من كلام له (عليه السلام): [ في تمامية الرسالة والتحذير من النار]

«تَاللَّهِ لَقَدْ عُلِّمْتُ تَبْلِيغَ الرِّسَالَاتِ وَإِتْمَامَ الْعِدَاتِ وَتَمَامَ الْكَلِمَاتِ وَعِنْدَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ أَبْوَابُ الْحُكْمِ وَضِيَاءُ الْأَمْرِ أَلَا وَإِنَّ شَرَائِعَ الدِّينِ وَاحِدَةٌ وَسُبُلَهُ قَاصِدَةٌ مَنْ أَخَذَ بِهَا لَحِقَ وَغَنِمَ وَمَنْ وَقَفَ عَنْهَا ضَلَّ وَنَدِمَ اعْمَلُوا لِيَوْمٍ تُذْخَرُ لَهُ الذَّخَائِرُ وَتُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ وَمَنْ لا يَنْفَعُهُ حَاضِرُ لُبِّهِ فَعَازِبُهُ عَنْهُ أَعْجَزُ وَغَائِبُهُ أَعْوَزُ وَاتَّقُوا نَاراً حَرُّهَا شَدِيدٌ وَقَعْرُهَا بَعِيدٌ وَحِلْيَتُهَا حَدِيدٌ وَشَرَابُهَا صَدِيدٌ. أَلَا وَإِنَّ اللِّسَانَ الصَّالِحَ يَجْعَلُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَرْءِ فِي النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يُورِثُهُ مَنْ لا يَحْمَدُهُ».

(شرح ابن أبي الحديد مج 2، ص 26، ط 1).

* * *

ضبط الألفاظ الغريبة:

(علّمت) في أكثر النسخ على صيغة المجهول من باب التفعيل، وفي بعضها بالتخفيف على المعلوم، قال الشارح المعتزلي: والرواية الأُولى أحسن، و(الحكم) في أكثر النسخ بالضم وسكون الكاف، وفي بعضها بالكسر وفتح الكاف جمع الحكمة، و(عزب) التي من باب قعد: بعد عني وغاب، و(عوز) الشيء ـ كفرح ـ إذا لم يوجد، والرجل افتقر، وأعوزه الدهر أفقره.

* * *

الشرح:

جاء في منهاج البراعة (مج 8، ص 110 من الطبعة الحديثة): إنّ المقصود بهذا الكلام ـ كما يفهم من سياقه ـ الإشارة إلى وجوب اتّباعه وملازمته والتمسّك بذيل ولايته واتّباع الطيّبين من عترته وذريّته، ووجوب أخذ معالم الدين وأحكام الشرع المبين عنهم صلوات الله عليهم.

وعقّبه بذِكر جملة من فضائله المخصوصة به المفيدة لتقدّمه على غيره، والدالّة على وجوب تقديمه، نظراً إلى قُبح ترجيح المرجوح على الراجح.

وغير خفيّ على الذكيّ البصير أنّ كلاً من هذه الخصائص برهان واضح وشاهد صدق على اختصاص الخلافة والولاية بهم (عليهم السلام)، وعلى أنّها حقّ لهم دون غيرهم.

وافتتح كلامه (عليه السلام) بالقسم البارّ تحقيقاً للمقصد، فقال: «تالله لقد علّمت تبليغ الرسالات» أي علّمنيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بتعليم من الله سبحانه، وأعلمنيه بأمر منه تعالى، لا أنّه علمه بوحيٍ كما توهّمه بعض الغلاة، لأنّ الأئمّة (عليهم السلام) مُحدَّثون.

والرسالة هو الإخبار عن مراد الله تعالى بكلامه بدون واسطة بشر، والمراد أنه (عليه السلام) علّمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) إبلاغ ما جاء به إلى الخلق على اختلاف ألسنتهم وتعدّد لغاتهم، سواء كان ذلك في حال حياة الرسول، كبعثه (صلى الله عليه وآله) له (عليه السلام) بسورة براءة إلى أهل مكة وعزله لأبي بكر، معلّلاً بقوله (صلى الله عليه وآله): أُمرت أن لا يبلّغها إلاّ أنا أو رجل منّي،(1) أو بعد وفاته (صلى الله عليه وآله)، فقد كان هو (عليه السلام) وأولاده الطاهرون (عليهم السلام) أوعية علم النبيّ (صلى الله عليه وآله) وحملة سرّه وحفظة شرعه، مؤدّين له إلى أمّته. وكانوا عمدة نشر الأحكام وانتشار مسائل الحلال والحرام وانفتاح باب العلم في زمنهم (عليهم السلام)، وكانوا مأمورين بالتبليغ والانذار كما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) مأموراً بذلك. ويشهد بذلك ما رواه الكليني والطبرسي والعياشي عن الصادق عليه السلام، في قوله تعالى: «وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لأُِنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ» الآية، قال: ومن بلغ أن يكون إماماً من آل محمد (صلى الله عليه وآله)، فهو يُنذر بالقرآن كما أنذر به رسول الله (صلى الله عليه وآله).(2)

وفي غاية المرام عن الصدوق بإسناده عن يزيد بن معاوية العجلي، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: قوله تعالى: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ»(3) فقال: «المنذر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعلي الهادي، وفي كل وقت وزمان إمام منّا يهديهم إلى ما جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله)».(4)

وفيه أيضاً عن الصدوق مسنداً عن أبي هريرة قال: دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد نزلت هذه الآية: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» فقرأها علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: أنا المنذر، أتعرفون الهادي؟ قلنا: لا يا رسول الله. قال: هو خاصف النعل. فطوّلت الأعناق، إذ خرج علينا علي (عليه السلام) من بعض الحُجر وبيده نعل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم التفت إلينا وقال: ألا إنّه المبلّغ عني، والإمام بعدي، وزوج ابنتي، وأبو سبطيّ، فنحن أهل بيتٍ أذهب الله عنا الرجس وطهّرنا تطهيراً من الدنس.(5)

وفي البحار عن بصائر الدرجات باسناده عن أنس بن مالك خادم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي أنت تعلّم الناس تأويل القرآن بما لا يعلمون. فقال علي (عليه السلام): ما أبلّغ رسالتك بعدك يا رسول الله؟ قال: تخبر الناس بما أشكل عليهم من تأويل القرآن(6).

وفيه أيضاً من كشف الغمّة، من كتاب محمد بن عبد الله بن سليمان، مسنداً عن أنس، قال: كنت أخدم النبيّ (صلى الله عليه وآله) فقال لي: يا أنس بن مالك يدخل عليَّ رجل إمام المؤمنين، وسيّد المسلمين، وخير الوصيّين. فضُرب الباب، فإذا علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فدخل بعرق، فجعل النبي (صلى الله عليه وآله) يمسح العرق عن وجهه ويقول: أنت تؤدّي عني ـ أو تبلّغ عني _. فقال: يا رسول الله أو لم تبلّغ رسالات ربّك؟ فقال (صلى الله عليه وآله): بلى، ولكن أنت تعلّم الناس.(7)

* * *

قوله (عليه السلام): «وإتمام العدات» أي إنجازها، يحتمل أن يكون المراد بها ما وعده الله سبحانه في حقه، فقد علّمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأنّ الله سيفي له بما أنزل عليه في القرآن حيث قال: «أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ»،(8) جاء عن الإمام الصادق (عليه السلام) في هذه الآية، قال: «الموعود علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وعده الله أن ينتقم له من أعدائه في الدنيا، ووعده الجنّة له ولأوليائه في الآخرة».(9)

ولكنّ الأظهر أن يُراد بها العدات والعهود التي عاهد عليها الله سبحانه، ويشهد به قوله تعالى: «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً»(10) جاء عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن محمد بن الحنفية (رضي الله عنه) قال: قال علي (عليه السلام): «كنت عاهدت الله ورسوله أنا وعمّي حمزة وأخي جعفر وابن عمي عبيدة بن الحارث على أمر وفينا به لله ورسوله، فتقدّمني أصحابي وخُلّفت بعدهم لما أراد الله (عز وجل)، فأنزل الله سبحانه: «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا» الآية».(11)

أو يراد بها مواعيد رسول الله (صلى الله عليه وآله) التي وعدها للناس، فقد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت وصيّي ووارثي وقاضي ديني ومُنجز عدتي،(12) وعلّمه (صلى الله عليه وآله) كيفيّة أدائها ومن أين يؤدّيها.

فقد حدّث صاحب كتاب غاية المرام عن محمد بن علي الحكيم الترمذي ـ من أعيان علماء العامة ـ في كتابه المسمى بـ «فتح المبين من كتاب الأوصال» قال: وروي أنّ أمير المؤمنين (كرّم الله وجهه) قد أدّى سبعين ألفاً من دينه (صلى الله عليه وآله)، وكان أكثره من الموعود.(13)

 

[قصة أبي صمصام العبسي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ]:

وفيه أيضاً من كتاب ثاقب المناقب، قال: حدثني شيخي أبو جعفر محمد بن حسين الشهرابيّ في داره بمشهد الرضا (عليه السلام) بإسناده إلى عطا، عن ابن عباس (رضي الله عنه)، قال:

قدم أبو الصمصام العبسي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأناخ ناقته على باب المسجد ودخل وسلّم وأحسن التسليم، ثم قال: أيّكم الفتى الغويّ الذي يزعم أنّه نبي؟

فوثب إليه سلمان الفارسي (رضي الله عنه) فقال: يا أخا العرب أما ترى صاحب الوجه الأقمر والجبين الأزهر، والحوض والشفاعة والتواضع والسكينة، والمسألة والإجابة، والسيف والقضيب، والتكبير والتهليل، والنور والشرف، والعلّو والرفعة، والسخاء والشجاعة والنجدة، وذلك مولانا رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فقال الأعرابي: إن كنت نبيّاً فقل متى تقوم الساعة؟ ومتى يجيء المطر؟ وأيّ شيء في بطن ناقتي؟ وأيء شيء أكتسب غداً؟ ومتى أموت؟

فبقي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ساكتاً لا ينطق بشيء، فهبط الأمين جبرئيل فقال: يا محمد اقرأ «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الأَْرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ»(14) قال الأعرابي: مُدّ يدك فأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله وأقرّ أنّك رسول الله، فأيّ شيء لي عندك إن أتيتُك بأهلي وبني عمّي مسلمين؟ فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): لك عندي ثمانون ناقة حُمر الظهور بيض البطون سود الحدق، عليها من طرائف اليمن ونمط الحجا ز.

ثم التفت النبي (صلى الله عليه وآله) إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقال: اكتب يا أبا الحسن «بسم الله الرحمن الرحيم أقرّ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وأشهد على نفسه في صحّة عقله وبدنه وجواز أمره أنّ لأبي الصمصام عليه وعنده في ذمّته ثمانين ناقة حُمر الظهور بيض البطون سود الحدق عليها من طرائف اليمن ونمط ـ ثوب من صوف ملوّن ـ الحجاز، وأشهد عليه جمعاً من أصحابه».

وخرج أبو الصمصام إلى أهله، فقُبض النبي (صلى الله عليه وآله)، فقدم أبو الصمصام وقد أسلمت بنو عبس كلها، فقال: ما فعل رسول الله؟ قالوا: قُبض. قال: فمن الوصيّ بعده؟ قالوا: ما خلّف فينا أحداً. قال: فمن الخليفة بعده؟ قالوا: أبوبكر. فدخل أبو الصمصام المسجد فقال: يا خليفة رسول الله إنّ لي على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ديناً ثمانين ناقة حمر الظهور بيض البطون سود الحدق عليها من طرائف اليمن ونمط الحجاز. فقال أبوبكر: يا أخا العرب سألتَ ما فوق العقل، والله ما خلّف فينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا صفراء ولا بيضاء، خلّف فينا بغلته الذلول ودرعه الفاضلة فأخذها علي بن أبي طالب، وخلّف فينا فدكاً فأخذناها بحقّ، ونبيّنا (صلى الله عليه وآله) لا يورث.

فقام سلمان الفارسي (رضي الله عنه) ومدّ يده إلى أبي الصمصام فأقامه وجاء به إلى منـزل علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو يتوضّأ وضوء الصلاة، فقرع سلمان الباب، فنادى علي (عليه السلام): ادخل أنت وأبو الصمصام العبسي. فقال أبو الصمصام: أعجوبة وربّ الكعبة، من هذا الذي سمّاني ولم يعرفني؟ فقال سلمان: هذا وصيّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، هذا الذي قال له رسول الله: أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب، هذا الذي قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): عليّ خير البشر، فمن رضي فقد شكر، ومن أبى فقد كفر.

وهذا الذي قال الله تعالى فيه «وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا».(15)

وهذا الذي قال الله تعالى فيه: «أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ».(16)

وهو الذي قال الله تعالى فيه: «أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ».(17)

وهذا الذي قال الله تعالى فيه: «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ».(18)

وهذا الذي قال الله تعالى فيه: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ»(19) الآية.

وهذا الذي قال الله تعالى فيه: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً».(20)

وهذا الذي قال الله تعالى فيه: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ».(21)

أُدخل يا أبا الصمصام وسلِّم عليه، فدخل أبو الصمصام وسلّم عليه ثم قال: إنّ لي على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثمانين ناقة حمر الظهور بيض البطون سود الحدق، عليها من طرائف اليمن ونمط الحجاز. فقال علي (عليه السلام): أمعك حجّة؟ قال: نعم، وأخرج الوثيقة، فقال (عليه السلام): يا سلمان نادِ في الناس: ألا من أراد أن ينظر إلى قضاء دين رسول الله (صلى الله عليه وآله) فليخرج إلى خارج المدينة.

فلمّا كان من الغد خرج الناس، وقال المنافقون: كيف يقضي الدين وليس معه شيء؟ غداً يفتضح، من أين له ثمانون ناقة حمر الظهور بيض البطون سود الحدق عليها من طرائف اليمن ونمط الحجاز؟ فلمّا كان الغد اجتمع الناس وخرج علي (عليه السلام) في أهل بيته ومحبيّه وجماعة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأسرّ إلى الحسن (عليه السلام) سرّاً لم يدر أحد ما هو. ثم قال: يا أبا الصمصام امضِ مع ابني الحسن إلى كثيب الرمل، فمضى الحسن (عليه السلام) ومعه أبو الصمصام، وصلّى الحسن ركعتين عند الكثيب وكلّم الأرض بكلمات لا يُدرى ما هي، وضرب على الكثيب بقضيب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فانفجر الكثيب عن صخرة ململمة مكتوب عليها سطران على الأول: «لا إله إلا الله محمّد رسول الله» وعلى الآخر «لا إله إلا الله علي وليّ الله». وضرب الحسن (عليه السلام) تلك الصخرة بالقضيب فانفجرت عن خطام ناقة، فقال: قُد يا أبا الصمصام، فقاد فخرج منها ثمانون ناقة حمر الظهور بيض البطون سود الحدق عليها من طرائف اليمن ونمط الحجاز، ورجع إلى علي (عليه السلام) فقال (عليه السلام): استوفيتَ حقّك يا أبا الصمصام؟ فقال: نعم، فقال (عليه السلام): سلّم الوثيقة، فسلّمها إليه فخرقها (عليه السلام) ثم قال: هكذا أخبرني ابن عمي رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّ الله (عز وجل) خلق هذه النوق في هذه الصخرة قبل أن يخلق ناقة صالح بألفي عام(22) وتروى هذه القصة أيضاً بوجه آخر.

قال صاحب ثاقب المناقب: ويُروى هذا الخبر على وجه آخر، وهو ما روى أبو محمد الادريسي عن حمزة بن داود الديلمي، عن يعقوب بن يزيد الأنباري، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حبيب الأحول، عن أبي حمزة الثمالي، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس قال:

لمّا قُبض النبيّ (صلى الله عليه وآله) وجلس أبو بكر نادى في الناس: ألا من كان له على رسول الله (صلى الله عليه وآله) عدة أو دين فليأت أبا بكر وليأت معه بشاهدين، ونادى علي (عليه السلام) بذلك على الاطلاق من غير طلب شاهدين، فجاء أعرابي متلثّم متقلّداً سيفه، متنكّباً كنانته، وفرسه لا يُرى منه إلاّ حافره. وساق الحديث ولم يذكر الاسم والقبيلة، وكان ما وعده مائة ناقة حمراء بأزمّتها وأثقالها موقّرة ذهباً وفضّة بعبيدها.

فلما ذهب سلمان بالأعرابي إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قال له حين بَصُر به: مرحباً بطالب عدة والده من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: ما وُعد أبي يا أبا الحسن؟

قال: إنّ أباك قدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: أنا رجل مُطاع في قومي إن دعوتُهم أجابوك، وإنّي ضعيف الحال، فما تجعل لي إن دعوتُهم إلى الاسلام فأسلموا؟ فقال (صلى الله عليه وآله): مِن أمر الدنيا أم من أمر الآخرة؟ قال: وما عليك أن تجمعهما لي يا رسول الله وقد جمعهما الله لأناسٍ كثيرة. فتبسّم النبي (صلى الله عليه وآله) وقال: أجمع لك خير الدنيا والآخرة، أمّا في الآخرة فأنت رفيقي في الجنة، وأمّا في الدنيا فما تريد؟ قال: مائة ناقة حمر بأزمّتها وعبيدها موقّرة ذهباً وفضّة، ثم قال: وإن دعوتهم فأجابوني وقُضي عليّ الموت ولم ألقك فتدفع ذلك إلى ولدي؟ قال: نعم، على أنّي لا أراك ولا تراني في دار الدنيا بعد يومي هذا، وسيُجيبك قومك، فإذا حضرتك الوفاة فليصِر ولدك إلى وليّي من بعدي ووصيّي، وقد مضى أبوك ودعا قومه فأجابوه، وأمرك بالمصير إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو إلى وصيّه، وها أنا وصيّه ومُنجز وعده.

فقال الأعرابي: صدقتَ يا أبا الحسن، ثم كتب (عليه السلام) له على خرقة بيضاء وناول الحسن (عليه السلام) وقال: يا أبا محمد سِر بهذا الرجل إلى وادي العقيق وسلِّم على أهله واقذف الخرقة وانتظر ساعة حتّى ترى ما يُفعل، فإن دُفع إليك شيء فادفعه إلى الرجل. ومضيا بالكتاب.

قال ابن عباس: فسرت من حيث لم يرني أحد. فلمّا أشرف الحسن (عليه السلام) على الوادي نادى بأعلى صوته: السلام عليكم أيها السكان البررة الأتقياء، أنا ابن وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أنا الحسن بن علي سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) وابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورسوله إليكم. وقد قذف الخرقة في الوادي، فسمعت من الوادي صوتاً: لبّيك لبّيك يا سبط رسول الله وابن البتول وابن سيدّ الأوصياء سمعنا وأطعنا، انتظر ليُدفع إليك. فبينا أنا كذلك إذ ظهر غلام لم أدر من أين ظهر وبيده زمام ناقة حمراء تتبعها ستّة، فلم يزل يخرج غلام بعد غلام، في يد كلّ غلام قطار حتى عددت مأة ناقة حمراء بأزمّتها وأحمالها، فقال الحسن (عليه السلام): خُذ بزمام نوقك وعبيدك ومالك وامضِ يرحمك الله.(23)

* * *

[الكلمات التامات]:

قوله سلام الله عليك: «وتمام الكلمات».

فسّرها الشارح المعتزلي بتأويل القرآن وبيانه الذي يتم به، قال: لأنّ في كلامه تعالى المجمل الذي لا يستغنى عن متمّم ومبيّن يوضحه.

ويجوز أن يراد بالكلمات الكلمات القرآنيّة خصوصاً، أعني الآيات وما تضمّنته من التأويل والتنـزيل، والمفهوم والمنطوق، والظهر والبطن، والنكات والأسرار، وما فيها من الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه، والعام والخاصّ، والمطلق والمقيّد، والمجمل والمبيّن، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، والجدل والمثل والقصص، والترغيب والترهيب، إلى غير ذلك، فإنّ تمام ذلك وكلّه عند أمير المؤمنين (عليه السلام)، والعلم بجميع ذلك مخصوص به وبالطاهرين من أولاده سلام الله عليهم أجمعين.

أو يُراد بها مطلق كلمات الله النازلة على الأنبياء والرسل في الكتب السماويّة والصحف الإلهيّة.

أو أن يراد بها الأعمّ من هذه أيضاً، وهو الأنسب باقتضاء عموم وظيفتهم (عليهم السلام)، فيكون المراد بها ما ورد في الأخبار من أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) علّم علياً (عليه السلام) كلمة تفتح له ألف كلمة، وألف كلمة تفتح كلّ كلمة ألف كلمة، وعبّر عنها في أخبار أُخر بلفظ الباب، ومن هنا كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «إنّ في صدري هذا لعلماً جمّاً علّمنيه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لو أجد له حفظة يرعونه حقّ رعايته ويروونه عنّي كما يسمعونه منّي، إذاً لأودعتُهم بعضه، يعلم به كثيراً من العلم، إنّ العلم مفتاح كلّ باب، وكلّ باب يفتح ألف باب».(24)

 

[سؤال اليهود لعمر بن الخطاب]:

جاء في كتاب غاية المرام عن محمد بن علي الحكيم الترمذي، عن صاحب الينابيع قال: سأل قوم من اليهود عمر في زمن خلافته عن مسائل بشرط إن أجابهم أو غيره من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) آمنوا به.

قالوا: ما قفل السماء؟ وما مفتاح ذلك القفل؟ وما القبر الجاري؟ ومن الرسول الذي وعظ قومه ولم يكن من الجنّ ولا من الإنس؟ وما الخمسة الذين يسيرون في الأرض ولم يُخلقوا في أرحام الأمّهات؟ وما يقول الديك في صوته والدرّاج في صديده والقمريّ في هديله والفرس في صهيله والحمار في نهيقه والضفدع في نقيقه؟ فأطرق عمر زماناً ثم رفع رأسه وقال: لا أدري. فغدى سلمان وأخبر علياً بالقصّة، فأتى فلمّا رآه عمر استقبله وعانقه وأخبره بالقصة، فقال (كرّم الله وجهه): لا تُبالِ فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) علّمني ألف باب من العلم، يتشعّب منه ألف باب آخر. قال عمر: فاسألوه عنها. فقال (عليه السلام) في جوابهم:

«أمّا قفل السماء فهو الشرك، وأمّا مفتاح ذلك القفل فقول لا إله إلاّ الله محمد رسول الله». قالوا: صدق الفتى. ثم قال: وأمّا القبر الجاري فهو الحوت الذي كان يونس في بطنه حيث دار به في سبعة أبحر، وأمّا الرسول الذي لم يكن من الجنّ والانس فنملة سليمان كما قال الله تعالى: «قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ»(25) قال: وأمّا الخمسة الذين لم يُخلقوا في أرحام الأمّهات: فآدم وحوّا وناقة صالح وكبش إبراهيم وثعبان موسى، وأمّا الديك فيقول: اذكروا الله أيها الغافلون، وأمّا الدرّاج فيقول: الرحمن على العرش استوى، وأمّا القمري فيقول: اللهم العن مبغضي محمّد وآل محمد، وأمّا الفرس فيقول عند الغزو: اللهمّ انصُر عبادك المؤمنين على عبادك الكافرين، وأمّا الحمار فيلعن العشّارين ولا ينهق إلاّ في وجه الشيطان، وأمّا الضفدع فيقول: سبحان ربيّ المعبود في لجُج البحار. فآمنوا لمّا سمعوا ذلك من أمير المؤمنين (عليه السلام).(26)

* * *

[أهل البيت باب الحكمة]:

قوله (عليه السلام): «وعندنا أهل البيت أبواب الحكم» يجوز أن يراد بالحكم القضاء والفصل بين الناس في الخصومات والدعاوي، وأن يراد به الحكم الشرعيّ الفرعيّ، أعني خطاب الله المتعلّق بأفعال المكلّفين.

فعلى الأوّل فالظاهر أنّ المراد بأبوابه هو طرقه ووجوهه، فإنّهم (عليهم السلام) كانوا عالمين بها عارفين بتمامها، يحكمون في القضايا الشخصيّة على ما تقتضيه المصلحة الكامنة الظاهريّة أو الواقعيّة.

ففي بعضها كانوا يحكمون بظاهر الشريعة على ما يقتضيه اليمين والبيّنة.

وفي بعضها يمرّ الحقّ على وجه التدبير واستخراج وجه الحيلة والإحتيال في إعمال الحقّ واستخراج الأفراد بالحقوق الباطنة بلطائف الفكر، كما كان يفعله أمير المؤمنين (عليه السلام) في أيام خلافة عمر وغيرها كثيراً، مثل قضائه في المرأة التي استودعها رجلان وديعة،(27) وفي المرأة التي توفّي عنها زوجها وادّعى بنوها أنّها فجرت،(28) وفي الجارية التي افتضّتها سيّدتها اتّهاماً ورمياً لها بالفاحشة،(29) ومثل أنّه توفّي رجل وخلّف إبناً وعبداً، فادّعى كلّ واحد منهما أنّه الابن وأنّ الآخر عبد له، فأتيا أمير المؤمنين (عليه السلام) فتحاكما إليه، فأمر (عليه السلام) أن يُثقب في حائط المسجد ثقبان، ثم أمر كلّ واحد منهما أن يُدخل رأسه في ثقب، ففعلا، ثم قال: يا قنبر جرّد السيف ـ وأشار إليه: لا تفعل ما آمرك به ـ ثم قال: اضرب عُنق العبد، قال: فنحّى العبد رأسه، فأخذه أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال للآخر: أنت الابن وقد أعتقته وجعلته مولى لك.(30)

وفي بعضها بالحكم الواقعيّ المحض، وبه يحكم القائم من آل محمّد (عليه السلام) وعليهم بعد ظهوره، وهو المعبّر عنه بحكم داود في الأخبار، فإنّ داود (عليه السلام) كان يعمل زماناً على مقتضى علمه بالوحي من دون أن يسأل عن البينّة، ثم إنّ بني اسرائيل اتّهموه لبعده عن طور العقل، فرجع إلى العمل بالبيّنات.

 

[قضاء علي (عليه السلام) بين النبي (صلى الله عليه وآله) وأعرابي]:

وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يحكم بهذا الحكم أحياناً، مثل ما روي عنه في محاكمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع الأعرابيّ.

قال في الفقيه: جاء أعرابيّ إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) فادّعى عليه سبعين درهماً ثمن ناقة باعها منها، فقال (صلى الله عليه وآله): قد أوفيتك. فقال: اجعل بيننا وبينك رجلاً يحكم بيننا، فأقبل رجل من قريش، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): احكم بيننا. فقال للأعرابيّ: ما تدّعي على رسول الله؟ قال: سبعين درهماً ثمن ناقة بعتها منها. فقال ما تقول يا رسول الله؟ قال (صلى الله عليه وآله): قد أوفيته. فقال للأعرابي: ما تقول؟ قال: لم يوفني. فقال لرسول الله (صلى الله عليه وآله): ألك بيّنة على أنّك قد أوفيته؟ قال: لا، قال للأعرابي: أتحلف أنّك لم تستوفِ حقّك وتأخذه؟ فقال نعم. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لأتحاكمنّ مع هذا إلى رجل يحكم بيننا بحكم الله (عز وجل)، فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب (عليه السلام) ومعه الأعرابي، فقال علي (عليه السلام): ما لك يا رسول الله؟ فقال: يا أبا الحسن احكم بيني وبين هذا الأعرابي، فقال علي (عليه السلام): يا أعرابي ما تدّعي على رسول الله؟ قال: سبعين درهماً ثمن ناقة بعتها منه. فقال: ما تقول يا رسول الله؟ فقال: قد أوفيتُه ثمنها. فقال: يا أعرابي أصدق رسول الله فيما قال؟ قال لا ما أوفاني شيئاً. فأخرج علي (عليه السلام) سيفه فضرب عنقه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لم فعلت ذلك يا علي؟ فقال: يا رسول الله نحن نصدّقك على أمر الله ونهيه وعلى أمر الجنّة والنار والثواب والعقاب ووحي الله (عز وجل)، ولا نصدّقك في ثمن ناقة هذا الأعرابي، إنّي قتلتُه لأنّه كذّبك لمّا قلتُ له «أصدق رسول الله فيما قال؟» فقال «لا ما أوفاني شيئاً». فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أصبتَ يا علي، فلا تعد إلى مثلها. ثم التفت (صلى الله عليه وآله) إلى القرشيّ ـ وكان قد تبعه ـ فقال: هذا حكم الله لا ما حكمت به.(31)

وعلى الثاني ـ أي على كون المراد بالحكم الأحكام الشرعيّة ـ فالمراد بأبوابه هو طرق الإفتاء ووجوه بيان المسائل على ما تقتضيه المصلحة، فيفتون بعض الناس بالحكم الواقعيّ، وبعضهم بالتقيّة حقناً لدمائهم أو لدماء السائلين.

وكيف كان، فقد وضح وظهر ممّا قرّرنا أنّ الأئمة (عليهم السلام) عندهم أبواب الحكم بأيّ معنى أُخذ الحكم، وأنّهم عارفون بها محيطون بأقطارها، وهذا الوصف مخصوص بهم لا يوجد في غيرهم، لأنّ معرفة المصالح الكامنة لا تحصل إلاّ بتأييد إلهيّ وقوّة ربّانيّة مخصوصة بأهل العصمة والطهارة.

ولذلك ـ أي لقصد الاختصاص والتخصيص ـ قدّم (عليه السلام) المسند وقال: «وعندنا أبواب الحكم».

(وضياء الأمر) والمراد بالأمر إمّا الولاية كما كنّي به عنها كثيراً في أخبار أهل البيت (عليهم السلام)، وفي قوله تعالى: «وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ»، والضياء حينئذٍ بمعناه الحقيقيّ، أي عندنا نور الإمامة والولاية، وأمّا الأوامر الشرعية فالضياء استعارة للحقّ، لأنّ الحقّ يشبّه بالنور كما أنّ الباطل يشبّه بالظلمة، قال سبحانه:

«اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ»(32) فالمقصود أنّ الأئمّة (عليهم السلام) عندهم حق الأوامر الشرعيّة والتكاليف الإلهيّة، وإليه أُشير في قوله سبحانه:

«أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ».(33)

وأمّا مطلق الأمور المقدّرة في الكون كما قال تعالى:

«تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ».(34)

أي تنـزّل إلى وليّ الأمر بتفسير الأمور.

ثم إنّه (عليه السلام) بعد ما ذكر جملة من فضائله وفضائل آله الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين أردف ذلك بالاشارة إلى وجوب اتّباعهم وأخذ معالم الدين عنهم (عليهم السلام) فقال:

«ألا وإنّ شرايع الدين» و هي طرقه، أي قواعده وقوانينه «واحدة وسُبله قاصدة» أي معتدلة مستقيمة، وهي ما دلّ عليها أهل بيت العصمة والطهارة، لأنّهم أولياء الدين وأبواب الايمان وأُمناء الرحمن والأدلاّء على الشريعة والهداة إلى السنّة. «من أخذ بها» واتّبع أئمّة الهدى سلك الجادّة الوسطى و«لحق» بالحقّ «وغنم» النعمة العظمى، «ومن وقف عنها» وانحرف عن الصراط الأعظم والسبيل الأقوم وأخذ في أمر الدين بطرق الأقيسة ووجوه الاستحسانات العقليّة، أو رجع فيه إلى الهمج الرعاع وأئمّة الضلال العاملين فيه لعقولهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة «ضلّ وندم».

ثم أمر بتحصيل الزاد ليوم المعاد فقال (عليه السلام): «اعملوا ليوم تُذخر له الذخائر» وهي الأعمال الصالحة «وتُبلى فيه السرائر» الغرض بالوصف إمّا تخصيص الموصوف أو التهويل حثّاً على العمل، كما في قوله سبحانه:

«فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ».(35)

والجملة الثانية مأخوذة من الكتاب العزيز، قال تعالى: «يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ»(36) أي تُختبر، والسرائر: ما أسرّ القلوب من العقائد والنيّات وغيرها وما خفي من الأعمال.

قال الطبرسيّ: والسرائر أعمال بني آدم، والفرائض التي أوجبت عليه، وهي سرائر في العبد تختبر تلك السرائر يوم القيامة حتى يظهر خيرها وشرّها.

عن معاذ بن جبل قال: سألت النبي (صلى الله عليه وآله) ما هذه السرائر التي تبلى بها العباد يوم القيامة؟ قال (صلى الله عليه وآله): سرائركم هي أعمالكم من الصلاة والزكاة والصيام والوضوء والغسل من الجنابة وكلّ مفروض، لأنّ الأعمال كلّها سرائر خفية، فإن شاء قال صلّيت ولم يُصلّ، وإن شاء قال توضّأت ولم يتوضّ، فذلك قوله: «يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ».(37) هذا ولمّا كان كمال القوة العمليّة لا يحصل إلا بكمال القوّة النظريّة أردفه بقوله (عليه السلام):

«ومن لا ينفعه حاضرُ لُبّه فعازبُه» أي بعيده «أعجز وغايبه أعوز» أي أعدم للمنفعة، يعني أنّ من لا ينفعه لبّه الحاضر وعقله الموجود فهو بعدم الانتفاع بما هو غير حاضر ولا موجود عنده من العقل أولى وأحرى.

وقيل في تفسيره بوجوه أخر: الأول من لا يعتبر بلبّه في حياته فأولى بأن لا ينتفع به بعد الموت. الثاني أنّ من لم يعمل بما فهم وحكم به عقله وقت إمكان العمل، فأحرى أن لا ينتفع به بعد انقضاء وقته، بل لا يورثه إلاّ ندامة وحسرة. الثالث أنّ من لم يكن له من نفسه رادع وزاجر فمن البعيد أن ينـزجر ويرتدع بعقل غيره وموعظة غيره، كما قيل: (وزاجر من النفس خير من عتاب العواذل).(38)

ولمّا حثّ على العمل أكّده بالتحذير من النار، فقال (عليه السلام): «واتّقوا ناراً حرّها شديد، وقعرها بعيد، وحليتها حديد، وشرابها صديد» لا يخفى ما في هذه الفقرات من حسن الخطابة، حيث ناط بكلّ لفظة ما يناسبها ويلايمها، لو نيطت بغيرها لم تلائم، والاضافة في القرينة الأولى على أصلها، وفي الأخيرة لأدنى المناسبة، وفي الوسطين تحتمل الأوّل والثاني، واستعارة الحلية للقيود والأغلال من باب التحكّم، والقرينة الأخرى مأخوذة عن قوله سبحانه: «يُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ»،(39) وهو القيح والدم، وقيل: هو القيح كأنه الماء في رقّته والدم في شكله، وقيل: هو ما يسيل من جلود أهل النار. وكيف كان فتوصف النار بهذه الأوصاف الأربعة للتحذير والترهيب منها، كما أنّ في ذكر حلية أهل الجنّة وشرابهم في قوله تعالى:

«وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً».(40)

ترغيباً وتشويقاً إليها.

ثم قال (عليه السلام): «ألا وإنّ اللسان الصالح» أي الذِكر الجميل، تسمية للشيء باسم مسبّبه «يجعله الله للمرء في الناس خير له من مال يورثه من لا يحمده» والمراد أنّ تحصيل مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال من البذل والانفاق ونحوهما ممّا يوجب الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العُقبى خير من تحصيل المال وجمعه وتوريثه من لا يشكره عليه، أي وارثه الذي لا يعدّ ذلك الايراث فضلاً ونعمة لإيجابه العذاب الأليم والندم الطويل، وهو شاهد بالعيان معلوم بالوجدان.

* * *

(1) مسند أحمد 1: ح21؛ تفسير مجمع البيان 4: 22؛ تفسير العيّاشي 1: 356.

(2) الكافي 1: 416/ ح21؛ تفسير مجمع البيان 4: 22؛ تفسير العيّاشي 1: 356.

(3) الرعد: 7.

(4) رواه الصدوق في إكمال الدين: 667/ ح10.

(5) بحار الأنوار 36: 316/ ح162.

(6) بحار الأنوار 23: 195/ ح23؛ بصائر الدرجات: 215/ ح3.

(7) كشف الغمّة، وعنه بحار الأنوار 38: 17/ ح29.

(8) القصص: 61.

(9) بحار الأنوار 36: 150 - 151/ ح129.

(10) الأحزاب: 23.

(11) بحار الأنوار 35: 410/ ح5.

(12) انظر: مدينة المعاجز 1: 347/ ح224؛ بحار الأنوار 38: 111/ ح46.

(13) غاية المرام 6: 331.

(14) لقمان: 34.

(15) مريم: 50.

(16) السجدة: 18.

(17) التوبة: 19.

(18) المائدة: 67.

(19) آل عمران: 61.

(20) الأحزاب: 33.

(21) المائدة: 55.

(22) الثاقب في المناقب: 127 - 132/ ح127؛ غاية المرام 6: 335 - 337.

(23) الثاقب في المناقب: 133 - 134/ ح128؛ غاية المرام 6: 338 - 339.

(24) الفصول المهمّة 1: 564/ ح846؛ ينابيع المعاجز 141.

(25) سورة النمل (27): الآية 18.

(26) غاية المرام 5: 216 - 217، عن الحكيم الترمذي في شرح الرسالة الموسومة بـ «الفتح المبين في كشف حقّ اليقين»؛ ورواه أيضاً في التحصين لابن طاووس: 642 - 644؛ بحار الأنوار 61: 35 - 36.

(27) انظر: مناقب آل أبي طالب 2: 191؛ بحار الأنوار 40: 317.

(28) بحار الأنوار 40: 307/ ح81.

(29) بحار الأنوار 40: 296/ ح70.

(30) من لا يحضره الفقيه 3: 105 - 106/ ح3425؛ بحار الأنوار 40: 308 - 309.

(31) من لا يحضره الفقيه 3: 105 - 106/ ح3425؛ عوالي اللئالي 3: 518 - 519.

(32) البقرة: 257.

(33) النساء: 59.

(34) القدر: 4.

(35) السجدة: 5.

(36) الطارق: 9.

(37) تفسير مجمع البيان 10: 323.

(38) وتمام البيت:

وأقصرت عمّا تعهدين وزاجرٌ من النفس خيرٌ من عتاب العواذل

انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6: 397.

(39) إبراهيم: 16.

(40) الإنسان: 21.