من خطبة له (عليه السلام): [ في بيان فضله (عليه السلام) ووفاة النبي (صلى الله عليه وآله)]

«وَلَقَدْ عَلِمَ الْمُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله) أَنِّي لَمْ أَرُدَّ عَلَى اللَّهِ وَلَا عَلَى رَسُولِهِ سَاعَةً قَطُّ وَلَقَدْ وَاسَيْتُهُ بِنَفْسِي فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي تَنْكُصُ فِيهَا الْأَبْطَالُ وَتَتَأَخَّرُ فِيهَا الْأَقْدَامُ نَجْدَةً أَكْرَمَنِي اللَّهُ بِهَا وَلَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) وَإِنَّ رَأْسَهُ لَعَلَى صَدْرِي وَلَقَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ فِي كَفِّي فَأَمْرَرْتُهَا عَلَى وَجْهِي وَلَقَدْ وُلِّيتُ غُسْلَهُ (صلى الله عليه وآله) وَالْمَلَائِكَةُ أَعْوَانِي فَضَجَّتِ الدَّارُ وَالْأَفْنِيَةُ مَلَأٌ يَهْبِطُ وَمَلَأٌ يَعْرُجُ وَمَا فَارَقَتْ سَمْعِي هَيْنَمَةٌ مِنْهُمْ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى وَارَيْنَاهُ فِي ضَرِيحِهِ فَمَنْ ذَا أَحَقُّ بِهِ مِنِّي حَيّاً وَمَيِّتاً فَانْفُذُوا عَلَى بَصَائِرِكُمْ وَلْتَصْدُقْ نِيَّاتُكُمْ فِي جِهَادِ عَدُوِّكُمْ فَوَ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنِّي لَعَلَى جَادَّةِ الْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَعَلَى مَزَلَّةِ الْبَاطِلِ أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ».

(شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد مج 2، ص 561، ط الأُولى).

* * *

ضبط الألفاظ الغريبة:

(المستحفَظون) بصيغة المفعول من استحفظه الشيء، أي أودعه عنده وطلب منه أن يحفظه، فهو مستحفِظ وذاك مستحفَظ، و(واسيته) من المواساة، يقال: واسيته وآسيته، وبالهمزة أفصح، و(نكص) عن الشيء نكوصاً من باب قعد: أحجم عنه، ونكص على عقبيه: رجع، قال تعالى: «فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ»،(1) و(النجدة) البأس والشدّة والشجاعة، و(النفس) بسكون الفاء: الدم، وبالتحريك واحد الأنفاس، و(فناء) الدار وزان كساء: ما اتّسع أمامها أو ما امتدّ من جوانبها، والجمع أفنية وفنى، و(الضجيج) الصياح عند المكروه والجزع، و(الهينمة) بفتح الهاء: الصوت الخفّي، وقيل الكلام الخفّي لا يُفهم، و(الضريح) القبر أو الشقّ وسطه، والأول هو المراد هنا، و(المزلّة) الموضع الذي تزلّ فيه قدم الإنسان كالمزلقة.

الشرح:

إنّ هذه الخطبة الشريفة مَسوقة لبيان جملة من مناقبه الجليلة وخصائصه المختصّة به (عليه السلام)، المفيدة لمزيد اختصاصه برسول الله (صلى الله عليه وآله) وقُربه منه، استدلالاً بذلك على أنّه أحقّ وأولى بالخلافة والقيام مقامه (صلى الله عليه وآله)، وأنّه على الحقّ وغيره على الباطل، وغرضه (عليه السلام) تنبيه المخاطبين على وجوب إطاعته فيما يأمرهم به من جهاد الأعداء المبطلين.

 

[خمس فضائل لعلي (عليه السلام)]:

وذكر (عليه السلام) خمساً من فضائله، وصدّر كلاًّ بالقسم البارّ تأكيداً للغرض المسوق له الكلام، وتنبيهاً على أنّ اتّصافه بها جميعاً حقّ لا يعتريه ريب ولا يُدانيه شكّ.

أوّلها: [عدم الرد على النبي (صلى الله عليه وآله) والتسليم له] ما أشار إليه بقوله: «ولقد علم المستحفَظون من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) أنّي لم أردّ على الله ولا على رسوله ساعةً قطّ» المراد بالمستحفَظين خيار الصحابة المطّلعون على أسرار رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعجزاته وكراماته وعهوده ومواثيقه والملاحم الواقعة في زمانه (صلى الله عليه وآله) ونحو ذلك ممّا يتعلّق به (صلى الله عليه وآله) في نفسه وفي أوصيائه وأتباعه من الأمور المعظّمة التي يهتمّ بها في الشرعيّة ولها مدخل في قوام أركان الدين وإعلاء لواء الشرع المبين، الذين كُلّفوا بحفظ ذلك كلّه، وأُمروا بأن يبلّغوها ويؤدّوها في مقام الضرورة والحاجة.

وإنّما خصّ عِلم ما ذكره بهؤلاء مع عدم اختصاصه بهم لأنّ هؤلاء بمقتضى تصلّبهم في الدين لا يكتمون الشهادة ولا يغيّرونها ولا يبدّلونها في مقام الحاجة للأغراض الدنيويّة الفاسدة كما كتمها جمع منهم مثل زيد بن أرقم، وأنس بن مالك ونظرائهم.

حدّث العلاّمة المجلسي في البحار عن الخصال والأمالي عن جابر الجعفي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال:

خطبنا علي بن أبي طالب (عليه السلام) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أيّها الناس إنّ قدّام منبركم هذا أربعة رهط من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله)، منهم أنس بن مالك، والبراء بن عازب الأنصاري، والأشعث بن قيس الكندي، وخالد بن يزيد البجلي، ثمّ أقبل بوجهه على أنس بن مالك فقال: يا أنس، إن كنتَ سمعتَ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول «من كنتُ مولاه فهذا علي مولاه» ثم لم تشهد لي اليوم بالولاية فلا أماتك الله حتّى يبتليك ببرص لا تغطّيه العمامة.

وأما أنت يا أشعث، فإن كنت سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقول «من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه» ثم لم تشهد لي اليوم بالولاية فلا أماتك الله حتى يذهب بكريمتيك.

وأما أنت يا خالد بن يزيد، إن كنت سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول «من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه» ثم لم تشهد لي اليوم بالولاية فلا أماتك الله إلاّ ميتة جاهليّة.

وأما أنت يا براء بن عازب، إن كنت سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول «من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه» ثم لم تشهد لي بالولاية فلا أماتك الله إلاّ حيث هاجرت منه.

قال جابر بن عبد الله الانصاري: والله لقد رأيت أنس بن مالك قد ابتُلي ببرص يغطيّه بالعمامة فما يستره.

ولقد رأيت الأشعث بن قيس وقد ذهبت كريمتاه وهو يقول: الحمد لله الذي جعل دعاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالعمى في الدنيا، ولم يدعُ عليَّ بالعذاب في الآخرة فأُعذّب.

وأمّا خالد بن يزيد فإنّه مات، فأراد أهله أن يدفنوه وحُفر له في منـزله فسمعت بذلك كندة فجاءت بالخيل والإبل فعقرتها على باب منـزله، فمات ميتة جاهليّة.

وأمّا البراء بن عازب فإنّه ولاّه معاوية اليمن فمات بها ومنها كان هاجر.(2)

فقد ظهر بذلك أنّ المستحفظين هم المكلّفون بحفظ الأمور المهمّة المعتدّ بها في أمر الدين، وأنّ تخصيصهم بالعلم لعدم كتمانهم لما حملوه لو رجع الخاطئون إليهم.

وأمّا أنّه (عليه السلام) ما ردّ على الله ورسوله أبداً فهو معلوم محقّق لا خفاء فيه، بل من ضروريّات المذهب، لملكة العصمة المانعة من مخالفته لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله).

 

[ردّ عمر على رسول الله (صلى الله عليه وآله)]:

وهذا القول إيماء إلى ما كان يفعله بعض الصحابة من التسرّع بالقول والاعتراض على الرسول (صلى الله عليه وآله)، كما نُقل عن عمر يوم الحديبية عندما سطر كتاب الصلح أنّه أنكر ذلك وقال لرسول الله (صلى الله عليه وآله): ألسنا على الحقّ؟ قال: بلى، قال: أو ليسوا الكافرين؟ قال: بلى. قال: فكيف نعطي الدنيّة في ديننا؟ والله لو وجدتُ أعواناً لم أُعط الدنيّة أبداً، فقال له أبوبكر: وَيحْك الزم غرزه، فو الله إنّه لرسول الله وإنّ الله لا يُضيعه، ثم قال له: أقال لك أنّه سيدخل مكّة هذا العام؟ فقال لا. قال: فسيدخلها، فلمّا فتح النبيّ (صلى الله عليه وآله) مكّة وأخذ مفاتيح الكعبة دعاه فقال: هذا الذي وُعدتم به.(3)

قال ابن أبي الحديد بعد نقل هذا الخبر: واعلم أنّ هذا الخبر صحيح لاريب فيه، والناس كلّهم رووه، وليس عندي بقبيح ولا مُستهجَن أن يكون هذا الشخص سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عمّا سأله عنه على سبيل الاسترشاد والتماساً لطمأنينة النفس، فقد قال الله تعالى لخليله إبراهيم: «أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي»(4) وقد كانت الصحابة تراجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الأمور وتقول له: أهذا منك أم من الله؟ كقول السعدان يوم الخندق، وقول الأنصار يوم بدر، وقد كانت من عمر أمور دون هذه القصّة، كقوله: دعني أضرب عنق أبي سفيان، وقوله: دعني أضرب عنق عبد الله بن أبي، وقوله: دعني أَضرب عنق حاطب بن أبي بلتعة، ونهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن التسرّع إلى ذلك، وجذبه ثوب رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين قام على جنازة ابن أبي سلول يصلّي، وقوله: وكيف تستغفر لرئيس المنافقين؟ وليس في ذلك جميعه ما يدلّ على وقوع القبيح منه، وإنّما الرجل كان مطبوعاً على الشدّة والخشونة، وكان يقول ما يقول على مقتضى السجيّة التي طُبع عليها، وعلى أيّ حال كان لقد نال الإسلام بولايته وخلافته خيراً كثيراً.(5)

أقول: والعجب من الرجل كيف أعمى الله بصيرته كلّما ذكر شيئاً من رذائله وقبائحه يجيب مرّة بأنّ هذه وإن كانت رذيلة إلاّ أنّ له فضائل جمّة تنغمر هذه الرذيلة تحتها، وأخرى ينفي القبيح عمّا فعله، وليس هذا إلاّ شدّة العصبيّة بحيث صار قلبه مسودّاً، نعوذ بالله من الختم والطبع، كما قال سبحانه: «خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ»(6) وقول: «وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ».(7)

 

الثانية: [المواساة النبي (صلى الله عليه وآله)]: ما أشار إليه بقوله (عليه السلام): «ولقد واسيتُه بنفسي في المواطن التي تنكص فيها الأبطال، وتتأخّر فيها الأقدام نجدةً وشجاعة أكرمني الله بها» وجعلها مخصوصة بي وآثرني بها علىغيري.

قال ابن أبي الحديد المعتزلي: وهذا ـ يعني المواساة ـ ممّا اختصّ (عليه السلام) بفضيلته غير مُدافَع، ثبت معه يوم أُحد وفرّ الناس، وثبت معه يوم حُنين وفرّ الناس، وثبت تحت رايته يوم خيبر حتّى فتحها وفرّ من كان بعث بها من قبله. وروى المحدّثون أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمّا ارتثّ ـ أي حُمل من المعركة جريحاً ـ يوم أُحد قال الناس: قُتل محمد، رأته كتيبة من المشركين وهو صريع بين القتلى إلاّ أنّه حيّ فصمدت له، فقال لعلي (عليه السلام): اكفني هذه، فحمل عليها وقتل رئيسها، ثم صمدت له كتيبة أخرى فقال: يا علي اكفني هذه، فحمل عليها فهزمها وقتل رئيسها، ثم صمدت له كتيبة ثالثة فكذلك، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد ذلك يقول: قال لي جبرئيل: يا محمد إنّ هذه للمواساة. فقلت: وما يمنعه وهو مني وأنا منه. فقال جبرئيل: وأنا منكما.

وروى المحدّثون أيضاً أنّ المسلمين سمعوا ذلك اليوم صائحاً من جهة السماء ينادي «لا سيف إلاّ ذوالفقار ولا فتى إلاّ علي». فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمن حضره: ألا تسمعون؟ هذا صوت جبرئيل.

وأمّا يوم حُنين فثبت معه في نفر يسير من بني هاشم بعد أن ولّى المسلمون الأدبار، وحامى عنه وقتل قوماً من هوازن بين يديه حتى ثابت إليه الأنصار وانهزمت هوازن وغنمت أموالها. وأما يوم خيبر فقصّته مشهورة» انتهى كلام ابن أبي الحديد المعتزلي.(8)

قال الميرزا الخوئي: أقول: أوّل مواساته (عليه السلام) مبيته على فراش خاتم الأنبياء حتّى باهى الله به ملائكة السماء، فوهب نفسه لله تعالى وبذلها لنبيّه المصطفى وبات على فراشه لينجو به من كيد الأعداء وتتمّ له بذلك السلامة والبقاء، وينتظم له به الغرض في الدعوة إلى الحنيفيّة البيضاء، فكان ذلك سبب نجاة النبي (صلى الله عليه وآله) وبقائه وحقن دمه حتّى صدع بأمر ربّه.

ولولاه (عليه السلام) لما تمّ لرسول الله (صلى الله عليه وآله) التبليغ والأداء، ولا استدام له العمر والبقاء، ولظفر به الحسدة والأعداء، فلمّا أصبحوا وعرفوا تفرّقوا عنه وانصرفوا، وقد ضلّت لهم الحيل وانقطع بهم الأمل، وانتقض ما بنوه من التدبير، وخابت لهم الظنون.

وكان بذلك انتظام الإيمان، وإرغام الشيطان، وخذلان أهل الكفر والعدوان، وهذه منقبة لم يشركه (عليه السلام) فيها أحد من أهل الإسلام، وقد أنزل فيه محكم التبيان، وهو قول الله تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ».(9)

وأمّا مواساته له (صلى الله عليه وآله) في مواطن جهاده ومواطن جدّه واجتهاده، ومقامات جداله بألسنة الأسنّة وجلاده فهو فوق حدّ الاحصاء، متجاوز عن حدّ العدّ والاستقصاء:

منها غزوة بدر:

التي هدّت قوى الشرك وقذفت طواغيته في قليب الهلك، ودوّخت مردة الكفّار وسقتهم كاسات الدمار والبوار، ونقلتهم من القليب إلى النار.

فيومها اليوم الذي لم يأت الدهر بمثله، وأفاض الله فيه من أحسن فضله، أنزل فيه الملائكة لتأييد رسوله تفضيلاً له على جميع رُسله، وحباه من علوّ القدر ما لم ينله أحد من قبله، وأشرب صناديد قريش كأس أسره وقتله، وجبرئيل ينادي: إقدم حيزوم، لإظهار دينه على الدين كلّه، وأمير المؤمنين (عليه السلام) كان فارس تلك الملحمة، فما تعدّ الأسد الغضاب بشسع نعله، ومسعّر تلك الحرب العوان، ينصبّ على الأعداء انصباب السحاب ووبله، ونار سطوته ونجدته تتسعّر تسعّر النار في دقيق الغضا وجزله. فكان نصف القتلى يومئذ على يده من دون شركة غيره له.

ومنها غزوة أحد:

قال في كشف الغمّة في حديث عمران بن حصين، قال: لمّا تفرّق الناس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) جاء علي (عليه السلام) متقلّداً بسيفه حتى قام بين يديه، فرفع رأسه إليه وقال له: مالك لم تفرّ مع الناس؟ فقال: يا رسول الله أرجع كافراً بعد إسلامي؟! فأشار إلى قوم انحدروا من الجبل فحمل عليهم فهزمهم، فجاء جبرئيل وقال: يا رسول الله قد عجبت الملائكة من حسن مواساة علي لك بنفسه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما يمنعه من ذلك وهو مني وأنا منه. فقال جبرئيل: وأنا منكما.(10)

قال في كشف الغمّة: وروي عن عكرمة قال: سمعت علياً (عليه السلام) يقول: لمّا انهزم الناس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم أُحد لحقني من الجزع عليه ما لم أملك نفسي، وكنت أضرب بسيفي بين يديه، فرجعت أطلبه فلم أره، فقلت: ما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليفرّ، وما رأيته في القتلى، وإنّه رُفع من بيننا إلى السماء، فكسرت جفن سيفي وقلت: لأقاتلنّ به حتى أُقتل، وحملت على القوم فأفرجوا، فإذا أنا برسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد وقع مغشيّاً عليه، فنظر إليّ وقال: ما فعل الناس يا علي؟ قلت: كفروا يا رسول الله وولّوا الدبر وأسلموك، فنظر إلى كتيبة قد أقبلت فقال: ردّهم عني. فحملت عليهم أضربهم يميناً وشمالاً حتى فرّوا، فقال (صلى الله عليه وآله): أما تسمع مديحك في السماء؟ إنّ مَلَكاً اسمه رضوان ينادي: لا سيف إلاّ ذو الفقار، ولا فتى إلاّ علي، فبكيت سروراً وحمدت الله على نعمته.(11)

وقد ذكر أهلُ السير قتلى أحد من المشركين، وكان جمهورهم قتلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، وانصرف المشركون إلى مكّة، وانصرف النبي (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة، فاستقبلته فاطمة ومعها إناء فيه ماء، فغسل به وجهه، ولحقه أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد خضّب الدم يده إلى كتفه ومعه ذو الفقار، فناوله فاطمة وقال: خُذي هذا السيف فقد صدقني اليوم، وقال:

أفاطمُ هاكِ السيف غير ذميم
أميطي دماء الكفر عنه فإنه
لعمري لقد أعذرت في نصر أحمد

فلست برعديدٍِ ولا بمُليمِ
سقى آل عبد الدار كأسَ حميم
وطاعة ربٍّ بالعباد عليم

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): خُذيه يا فاطمة، فقد أدّى بعلك ما عليه وقد قتل الله صناديد قريش بيده.(12)

ومنها: وقعة الأحزاب المعروفة بغزوة الخندق:

قال الشيخ المفيد في الإرشاد: وقد روى قيس بن الربيع قال: حدّثنا أبو هارون العبدي، عن ربيعة السعدي قال: أتيت حذيفة بن اليمان فقلت: يا أبا عبد الله إنّا لنتحدّث عن علي (عليه السلام) ومناقبه فيقول لنا أهل البصرة: إنّكم لتفرطون في علي (عليه السلام)، فهل أنت تحدّثني بحديث فيه. قال حذيفة: يا ربيعة وما تسألني عن علي، فوالذي نفسي بيده لو وُضع جميع أعمال أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) في كفّة الميزان منذ بعث الله محمداً إلى يوم الناس هذا، ووُضع عمل علي (عليه السلام) في الكفّة الأخرى لرجح عمل علي (عليه السلام) على جميع أعمالهم. فقال ربيعة: هذا الذي لا يُقام ولا يقعد. فقال حذيفة: يا لُكع وكيف لا يُحمل؟ وأين كان أبو بكر وعمر وحذيفة وجميع أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) يوم عمرو بن عبد ودّ وقد دعا إلى المبارزة فأحجم الناس كلّهم ما خلا علياً (عليه السلام) فإنّه برز إليه وقتله الله على يده، والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجراً من عمل أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) إلى يوم القيامة.(13)

قال في كشف الغمّة: رأيت في بعض الكتب أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال حين بارز علي عمرو بن عبد ودّ: خرج الإسلام كلّه إلى الشرك كلّه.

وقال الدميري في كتابه (حياة الحيوان) في مادّة (حيدرة): جاء في بعض الروايات أنّ علياً (رضي الله عنه) لمّا بارز عمراً قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «اليوم برز الإيمان كلّه للشرك كلّه».(14)

ومنها غزوة وادي الرمل:

وتسمّى غزوة ذات السلاسل ـ وإنّما سُمّيت بذلك لأنّه (عليه السلام) شدّ أسراهم في الحبال مكتّفين كأنّهم في السلاسل ـ وقد كان الفتح فيها لأمير المؤمنين (عليه السلام) خاصّة بعد أن كان فيها من غيره من الإفساد ما كان، وفيها نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله) سورة العاديات فتضمّنت ذِكر ما فعله أمير المؤمنين (عليه السلام) فيها.

قال الشيخ المفيد: روي عن أمّ سلمة قالت: كان نبيّ الله (صلى الله عليه وآله) قائلاً في بيتي إذ انتبه فزعاً من منامه، فقلت له: الله جارك. قال: صدقت والله جاري، لكنّ هذا جبرئيل يخبرني أنّ علياً قادم، ثم خرج إلى الناس فأمرهم أن يستقبلوا علياً (عليه السلام)، فقام المسلمون له صفّين مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلمّا بَصُر بالنبي (صلى الله عليه وآله) ترجّل عن فرسه وأهوى إلى قدميه يقبّلهما، فقال له (صلى الله عليه وآله): اركب فإنّ الله تعالى ورسوله عنك راضيان. فبكى أمير المؤمنين (عليه السلام) فرحاً وانصرف إلى منـزله، وتسلّم المسلمون الغنائم... إلى أن قال: ثم قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي لولا أنّني أُشفق أن يقول فيك طوائف من أمّتي ما قالت النصارى في عيسى ابن مريم، لقلتُ فيك اليوم مقالاً لا تمرّ بملأ منهم إلاّ أخذوا التراب من تحت قدميك.(15)

ومنها غزوة الحديبية:

وفيها أقبل سهيل بن عمرو إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال له: يا محمد إنّ أرقّاءنا لحقوا بك، فاردُدهم علينا، فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى تبيّن الغضب في وجهه ثم قال: لتنتهينّ يا معاشر قريش أو ليبعثنّ الله عليكم رجلاً امتحن الله قلبه بالايمان يضرب رقابكم على الدين. فقال بعضُ من حضر: يا رسول الله أبوبكر ذلك الرجل؟ فقال: لا. قال: فعمر؟ قال: لا، ولكنه خاصف النعل في الحجرة. فتبادر الناس إلى الحجرة ينظرون من الرجل، فإذا هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). رواه المفيد في الإرشاد،(16) ورواه في كشف الغمة،(17) وفي صحيح الترمذي(18) نحوه.

ومنها غزوة خيبر:

قال المفيد: ثمّ تلت الحديبية خيبر، وكان الفتح فيها لأمير المؤمنين (عليه السلام) بلا ارتياب، فظهر من فضله في هذه الغزاة ما أجمع عليه نقلة الرواة.(19)

جاء في كتاب (كشف الغمّة): قال ابن طلحة: وتلخيص المقصد فيها على ما ذكره أبو محمد عبد الملك بن هشام في كتاب السيرة النبويّة، يرفعه بسنده عن ابن الأكوع، قال:

بعث النبي (صلى الله عليه وآله) أبا بكر برايته ـ وكانت بيضاء ـ إلى بعض حصون خيبر، فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح وقد جهد, ثم بعث عمر بن الخطاب فكان كذلك, فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، ويفتح الله على يديه، ليس بفرّار, قال سلمة: فدعا علياً عليه السلام وهو أرمد فتفل في عينيه ثم قال: خذ هذه الراية فامضِ بها حتى يفتح الله عليك, فخرج يهرول وإنّا خلفه نتبع أمره، حتى ركّز رايته في رخم من حجارة تحت الحصن, فاطّلع عليه يهوديّ من الحصن فقال: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، فقال اليهودي: علوتم حصننا وما أُنزل على موسى, قال: فما رجع حتّى فتح الله على يديه.(20)

ومنها فتح مكّة:

قال المفيد (رضي الله عنه): وفيما ذكرناه من أعمال أمير المؤمنين (عليه السلام) في قتل من قُتل من أعداءه بمكّة وإخافة من أخاف، ومعونة رسول الله على تطهير المسجد من الأصنام، وشدّة بأسه في الله، وقطع الأرحام في طاعة الله (عز وجل) أوّل دليل على تخصيصه من الفضل بما لم يكن لأحد منهم سهم فيه.(21)

ومنها غزوة حُنين:

فاستظهر فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكثرة الجمع، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعه عشرة آلاف من المسلمين، فظنّ أكثرهم أنّهم لن يُغلَبوا لما شاهدوا من كثرة جمعهم وعددهم وعدّتهم، وأعجب أبا بكر الكثرة يومئذ فقال: لن نُغلب اليوم من قلّة، فكان الأمر بخلاف ما ظنّوه.

فلمّا التقوا لم يلبثوا وانهزموا بأجمعهم، فلم يبق مع النبي (صلى الله عليه وآله) إلاّ تسعة من بني هاشم وعاشرهم أيمن بن أم أيمن، وقُتل (رحمه الله)، وثبت التسعة الهاشميّون رئيسهم أمير المؤمنين (عليه السلام)، ورجعوا بعد ذلك وتلاحقوا، وكانت الكثرة لهم على المشركين، فأنزل الله في إعجاب أبي بكر بالكثرة «وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَْرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ»(22) يريد علياً ومن ثبت معه من بني هاشم.(23)

هذا قليل من كثير، ويسير من جمّ غفير من مناقبه ومفاخره ومجاهداته ومواساته لرسول الله (صلى الله عليه وآله).

وهذا معنى قوله (عليه السلام): «ولقد واسيتُه في المواطن التي تنكص فيها الأبطال، وتتأخّر فيها الأقدام».

 

الثالثة: [النبي (صلى الله عليه وآله) في مرض الموت]: ما أشار إليه (عليه السلام) بقوله: «ولقد قُبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإنّ رأسه لعلى صدري».

قيل: لعلّه (عليه السلام) أسنده (صلى الله عليه وآله) إلى صدره عند اشتداد مرضه، وقيل: إنّه كان رأسه على رُكبته، فيكون رأسه (صلى الله عليه وآله) في صدره عند إكبابه عليه، والأوّل أظهر.

ويؤيّده ما في البحار عن أمالي الشيخ، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: كنت عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مرضه الذي قُبض فيه، وكان رأسه في حجري، والعباس يذبّ عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأغمي عليه إغماء ثم فتح عينيه فقال: يا عبّاس يا عمّ رسول الله اقبل وصيتي واضمن دَيني وعِداتي. فقال العبّاس: يا رسول الله أنت أجود من الريح المرسلة، وليس في مالي وفاء لدينك وعداتك. فقال النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك ثلاثاً يُعيده عليه والعبّاس في كلّ ذلك يُجيبه بما قال أوّل مرّة.

قال: فقال النبي (صلى الله عليه وآله): لأقولنّها لمن يقبلها ولا يقول يا عبّاس مثل مقالتك. فقال: يا علي اقبل وصيّتي واضمن ديني وعِداتي.

قال: فخنقتني العبرة وارتجّ جسدي ونظرت إلى رأس رسول الله (صلى الله عليه وآله) يذهب ويجيء في حجري، فقطرت دموعي على وجهه ولم أقدر أن أُجيبه، ثم ثنّى فقال: اقبل وصيتي واضمن ديني وعداتي. قال، قلت: نعم بأبي وأمّي. قال: أجلِسني. فأجلسته، فكان ظهره في صدري فقال: يا علي أنت أخي في الدنيا والآخرة ووصيّي وخليفتي في أهلي. ثم قال: يا بلال هلمّ سيفي ودرعي وبغلتي وسرجها ولجامها ومنطقتي التي أشدّ بها على درعي. فجاء بلال بهذه الأشياء فوقف بالبغلة بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا علي قُم فاقبض. فقال: قمت وقام العبّاس فجلس مكاني، فقمت فقبضت ذلك، فقال: انطلق به إلى منـزلك، فانطلقت ثمّ جئت فقمت بين يدَي رسول الله (صلى الله عليه وآله) قائماً، فنظر إليّ ثم عهد إلى خاتمه فنـزعه ثم دفعه اليّ فقال: هاك يا علي، هذا لك في الدنيا والآخرة. والبيت غاصّ من بني هاشم والمسلمين.

فقال: يا بني هاشم، يا معشر المسلمين، لا تخالفوا علياً فتضلّوا، ولا تحسدوه فتكفروا، يا عبّاس قم من مكان علي (عليه السلام) فقال: تُقيم الشيخ وتُجلس الغلام؟ فأعادها ثلاث مرّات. فقام العبّاس فنهض مغضباً وجلست مكاني.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عبّاس يا عمّ رسول الله، لا أخرج من الدنيا وأنا ساخط عليك فيُدخلك سخطي عليك النار، فرجع وجلس.(24)

ومن الأمالي أيضاً عنه (عليه السلام) في حديث، قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي أجلسني، فأجلسته وأسندتُه إلى صدري، قال علي (عليه السلام): فلقد رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليثقل ضعفاً وهو يقول يُسمع أهلَ البيت أعلاهم وأدناهم: إنّ أخي ووصيّي ووزيري وخليفتي في أهلي علي بن أبي طالب (عليه السلام)، يقضي ديني ويُنجز وعدي. يا بني هاشم يا بني عبد المطلب لا تُبغضوا علياً ولا تخالفوا عن أمره فتضلّوا، ولا تحسدوه وترغبوا عنه فتكفروا، أضجِعني يا علي، فأضجعته، الحديث.(25)

وفي البحار من الأمالي أيضاً بإسناده عن ابن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: دخلت على نبيّ الله وهو مريض، فإذا رأسه في حِجر رجل أحسن ما رأيتُ من الخلق، والنبيّ نائم، فلما دخلت عليه (صلى الله عليه وآله) قال الرجل: أُدنُ إلى ابن عمك فأنت أحقّ به منّي، فدنوت منهما، فقام الرجل وجلست مكانه ووضعت رأس النبيّ (صلى الله عليه وآله) في حِجري كما كان في حجر الرجل، فمكث ساعة، ثم إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) استيقظ فقال: أين الرجل الذي كان رأسي في حجره؟ فقلت: لمّا دخلتُ عليك دعاني إليك ثم قال: ادنُ إلى ابن عمّك فأنت أحقّ به منّي، ثم قام فجلست مكانه. فقال النبي (صلى الله عليه وآله): فهل تدري من الرجل؟ قلت: لا بأبي وأمّي، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ذاك جبرئيل كان يحدّثني حتى خفّ عني وجعي، ونمت ورأسي في حجره.(26)

 

[وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)]:

وأمّا كيفيّة وفاته (صلى الله عليه وآله)، ففي البحار عن أمالي الصدوق بإسناده عن ابن عبّاس قال:

لمّا مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعنده أصحابه، قام إليه عمّار بن ياسر فقال له: فداك أبي وأمّي يا رسول الله فمن يغسّلك منّا إذا كان ذلك منك؟ قال: ذلك علي بن أبي طالب، لأنه لا يهمّ بعضو من أعضائي إلاّ أعانته الملائكة على ذلك.

فقال له: فداك أبي وأمّي يا رسول الله، فمن يصلّي عليك منّا إذا كان ذلك منك. قال: مه رحمك الله.

ثم قال (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): يا ابن أبي طالب إذا رأيت روحي قد فارقت جسدي فاغسلني وأنقِ غسلي، وكفّنّي في طمريّ هذين أو في بياض مصر وبردٍ يمان، ولا تُغال في كفني، واحملوني حتّى تضعوني على شفير قبري، فأوّل من يصلّي عليّ الجبار جلّ جلاله من فوق عرشه، ثمّ جبرئيل وميكائيل وإسرافيل في جنود من الملائكة لا يُحصي عددهم إلاّ الله جلّ وعزّ، ثم الحافّون بالعرش، ثم سكّان أهل سماء فسماء، ثم جلّ أهل بيتي ونسائي الأقربون فالأقربون، تُومون إيماء وتسلّمون تسليماً، لا تؤذوني بصوت نادبة ولا مرنّة.

ثم قال: يا بلال هلمّ عليَّ بالناس، فاجتمع الناس، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) متعصّباً بعمامته متوكّئاً على قوسه حتّى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

معاشر أصحابي أيّ نبيّ كنت لكم؟ ألم أجاهد بين أظهركم؟ ألم تُكسر رباعيتي؟ ألم يُعفّر جبيني؟ ألم تسل الدماء على حرّ وجهي حتّى كنفت لحيتي؟ ألم أكابد الشدّة والجهد مع جهّال قومي؟ ألم أربط حجر المجاعة على بطني؟!

قالوا: بلى يا رسول الله، ولقد كنتَ لله صابراً وعن منكر بلاء الله ناهياً، فجزاك الله عنّا أفضل الجزاء.

قال: وأنتم فجزاكم الله، ثم قال: إنّ ربي (عز وجل) حكم وأقسم أن لا يجوزه ظلم ظالم، فناشدُتكم بالله أيّ رجل منكم كانت له قِبل محمّد مظلمة إلاّ قام فليقتصّ منه، فالقصاص في دار الدنيا أحبّ إليّ من القصاص في دار الآخرة على رؤوس الملائكة والأنبياء.

فقام إليه رجل من أقصى القوم يُقال له سوادة بن قيس فقال له: فداك أبي وأمّي يا رسول الله إنّك لمّا أقبلت من الطائف استقبلتُك وأنت على ناقتك العضباء وبيدك القضيب الممشوق، فرفعت القضيب وأنت تريد الراحلة فأصاب بطني، فلا أدري عمداً أو خطأ. فقال (صلى الله عليه وآله): معاذ الله أن أكون تعمّدت. ثم قال: يا بلال قُم إلى منـزل فاطمة فأتني بالقضيب الممشوق.

فخرج بلال وهو يُنادي في سلك المدينة: معاشر الناس من ذا الذي يعطي القصاص من نفسه قبل يوم القيامة، فهذا محمّد (صلى الله عليه وآله) يعطي القصاص من نفسه قبل يوم القيامة.

وطرق بلال الباب على فاطمة (عليها السلام) وهو يقول: يا فاطمة قومي فوالدك يريد القضيب الممشوق. فأقبلت فاطمة وهي تقول: يا بلال وما يصنع والدي بالقضيب وليس هذا يوم القضيب؟ فقال بلال: يا فاطمة أما علمتِ أنّ والدك قد صعد المنبر وهو يودّع أهل الدين والدنيا. فصاحت فاطمة (عليها السلام) وقالت: واغمّاه لغمّك يا أبتاه، من للفقراء والمساكين وابن السبيل يا حبيب الله وحبيب القلوب، ثمّ ناولت بلالاً القضيب، فخرج حتّى ناوله رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أين الشيخ؟ فقال الشيخ: ها أناذا يا رسول الله بأبي أنت وأمّي، فقال: فاقتصّ منّي حتّى ترضى، فقال الشيخ: فاكشف لي عن بطنك يا رسول الله، فكشف عن بطنه، فقال الشيخ: بأبي أنت وأمّي أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك؟ فأذن له، فقال: أعوذ بموضع القصاص من بطن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من النار.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا سوادة بن قيس، أتعفو أم تقتصّ؟ فقال: بل أعفو يا رسول الله، فقال (صلى الله عليه وآله): اللّهمّ اعفُ عن سوادة بن قيس كما عفى عن محمّد نبيّك.

ثم قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدخل بيت أمّ سلمة وهو يقول: ربّ سلِّم أمّة محمّد من النار، ويسّر عليهم الحساب، فقالت أم سلمة: يا رسول الله ما لي أراك مغموماً متغيّر اللّون؟ فقال (صلى الله عليه وآله): نُعيت إليّ نفسي هذه الساعة، فسلام لك في الدنيا فلا تسمعين بعد هذا اليوم صوت محمّد أبداً، فقالت أم سلمة: واحزناه حزناً لا تدركه الندامة عليك يا محمّد. ثم قال (صلى الله عليه وآله): ادع لي حبيبة قلبي وقرّة عيني فاطمة، فجائت فاطمة وهي تقول: نفسي لنفسك الفداء ووجهي لوجهك الوقاء يا أبتاه، ألا تكلّمني كلمة فإنّي أنظر إليك وأراك مفارق الدنيا، وأرى عساكر الموت تغشاك شديداً.

فقال لها: يا بُنيّة إنّي مفارقك فسلام عليك مني. قالت: يا أبتاه فأين الملتقى يوم القيامة؟ قال (صلى الله عليه وآله): عند الحساب. قالت: فإن لم ألقك عند الحساب؟ قال: عند الشفاعة لأمتي. قالت: فإن لم ألقك عند الشفاعة لأمّتك؟ قال: عند الصراط، جبرئيل عن يميني وميكائيل عن يساري، والملائكة خلفي وقدّامي ينادون «ربّ سلّم أمّة محمد من النار ويسّر عليهم الحساب». قالت فاطمة: فأين والدتي خديجة؟ قال: في قصر له أربعة أبواب إلى الجنّة.

ثمّ أُغمي على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فدخل بلال وهو يقول: الصلاة رحمك الله، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصلّى بالناس وخفّف الصلاة.

ثم قال: ادعوا لي علي بن أبي طالب وأُسامة بن زيد، فجاءا، فوضع (صلى الله عليه وآله) يده على عاتق علي والأخرى على أسامة، ثمّ قال: انطلقا بي إلى فاطمة، فجاءا به حتى وضع رأسه في حجرها فإذا الحسن والحسين يبكيان ويصطرخان وهما يقولان: أنفسنا لنفسك الفداء، ووجوهنا لوجهك الوقاء.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من هذان يا علي؟ فقال (عليه السلام): ابناك الحسن والحسين، فعانقهما وقبّلهما، وكان الحسن (عليه السلام) أشدّ بكاء، فقال (عليه السلام) كُفّ يا حسن فقد شققتَ على رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فنـزل ملك الموت فقال: السلام عليك يا رسول الله قال: وعليك السلام يا ملك الموت، لي إليك حاجة. قال: وما حاجتك يا نبي الله؟ قال: حاجتي أن لا تقبض روحي حتّى يجيئني جبرئيل فيسلّم عليّ وأسلّم عليه.

فخرج ملك الموت وهو يقول: يا محمّداه، فاستقبله جبرئيل في الهواء فقال: يا ملك الموت قبضت روح محمّد؟ قال: لا يا جبرئيل، سألني أن لا أقبضه حتّى يلقاك فتسلّم عليه ويسلّم عليك، فقال جبرئيل: يا ملك الموت أما ترى أبواب السماء مفتّحة لروح محمّد (صلى الله عليه وآله)؟ أما ترى الحور العين قد تزيّنت لروح محمّد (صلى الله عليه وآله)؟

ثم نزل جبرئيل فقال: السلام عليك يا أبا القاسم، فقال: وعليك السلام يا جبرئيل، ادنُ مني حبيـبي جبرئيل، فدنا منه، فنـزل ملك الموت فقال له جبرئيل: يا ملك الموت احفظ وصيّة الله في روح محمّد، وكان جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره وملك الموت أخذ بروحه، فلمّا كشف الثوب عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) نظر إلى جبرئيل فقال له: عند الشدائد لا تخذلني، فقال: يا محمّد إنّك ميّت وإنّهم ميّتون، كلّ نفس ذائقة الموت. فرُوي عن ابن عباس أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ذلك المرض كان يقول: ادعوا لي حبيـبي، فجعل يُدعى له رجل بعد رجل فيعرض عنه، فقيل لفاطمة (عليها السلام): إمضي إلى علي، فما نرى رسول الله يريد غير علي، فبعثت فاطمة إلى علي (عليه السلام)، فلمّا دخل فتح رسول الله (صلى الله عليه وآله) عينيه وتهلّل وجهه ثم قال: إليّ يا علي، إليّ يا علي، فما زال (صلى الله عليه وآله) يُدنيه حتى أخذه بيده وأجلسه عند رأسه.

ثمّ أغمي عليه، فجاء الحسن والحسين (عليهما السلام) يصيحان ويبكيان حتّى وقعا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأراد علي أن يُنحّيهما عنه (صلى الله عليه وآله)، فأفاق رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال: يا علي دعني أشمّهما ويشمّاني، وأتزوّد منهما ويتزوّدان مني، أما إنّهما سيُظلمان بعدي ويُقتلان ظلماً، فلعنة الله على من يظلمهما، يقول ذلك ثلاثاً.

ثم مدّ يده إلى علي فجذبه إليه حتّى أدخله تحت ثوبه الذي كان عليه، ووضع فاه على فيه وجعل يُناجيه مناجاة طويلة حتّى خرجت روحه الطيّبة (صلى الله عليه وآله)، فانسلّ علي من تحت ثيابه وقال: أعظم الله أجوركم في نبيّكم فقد قبضه الله إليه، فارتفعت الأصوات بالضجّة والبكاء، فقيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): ما الذي ناجاك به رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين أدخلك تحت ثيابه؟ فقال: علّمني ألف باب، كلّ باب يفتح ألف باب.

وقد كان جبرئيل ينـزل على النبي (صلى الله عليه وآله) في مرضه الذي قُبض فيه في كلّ يوم وليلة فيقول: السلام عليك، إنّ ربّك يقرؤك السلام فيقول: كيف تجدك وهو أعلم بك، ولكنّه أراد أن يزيدك كرامة وشرفاً إلى ما أعطاك على الخلق، وأراد أن تكون عيادة المريض سُنّة في أمتك.

فيقول النبي (صلى الله عليه وآله) إن كان وجعاً: يا جبرئيل أجدني وجعاً، فقال له جبرئيل: اعلم يا محمّد أنّ الله لم يشدّد عليك، وما من أحد من خلقه أكرم عليه منك، ولكنّه أحبّ أن يسمع صوتك ودعاءك حتّى تلقاه مستوجباً للدرجة والثواب الذي أعدّ لك والكرامة والفضيلة على الخلق.

وإن قال له النبي (صلى الله عليه وآله): أجدني مريحاً في عافية، قال له: فاحمد الله على ذلك، فإنه يحبّ أن تحمده وتشكره ليزيدك إلى ما أعطاك خيراً، فإنّه يُحبّ أن يُحمد ويزيد من شكر.(27)

وفي البحار من المناقب عن سهل بن أبي صالح، عن ابن عباس، أنّه أُغمي على النبي (صلى الله عليه وآله) في مرضه فدقّ بابه، فقالت فاطمة: من ذا؟ قال: أنا رجل غريب أتيت أسأل رسول الله، أتأذنون لي في الدخول عليه؟ فأجابت: امضِ ـ رحمك الله ـ لحاجتك، فرسول الله عنك مشغول.

فمضى ثمّ رجع فدق الباب وقال: غريب يستأذن على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتأذنون للغرباء؟ فأفاق رسول الله (صلى الله عليه وآله) من غشيته وقال: يا فاطمة أتدرين من هذا؟ قالت: لا يا رسول الله، قال: هذا مفرّق الجماعات ومنغّص اللذّات، هذا مَلَك الموت، ما استأذن ـ والله ـ على أحد قبلي ولا يستأذن على أحد بعدي، استأذن عليّ لكرامتي على الله، ائذني له، فقالت: ادخل رحمك الله، فدخل كريح هفّافة وقال: السلام على أهل بيت رسول الله.

ثمّ قال: يا نبيّ الله إنّي رسول الله إليك، قال: وأيّ رُسل الله أنت؟ قال: أنا ملك الموت أرسلني إليك يُخيّرك بين لقائه والرجوع إلى الدنيا، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): فأمهلني حتّى ينـزل جبرئيل فأستشيره.

ونزل جبرئيل فقال: يا رسول الله الآخرة خير لك من الأُولى ولسوف يعطيك ربّك فترضى، لقاء الله خير لك، فقال (صلى الله عليه وآله): لقاء ربي خير لي، فامضِ لما أُمرتَ به، فقال جبرئيل لملك الموت: لا تعجل حتّى أعرج إلى السماء وأهبط، قال ملك الموت: لقد صارت نفسه في موضع لا أقدر على تأخيرها، فعند ذلك قال جبرئيل: يا محمّد هذا آخر هبوطي إلى الدنيا، إنّما كنتَ أنت حاجتي فيها(28).

وصاحت فاطمة وصاح المسلمون وصاروا يضعون التراب على رؤوسهم. ومات (صلى الله عليه وآله) لليلتين بقيتا من صفر سنة عشر من الهجرة (صلى الله عليه وآله) وسلّم تسليماً كثيراً.

 

الرابعة: [قبض روح (صلى الله عليه وآله)]: ما أشار إليه (عليه السلام) بقوله: «ولقد سالت نفسُه في كفّي فأمررتُها على وجهي».

المراد بالنفس هنا نفسه الناطقة القدسيّة التي هي مبدء الفكر والذكر والعلم والحلم والنباهة، ولها خاصيّة الحكمة والنـزاهة، فيكون محصّل المراد بالكلام أنّ روحه الطيّبة الكاملة التي هي المصداق الحقيقي لقوله: «قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي»، والمقصود الأصلي بقوله: «وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي» لمّا فارقت جسده الطاهر فاضت بيدي فمسحت بها على وجهي.

وإنّما مسح بها على وجهه إمّا تيّمناً أو لحكمة عظيمة لا نعرفها.

* * *

لمّا كانت هذه الخطبة الشريفة التي نحن في شرحها مَسوقة لذكر مناقبه وخصائصه الجميلة المخصوصة به، المفيدة لكونه أحقّ وأولى بالخلافة والإمامة من غيره، أحببت أن أورد رواية متضمّنة لجملة من كراماته وبيّناته التي لم يشركه فيها أحد، تأكيداً للغرض المسوق له الخطبة الشريفة وتكميلاً له، وهي:

 

[سبعون منقبة لعلي (عليه السلام)]:

ما رواه في البحار من الخصال عن القطاّن والسنان والدقّاق والمكتب والورّاق جميعاً عن ابن زكريا القطّان، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن سليمان بن حكيم، عن ثور بن يزيد، عن مكحول، قال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام):«لقد علم المستحفَظون من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) أنّه ليس فيهم رجل له منقبة إلاّ وقد شركته فيها وفضلته، ولي سبعون منقبة لم يشركني فيها أحد منهم. قلت: يا أمير المؤمنين فأخبرني بهنّ، فقال (عليه السلام):

إنّ أوّل منقبة لي أنّي لم أُشرك بالله طرفة عين ولم أعبد اللات والعُزّى.

والثانية: أنّي لم أشرب الخمر قطّ.

والثالثة: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) استوهبني من أبي في صباي، فكنت أكيلَه وشريبه ومؤنسه ومحدّثه.

والرابعة: أنّي أوّل الناس إيماناً وإسلاماً.

والخامسة: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: يا علي أنت منّي بمنـزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي.

والسادسة: أنّي كنت آخر الناس عهداً برسول الله (صلى الله عليه وآله) ووليته في حفرته.

والسابعة: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنامني على فراشه حيث ذهب إلى الغار، وسجّاني ببُرده، فلمّا جاء المشركون ظنّوني محمّداً، فأيقظوني وقالوا: ما فعل صاحبك؟ فقلت: ذهب في حاجته، فقالوا: لو كان هرب لهرب هذا معه.

وأمّا الثامنة: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) علّمني ألف باب من العلم، يفتح كلّ باب ألف باب، ولم يعلّم ذلك أحداً غيري.

وأمّا التاسعة: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لي: يا علي إذا حشر الله (عز وجل) الأوّلين والآخرين نصب لي منبراً فوق منابر النبيّين، ونصب لك منبراً فوق منابر الوصيّين فترتقي عليه.

وأمّا العاشرة: فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لا أُعطى في القيامة شيئاً إلاّ سألتُ لك مثله.

وأمّا الحادية عشرة: فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أنت أخي وأنا أخوك، يدك في يدي حتّى ندخل الجنّة.

وأمّا الثانية عشرة: فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: يا علي مثلك في أمّتي كمثل سفينة نوح، من ركبها نجى، ومن تخلّف عنها غرق.

وأمّا الثالثة عشرة: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) عمّمني بعمامة نفسه بيده، ودعى لي بدعوات النصر على أعداء الله، فهزمتُهم بإذن الله (عز وجل).

وأمّا الرابعة عشرة: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمرني أن أمسح يدي على ضرع شاة قد يبس ضرعُها، فقلت: يا رسول الله بل امسح أنت، فقال: يا علي فِعلُك فعلي، فمسحت عليها يدي فدّر عليّ من لبنها، فسقيتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله) شربة، ثمّ أتت عجوز فشكت الظماء فسقيتها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّي سألت الله (عز وجل) أن يُبارك في يدك ففعل.

وأمّا الخامسة عشرة: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أوصى إليّ وقال: يا علي لا يلي غسلي غيرك، ولا يُواري عورتي غيرك، فإنّه إن رأى عورتي غيرك تفقّأت عيناه، فقلت له: كيف لي بتقليبك يا رسول الله؟ فقال: إنّك ستُعان، واللهِ ما أردت أن أقلّب عضواً من أعضائه إلاّ قُلّب لي.

وأمّا السادسة عشرة: فإنّي أردت أن أُجّرده (عليه السلام) فنوديت: يا أخ محمد لا تجرّده، فغسلته والقميص عليه، فلا واللهِ الذي أكرمه بالنبوّة وخصّه بالرسالة ما رأيتُ له عورة، خصّني الله بذلك من بين أصحابه.

وأمّا السابعة عشرة: فإنّ الله (عز وجل) زوّجني فاطمة وقد كان خطبها أبو بكر وعمر، فزوّجني الله من فوق سبع سماواته، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هنيئاً لك يا علي، فإنّ الله (عز وجل) قد زوّجك فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة وهي بضعة منّي، فقلت: يا رسول الله أو لستُ منك؟ قال: بلى يا علي، أنت مني وأنا منك كيميني من شمالي، لا أستغني عنك في الدنيا والآخرة.

وأمّا الثامنة عشرة: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: يا علي أنت صاحب لواء الحمد في الآخرة، وأنت يوم القيامة أقرب الخلائق منّي مجلساً، يُبسط لي ويُبسط لك، فأكون في زمرة النبيّين، وتكون في زمرة الوصيّين، ويوضع على رأسك تاج النور وإكليل الكرامة، يحفّ بك سبعون ألف ملك حتّى يفرغ الله (عز وجل) من حساب الخلائق.

وأمّا التاسعة عشرة: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لي: ستقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، فمن قاتلك منهم فإنّ لك بكلّ رجل منهم شفاعة في مائة ألف من شيعتك، فقلت: يا رسول الله فمَن الناكثون؟ قال: طلحة والزبير، سيُبايعانك بالحجاز وينكثان بالعراق، فإذا فعلا ذلك فحاربهما، فإنّ في قتالهما طهارة لأهل الارض، قلت: فمن القاسطون؟ قال: معاوية وأصحابه، قلت: فمن المارقون؟ قال: أصحاب ذي الثديّة، وهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فاقتلهم فإنّ في قتلهم فرجاً لأهل الأرض وعذاباً مؤجلاً عليهم، وذُخراً لك عند الله (عز وجل) يوم القيامة.

وأمّا العشرون: فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: «مثلك في أمّتي مثل باب حطّّة في بني إسرائيل، فمن دخل في ولايتك فقد دخل الباب كما أمره الله (عز وجل).

وأمّا الحادية والعشرون: فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: «أنا مدينة العلم وعلي بابها، ولن يدخل المدينة إلاّ من بابها، ثم قال: يا علي إنّك سترعى ذمّتي، وتقاتل على سُنّتي، وتخالفك أمّتي».

وأمّا الثانية والعشرون: فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: «إنّ الله تبارك وتعالى خلق ابنيّ الحسن والحسين من نور ألقاه إليك وإلى فاطمة، وهما يهتزّان كما يهتزّ القُرطان إذا كانا في الأُذنين، ونورهما متضاعف على نور الشهداء سبعين ألف ضعف، يا علي إنّ الله (عز وجل) قد وعدني أن يُكرمهما كرامة لا يكرم بها أحداً ما خلا النبيّين والمرسلين».

وأمّا الثالثة والعشرون: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعطاني خاتمه في حياته ودرعه ومنطقته، وقلّدني سيفه وأصحابه كلّهم حضور وعمّي العبّاس حاضر، فخصّني الله (عز وجل) بذلك دونهم.

وأمّا الرابعة والعشرون: فإنّ الله (عز وجل) أنزل على رسوله «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً»(29) فكان لي دينار فبعتُه بعشرة دراهم، فكنت إذا ناجيتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أصّدق قبل ذلك بدرهم، وواللهِ ما فعل هذا أحد من أصحابه قبلي ولا بعدي، فأنزل الله (عز وجل) «أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ»(30) الآية، فهل تكون التوبة إلاّ من ذنب كان؟

وأمّا الخامسة والعشرون: فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: «الجنّة محرّمة على الأنبياء حتّى أدخلها أنا، وهي محرّمة على الأوصياء حتّى تدخلها أنت، يا علي إنّ الله تبارك وتعالى بشّرني فيك ببشرى لم يُبشّر بها نبيّاً قبلي، بشّرني بأنّك سيّد الأوصياء، وأنّ ابنيك الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة يوم القيامة.

وأمّا السادسة والعشرون: فإنّ جعفراً أخي الطيّار في الجنّة مع الملائكة، المزيّن بالجناحين من درّ وياقوت وزبرجد.

وأمّا السابعة والعشرون: فعمّي حمزة سيّد الشهداء.

وأمّا الثامنة والعشرون: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «إنّ الله تعالى وعدني فيك وعداً لن يُخلفه، وجعلني نبيّاً وجعلك وصيّاً، وستلقى من أمّتي من بعدي ما لقي موسى من فرعون، فاصبر واحتسب حتّى تلقاني، فأوالي من والاك وأعادي من عاداك».

وأمّا التاسعة والعشرون: فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: «يا عليّ أنت صاحب الحوض لا يملكه غيرك، وسيأتيك قوم فيستسقونك فتقول: لا ولا مثل ذرّة، فينصرفون مسودّة وجوههم، وسترد عليك شيعتي وشيعتك فتقول: روّوا رواء مرويّين، فيردون مبيضّة وجوههم».

وأمّا الثلاثون: فإنّي سمعته (صلى الله عليه وآله) يقول: تُحشر أمتي يوم القيامة على خمس رايات: فأوّل راية ترد عليّ راية فرعون هذه الأمة وهو معاوية، والثانية مع سامريّ هذه الأمة عمرو بن العاص، والثالثة مع جاثليق هذه الأمة وهو أبو موسى الأشعريّ، والرابعة مع أبي الأعور السلميّ، وأمّا الخامسة فمعك يا علي، تحتها المؤمنون وأنت إمامهم، ثم يقول الله تبارك وتعالى للأربعة «ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ»،(31) وهم شيعتي ومن والاني وقاتل معي الفئة الباغية والناكثة عن الصراط، وباب الرحمة هم شيعتي، فينادي هؤلاء: «أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَْمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ»،(32) ثمّ ترد أمّتي وشيعتي فيروون من حوض محمّد (صلى الله عليه وآله) وبيدي عصا عوسج أطرد بها أعدائي طرد غريبة الإبل.

وأمّا الحادية والثلاثون: فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لولا أن يقول فيك الغالون من أمّتي ما قالت النصارى في عيسى ابن مريم، لقلت فيك قولاً لا تمرّ بملأ من الناس إلاّ أخذوا التراب من تحت قدميك يستشفون.

وأمّا الثانية والثلاثون: فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: «إنّ الله تبارك وتعالى نصرني بالرعب، فسألته أن ينصرك بمثله، فجعل لك من ذلك مثل الذي جعله لي».

وأمّا الثالثة والثلاثون: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) التقم أُذني وعلّمني ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، فساق الله (عز وجل) ذلك إلى لسان نبيّه.

وأمّا الرابعة والثلاثون: فإنّ النصارى ادّعوا أمراً، فأنزل الله (عز وجل) «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ»(33) فكانت نفسي نفسَ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والنساء فاطمة، والأبناء الحسن والحسين، ثمّ ندم القوم فسألوا الإعفاء فأعفاهم، والذي أنزل التوراة على موسى والفُرقان على محمد لو باهلوا لمُسخوا قردة وخنازير.

وأمّا الخامسة والثلاثون: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجّهني يوم بدر فقال: ائتني بكفّ حصيات مجموعة في مكان واحد، فأخذتها ثمّ شممتها فإذا هي طيّبة تفوح منها رائحة المسك، فأتيتُه بها فرمى بها وجوه المشركين، وتلك الحصيات أربع منها كنّ من الفردوس وحصاة من المشرق وحصاة من المغرب وحصاة من تحت العرش، مع كلّ حصاة مأة ألف مَلَك مدداً لنا، لم يُكرم الله (عز وجل) بهذه الفضيلة أحداً قبلُ ولا بعدُ.

وأمّا السادسة والثلاثون: فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ويلٌُ لقاتلك! إنّه أشقى من ثمود ومن عاقر الناقة، وإنّ عرش الرحمن يهتزّ لقتلك، فأبشر يا علي فإنّك في زمرة الصدّيقين والشهداء والصالحين.

وأمّا السابعة والثلاثون: فإنّ الله تبارك وتعالى قد خصّني من بين أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) بعلم الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والخاصّ والعام، وذلك ممّا منّ الله به عليّ وعلى رسوله (صلى الله عليه وآله)، وقال لي الرسول (صلى الله عليه وآله): يا علي إنّ الله (عز وجل) أمرني أن أٌدنيك ولا أُقصيك، وأعلّمك ولا أجفوك، وحقّ عليَّ أن أطيع ربيّ، وحقّ عليك أن تعي.

وأمّا الثامنة والثلاثون: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعثني بعثاً ودعا لي بدعوات وأطلعني على ما يجري بعده، فحزن لذلك بعض أصحابه (صلى الله عليه وآله) وقال: لو قدر محمد أن يجعل ابن عمّه نبيّاً لجعله، فشرّفني الله بالاطّلاع على ذلك على لسان نبيّه.

وأمّا التاسعة والثلاثون: فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: كذب من زعم أنّه يحبّني ويُبغض علياً، لا يجتمع حبّي وحبّه إلاّ في قلب مؤمن، إنّ الله (عز وجل) جعل أهل حبّي وحبّك يا علي في أوّل زمرة السابقين إلى الجنّة، وجعل أهل بُغضي وبُغضك في أوّل الضالّين من أمّتي إلى النار.

وأمّا الأربعون: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجّهني في بعض الغزوات إلى ركيّ فإذا ليس فيه ماء، فرجعت إليه فأخبرته، فقال: أفيه طين؟ فقلت: نعم، فقال: إيتني منه، فأتيت منه بطين فتكلّم فيه ثمّ قال: ألقه في الركي، بألقيتُه فإذا الماء قد نبع حتّى امتلأ جوانب الركي، فجئت إليه فأخبرته، فقال لي: وُفّقت يا علي، وببركتك نبع الماء، فهذه المنقبة خاصّة لي من دون أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله).

وأمّا الحادية والأربعون: فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أبشر يا علي! فإنّ جبرئيل (عليه السلام) أتاني فقال لي: يا محمد إنّ الله تبارك وتعالى نظر إلى أصحابك فوجد ابن عمك وختنك على ابنتك فاطمة خيرَ أصحابك، فاجعله وصيّك والمؤدّي عنك.

وأمّا الثانية والأربعون: فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أبشر يا علي! فإنّ منـزلك في الجنّة مواجه منـزلي، وأنت معي في الرفيق الأعلى في أعلى عليّين، قلت: يا رسول الله وما أعلى عليّون؟ فقال: قبّة من درّة بيضاء لها سبعون ألف مصراع، مسكن لي ولك يا علي.

وأمّا الثالثة والأربعون: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إنّ الله (عز وجل) رسّخ حبّي في قلوب المؤمنين، وكذلك رسّخ حبّك يا علي في قلوب المؤمنين، ورسّخ بُغضي وبغضك في قلوب المنافقين، فلا يُحبّك إلاّ مؤمن تقيّ، ولا يُبغضك إلاّ منافق كافر.

وأمّا الرابعة والأربعون: فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لن يُبغضك من العرب إلاّ دعيّ، ولا من العجم إلاّ شقيّ، ولا من النساء إلاّ سلقلقيّة.

وأمّا الخامسة والأربعون: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعاني وأنا أرمد العين، فتفل في عيني وقال: اللهمّ اجعل حرّها في بردها، وبردها في حرّها، فوالله ما اشتكت عيني إلى هذه الساعة.

وأمّا السادسة والأربعون: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر أصحابه وعُمومته بسدّ الأبواب وفتح بابي بأمر الله (عز وجل)، فليس لأحدٍ منقبة مثل منقبتي.

وأمّا السابعة والأربعون: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمرني في وصيّته بقضاء ديونه وعِداته، فقلت: يا رسول الله قد علمتَ أنّه ليس عندي مال، فقال: سيُعينك الله، فما أردتُ أمراً من قضاء ديونه وعِداته إلاّ يسّره الله لي، حتّى قضيت ديونه وعداته، وأحصيتُ ذلك فبلغ ثمانين ألفاً، وبقي بقيّة فأوصيت الحسن أن يقضيها.

وأمّا الثامنة والأربعون: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتاني في منـزلي ولم يكن طَعِمنا منذ ثلاثة أيام، فقال: يا علي هل عندك من شيء؟ فقلت: والذي أكرمك بالكرامة واصطفاك بالرسالة ما طعمتُ وزوجتي وابناي منذ ثلاثة أيام، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): يا فاطمة ادخلي البيت وانظري هل تجدين شيئاً؟ فقالت: خرجت الساعة، فقلت: يا رسول الله أدخله أنا؟ فقال: ادخل باسم الله، فدخلت فإذا بطبق موضوع عليه رطب وجفنة من ثريد، فحملتها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا علي رأيت الرسول الذي حمل هذا الطعام؟ فقلت نعم، فقال: صفه لي، فقلت: من بين أحمر وأخضر وأصفر، فقال (صلى الله عليه وآله): تلك خطط جناح جبرئيل (عليه السلام) مكللّة بالدرّ والياقوت، فأكلنا من الثريد حتّى شبعنا فما رُأي إلاّ خدش أيدينا وأصابعنا، فخصّني الله (عز وجل) بذلك من بين أصحابه (الصحابة).

وأمّا التاسعة والأربعون: فإنّ الله تبارك وتعالى خصّ نبيّه بالنبوّة، وخصّني النبي (صلى الله عليه وآله) بالوصيّة، فمن أحبّني فهو سعيد يُحشر في زمرة الأنبياء (عليهم السلام).

وأمّا الخمسون: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث ببراءة مع أبي بكر، فلمّا مضى أتى جبرئيل فقال: يا محمد لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك، فوجَّهَني على ناقته العضباء، فلحقته بذي الحليفة فأخذتها منه، فخصّني الله (عز وجل) بذلك منه.

وأمّا الحادية والخمسون: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أقامني للناس كافّة يوم غدير خُمّ فقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، فبُعداً وسحقاً للقوم الظالمين.

وأمّا الثانية والخمسون: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: يا علي ألا أعلّمك كلمات علّمنيهنّ جبرئيل؟ فقلت: بلى، قال: يا رازق المقلّين ويا راحم المساكين ويا أسمع السامعين ويا أبصر الناظرين ويا أرحم الراحمين، ارحمني وارزقني.

وأمّا الثالثة والخمسون: فإنّ الله تبارك وتعالى لن يذهب بالدنيا حتّى يقوم منّا القائم يقتل ولا يقبل الجزية، ويكسر الصليب والأصنام وتضع الحرب أوزارها، ويدعو إلى أخذ المال فيقسمه بالسوية ويعدل في الرعية.

وأمّا الرابعة والخمسون: فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: يا علي سيلعنك بنو أميّة، ويردّ عليهم ملك بكلّ لعنة ألف لعنة، فإذا قام القائم (عليه السلام) لعنهم أربعين سنة.

وأمّا الخامسة والخمسون: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: سيفتتن فيك طوائف من أمّتي فتقول: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يخلّف شيئاً فيما إذا أوصى علياً، أو ليس كتاب الله ربّي أفضل الأشياء بعد الله (عز وجل)؟ والذي بعثني بالحقّ لأن لم تجمعه بإتقان لم يُجمع أبداً، فخصّني الله (عز وجل) بذلك من دون الصحابة.

وأمّا السادسة والخمسون: فإنّ الله تبارك وتعالى خصّني بما خصّ به أولياءه وأهل طاعته، وجعلني وارث محمّد (صلى الله عليه وآله)، فمن ساءه ساءه، ومن سرّه سرّه، وأومى بيده نحو المدينة.

وأمّا السابعة والخمسون: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان في بعض الغزوات ففقد الماء، فقال لي: يا علي قُم إلى هذه الصخرة وقل: أنا رسول رسول الله (صلى الله عليه وآله) تفجّري إليّ ماء، فوالله الذي أكرمه بالنبوّة لقد أبلغتُها الرسالة فطلع منها مثل ثدي البقر، فسال من كلّ ثدي منها ماء، فلمّا رأيت ذلك أسرعت إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) فأخبرتُه فقال: انطلق يا علي فخُذ من الماء، فجاء القوم حتّى ملأوا قِربهم وأدواتهم وسقوا دوابهم وشربوا وتوضّوا، فخصّني الله (عز وجل) بذلك من دون الصحابة.

وأمّا الثامنة والخمسون: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمرني في بعض غزواته وقد نفد الماء وقال: يا علي ائتِ بتور،(34) فأتيته به، فوضع يده اليمنى ويدي معها في التور فقال: انبع، فنبع الماء من بين أصابعنا.

وأمّا التاسعة والخمسون: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجّهني إلى خيبر، فلمّا أتيته وجدتُ الباب مغلقاً فزعزعته شديداً فقلعته ورميت به أربعين خطوة فدخلت، فبرز إليّ مرحب فحمل عليّ وحملت عليه وسقيت الأرض دمه، وقد كان (صلى الله عليه وآله) وجّه رجلين من أصحابه فرجعا منكسفين.

وأمّا الستّون: فإنّي قتلت عمرو بن عبد ودّ، وكان يُعدّ بألف رجل.

وأمّا الحادية والستّون: فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: يا علي مثلك في أمتي مثل «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ »فمن أحبّك بقلبه وأعانك بلسانه فكأنما قرأ ثُلثي القرآن، ومن أحبّك بقلبه ولسانه ونصرك بيده فكأنما قرأ القرآن كلّه.

وأمّا الثانية والستّون: فإنّي كنت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في جميع المواطن والحروب، وكانت رايته معي.

وأمّا الثالثة والستّون: فإنّي لم أفرّ من الزحف قطّ، ولم يُبارزني أحد إلاّ سقيت الأرض من دمه.

وأمّا الرابعة والستّون: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أُتي بطير مشوي من الجنّة، فدعى الله (عز وجل) أن يدخل عليه أحبّ الخلق إليه، فوفّقني الله تعالى للدخول عليه حتّى أكلت معه من ذلك الطير.

وأمّا الخامسة والستّون: فإنّي كنت أصلّي في المسجد فجاء سائل فسأل وأنا راكع، فناولتُه خاتمي من اصبعي، فأنزل الله تبارك وتعالى «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ».(35)

وأمّا السادسة والستّون: فإنّ الله تبارك وتعالى ردّ عليّ الشمس مرتين، ولم يردّها على أحد من أمّة محمّد غيري.

وأمّا السابعة والستّون: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر أن أُدعى بإمرة المؤمنين في حياته وبعد موته، ولم يُطلق ذلك لأحد غيري.

وأمّا الثامنة والستّون: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: يا علي إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من بطنان العرش: أين سيّد الأنبياء؟ فأقوم، ثم ينادي: أين سيّد الأوصياء؟ فتقوم، ويأتيني رضوان بمفاتيح الجنّة، ويأتيني مالك بمقاليد النار، فيقولان: إنّ الله جلّ جلاله أمرنا أن ندفعها إليك، ويأمرك أن تدفعها إلى علي بن أبي طالب، فتكون يا علي قسيم الجنّة والنار.

وأمّا التاسعة والستّون: فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لولاك ما عُرف المنافقون من المؤمنين.

وأمّا السبعون: فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) نام ونوّمني وزوجتي فاطمة وابني الحسن والحسين وألقى علينا عباءة قطوانيّة، فأنزل الله تبارك وتعالى «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»(36) وقال جبرئيل (عليه السلام): أنا منكم يا محمد، فكان سادسنا جبرئيل.(37)

* * *

(1) الأنفال: 48.

(2) الخصال للصدوق: 219 - 220/ ح44؛ أمالي الصدوق: 184 - 185/ ح190؛ بحار الأنوار 31: 446 - 447/ ح3 و4.

(3) شرح نهج البلاغة 10: 180؛ بحار الأنوار 20: 333.

(4) البقرة: 260.

(5) شرح نهج البلاغة 10: 180.

(6) البقرة: 7.

(7) النور: 40.

(8) شرح نهج البلاغة 10: 182.

(9) البقرة: 207.

(10) كشف الغمة 1: 193.

(11) كشف الغمة 1: 194.

(12) الإرشاد للمفيد 1: 90؛ بحار الأنوار20: 88.

(13) الإرشاد 1: 103.

(14) كشف الغمة 1: 205.

(15) الإرشاد 1: 116.

(16) الإرشاد 1: 122.

(17) كشف الغمة 1: 210.

(18) سنن الترمذي 5: 298/ ح3799.

(19) الإرشاد 1: 124.

(20) كشف الغمّة 1: 211.

(21) الإرشاد 1: 138.

(22) التوبة: 25 و26.

(23) الإرشاد 1: 140 - 141.

(24) أمالي الطوسي: 572 - 573/ ح1185؛ بحار الأنوار 22: 499 - 500/ ح46.

(25) أمالي الطوسي: 600 - 602/ ح1244؛ بحار الأنوار 22: 500 - 501/ ح47.

(26) أمالي الطوسي: 385/ ح836؛ بحار الأنوار 22: 506 - 507/ ح8.

(27) بحار الأنوار 22: 507 - 511/ ح9؛ أمالي الصدوق: 732 - 737/ ح1004.

(28) بحار الأنوار 22: 533 - 534؛ مناقب آل أبي طالب 3: 116.

(29) المجادلة: 12.

(30) المجادلة: 13.

(31) الحديد: 13.

(32) الحديد: 14 و15.

(33) آل عمران: 61.

(34) التور: من الأواني. (لسان العرب 4: 96، مادّة «تور»).

(35) المائدة: 55.

(36) الأحزاب: 33.

(37) بحار الأنوار: 31/ 432 - 446/ ح2؛ الخصال للصدوق 2: 572 - 580/ ح1؛ أبواب السبعين وما فوقه.