقاه من الرفع والوضع واللف والحلّ، إذا أُنيم على ظهره لا يستطيع تقلّباً، أو أُقعد لا يستطيع تمدّداً.

فلا يزال في أصناف هذا العذاب ما دام رضيعاً، فإذا أفلت من ذلك أُخذ بعذاب الأدب فأُذيق منه ألواناً، وإذا أدرك فهم المال والأولاد والشره والحرص ومخاطرة السعي والطلب.

وكلّ هذا يتقلّب معه فيها أعداؤه الأربعة: المرّة والبلغم والدم والريح، والسم المميت والحياة اللاذعة مع خوف السباع والناس وخوف البرد والحرّ، ثم ألوان عذاب الهرم إن بلغه.

والثاني: [فناء في آخر الطريق] أنّ (آخرها فناء): إذ كلّ نفس ذائقة الموت مشرفة على الفوت، ومفارقة للأهل والأولاد، مهاجرة عن الوطن والبلاد، وكلّ شيء هالك إلاّ وجهه، وكلّ إنسان ملاقٍ ربّه.

والثالث: [الحساب في الحلال] أنّه (في حلالها حساب) قال سبحانه: «إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ»(3) وقال أيضاً: «وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ»(4) وقال سبحانه: «وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ».(5)

قال الطبرسي: لا يشغله حساب عن حساب، فيحاسب الجميع على أفعالهم في حالة واحدة. وسُئل أمير المؤمنين (عليه السلام): كيف يحاسبهم في حالة واحدة؟ فقال: كما يرزقهم في حالة واحدة.(6)

والحساب يوم القيامة ممّا يجب أن يؤمن به، وأما أنّ المحاسب عليه والمسؤول عنه ماذا؟ فقد اختلفت الأخبار فيه، فبعضها كالآيات واردة على نحو العموم أو الاطلاق، وبعضها مخصوصة أو مقيّدة.

ففي الحديث النبويّ المعروف بين الخاصّة والعامّة: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا يزول قدم عبد يوم القيامة من بين يدي الله (عز وجل) حتى يُسأل عن أربع خصال: عمرك فيما أفنيته، وجسدك فيما أبليته، ومالك من أين اكتسبته وأين وضعته، وعن حبّنا أهل البيت. فقال عمر بن الخطاب: وما علامة حبّكم يا رسول الله؟ فقال: محبّة هذا، ووضع يده على رأس أميرالمؤمنين (عليه السلام).(7)

وجاء في تفسير مجمع البيان أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) سُئل عن هذه الآية «يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً»(8) فقال (صلى الله عليه وآله): يُحشر عشرة أصناف من أمّتي أشتاتاً قد ميّزهم الله عن المسلمين وبدّل صورهم، فبعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكوسون أرجلهم من فوق ووجوههم من تحت ثمّ يُسحبون عليها، وبعضهم عُمي يتردّدون، وبعضهم صُمّ بُكم لا يعقلون، وبعضهم يمضغون ألسنتهم، يسيل القيح من أفواههم لعاباً، يتقذّرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطّعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مُصلّبون على جذوع من النار، وبعضهم أشدّ نتناً من الجيف، وبعضهم يلبسون جباباً سابغة من قطران لازقة بجلودهم.

فأمّا الذين على صورة القردة فالقتّاة من الناس، وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت، وأما المنكوسون على رؤوسهم فأكلة الربا، والعمي الجائرون في الحكم، والصمّ والبُكم المعجبون بأعمالهم، والذين يمضغون ألسنتهم العلماء والقضاة الذين خالفت أعمالهم أقوالهم، والمقطّعة أيديهم وأرجلهم الذين يؤذون الجيران، والمصلّبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان، والذين أشدّ نتناً من الجيف فالذين يتمتّعون بالشهوات واللذّات ويمنعون حقّ الله في أموالهم، والذين هم يلبسون الجباب من القطران فأهل الفخر والخيلاء.(9)

ومن الأسئلة الموجّهة للعباد يوم المعاد السؤال عن النعيم في قوله تعالى: «ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ».(10)

اختلف العلماء في هذا النعيم ما هو، روى الصدوق بإسناده عن إبراهيم بن العباس الصولي قال: كنّا بين يدي علي بن موسى الرضا (عليه السلام) فقال: ليس في الدنيا نعيم حقيقيّ، فقال له بعض الفقهاء ممّن بحضرته: قول الله (عز وجل): «ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ» أما هذا النعيم في الدنيا هو الماء البارد؟ فقال له الرضا (عليه السلام) ـ وعلا صوته _: هكذا فسّرتموه أنتم وجعلتموه على ضروب، فقالت طائفة: هو الماء البارد، وقال غيرهم: هو الطعام الطيّب، وقال آخرون: هو النوم الطيّب.

ولقد حدّثني أبي عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّ أقوالكم هذه ذُكرت عنده في قوله تعالى: «لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ» فغضب وقال: إنّ الله تعالى لا يسأل عباده عمّا تفضّل عليهم به ولا يمنّ بذلك عليهم، والامتنان مُستقبح من المخلوقين، فكيف يُضاف إلى الخالق (عز وجل) ما لا يرضى به للمخلوقين، ولكنّ النعيم حبنّا أهل البيت وموالاتنا، يسأل الله عنه بعد التوحيد والنبّوّة، لأنّ العبد إذا وافى بذلك أدّاه إلى نعيم الجنّة الذي لا يزول.

ولقد حدّثني بذلك أبي محمد بن علي عن أبيه، عن الحسين بن علي، عن أبيه (عليهم السلام) أنّه قال له: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي أوّل ما يسئل عنه العبد بعد موته شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله، وأنك وليّ المؤمنين بما جعله الله لك، فمن أقرّ بذلك وكان معتقده صار إلى النعيم الذي لا زوال له.(11)

وروى العيّاشي بإسناده في حديث طويل، قال: سأل أبو حنيفة أبا عبد الله (عليه السلام) عن هذه الآية، فقال له (عليه السلام): ما النعيم عندك يا نعمان؟ قال: القوت من الطعام والماء البارد. فقال: لئن أوقفك الله يوم القيامة بين يديه حتّى يسألك عن كلّ أكلة أكلتَها وشربة شربَتها ليطولنّ وقوفك بين يديه. قال: فما النعيم جُعلت فداك؟ قال: نحن أهل البيت النعيم الذي أنعم الله بنا على العباد، وبنا ائتلفوا بعد أن كانوا مختلفين، وبنا ألّف الله بين قلوبهم وجعلهم إخواناً بعد أن كانوا أعداء، وبنا هداهم الله للإسلام، وهي النعمة التي لا تنقطع.

والله سائلهم عن حق النعيم الذي أنعم الله به عليهم، وهو النبي (صلى الله عليه وآله) وعترته (عليه السلام).(12)

وفي كتاب أصول الكافي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: ثلاثة أشياء لا يُحاسَب عليهنّ المؤمن: طعام يأكله، وثوب يلبسه، وزوجة صالحة تعاونه ويُحصن بها فرجه.(13)

الرابع: قوله (عليه السلام): «في حلالها حساب» وهو إشارة إلى ما يظهر في صحيفة الانسان يوم القيامة من الآثار المكتوبة عليه، ممّا خاض فيه من مباحات الدنيا، وتوسّع فيه من المأكل والمشارب والمناكح والمراكب، وما يظهر في لوح نفسه من محبّة ذلك فيعوقه عن اللحوق بالمجرّدين عنها الذين لم يتصرّفوا فيها تصرّف الملاّك، فلم يكتب عليه في شيء منها ما يحاسبون عليه، وإليه إشارة سيّد المرسلين (صلى الله عليه وآله) «إنّ الفقراء ليدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمس مائة عام، وإنّ فقراء أمتي ليدخلون الجنة سعياً»(14) وما ذاك إلاّ لكثرة حساب الأغنياء بتعويقهم بثقل ما حملوا من محبّة الدنيا وقنياتها عن اللحوق بدرجة المخفّين منها.

[العقوبة على المحرمات]:

الخامس: قوله (عليه السلام): «في حرامها عقاب» وهو واضح لا غبار عليه، وإلى هذا الوصف وسابقه نظر الشاعر في قوله:

الدهر يومان فيومٌ مضى
حلال يومَيك حساب وفي
تجمع ما يأكله وارث
إنّي لغيري واعظ تارك
حلاوة الدنيا ولذّاتها

 

عنك بما فيه ويوم جديد
حرام يوميك عقاب شديد
وأنت في القبر وحيد فريد
نفسي وقولي من فعالي بعيد
تكلّف العاقل ما لا يريد(15)

السادس: قوله (عليه السلام): «من استغنى فيها فُتن» لأنّ الاستغناء شاغل عن ذكر الله، مضلّ عن سبيل الله، فهو بلاء ابتلاه الله به كما نطق به القرآن الكريم: «إنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ».(16)

السابع: [الفقر يجلب الحزن] أنّ «من افتقر فيها حزن» لظهور أنّ الافتقار فيها لطالبها موجب لشدّة المحنة ومنتهى الحزن والكآبة. قال النبيّ (صلى الله عليه وآله): الفقر أشدّ من القتل.(17) وقال: أوحى الله إلى إبراهيم فقال: يا إبراهيم خلقتك وابتليتك بنار نمرود، فلو ابتليتك بالفقر ورفعت عنك الصبر فما تصنع؟ قال ابراهيم (عليه السلام): يا رب الفقر إليّ أشدّ من نار نمرود. قال الله تعالى: فبعزّتي وجلالي ما خلقت في السماء والأرض أشدّ من الفقر.(18)

وقال (صلى الله عليه وآله): الفقر الموت الأكبر.(19) وقال: لولا رحمة ربي على فقراء أمتي كاد الفقر أن يكون كفراً.(20)

وقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «من ابُتلي بالفقر فقد ابتلي بأربع خصال: بالضعف في يقينه، والنقصان في عقله، والرقّة في دينه، وقلّة الحياء في وجهه، فنعوذ بالله من الفقر».(21)

هذا ولشدّته دعا سيّد العابدين وزين الساجدين (عليه السلام) أن يصرفه الله عنه ولا يبتليه به، حيث قال:

«اللهم لا طاقة لي بالجهد، ولا صبر لي على البلاء، ولا قوّة لي على الفقر، فلا تحظر عليّ رزقي، ولا تكلني إلى خلقك، بل تفرّد بحاجتي، وتولَّ كفايتي، وانظر إليّ في جميع أموري، فإنّك إن وكلتني إلى نفسي عجزت عنها ولم أقم ما فيه مصلحتها، وإن وكلتني إلى خلقك تجهّموني، وإن ألجأتني إلى قرابتي حرموني، وإن أعطوني أعطوني قليلاً نكداً، ومنّوا علي طويلاً، وذمّوا كثيراً، فبفضلك اللهمّ فأغنني، وبعظمتك فأنعشني، وبسعتك فابسُط يدي، وبما عندك فاكفني».(22)

لذلك جعل الله تعالى للفقراء الصابرين عنده منـزلة ودرجة سامية رفيعة، حتّى ورد في الحديث المتقدّم الذكر: يدخل الفقراء إلى الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، ومقداره خمسماءة عام.

وفي جامع الأخبار عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: «إذا كان يوم القيامة أمر الله تعالى منادياً فينادي: أين الفقراء؟ فيقوم عُنق من الناس فيؤمر بهم إلى الجنّة، فيقول خزنة الجنّة: قبل الحساب؟ فيقولون: ما أعطونا شيئاً فيحاسبون عليه، فيقول الله تعالى: صدقوا، عبادي ما أفقرتُكم هواناً بكم، ولكن ادّخرت هذا لكم لهذا اليوم، انظروا وتصفّحوا وجوه الناس فمن أتى إليكم معروفاً فخذوا بيده وأدخلوه الجنة».(23) وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «خير هذه الأمة فقراؤها، وأسرعها تصعّداً في الجنة ضعفاؤها»(24) وقال (صلى الله عليه وآله): «اللهمّ أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين»(25) وقال (صلى الله عليه وآله): «إنّ لي حرفتين اثنتين فمن أحبّهما فقد أحبّني ومن أبغضهما فقد أبغضني: الفقر والجهاد.(26) وقال (صلى الله عليه وآله): «الفقر أزين للمؤمنين من العذار الحسن على خدّ الفرس».(27)

وسئل عن الفقر فقال: «خزانة من خزائن الله، وسئل عنه ثانياً فقال: كرامة من الله، وسُئل عنه ثالثاً فقال: شيء لا يُعطيه الله إلاّ نبياً مرسلاً أو مؤمناً كريماً على الله».(28)

[مقام الفقراء في الجنة]:

وقال (صلى الله عليه وآله): «إنّ في الجنّة غرفة من ياقوتة حمراء ينظر إليها أهل الجنة كما ينظر أهل الأرض إلى نجوم السماء، لا يدخل فيها إلاّ نبيّ فقير أو مؤمن فقير»،(29) وقال (صلى الله عليه وآله): يقوم فقراء أمتي يوم القيامة وثيابهم خضر وشعورهم منسوجة بالدرّ والياقوت، وبأيديهم قضبان من نور يخطبون على المنابر، فيمرّ عليهم الأنبياء فيقولون: هؤلاء من الملائكة، وتقول الملائكة: هؤلاء من الأنبياء، فيقولون: نحن لا ملائكة ولا أنبياء، بل من فقراء أمّة محمد (صلى الله عليه وآله)، فيقولون: بم نلتم هذه الكرامة؟ فيقولون: لم تكن أعمالنا شديدة، ولم نصم الدهر، ولم نقم الليل، ولكن أقمنا على الصلوات الخمس، وإذا سمعنا ذكر محمد فاضت دموعنا على خدودنا.(30)

[أحاديث في فضل الفقر والفقراء]:

وقال (صلى الله عليه وآله): كلّمني ربّي فقال: يا محمّد، إذا أحببتُ عبداً أجعل له ثلاثة أشياء: قلبه حزيناً، وبدنه سقيماً، ويده خالية من حطام الدنيا، وإذا أبغضتُ عبداً أجعل له ثلاثة أشياء: قلبه مسروراً، وبدنه صحيحاً، ويده مملوّة من حطام الدنيا(31)، وقال (صلى الله عليه وآله): «الناس كلّهم مشتاقون إلى الجنّة، والجنّة مشتاقة إلى الفقراء».(32) وقال (صلى الله عليه وآله): «الفقر فخري»(33)، وقال (صلى الله عليه وآله): «تحفة المؤمن في الدنيا الفقر»(34)، وقال (صلى الله عليه وآله): يؤتى بالعبد يوم القيامة فيعتذر الله تعالى إليه كما يعتذر الأخ إلى أخيه في الدنيا، فيقول: وعزّتي وجلالي ما زويت الدنيا عنك لهوانك علي، ولكن لما أعددت لك من الكرامة والفضيلة، أخرج يا عبدي إلى هذه الصفوف، فمن أطعمك فيّ أوكساك فيّ يريد بذلك وجهي فخُذ بيده فهو لك ـ والناس يومئذ قد ألجمهم العرق ـ فيتخلّل الصفوف وينظر من فعل ذلك به ويُدخله الجنة،(35) وقال (صلى الله عليه وآله): أكثروا معرفة الفقراء واتّخذوا عندهم الأيادي، فإنّ لهم دولة، قالوا: يا رسول الله وما دولتهم؟ قال: إذا كان يوم القيامة قيل لهم: انظروا إلى من أطعمكم كسرة أو سقاكم شربة أو كساكم ثوباً فخُذوا بيده ثم امضوا به إلى الجنّة(36).

وقال (صلى الله عليه وآله): ألا أخبركم بملوك أهل الجنة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: كلّ ضعيف مستضعف أغبر أشعث ذي طمرين لا يُؤبه به، لو أقسم على الله لأبرّه(37).

ودخل (صلى الله عليه وآله) على رجل فقير ولم ير له شيئاً فقال: «لو قُسّم نور هذا على أهل الأرض لوسعهم».(38)

وقال (صلى الله عليه وآله): «إذا أبغض الناس فقراءهم، وأظهروا عمارة الدنيا، وتكالبوا على جمع الدراهم والدنانير، رماهم الله بأربع خصال: بالقحط من الزمان، والجور من السلطان، والجناية من ولاة الحكام، والشوكة من الأعداء»(39).

وروى الصدوق في الأمالي بسند معتبر عن الصادق (عليه السلام) قال: إذا كان يوم القيامة وقف عبدان مؤمنان للحساب كلاهما من أهل الجنّة، فقير في الدنيا وغنّي في الدنيا، فيقول الفقير: يا ربّ على مَ أُوقف؟ فو عزّتك إنّك لتعلم أنّك لم تولني ولاية فأعدل فيها أو أجور، ولم ترزقني مالاً فأؤدّي منه حقاً أو أمنع، ولا كان رزقي يأتيني منها إلاّ كفافاً على ما علمتَ وقدّرت لي. فيقول الله (جل جلاله): صدق عبدي، خلّوا عنه يدخل الجنّة. ويبقى الآخر حتّى يسيل منه من العرق ما لو شربه أربعون بعيراً لكفاها، ثم يدخل الجنّة، فيقول له الفقير: ما حبسك؟ فيقول: طول الحساب، مازال الشيء يجيئني بعد الشيء يُغفر لي ثم اُسأل عن شيء آخر، حتى تغمّدني الله (عز وجل) برحمته وألحقني بالتائبين، فمن أنت؟ فيقول: أنا الفقير الذي كنت معك آنفاً، فيقول: لقد غيّرك النعيم بعدي.(40)

* * *

(1) مجمع البحرين 1: 33.

(2) سورة البلد (90): الآية 4.

(3) الغاشية: 26.

(4) الأنبياء: 47.

(5) النور: 39.

(6) تفسير مجمع البيان 7: 256.

(7) شرح الأخبار للقاضي النعمان 1: 157؛ أمالي المفيد: 353/ ح5؛ المعجم الأوسط للطبراني 2: 348.

(8) النبأ: 38.

(9) تفسير مجمع البيان10: 242.

(10) التكاثر: 8.

(11) عيون أخبار الرضا 1: 136 - 137/ ح8.

(12) تفسير العيّاشي؛ وعنه بحار الأنوار 7: 258؛ تفسير الصافي 5: 370.

(13) الكافي 6: 280/ ح2.

(14) تفسير مجمع البيان 7: 161؛ بحار الأنوار 7: 122.

(15) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6: 239، نسبه لبعض الشعراء.

(16) التغابن: 15.

(17) بحار الأنوار 69: 47.

(18) بحار الأنوار 69: 47.

(19) مشكاة الأنوار: 228.

(20) بحار الأنوار 69: 47.

(21) بحار الأنوار 69: 47 و48.

(22) إقبال الأعمال لابن طاووس 1: 353، في أدعية الليلة العشرين من شهر رمضان؛ بحار الأنوار 98: 51 و52.

(23) رواه الصدوق في ثواب الأعمال: 166؛ والمجلسي في بحار الأنوار 69: 42.

(24) جامع السعادات 2: 63.

(25) سنن الترمذي 4: 577/ ح2352؛ تذكرة الفقهاء للعلاّمة الحلّي 5: 237.

(26) مستدرك الوسائل للنوري 11: 14/ ح12295؛ ذيل تاريخ بغداد لابن النجّار 2: 143.

(27) عوالي اللئالي 1: 40.

(28) بحار الأنوار 69: 47.

(29) بحار الأنوار 69: 47.

(30) مستدرك الوسائل 10: 318/ ح12083.

(31) بحار الأنوار 69: 48.

(32) بحار الأنوار 69: 49.

(33) بحار الأنوار 69: 49.

(34) الجامع الصغير للسيوطي 1: 502/ ح3258.

(35) رواه المجلسي في بحار الأنوار 78: 193 عن الإمام الصادق (عليه السلام) باختلاف في اللفظ والمعنى.

(36) انظر كشف الخفاء للعجلوني 1: 37 - 38.

(37) بحار الأنوار 36: 347.

(38) انظر مشكاة الأنوار: 505.

(39) رواه المتّقي في كنز العمّال 16: 39/ ح43841 باختلاف يسير.

(40) عدّة الداعي: 106؛ بحار الأنوار 7: 259.