من خطبة له (عليه السلام): [ في الاهتمام بفروع الدين وصلة الرحم والانفاق]

«إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ الْمُتَوَسِّلُونَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْإِيمَانُ بِهِ وَبِرَسُولِهِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ الْإِسْلَامِ وَكَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ فَإِنَّهَا الْفِطْرَةُ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا الْمِلَّةُ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ الْعِقَابِ وَحَجُّ الْبَيْتِ وَاعْتِمَارُهُ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَيَرْحَضَانِ الذَّنْبَ وَصِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ وَمَنْسَأَةٌ فِي الْأَجَلِ وَصَدَقَةُ السِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ وَصَدَقَةُ الْعَلَانِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ وَصَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ الْهَوَانِ».

(شرح النهج لابن أبي الحديد مج 2، ص 236، ط الأولى).

* * *

ضبط الألفاظ الغريبة:

(ذروة الشيء): أعلاه، و(الملّة): الدين، و(الجُنّة): الوقاية، و(يرحضان): يغسلان، و(المثراة): المكثرة وهي محلّ للكثرة والثروة، و(المنسأة) محلّ النسأ وهو التأخير.

* * *

الشرح: [أسباب القرب الى الله]

إنّ هذه الخطبة الشريفة مسوقة للارشاد إلى بعض أسباب القرب والوسائل التي يتوسّل بها إلى الله سبحانه، وللأمر بالافاضة إلى ذكر الله، وببعض ما يدرك به رضوان الله. ولمّا كانت أسباب الزُلفى والتقرّب كثيرة خصّ (عليه السلام) أفضلها بالبيان، وهي ـ على ما ذكره ـ عشرة أمور:

أوّلها: الإيمان بالله

وإليه أشار بقوله: «إنّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون إلى الله سبحانه وتعالى الايمان به وبرسوله». قدّم الإيمان على غيره لكونه أصلاً بالنسبة إليه، والمراد به هنا التصديق المجرّد عن الاقرار والعمل، بقرينة ذكر كلمة الاخلاص التي هي الاقرار، وسائر العبادات التي هي من باب الأعمال بعده.

[الفرق بين الإسلام والإيمان]:

والفرق بين الإسلام والإيمان: الإيمان هو التصديق القلبيّ، والإسلام هو التسليم والانقياد الظاهريّ.

والايمان يشارك الإسلام، والإسلام لا يشارك الايمان، وهو أعلى درجة من الاسلام وأرفع.

وفي رواية أبي الصباح الكنانيّ قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أيّهما أفضل الايمان أو الإسلام؟ فإنّ من قبلنا يقولون: إنّ الإسلام أفضل من الإيمان. فقال (عليه السلام): الإيمان أرفع من الإسلام، قلت: فأوجدني ذلك. قال: ما تقول فيمن أحدث في المسجد الحرام متعمّداً؟ قال: قلت: يُضرب ضرباً شديداً. قال: أصبت، فما تقول فيمن أحدث في الكعبة متعمّداً؟ قلت يُقتل. قال: أصبت، ألا ترى أنّ الكعبة أفضل من المسجد، وأنّ الكعبة تشرك المسجد والمسجد لا يشرك الكعبة، وكذلك الإيمان يشرك الإسلام، والإسلام لا يشرك الإيمان؟(1)

فإنّ المستفاد من هذه الرواية أنّه كلّ ما وُجد الإيمان وُجد الإسلام ولا عكس.

أمّا من جهة أن الإسلام عبارة عن التصديق بالظاهر ـ أعني الاعتراف باللسان ـ والايمان عبارة عن التصديق بالباطن، والأول غير مستلزم للثاني، ولذلك كذبّ الله الأعراب بقوله: «قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا» في دعواهم وصف الإيمان لأنفسهم حيث قالوا: «آمَنَّا»، وذلك لأجل أنّهم لم يكونوا مصدّقين بالباطن ولم يكونوا على ثقة وطمأنينة فيما أقرّوا به ظاهراً، وأثبت لهم وصف الإسلام بقوله: «وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا»(2) باعتبار شهادتهم بالتوحيد والرسالة واعترافهم ظاهراً.

ويدلّ على ما ذكرنا ما رواه في الكافي بإسناده عن سماعة، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أخبرني عن الإسلام والإيمان أهما مختلفان؟ فقال (عليه السلام): إنّ الإيمان يشارك الإسلام، والإسلام لا يشارك الإيمان.

فقلت: فصفهما لي. فقال: الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ الله والتصديق برسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبه حُقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث، وعلى ظاهره جماعة الناس، والإيمان الهُدى وما يثبت في القلوب من صفة الإسلام، وما ظهر من العمل به، والايمان أرفع من الإسلام بدرجة. إنّ الايمان يشارك الإسلام في الظاهر، والإسلام لا يشارك الايمان في الباطن وإن اجتمعا في القول والصفة.(3)

وعن عجلان بن أبي صالح قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أوقفني على حدود الايمان. فقال: شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله، والاقرار بجميع ما جاء من عند الله، والصلوات الخمس، وأداء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحجّ البيت، وولاية وليّنا، وعداوة عدوّنا، والدخول مع الصادقين.(4)

فإنّ المراد بالدخول مع الصادقين: الدخول في زمرة آل محمّد (عليهم السلام) والكون معهم، كما قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ».(5)

[مراتب الإيمان]:

جاء في أصول الكافي عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد، قال: حدّثنا أبو عمر الزبيري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: أيّها العالِم أخبرني أيّ الأعمال أفضل عند الله؟ قال: ما لا يقبل الله شيئاً إلاّ به. قلت: وما هو؟ قال: الإيمان بالله الذي لا إله إلاّ هو أعلى الأعمال درجة وأشرفها منـزلة وأسناها حظّاً. قال: قلت: ألا تخبرني عن الإيمان، أقولٌ هو وعمل، أم قولٌ بلا عمل؟ فقال (عليه السلام): الإيمان عمل كلّه، والقول بعض ذلك العمل بفرض من الله بيّن في كتابه واضح نوره، ثابتة حجّته، يشهد له به الكتاب ويدعوه إليه. قال: قلت له: صفه لي جُعلت فداك حتّى أفهمه. قال: الايمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل: فمنه التام المنتهي تمامه، ومنه الناقص البيّن نقصانه، ومنه الراجح الزايد رجحانه. قلت: إنّ الايمان ليتمّ وينقص ويزيد؟ قال: نعم. قلت: كيف ذاك؟ قال: لأنّ الله تبارك وتعالى فرض الايمان على جوارح ابن آدم وقسّمه عليها وفرّقه فيها، فليس من جوارحه إلاّ وقد وكّلت من الايمان بغير ما وكّلت به أختها، فمنها قلبه الذي به يعقل ويفقه ويفهم، وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح ولا تصدر إلاّ عن رأيه وأمره، ومنها عيناه اللتان يُبصر بهما، وأذناه اللتان يسمع بهما، ويداه اللتان يبطش بهما، ورجلاه اللتان يمشي بهما، وفرجه الذي الباه من قِبله، ولسانه الذي ينطق به، ورأسه الذي فيه وجهه، فليس من هذه جارحة إلاّ وقد وكّلت من الإيمان بغير ما وكّلت به أختها بفرض من الله تبارك وتعالى اسمه، وينطق به الكتاب لها ويشهد به عليها، ففرض على القلب غير ما فرض على العينين، وفرض على العينين غير ما فرض على اللسان، وفرض على اللسان غير ما فرض على اليدين، وفرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين، وفرض على الرجلين غير ما فرض على الفرج، وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه.

فأمّا ما فرض على القلب من الايمان: فالاقرار والمعرفة والعقد والرضا والتسليم بأن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له إلهاً واحداً لم يتّخذ صاحبة ولا ولداً، وأنّ محمداً عبده ورسوله، والاقرار بما جاء من عند الله من نبيّ أو كتاب، فذلك ما فرض الله على القلب من الاقرار والمعرفة، وهو قول الله (عز وجل): «إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً»(6) وقال: «أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»(7) وقال: «الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ»(8) وقال: «إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ».(9)

فذلك ما فرض الله (عز وجل) على القلب من الاقرار والمعرفة، وهو عمله وهو رأس الايمان.

وفرض الله على اللسان القول والتعبير عن القلب بما عقد عليه وأقرّ به، قال الله تبارك وتعالى اسمه: «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً»(10) وقال: «قُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ»(11) فهذا ما فرض الله على اللسان وهو عمله.

وفرض على السمع أن يتنـزّه عن الاستماع إلى ما حرّم الله، وأن يُعرض عمّا لا يحلّ له مما نهى الله (عز وجل) عنه، والاصغاء إلى ما أسخط الله (عز وجل)، فقال في ذلك:

«وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ»(12) ثم استثنى الله (عز وجل) موضع النسيان فقال: «وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ»(13) وقال: «فَبَشِّرْ عِبادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الأَْلْبابِ»(14) وقال (عز وجل): «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ»(15) وقال: «وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ»(16) وقال: «وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً».(17)

فهذا ما فرض الله على السمع من الإيمان أن لا يُصغي إلى ما لا يحلّ له، وهو عمله وهو من الإيمان.

وفرض على البصر أن لا ينظر إلى ما حرّم الله عليه، وأن يُعرض عما نهى الله عنه ممّا لا يحلّ له، وهو عمله وهو من الإيمان، فقال تبارك وتعالى: «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ»(18) فنهاهم عن أن ينظروا إلى عورات غيرهم، وأن يحفظوا عوراتهم أن يُنظر إليها، وقال تعالى: «وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ»(19) من أن تنظر إحداهن إلى عورة غيرها من النساء، وتحفظ عورتها من أن يُنظر إليها، ثم نظم تعالى ما فرض على القلب واللسان والسمع والبصر في آية أخرى، فقال: «وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ»(20) يعني بالجلود الفروج والأفخاد، وقال: «وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً».(21)

فهذا ما فرض الله على العينين من غضّ البصر عمّا حرّم الله، وهو عملهما وهو من الإيمان.

وفرض على اليدين أن لا يبطش بهما إلى ما حرّم الله، وأن يبطش بهما إلى ما أمر الله (عز وجل)، وفرض عليهما من الصدقة وصلة الرحم والجهاد في سبيل الله والطهور للصلوات، فقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ»(22) وقال: «فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها»(23) فهذا ما فرض الله على اليدين، لأنّ الضرب من علاجهما.

وفرض على الرجلين أن لا يمشي بهما إلى شيء من معاصي الله، وفرض عليهما المشي إلى ما يُرضي الله (عز وجل)، فقال: «وَلا تَمْشِ فِي الأَْرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَْرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً»(24) وقال: «وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَْصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ».(25)

وقال فيما شهدت الأيدي والأرجل في أنفسهما وعلى أربابهما من تضييعهما لما أمر الله (عز وجل) به وفرضه عليهما: «الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ»(26) فهذ أيضاً ممّا فرض الله (عز وجل) على اليدين وعلى الرجلين، وهو عملهما، وهو من الإيمان.

وفرض على الوجه السجود له بالليل والنهار في مواقيت الصلاة، فقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»(27) وهذه فريضة جامعة على الوجه واليدين والرجلين، وقال في موضع آخر: «وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً».(28)

وقال فيما فرض على الجوارح من الطهور والصلاة بها، وذلك أنّ الله (عز وجل) لمّا صرف نبيّه (صلى الله عليه وآله) إلى الكعبة عن بيت المقدس أنزل الله (عز وجل) عليه: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ»(29) فسمّى الصلاة إيماناً، فمن لقي الله (عز وجل) حافظاً لجوارحه، موفّياً كلّ جارحة من جوارحه ما فرض الله (عز وجل) عليها، لقي الله (عز وجل) مستكملاً لايمانه وهو من أهل الجنّة، ومن خان في شيء منها أو تعدّى ما أمر الله (عز وجل) فيها، لقي الله (عز وجل) ناقص الإيمان.

قلت: قد فهمت نقصان الايمان وتمامه، فمن أين جاءت زيادته؟ فقال (عليه السلام): قول الله (عز وجل): «وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ»(30) وقال: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً».(31)

ولو كان كلّه واحداً لا زيادة فيه ولا نقصان لم يكن لأحد منهم فضل على الآخر ولاستوت النعم فيه، ولاستوى الناس وبطل التفضيل، ولكن بتمام الايمان دخل المؤمنون الجنّة، وبالزيادة في الايمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله، وبالنقصان دخل المفرّطون النار.(32)

 

الثاني: الجهاد من الوسائل إلى الله سبحانه

(الجهاد) في سبيله فإنه ذروة الإسلام، ولمّا كان ذروة كلّ شيء عبارة عن أعلاه، جعل الجهاد ذروة الإسلام باعتبار رفعته وعلوّ رتبته فيه وتقدّمه على سائر العبادات البدنيّة، باعتبار اقتضائه قوّة التصديق واليقين بما جاء به خاتم النبيّين ما لا تقتضيه سائر الطاعات والقربات، وإلاّ لـما ألقى المجاهد نفسه إلى المهالك مع غلبة ظنّه بأنه عاطب هالك، ولولا سيف المجاهدين لما اخضرّ للإسلام عود ولما قام له عمود، وهو باب من أبواب الجنّة فتحه الله لخاصّة أوليائه، وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة.

 

والثالث: كلمة الاخلاص

أي الكلمة المتضمّنة لاخلاص الله تعالى وتنـزيهه عن الشركاء والأنداد، وهي كلمة التوحيد ـ أعني لا إله إلا الله ـ تلك الكلمة الطيّبة المباركة. وعلّل (عليه السلام) كونها أفضل القرب بقوله: (فإنّها الفطرة) أي الفطرة المعهودة الواردة في الكتاب العزيز، المأمور باتّباعها بقوله تعالى: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها».(33) قال في مجمع البيان: أي اتّبع فطرة الله وهي التوحيد التي فطر الناس ـ أي خلق الناس ـ عليها ولها وبها، أي لأجلها والتمسّك بها، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «كلّ مولود يُولد على الفطرة بأنّ الله (عز وجل) خالقه».(34) ولمّا كانت كلمة الاخلاص متضمّنة للفطرة التي هي التوحيد والمعرفة جعلها نفس الفطرة، تسميةً للدالّ على مدلوله.

 

والرابع: [الصلاة ركن الدين وعموده]

(إقام الصلاة فإنها الملّة) قال الطريحي: الملّة في الأصل ما شرع الله لعباده على ألسنة الأنبياء ليتوصّلوا به إلى جوار الله. وتُستعمل في جملة الشرائع دون آحادها، ولا تكاد توجد مضافة إلى الله ولا إلى آحاد أمّة محمّد (صلى الله عليه وآله)، بل يقال ملّة محمّد، قال تعالى: «مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ»(35) أي دينه.(36)

والصلاة هي الركن الأعظم من الدين، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الصلاة عماد الدين(37)، فإنّه لمّا كان قوام الدين وثباته بها جعلها عماداً له، كما صرّح بذلك في قوله (صلى الله عليه وآله): «مثل الصلاة مثل عمود الفسطاط، إذا ثبت العمود ثبتت الأطناب والأوتاد والغشاء، وإذا انكسر العمود لم ينفع طنب ولا وتد ولا غشاء».(38) وقال (صلى الله عليه وآله): «الصلاة عماد الدين، فمن ترك صلاته متعمّداً فقد هدم دينه».(39)

وكيف كان فالآيات والروايات في فضلها وعقوبة تاركها كثيرة فوق حدّ الاحصاء، ونحن نشير إلى بعضها تنبيهاً للغافل.

قال الله تعالى: «أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً».(40)

وفي سورة النساء: «فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً».(41)

وفي سورة مريم: «أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا».(42)

وفي سورة العنكبوت: «وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ».(43)

وفي سورة أرأيت: «فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ».(44)

أي غافلون غير مبالين بها.

قال علي بن ابراهيم القمي: عنى به التاركين، لأنّ كلّ إنسان يسهو في الصلاة.(45) وفي المجمع عن الصادق (عليه السلام): هو الترك لها والتواني عنها.(46)

جاء في الخصال للشيخ الصدوق (قدس سره) عن أمير المؤمنين (عليه السلام): ليس عمل أحبّ إلى الله (عز وجل) من الصلاة، فلا يشغلكم عن أوقاتها شيء من أمور الدنيا، فإنّ الله (عز وجل) ذمّ أقواماً فقال: «الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ»،(47) يعني أنّهم غافلون استهانوا بأوقاتها.(48)

وفي الكافي بإسناده عن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن أفضل ما يتقربّ به العباد إلى ربّهم وأحبّ ذلك إلى الله (عز وجل) ما هو؟ فقال (عليه السلام): ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة، ألا ترى أنّ العبد الصالح عيسى بن مريم (عليه السلام) قال: «وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا» (49) (50) .

وقال (عليه السلام): «أحبّ الاعمال إلى الله (عز وجل) الصلاة، وهي آخر وصايا الأنبياء (عليهم السلام)، فما أحسن الرجل يغتسل أو يتوضّأ فيُسبغ الوضوء ثم يتنحّى حيث لا يراه أنيس، فيُشرف الله عليه وهو راكع أو ساجد، إنّ العبد إذا سجد فأطال السجود نادى إبليس: يا ويلاه أطاعوا وعصيتُ، وسجدوا وأبيتُ».(51)

وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إذا قام العبد المؤمن في صلاة نظر الله إليه ـ أو قال: أقبل الله عليه ـ حتّى ينصرف، وأقلّته الرحمة من فوق رأسه إلى أفق السماء، والملائكة تحفّه من حوله إلى أفق السماء، ووكّل الله به ملكاً قائماً على رأسه يقول: أيّها المصلّي لو تعلم مَن ينظر إليك ومن تناجي ما التفتَّ ولا زلت من موضعك أبداً».(52)

وقال الإمام الرضا (عليه السلام): الصلاة قربان كلّ تقيّ.(53)

وقال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): مَن قبل الله منه صلاة واحدة لم يُعذّبه، ومن قبل منه حسنة لم يعذّبه.(54)

وقال (عليه السلام): من صلّى ركعتين يعلم ما يقول فيهما انصرف وليس بينه وبين الله ذنب.(55)

وقال النبي (صلى الله عليه وآله): ما من صلاة يحضر وقتها إلاّ نادى مَلَك بين يدي الناس: أيّها الناس قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على ظهوركم فأطفؤها بصلاتكم.(56)

وقال (صلى الله عليه وآله): لا تضيّعوا صلاتكم، فإنّ من ضيّع صلاته حشره الله تعالى مع قارون وفرعون وهامان، وكان حقّاً على الله أن يُدخله النار مع المنافقين، فالويل لمن لم يحافظ على صلاته.(57)

وقال (صلى الله عليه وآله): من ترك الصلاة حتّى تفوته من غير عذر فقد حبط عمله. ثم قال (صلى الله عليه وآله): بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة.(58)

وقال (صلى الله عليه وآله): من ترك الصلاة لا يرجو ثوابها ولا يخاف عقابها فلا أبالي يموت يهوديّاً أو نصرانياً أو مجوسياً.(59)

والأخبار في موضوع الصلاة كثيرة وكثيرة جداً، وفيما أوردناه هنا كفاية للمهتدي المترشد، وإنّما المهم الاشارة إلى علّة وجوب الصلوات الخمس في الأوقات المعيّنة وأسرارها.

أمّا علّة وجوبها في الأوقات المعيّنة:

فقد ورد في الفقيه عن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنّه قال: «جاء نفر من اليهود إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسأله أعلمهم عن مسائل، فكان فيما سأله أنّه قال: أخبرني عن الله (عز وجل) لأيّ شيء فرض هذه الخمس الصلوات في خمسة مواقيت على أمّتك في ساعات الليل والنهار؟».

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): «إنّ الشمس عند الزوال لها حلقة ـ أي دائرة نصف النهار ـ تدخل فيها، فإذا دخلت فيها زالت الشمس، فيسبّح كلّ شيء دون العرش بحمد ربّي (جل جلاله)، وهي الساعة التي يصلّي فيها عليَّ ربّي، ففرض الله عليّ وعلى أمتي فيها الصلاة وقال: «أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ»(60) وهي الساعة التي يُؤتى فيها بجهنّم يوم القيامة، فما من مؤمن يوافق تلك الساعة أن يكون ساجداً أو راكعاً أو قائماً إلا حرّم الله جسده على النار».

وأمّا صلاة العصر فهي الساعة التي أكل آدم فيها من الشجرة فأخرجه الله من الجنّة، فأمر الله ذريّته بهذه الصلاة إلى يوم القيامة واختارها لأمّتي، فهي من أحبّ الصلوات إلى الله (عز وجل)، وأوصاني أن أحفظها من بين الصلوات، وأمّا صلاة المغرب فهي الساعة التي تاب الله على آدم (عليه السلام) وكان بين ما أكل من الشجرة وبين ما تاب الله عليه ثلاثمائة سنة من أيّام الدنيا، وفي أيام الآخرة يوم كألف سنة ما بين العصر إلى العشاء، فصلّى آدم ثلاث ركعات: ركعة لخطيئته، وركعة لخطيئة حوّا، وركعة لتوبته، فافترض الله هذه الثلاث ركعات على أمّتي، وهي الساعة التي يُستجاب فيها الدعاء، فوعدني الله أن يستجيب لمن دعاه فيها، وهي الصلاة التي أمرني ربي بها في قوله: «فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ».(61)

وأمّا صلاة العشاء الآخرة: فإنّ للقبر ظلمة وليوم القيامة ظلمة، أمرني الله بهذه الصلاة وأمتي لتنوّر وليُعطيني وأمتّي النور على الصراط، وما من قدم مشت إلى صلاة العتمة إلاّ حرّم الله جسدها على النار، وهي الصلاة التي اختارها الله للمرسلين قبلي.

وأمّا صلاة الفجر: فإنّ الشمس إذا طلعت تطلع على قرن شيطان، فأمرني الله أن أصلّي قبل طلوع الشمس صلاة الغداة وقبل أن يسجد لها الكافر، لتسجد أمّتي لله (عز وجل)، وسرعتها أحبّ إلى الله، وهي الصلاة التي تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار.(62)

وعلّة فرض الصلوات الخمس ما رواه الفقيه أيضاً عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: «لمّا هبط آدم (عليه السلام) من الجنة ظهرت به شامة سوداء في وجهه [فطالت] من قرنه إلى قدمه، فطال حزنه وبكاؤه على ما ظهر به، فأتاه جبرئيل فقال: له ما يُبكيك يا آدم؟ فقال: لهذه الشامة التي ظهرت بي، قال: قُم يا آدم فصلّ، فهذا وقت الصلاة الأولى، فقام فصلّى فانحطّت الشامة إلى عنقه، فجاءه في الصلاة الثانية فقال: يا آدم قم فصلّ، فهذا وقت الصلاة الثانية، فقام فصلّى فانحطّت الشامة إلى سرّته، فجاءه في الصلاة الثالثة فقال: يا آدم قم فصلّ فهذا وقت الصلاة الثالثة. فقام فصلّى فانحطّت الشامة إلى رُكبتيه، فجاءه في الصلاة الرابعة، فقام فصلّى فانحطّت الشامة إلى قدميه، فجاءه في الصلاة الخامسة فقال: يا آدم قم فصلّ فهذا وقت الصلاة الخامسة. فقام فصلّى فخرج منها، فحمد الله وأثنى عليه، فقال جبرئيل: يا آدم مثل ولدك في هذه الصلاة كمثلك في هذه الشامة، من صلّى من ولدك في كلّ يوم وليلة خمس صلوات، خرج من ذنوبه كما خرجتَ من هذه الشامة».(63)

هذا وقد استوفينا موضوع الصلاة في المجلّد الثاني من كتابنا «الجواهر الروحية» تحت عنوان (الصلاة وطرق التقدّم الثلاث)، وفي المجلّد الأول من كتابنا «شرح رسالة الحقوق» وفي كتابنا «علي والأسس التربويّة» فلتُراجع.

 

الخامس: [الزكاة فريضة واجبة]

(إيتاء الزكاة فإنّها فريضة واجبة) والاتيان بالوجوب بعد الفرض لمحض التأكيد، والاشارة إلى تأكّد وجوبها، نظير قوله سبحانه:

«إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ»(64).

فإنّه سُبحانه بعد الأمر بها بالجملة الخبريّة التي هي في معنى الانشآء، عقّبه بقوله «فريضة» تأكيداً للوجوب.

قال الزجّاج: فريضة منصوب على التوكيد، لأنّ قوله: إنّما الصدقات لهؤلاء جارٍ مجرى قوله فرض الله الصدقات لهؤلاء فريضة، وذلك كالزجر عن مخالفة هذا الظاهر.

قال رفاعة بن موسى: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ما فرض الله على هذه الأمة أشدّ من الزكاة، وفيها تهلك عامّتهم.(65)

أو الفريضة من الفرض بمعنى القطع والتقدير، ومنه قوله سبحانه: «لأََتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً»(66) أي منقطعاً محدوداً، ويُطلق الفقهاء في باب المواريث على ذوي السهام المقدّرة ذوي الفرائض باعتبار أنّ سهامهم مقدّرة معيّنة في كتاب الله سبحانه، وعلى هذا فيكون معنى قوله (عليه السلام): «إنّها فريضة واجبة» أنّها شيء مقدّر منقطع متّصف بالوجوب.

وقد شرّعت الزكاة لحكم كثيرة: منها ما هو نفسي، ومنها ما هو خلقي، ومنها ما هو اجتماعي مثل الصلاة.

 

الحكم النفسية للزكاة:

إنّ الزكاة عطاء وبذل، ومواساة ومعاونة، والنفس بطبيعتها تهتزّ للكرم، وتفرح بالجود، وتجد الراحة والاطمئنان في مواساة الغير وإدخال السرور عليه، وهذا هو السبب في أنّ بعض الناس يقومون بمساعدة المحتاجين ومعاونة المعوزين دون رغبة في ثواب أو رهبة من عقاب.

وكما أنّ المعطي يهتزّ للجود والندى، فإنّ الآخذ لا يقلّ عنه فرحاً واغتباطاً. سُئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن أفضل الأعمال فقال: «إدخال السرور على المؤمن، قيل: وما إدخال السرور على المؤمن؟ قال: سدّ جوعته، وفكّ كربته، وقضاء دَينه».(67)

 

أثرها في الاخلاق:

والانسان يحبّ المال بطبعه، وهذا الحبّ يدعو صاحبه إلى البُخل والحرص والجشع والأنانية والأثرة وسائر الرذائل الخلقيّة. وهذه الصفات تنـزل بالانسان إلى مستوى الحيوان، وإلى هذا المعنى يشير الرسول (صلى الله عليه وآله) فيقول: «أدوأ الداء البخل»(68) ويقول: «شرّ ما في المرء شحّ هالع، وجُبن خالع»(69) ولا يتخلّص المرء من هذه الرذائل إلاّ بالتمرين على البذل والدربة على العطاء، ومن ثمّ كانت الزكاة ضريبة إجباريّة لا يمكن المرء أن يتخلّص منها. وإلى هذا المعنى تشير الآية الكريمة: «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها».(70)

على أنّ في مغالبة النفس والانتصار عليها بإخراج المال المحبوب لها دليل على قوّة الايمان وكمال اليقين، وفي الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: «الصدقة برهان»(71) أي دليل على قوّة الايمان والارادة... وإذا انتصرت النفس على هواها ومحبوبها مرّة بعد مرّة أصبحت مذلّلة لحكم العقل، وخاضعة لأوامر الله، وبعيدة عن الاندفاع العاطفيّ.

 

أسرارها الاجتماعية:

والفقراء يمثّلون الأكثريّة من أفراد المجتمع، ولا بدّ من رعاية هؤلاء المساكين والعجزة والضعفاء والمحافظة على إنسانيّتهم وكرامتهم، ولا سبيل إلى ذلك إلاّ بإخراج جزء معلوم من أموال الأغنياء حتّى يكفي هؤلاء ليصبحوا أعضاء نافعين ومواطنين صالحين، وقد يكون فيهم من هو أوفر ذكاء وأقدر على النهوض بالأعمال الجسام إذا وجد ما يقوم بحاجته الضرورية من الطعام والملبس والمأوى. وفي الحديث أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «إنّ الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بالقدر الذي يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلاّ بما يصنع أغنياؤهم، ألا وإنّ الله يحاسبهم حساباً شديداً ويعذّبهم عذاباً أليماً».(72)

وإذا لم يجد الفقراء والضعفاء الكفاية ممّا هو ضروريّ وتعرّضوا للجوع، حملهم ذلك على الاتيان بكلّ ضرب من ضروب الشرّ للحصول على الضروري من القوت، فإنّ البطون إذا جاعت دفعت أصحابها إلى الجرائم وارتكاب كلّ موبقة، واعتبرت ذلك عملاً مشروعاً.

وبالاضافة إلى ذلك فإنّ الجماعة التي ينتشر فيها الفقر وينشب أنيابه فيها تشتعل فيها العداوة والبغضاء، فيهتزّ كيان الأمة بما يشيع فيها من تقاطع، وتتعرّض لرواج المذاهب المتطرّفة، ولا سبيل للقضاء على شرور الفقر إلاّ بإخراج حقّ الفقراء ونصيبهم الذي فرضه الله وجعله أمانة في يد الأغنياء. يقول الله سبحانه: «وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ».(73)

ثم إنّ الزكاة تقوّي الصلات بين الأغنياء والفقراء، وتجعل منهم أسرة واحدة متعاونة على الخير وتنمية المال وتقوية الأواصر.

وهي الضمان الاجتماعي الذي يكفل التوازن بين الطبقات، ويضمن اشتراكيّة سليمة، وهي أفضل وسيلة لتوزيع المال، فهي في الوقت الذي لا يضيق بها الغني ترفع مستوى الفقير إلى حدّ الكفاية وتجنّبه شظف العيش وألم الحرمان.

وبالتالي هي من أعظم دعائم الدين، وأقوى أركان الاسلام، والكلام فيها أيضاً يقع في مقامين:

 

المقام الأول: في محلّ وجوبها وعقوبة مانعها:

أمّا وجوبها فكفى بذلك أنّ اكثر الآيات المتضمّنة للأمر باقامة الصلاة متضمّنة للأمر بإيتاء الزكاة، فجعل الزكاة تالي الصلاة، والأخبار في هذا المعنى فوق حدّ الاحصاء.

عن مبارك العقرقوفي قال: قال أبو الحسن (عليه السلام): إنّ الله (عز وجل) وضع الزكاة قوتاً للفقراء وتوفيراً لأموالكم.(74)

وقال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) لعمّار الساباطيّ: أنت ربّ مال كثير؟ قال: نعم جُعلت فداك. قال: فتؤدّي ما افترض الله عليك من الزكاة؟ قال: نعم. قال: فتخرج الحقّ المعلوم من مالك؟ قال: نعم. قال: فتصل قرابتك؟ قال: نعم. قال: فتصل إخوانك؟ قال: نعم. فقال (عليه السلام): يا عمّار إنّ المال يفنى، والبدن يبلى، والعمل يبقى، والديّان حيّ لا يموت، يا عمار إنّه ما قدّمت فلن يسبقك، وما أخّرت فلن يلحقك.(75)

وقال (عليه السلام): إنّما وُضعت الزكاة اختباراً للأغنياء ومعونة للفقراء، ولو أنّ الناس أدّوا زكاة أموالهم ما بقي مسلم فقيراً محتاجاً، ولاستغنى بما فرض الله له، إنّ الناس ما افتقروا ولا احتاجوا ولا جاعوا ولا عروا إلاّ بذنوب الأغنياء، وحقيق على الله أن يمنع رحمته ممّن منع حقّ الله في ماله، وأقسم بالذي خلق الخلق وبسط الرزق أنّه ما ضاع مال في برّ ولا بحر إلاّ بترك الزكاة، وما صيد في برٍّ ولا بحر إلاّ بتركه التسبيح في ذلك اليوم، وإنّ أحبّ الناس إلى الله أسخاهم كفّاً، وأسخى الناس من أدّى زكاة ماله ولم يبخل على المؤمنين بما افترض الله لهم في ماله.(76)

وكتب الإمام الرضا (عليه السلام) إلى محمّد بن سنان فيما كتب إليه من جواب مسائله: إنّ علّة الزكاة من أجل قوت الفقراء، وتحصين أموال الأغنياء، لأنّ الله كلّف أهل الصحّة القيام بشأن أهل الزمانة والبلوى، كما قال تعالى: «لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ».(77) (78)

في أموالكم: إخراج الزكاة، وفي أنفسكم: توطين النفس على الصبر، مع ما في ذلك من أداء شكر نعم الله والطمع في الزيادة مع ما فيه من الرفادة والرأفة والرحمة لأهل الضعف، والعطف على أهل المسكنة والحثّ لهم على المواساة وتقوية الفقراء والمعونة لهم على أمر الدين، وموعظة لأهل الغنى وعبرة لهم ليستدلّوا على فقراء الآخرة بهم ومالهم عن الحثّ في ذلك على الشكر لله لما خوّلهم وأعطاهم، والدعاء والتضرّع والخوف من أن يصيروا مثلهم في أمور كثيرة في أداء الزكاة والصدقات وصلة الأرحام واصطناع المعروف.

قال الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام): من أخرج زكاة ماله تامّة فوضعها في موضعها لم يُسأل من أين اكتسب ماله.(79)

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّما جعل الله الزكاة في كلّ ألف خمسة وعشرين درهماً، لأنّ الله تعالى خلق الخلق فعلم غنيّهم وفقيرهم وقويّهم وضعيفهم، فجعل من كلّ ألف خمسة وعشرين مسكيناً [و] لولا ذلك لزادهم الله لأنّه خالقهم وهو أعلم بهم».(80)

أمّا عقوبة تارك الزكاة ومانعها فقد قال الله تعالى في سورة آل عمران: «وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالأَْرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ»(81) وفي سورة براءة «وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لأَِنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ»(82).

ولا يخفى ما في الآيتين من وجوه الحثّ على الانفاق والوعيد على الإمساك.

أمّا الآية الاولى فجهات الانذار فيها غير خفيّة: الأولى: أنّه سبحانه نهى عن حسبان الممسكين إمساكهم خيراً لهم ونفعاً في حقّهم، وأكّد ذلك بالنون المفيدة للتأكيد. الثانية: أنّه وصف الممسكين بصفة البخل وهو صفة ذمّ، الثالثة: أنّ ما بخلوا به هو ممّا آتاهم الله، فاللازم عليهم أن يتصرّفوا فيه بما أمر الله ويصرفوه إلى ما أراده الله. الرابعة: أنّ ذلك شرّ لهم وضرّ في حقّهم. الخامسة: أنّهم يُطَّوقون ما بخلوا به يوم القيامة.

عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنه قال: ما من ذي ذهب أو فضّة يمنع زكاة ماله إلاّ حبسه الله يوم القيامة بقاع قرقر، وسلّط عليه شجاعاً أقرع يريده وهو يحيد عنه، فإذا رأى أنّه لا يتخلّص منه أمكنه من يده فقضمها كما يقضم الفجل، ثم يصير طوقاً في عنقه، وذلك قوله تعالى: «سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ»(83) وما من ذي إبل أو بقر أو غنم يمنع زكاة ماله إلاّ حبسه الله يوم القيامة بقاع قرقر، تطؤه كلّ ذات ظلف بظلفها، وينهشه كلّ ذات ناب بنابها، وما من ذي نخل أو كرم أوزرع يمنع زكاته إلاّ طوّقه الله ربعة أرضه على سبع أرضين إلى يوم القيامة.(84)

وفي الكافي باسناده عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله (عز وجل)، «سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ »فقال: يا محمد ما من أحد يمنع من زكاة ماله شيئاً إلاّ جعل الله ذلك يوم القيامة ثعباناً من نار مطوّقاً في عنقه ينهش من لحمه حتى يفرغ من الحساب، ثم قال: هو قول الله (عز وجل): «سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ» يعني ما بخلوا به من الزكاة.(85)

السادسة: أنّ ميراث السماوات والأرض كلّه لله سبحانه، بمعنى أنّه وحده يبقى وغيره يفنى، ويبطل مُلك كلّ مالك إلاّ ملكه، فإذا كان المال في معرض الفناء والزوال فأجدر بالعاقل أن لا يبخل بالانفاق، ولا يحرص على الامساك، فيكون وزره عليه ونفعه لغيره.

السابعة: أنّه سبحانه خبير بما يعمله المكلّفون، بصير بمخالفتهم لأمره، لا يعزب عن علمه بخلهم بالانفاق ومنعهم عن أهل الاستحقاق، فيُذيقهم وَبال أمرهم عند المساق إذا التّفت الساق بالساق.

وأما الآية الثانية: فقد روى الطبرسيّ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنه لمّا نزلت هذه الآية قال (صلى الله عليه وآله): تبّاً للذهب والفضة ـ يكرّرها ثلاثاً ـ فشقّ ذلك على أصحابه، فسأله عمر: أيّ المال نتّخذ؟

فقال: «لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وزوجة مؤمنة تُعين أحدكم على دينه».(86)

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): ما زاد على أربعة آلاف فهو كنـز، أدّى زكاته أو لم يؤدّ.(87)

وعن الصادق (عليه السلام): ما أعطى الله عبداً ثلاثين ألفاً وهو يريد به خيراً. وقال: ما جمع رجل قط عشرة ألف درهم من حلّ، وقد جمعهما الله لأقوام، إذا أُعطوا القوت ورزقوا العمل الصلاح، فقد جُمعت لهم الدنيا والآخرة.(88)

ومحصّل المعنى أنّ الذين يجمعون المال ولا يؤدّون زكاتهم فأخبرهم بعذاب موجع، وللتعبير عن ذلك بلفظ البشارة مبنيّ على التهكّم، لأنّ من يكنـز الذهب والفضّة فإنّما يكنـزهما لتحصيل الوجاهة بهما يوم الحاجة والتوصّل إلى الفرج يوم الشدّة، فقيل له: هذا هو الوجاهة والفرج، كما يقال: تحيّتهم ليس إلاّ الضرب، وإكرامهم ليس إلاّ الشتم.

«يوم يُحمى عليها» أي يوقد على الكنوز «فِي نَارِ جَهَنَّمَ» حتى تصير ناراً «فتكوى بها» أي بتلك الأموال والكنوز التي منعوا حقوقها الواجبة.

 

[كوي الجباه والجنوب والظهور]:

«جباههم وجنوبهم وظهورهم» وتخصيص هذه الأعضاء بالكيّ بوجوه: أحدها: أنّ منظورهم بكسب الأموال وترك الانفاق ليس إلاّ الأغراض الدنيويّة، وهو حصول الوجاهة لهم عند الناس، وحصول الشبع لهم بأكل الطيّبات فينفتح منه الجنبان، ولبس ثياب فاخرة يطرحونها على ظهورهم، فوقع الكيّ على هذه الأعضاء جزاء لأغراضهم الفاسدة.

الثاني: أنّ الجباه كناية عن مقاديم البدن، والجنوب عن طرفيه، والظهور عن المآخير، والمراد به أنّ الكيّ يستوعب تمام البدن.

الثالث: أنّ الجبهة محلّ السجود فلم يقم فيه بحقّه، والجنب مقابل القلب الذي لم يُخلص في معتقده، والظهر محلّ الأوزار، قال: «يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ».(89)

الرابع: أنّ هذه الأعضاء مجوّفة وليست بمُصمتة، وفي داخلها آلات ضعيفة يعظم التألّم بسبب وصول أدنى أثر إليها، بخلاف سائر الأعضاء.

الخامس: وهو أحسن الوجوه وألطفها: أنّ صاحب المال إذا رأى الفقير أولاً قبض جبهته وعبس وجهه، وإذا دار الفقير يوليه وجهه، وإذا دار يوليه ظهره.

 

[قصة تحكي عن بعض مشاهد القيامة]:

وتأتي هنا قصّة قصيرة يصوّرها سيّد قطب في كتابه (مشاهد القيامة) بين موقف الغني يوم القيامة الذي لم يشرِ من نفسه بماله ابتغاء مرضاة الله، ولم يتخلّص من شوائب الدنيا، وبين الفقير الذي أنس بما قسم الله له وارتضاه.

والقصة هكذا نصّها:

«تطلّع (ساتني) ذات يوم من أعلى داره فرأى جنازة رجل غنيّ تسير من ممفيس إلى الجبل في موكب حافل بالنادبات والمشيّعين ومظاهر التكريم، ثم رأى في الوقت نفسه جنازة رجل فقير مُدرَج في حصير، ولا موكب معه ولا مشيّعين، فالتفت إلى ولده وقال إنّه يرجو أن يكون له في الدار الآخرة مصير كمصير ذلك الغني لا كمصير هذا الفقير، فقال (سينوزيريس): إنّه ـ بالعكس ـ يرجو له مثل مصير الفقير لا مثل مصير الغني.

فامتعض الوالد ولحظ الولد ذلك، فأخذ بيد أبيه يريه مصير الاثنين،... وذهب بأبيه إلى مكان في جبل ممفيس، فنـزل به إلى الدار التي يُحاسب فيها الأموات (تسمّى هذه الدار الجحيم)، فإذا هما في سبع قاعات واسعة مملوءة بناس من جميع الطبقات، فاجتازا ثلاثاً من هذه الدور، ثم دخلا الرابعة، فإذا ناس يذهبون ويجيئون، بينما حمير تأكل من خلفهم، ثم ناس يثبون على طعام معلّق فوق رؤوسهم فلا يُدركونه، فيثبون ويثبون، بينما حفّارون يحفرون تحت أقدامهم ليزيدوا مسافة ما بينهم وبينه.

ثم دخلا القاعة السادسة فوجدا أرواحاً من الأبرار لكلّ منها مكان تقيم فيه، بينما في الباب أرواح متّهمة، فهي واقفة تتضرّع، ثم رأى رجلاً منطرحاً تحت الباب على ظهره، ومحور هذا الباب مركّز في عينه اليمنى يدور عليها كلّما فُتح أو أقفل، وهو لا ينفكّ يُفتح ويقفل، والرجل لا ينفكّ يصيح من الألم.

ثم دخلا القاعة فوجدا آلهة الحساب جالسين والمنادين ينادون قضايا الأموات واحدة بعد أخرى، والإله الكبير (أوزريس) جالس على عرش من الذهب متوّج بالتاج ذي الريشتين، بينما الإله (أنوبيس) واقف إلى يساره، والإله (توت) إلى يمينه، والآلهة الآخرون الذين يتألّف منهم مجلس دار الحساب واقفون يميناً ويساراً، والميزان منصوب يزن السيّئات والحسنات، فمن رجحت سيّئاتُه حسناته أُلقي إلى الوحش (إماييت) يفترسه، ومن رجحت حسناتُه سيّئاته قيد إلى حيث الآلهة، وصعدت روحه إلى السماء، أما من تعادلت حسناته وسيّئاته، فلا يفترسه الوحش ولا ينضمّ إلى الآلهة، بل يُعيّن للخدمة.

ونظر الفتى فرأى على مقربة من (أوزريس) رجلاً حسن البزّة مرفوع المنـزلة، فالتفت إلى أبيه وقال: أترى هذا الجالس بجانب (أوزريس)؟ إنه الفقير الذي شاهدته مدرجاً في حصير وليس في جنازته أحد من المشيّعين، لقد جيء به إلى هنا، ثم وُزنت سيئاته وحسناته فرجحت الثانية الأُولى، وكان الإله (توت) قد سجّل له في سجلّه أنه لم يتمتّع على الأرض بسعادة كافية، فأمر (أوزريس) أن يُعطى كلّ ما كان مجهّزاً به ذلك الغني الذي رأيت جنازته مشيّعة بمظاهر التكريم، وأن تُرفع منـزلته بين الآلهة.

أما الغني فقد وُزنت سيئاته وحسناته فوجد الأُولى ترجح الثانية، فقيد إلى الجزاء، وهو الذي رأيت محور الباب يدور على عينه اليمنى، وسمعته يصيح من الألم...

ولهذه القصّة قيمتها العظمى في الكشف عن تصوّرات عالم الآخرة، والدقّة في الجزاء الذي يناله الأفراد دون النظر إلى مظاهرهم في الدنيا من مال أو جاه.

* * *

وقوله: «هذا ما كَنَزْتُمْ لأَِنْفُسِكُمْ »أي يقال لهم في حالة الكيّ: هذا هو الذي ادّخرتموه لأنفسكم، وهو تبكيتٌ لهم بأنّ المال الذي بخلتم بإنفاقه وادّخرتموه لتنتفعوا به صار عذابكم به، فكأنّكم اكتنـزتموه ليُجعل عقاباً لكم، «فذوقوا» عقاب «ما كنتم تكنـزون» به لا بغيره.

قال الطبرسيّ صاحب التفسير: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما من عبد له مال لا يؤدّي زكاته إلاّ جُمع يوم القيامة صفائح يُحمى عليها في نار جهنم، فتُكوى بها جبهته وجنباه وظهره حتّى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ممّا تعدّون، ثم يرى سبيله إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النار.(90)

وروى ثوبان عن النبيّ (صلى الله عليه وآله): «من ترك كنـزاً مثّل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان(91) يتبعه، فيقول: ويلك ما أنت؟ فيقول: أنا كنـزك الذي تركتَ بعدك، فلا يزال يتبعه حتى يُلقمه يده فيقضمها ثم يتبعه سائر جسده».(92)

 

المقام الثاني: في أسرار الزكاة ودقائق بذل المال، وهي أمور:

الأوّل: أنّ المؤمن الموحّد إذا أقر بالتوحيد باللسان لزم إذعانه به بالجنان، ومعنى التوحيد إفراد المعبود بالمحبوبية، وإخلاص القلب عمّا سواه والفراغ عن كلّ ما عداه، فإنّ المحبّة أمر لا يتقبّل الشركة، والأموال محبوبة عند الخلائق لأنّها آلة تمتّعهم بالدنيا، وبسببها يأنسون بهذا العالم وينفرون عن الموت مع أنّ فيه لقاء المحبوب، فجعل الله بذل المال امتحاناً لهم وتصديقاً لدعوتهم المحبّة له سبحانه.

 

[أصناف الناس]:

والناس في ذلك ثلاثة أصناف: [الأول] صنف صدّقوا التوحيد وحذفوا عن ساحة قلوبهم ما سوى المعبود، وبذلوا أموالهم من غير تعرّض بوجوب الزكاة، ولم يدّخروا لأنفسهم ديناراً ولا درهماً، ولم يتركوا بعدهم صفراء ولا بيضاء، وهم الذين قال الله سبحانه في حقّهم:

«وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ»،(93) «وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً».(94)

جاء في الكافي بإسناده عن محمد بن سنان، عن المفضّل قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فسأله رجل: في كم تجب الزكاة من المال؟ فقال (عليه السلام) له: الزكاة الظاهرة أم الباطنة تريد؟ فقال: أريدهما جميعاً. فقال (عليه السلام): أمّا الظاهرة ففي كلّ ألف خمسة وعشرون، وأمّا الباطنة فلا تستأثر على أخيك بما هو أحوج إليه منك.(95)

[الصنف الثاني]: وصنف درجتهم دون درجة الصنف السابق، وهم الممسكون أموالهم، المراقبون لمواقيت الحاجات ومواسم الخيرات، فيكون قصدهم في الادّخار والانفاق على نفسه وعياله الواجب النفقة بقدر الحاجة، وصرف الفاضل إلى وجوه البرّ مهما ظهر، وهؤلاء لا يقتصرون على مقدار الزكاة، وهم الذين في أموالهم حقّ معلوم للسائل والمحروم.

جاء في أصول الكافي بإسناده عن أبي بصير قال: كنّا عند أبي عبد الله (عليه السلام) ومعنا بعض أصحاب الأموال، فذكروا الزكاة، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إنّ الزكاة ليس يُحمَد بها صاحبها وإنّما هو شيء ظاهر، إنما حقن بها دمه وسُمّي بها مسلماً، ولو لم يؤدّها لم تقبل له صلاة، وإنّ عليكم في أموالكم غير الزكاة. فقلت: أصلحك الله وما لنا في أموالنا غير الزكاة؟ فقال (عليه السلام): سبحان الله! أما تسمع الله (عز وجل) يقول في كتابه: «وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ».(96) قال: ماذا الحقّ المعلوم الذي علينا؟ قال (عليه السلام): هو الشيء يعمله الرجل في ماله، يُعطيه في اليوم أو في الجمعة أو في الشهر قلّ أو كثر غير أنه يدوم عليه.(97)

وعن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله (عز وجل): «وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ» أهو سوى الزكاة؟ فقال (عليه السلام): هو الرجل يؤتيه الله الثروة من المال فيخرج منه الألف والألفين والثلاثة آلاف والأقل والأكثر فيصل به رحمه ويحمل به الكَلّ عن قومه.(98)

وعن القاسم بن عبد الرحمن الأنصاري قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إنّ رجلاً جاء إلى أبي علي بن الحسين (عليه السلام) فقال له: أخبرني عن قول الله (عز وجل): «وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ»(99) ما هذا الحقّ المعلوم؟ فقال له علي بن الحسين: الحقّ المعلوم الشيء يُخرجه الرجل من ماله ليس من الزكاة ولا من الصدقة المفروضين. قال: فإذا لم يكن من الزكاة ولا من الصدقة، فما هو؟ فقال (عليه السلام): هو الشيء يُخرجه الرجل من ماله إن شآء أكثر وإن شاء أقلّ على قدر ما يملك. فقال له الرجل: فما يصنع به؟ قال: يصل به رحماً، ويقوّي به ضعيفاً، ويحمل به كلاًّ، أو يصل به أخاً له في الله أو لنائبة تنوبه، فقال الرجل: الله أعلم حيث يجعل رسالته.(100)

هذا والمحروم: الرجل الذي ليس بعقله بأس ولم يُبسط له في الرزق.

والصنف الثالث: الذين يقتصرون على أداء الواجب فلا يزيدون عليه ولا ينقصون منه، وهي أدون الرتب، وقد اقتصر جميع العوام عليه لبخلهم بالمال وفرط ميلهم إليه وضعف حبّهم للآخرة.

السرّ الثاني: من أسرار الزكاة أنّها مطهرة من صفة البخل، وهي صفة مذمومة من جنود النفس، قال سبحانه: «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها»(101) وقال: «وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ».(102)

الثالث: أنّ شكر النعمة واجب عقلاً وشرعاً، وهو ـ على ما قاله العلماء ـ عبارة عن صرفها إلى طلب مرضاة المنعم. فالعبادات البدنيّة شكر لنعمة البدن، والعبادات الماليّة شكر لنعمة المال، فيحكم العقل بوجوبها لكونها شكراً للمنعم، وما أخسّ من ينظر إلى الفقير وقد ضيّق عليه الرزق وامتقع لونه من مسّ الجوع ثمّ لا تسمح نفسه أن يؤدّي شكر الله تعالى على إغنائه عن السؤال وإحواج غيره إليه بربع العشر أو العُشر من ماله.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): ومن أدّى ما فرض الله عليه فقد قضى ما عليه، وأدّى شكر ما أنعم الله عليه في ماله، إذا هو حمده على ما أنعم الله عليه فيه بما فضّله به من السعة على غيره، ولما وفّقه لأداء ما فرض الله (عز وجل) عليه وأعانه عليه.(103)

الرابع: أنّ النفس الناطقة لها قوّتان: نظريّة وعمليّة، فالقوّة النظريّة كمالها في التعظيم لأمر الله، والقوّة العمليّة كمالها في الشفقة على خلق الله، فأوجب الزكاة ليحصل لجوهر الروح هذا الكمال وهو اتّصافه بكونه محسناً إلى الخلق، ساعياً في إيصال الخيرات إليهم، دافعاً للآفات عنهم.

الخامس: أنّ المال سُمّي مالاً لميل كلّ أحد إليه، وهو في معرض التلف والزوال، فهو غاد ورائح، وإذا أُنفق في مصارف الخير ووجوه الله بقي بقاء لا يزول، لأنّه يوجب الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة، وإنّ لسان الصدق في الناس خير له من المال يورثه غيره، فإنّ المراد بلسان الصدق هو الذكر الجميل، قال حاتم الطائي لامرأته ماويّة:

أماويَ إنّ المال غادٍ ورائح
لقد علم الأقوام لو أنّ حاتماً

 

ويبقى من المال الأحاديثُ والذِّكرُ
أراد ثراء المال كان له وفر(104)

السادس: أنّ كثرة المال موجبة لحصول الطغيان والانحراف عن سبيل الرحمن كما قال عزّ من قائل: «إِنَّ الإِْنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى»(105) فأوجب الله الزكاة لتقليل سبب الطغيان وجبراً لمفسدته، إلى كثير وكثير من الأسرار التي يستنبطها العقل بأدنى توجّه، والله الهادي إلى الخيرات.

* * *

(1) الكافي 2: 26/ ح4.

(2) الحجرات: 14.

(3) الكافي 2: 25/ ح1.

(4 الكافي 2: 18/ ح2.

(5) التوبة: 119.

(6) النحل: 106.

(7) الرعد: 28.

(8) المائدة: 41.

(9) البقرة: 284.

(10) البقرة: 83.

(11) العنكبوت: 46.

(12) النساء: 140.

(13) الأنعام: 68.

(14) الزمر: 17 و8.

(15) المؤمنون: 1 - 4.

(16) القصص: 55.

(17) الفرقان: 72.

(18) النور: 30.

(19) النور: 31.

(20) فصّلت: 22.

(21) الإسراء: 36.

(22) المائدة: 6.

(23) محمّد: 4.

(24) الاسراء: 37.

(25) لقمان: 19.

(26) يس: 65.

(27) الحجّ: 77.

(28) الجنّ: 18.

(29) البقرة: 143.

(30) التوبة: 124 و125.

(31) الكهف: 13.

(32) الكافي 2: 33 - 37/ ح1.

(33) الروم: 30.

(34) تفسير مجمع البيان: 58 - 59.

(35) الحجّ: 78.

(36) مجمع البحرين 4: 232.

(37) أمالي الطوسي: 529؛ عوالي اللئالي 1: 322.

(38) بحار الأنوار 79: 218/ ح36.

(39) بحار الأنوار 79: 202/ ح1.

(40) الإسراء: 78 و79.

(41) النساء: 103.

(42) مريم: 59.

(43) العنكبوت: 45.

(44) الماعون: 5 و6.

(45) تفسير القمّي 2: 444.

(46) تفسير مجمع البيان 10: 456.

(47) الماعون: 6.

(48) الخصال 2: 621، في حديث طويل.

(49) مريم: 32.

(50) الكافي 3: 264/ ح1.

(51) الكافي 3: 264/ ح2.

(52) الكافي 3: 265/ ح5.

(53) الكافي 3: 265/ ح6.

(54) الكافي 3: 266/ ح11.

(55) الكافي 3: 266/ ح12.

(56) مكارم الأخلاق: 300؛ عوالي اللئالي 1: 353/ ح8.

(57) مسند الرضا (عليه السلام): 63/ ح20؛ بحار الأنوار 79: 202/ ح2.

(58) بحار الأنوار 79: 202/ ح2.

(59) بحار الأنوار 79: 202 - 203/ ح2.

(60) الإسراء: 78.

(61) الروم: 17.

(62) من لا يحضره الفقيه 1: 211 - 214/ ح643؛ بحار الأنوار 9: 294 - 296/ ح5.

(63) من لا يحضره الفقيه 1: 214/ ح644.

(64) التوبة: 60.

(65) أمالي الطوسي: 693/ ح1474؛ بحار الأنوار 93: 22/ ح51.

(66) النساء: 118.

(67) انظر الكافي 2: 190/ ح7؛ 2: 192/ ح16. 4: 51/ ح7.

(68) الكامل لابن عديّ 3: 403.

(69) مسند أحمد 2: 302.

(70) التوبة: 103.

(71) بحار الأنوار 81: 245.

(72) مجمع الزوائد للهيثمي 3: 62.

(73) الحديد: 7.

(74) الكافي 3: 498/ ح6.

(75) الكافي 3: 501/ ح15.

(76) من لا يحضره الفقيه 2: 7/ ح1579.

(77) آل عمران: 186.

(78) من لا يحضره الفقيه 2: 8/ ح1580.

(79) من لا يحضره الفقيه 2: 9/ ح1581.

(80) من لا يحضره الفقيه 2: 9/ ح1582.

(81) آل عمران: 180.

(82) التوبة: 34 و35.

(83) آل عمران: 180.

(84) الكافي 3: 505/ ح19؛ من لا يحضره الفقيه 2: 9 - 10/ ح1583.

(85) الكافي 3: 504/ 10؛ بحار الأنوار 7: 196/ ح65.

(86) تفسير مجمع البيان 5: 47.

(87) تفسير مجمع البيان 5: 47؛ بحار الأنوار 8: 243.

(88) مشكاة الأنوار: 474؛ بحار الأنوار 69/ 66/ ح23.

(89) الأنعام: 31.

(90) تفسير مجمع البيان 5: 48.

(91) زبيبتان: نقطتان سوداوان فوق عيني الحيّة.

(92) تفسير مجمع البيان 5: 48.

(93) الحشر: 9.

(94) الإنسان: 8.

(95) الكافي 3: 500/ ح13.

(96) المعارج: 24 و25.

(97) الكافي 3: 499/ ح9.

(98) الكافي 3: 499 - 500/ ح10.

(99) المعارج: 24 و25.

(100) الكافي 3: 500/ ح11.

(101) التوبة: 103.

(102) الحشر: 9؛ التغابن: 16.

(103) بحار الأنوار 93: 10/ ح8.

(104) أمالي المرتضى 4: 63.

(105) العلق: 7 و8.