من كتاب له (عليه السلام) إلى معاوية جواباً: [ يذكر فيه مثالب معاوية ومناقب أهل البيت (عليهم السلام)]

«أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَتَانِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ اصْطِفَاءَ اللَّهِ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله) لِدِينِهِ وَتَأْيِيدَهُ إِيَّاهُ لِمَنْ أَيَّدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ فَلَقَدْ خَبَّأَ لَنَا الدَّهْرُ مِنْكَ عَجَباً إِذْ طَفِقْتَ تُخْبِرُنَا بِبَلَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَنَا وَنِعْمَتِهِ عَلَيْنَا فِي نَبِيِّنَا فَكُنْتَ فِي ذَلِكَ كَنَاقِلِ التَّمْرِ إِلَى هَجَرَ أَوْ دَاعِي مُسَدِّدِهِ إِلَى النِّضَالِ وَزَعَمْتَ أَنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ فِي الْإِسْلَامِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَذَكَرْتَ أَمْراً إِنْ تَمَّ اعْتَزَلَكَ كُلُّهُ وَإِنْ نَقَصَ لَمْ يَلْحَقْكَ ثَلْمُهُ وَمَا أَنْتَ وَالْفَاضِلَ وَالْمَفْضُولَ وَالسَّائِسَ وَالْمَسُوسَ وَمَا لِلطُّلَقَاءِ وَأَبْنَاءِ الطُّلَقَاءِ وَالتَّمْيِيزَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَتَرْتِيبَ دَرَجَاتِهِمْ وَتَعْرِيفَ طَبَقَاتِهِمْ هَيْهَاتَ لَقَدْ حَنَّ قِدْحٌ لَيْسَ مِنْهَا وَطَفِقَ يَحْكُمُ فِيهَا مَنْ عَلَيْهِ الْحُكْمُ لَهَا أَلَا تَرْبَعُ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ عَلَى ظَلْعِكَ وَتَعْرِفُ قُصُورَ ذَرْعِكَ وَتَتَأَخَّرُ حَيْثُ أَخَّرَكَ الْقَدَرُ فَمَا عَلَيْكَ غَلَبَةُ الْمَغْلُوبِ وَلَا ظَفَرُ الظَّافِرِ وَإِنَّكَ لَذَهَّابٌ فِي التِّيهِ رَوَّاغٌ عَنِ الْقَصْدِ أَلَا تَرَى غَيْرَ مُخْبِرٍ لَكَ وَلَكِنْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ أُحَدِّثُ أَنَّ قَوْماً اسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَلِكُلٍّ فَضْلٌ حَتَّى إِذَا اسْتُشْهِدَ شَهِيدُنَا قِيلَ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ وَخَصَّهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) بِسَبْعِينَ تَكْبِيرَةً عِنْدَ صَلَاتِهِ عَلَيْهِ أَوَ لا تَرَى أَنَّ قَوْماً قُطِّعَتْ أَيْدِيهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِكُلٍّ فَضْلٌ حَتَّى إِذَا فُعِلَ بِوَاحِدِنَا مَا فُعِلَ بِوَاحِدِهِمْ قِيلَ الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ وَذُو الْجَنَاحَيْنِ وَلَوْ لا مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ تَزْكِيَةِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ لَذَكَرَ ذَاكِرٌ فَضَائِلَ جَمَّةً تَعْرِفُهَا قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا تَمُجُّهَا آذَانُ السَّامِعِينَ».(1) إلى آخر الكتاب.

* * *

[الشرح]:

قال العلاّمة الشيخ محمد جواد مغنية في كتابه (علي والقرآن):

«لا يستطيع الإنسان ـ أي إنسان ـ أن يتجرّد عن ذاته وانطباعته، وأن يسند معلوماته وتصوّراته إلى الواقع بعيدة عن شخصه ومُعطياته مهما حاول واجتهد، إلاّ إذا استطاع أن يُوجد علماً بدون عالم، ورسماً بدون رسّام، وهو مستحيل كاستحالة وجود القيام بلا قائم، والكتابة بلا كاتب».

وعلى هذا فإذا حصلت لنا المعرفة بشيء وتحدّثنا عنه فإنّما نتحدث عن وعينا وعن الصورة التي تمثّلناها لذلك الشيء، وقد تأتي مطابقة وقد تكون مخالفة، حيث لا تلازم بين الواقع والشعور الذي يعكسه، فالواقع مستقلّ عن الفكر لا يستدعي معرفة الواقع.

وهذا المبدأ يطّرد في الجميع إلاّ في الأنبياء الذين تلقّوا الوحي من الله، وإلاّ في الأولياء الذين أحاطوا علماً بكتاب الله وأخذوا عن الأنبياء بلا واسطة، كالإمام علي (عليه السلام)، فإنّ علمه عين الواقع لا ينفكّ عنه بحال، ومن هنا قال: «لو كُشف لي الغطاء ما ازددتُ يقيناً» حيث لا جديد يوجب الزيادة.

فالذي يحجّ إلى مكّة المكرّمة لا يزداد معرفة بأصل وجودها بعد أن يصل إليها، وهكذا علوم الإمام تمثّل الحقيقة تمثيلاً صحيحاً بعيداً كلّ البعد عن الخطأ والإلتباس.

والانسان الذي يعتمد كتاب الله وماتواتر عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) فعِلمه عن الحقّ واليقين، وعلى هذا الأساس نتكلّم في هذا البحث عن صفات الإمام وخصائصه وفضائله، فما دلّ عليه الكتاب والحديث المرويّ بطريق الشيعة والسنّة أثبتناه، ولا شأن لنا بغيره.

 

علي أخو الرسول:

قال ابن حجر في كتاب الصواعق المحرقة (ص 122 طبعة سنة 1375) قال النبيّ (صلى الله عليه وآله): «خير أخوتي علي، وخير أعمامي حمزة». وفي ص 120 منه أنّه قال لعلي: «أنت أخي في الدنيا والآخرة».

قال الثعلبي في العرائس (ص 149): قال أهل التفسير وأصحاب الأخبار: إن الله أهبط تابوتاً على آدم (عليه السلام) من الجنّة حين أُهبط إلى الأرض فيه صور الأنبياء من أولاده، وفيه بيوت بعدد الرسل منهم، وآخر البيوت بيت محمّد (صلى الله عليه وآله) من ياقوتة حمراء (إلى أن قال): وبين يديه علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) شاهر سيفه على عاتقه، ومكتوب على جبهته «هذا أخوه وابن عمه المؤيَّد بالنصر من عند الله».

وقال محبّ الدين الطبري في ذخائر العقبى (ص 92)، عن أنس بن مالك قال: صعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) المنبر فذكر قولاً كثيراً ثم قال: أين علي بن أبي طالب؟ فوثب إليه فقال: ها أنا ذا يا رسول الله، فضمّه إلى صدره وقبّل بين عينيه وقال بأعلى صوته: معاشر المسلمين هذا أخي وابن عمي وختني، هذا لحمي ودمي وشعري، هذا أبو السبطَين الحسن والحسين سيّدي شباب أهل الجنّة، هذا مفرّج الكروب عنّي، هذا أسد الله وسيفه في أرضه على أعدائه، على مبغضه لعنة الله ولعنة اللاعنين، والله بريء منه وأنا منه بريء».

وذكر البيهقيّ في كتابه «المحاسن والمساوئ» (جزء أول ص 35) عن الزهريّ في حديث حول حرب الجمل: فقالت عائشة لرجل من ضبّة وهو آخذ بخطام جملها أو بعيرها: أين ترى علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)؟ قال: ها هو ذا واقف رافع يده إلى السماء، فنظرت فقالت: ما أشبهه بأخيه، قال الضبّي: ومن أخوه ؟ قالت: رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: فلا أراني أقاتل رجلاً هو أخو رسول الله (عليه السلام)، فنبذ خطام راحلتها من يده ومال إليه».

 

[آيات في حق علي (عليه السلام)]:

وفي مسند أحمد بن حنيل، والرياض النضرة لمحبّ الدين الطبري (ج 2 ص 209)، وتاريخ بن عساكر (مج 6 ص 201)، وتذكرة الخواص لسبط بن الجوزي ص 14، وفي كنـز العمّال (مج 6 ص 390)، وفي كفاية الشنقيطي (ص 35)، هؤلاء كلّهم رووا عن زيد بن أبي أوفى قال: لمّا آخى النبي (صلى الله عليه وآله) بين أصحابه، وآخى بين عمر وأبي بكر (إلى أن قال:) فقال علي (عليه السلام): لقد ذهب روحي وانقطع ظهري حين رأيتك فعلتَ بأصحابك مافعلت غيري، فإن كان هذا من سخط عليَّ فلك العُتبى والكرامة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): والذي بعثني بالحقّ ما أخّرتُك إلاّ لنفسي، وأنت منّي بمنـزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي، وأنت أخي ووارثي. قال: وما أرث منك يا رسول الله ؟ قال: ما ورث الأنبياء من قبلي. قال: وما ورث الأنبياء من قبلك؟ قال: كتاب ربّهم وسنّة نبيّهم، وأنت معي في قصري في الجنة مع فاطمة ابنتي، وأنت أخي ورفيقي، ثمّ تلا رسول الله (صلى الله عليه وآله) «إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ».(2)

إلى كثير وكثير من هذه الأحاديث، ولو ذهبنا إلى جمع شوارد هذا الباب لجاء منه كتاب ضخم.

هذه الأخوّة بالمعنى الخاصّ الثابتة لأمير المؤمنين (عليه السلام) ولا يدّعيها غيره إلاّ كذّاب كما ورد في الحديث الذي جاء في مناقب أحمد، وتاريخ ابن عساكر، وكفاية الكنجيّ، وتذكرة سبط ابن الجوزيّ وصحّحه وردّ على جده في تضعيفه سنده، وفي المرقاة في شرح المشكاة (ص 569) هؤلاء كلّهم رووا عن جابر بن عبد الله وسعد بن المسيب، قالا: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) آخى بين أصحابه، فبقي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأبو بكر وعمر وعلي، فآخى بين أبي بكر وعمر، وقال لعلي: أنت أخي وأنا أخوك، فإن ناكرك أحد فقل: أنا عبد الله وأخو رسول الله، لايدّعيها بعدك إلا كذّاب».

 

[علي (عليه السلام) هو الشاهد]:

علي هو الشاهد في الآية 17 من سورة هود «أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ».(3)

قال الرازي: في تفسير الشاهد وجوه: ثالثها أنّه علي، والمراد تشريفه بأنّه بعض من محمد. وقال السيوطيّ في الدرّ المنثور،(4) والطبري في تفسيره:(5) رسول الله (صلى الله عليه وآله) على بيّنة من ربّه وعلي شاهد منه».

علي صاحب النجوى في قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ».(6)

أجمع المفسّرون الشيعة والسنّة على أنّ هذه الآية لم يعمل بها أحد إلاّ الإمام علي، وذلك أنّ المسلمين أكثروا السؤال على الرسول حتّى شقّوا عليه، فأمرهم الله بهذه الآية أن يتصدّقوا قبل أن يسألوا، فأحجموا إلاّ الإمام تصدّق وسأل، ثم نُسخت الآية، وقال الإمام (عليه السلام): كنت إذا سألت النبي (صلى الله عليه وآله) أجابني، وإذا سكتّ ابتدأني.(7)

علي هو سابق الأمة في قوله تعالى: «وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ».(8)

قال الفضل بن روزبهان ـ وهو من كبار العلماء عند السنّة ـ في كتاب إبطال الباطل جاء في رواية أهل السنّة: سبّاق الأمم ثلاثة: مؤمن آل فرعون، وحبيب النجّار، وعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولا شكّ أنّ علياً (عليه السلام) سابق في الإسلام وصاحب السابقة والفضائل التي لا تخفى».

وجاء في الجمع بين الصحاح الستّة أنّ طلحة بن شيبة قال مفتخراً: أنا أولى بالبيت لأنّ المفتاح بيدي، وقال العبّاس: أنا أولى أنا صاحب السقاية، فقال علي: أنا أوّل الناس إسلاماً وأكثرهم جهاداً، فنـزلت هذه الآية لبيان أفضليّة الإمام على الجميع: «أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ».(9)

 

[علي (عليه السلام) والوليد]:

علي هو المؤمن في قول الله (عز وجل): «أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ».(10)

أخرج الطبري في تفسيره (ج 21 ص 22) بإسناده عن عطاء بن يسار، قال: كان بين الوليد وعلي (عليه السلام) كلام، فقال الوليد: أنا أبسط منك لساناً وأحدّ منك سناناً وأردّ منك للكتيبة، فقال علي: اسكت فإنّك فاسق، فأنزل الله فيهما: «أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ».

وفي الأغاني (ج4 ص 185) وتفسير الخازن (مج 3 ص 470): كان بين علي والوليد تنازع وكلام في شيء، فقال الوليد لعلي: اسكت فإنّك صبي وأنا شيخ، والله إنّي أبسط منك لساناً وأحدّ منك سناناً وأجمع منك جناناً وأملأ منك حشواً في الكتيبة، فقال له علي: أُسكت فإنّك فاسق، فأنزل الله هذه الآية.

وأخرجه محبّ الدين الطبري في الرياض النضرة (ج 3 ص 206) عن ابن عباس وقتادة من طريق الحافظين السلفيّ والواحديّ، وفي ذخائر العقبى (ص 88) والخوارزمي في المناقب (ص 188) والكنجي في الكفاية (ص 55) والنيشابوري في تفسيره، وابن كثير في تفسيره (مج 3 ص 462) قال: ذكر عطاء بن يسار والسدي وغيرهما أنّها نزلت في علي ابن أبي طالب وعقبة، وذكرها غير هؤلاء من الأساطين.

قال حسّان بن ثابت في ذلك ـ على ما ذكر أبو المظفّر سبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرته (ص 115) والكنجي الشافعي في الكفاية (ص55) وابن طلحة الشافعي في مطالب السؤل (ص 20) ـ وقال: فشت هذه الأبيات من قول حسّان وتناقلها سمع عن سمع ولسان عن لسان:

أنزل الله والكتاب عزيزٌ
فتبوّا الوليد من ذاك فسقاً
ليس مَن كان مؤمناً عرف الله
فعليُّ يلقى لدى الله عزّاً
سوف يُجزى الوليد خِزياً وناراً

 

في علي وفي الوليد قرانا
وعليّ مبؤّأٌ إيمانا
كمَن كان فاسقاً خوّانا
ووليدٌ يلقى هناك هَوانا
وعلي لا شكّ يُجزى جِنانا

رواها ابن أبي الحديد المعتزليّ في شرح النهج (مج 2 ص 103 ط الاولى).

علي هو الأُذن الواعية في قوله (عز وجل): «وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ »(الحاقة: آية 12).

قال الفضل بن روز بهان في كتاب إبطال الباطل: روى المفسّرون ـ السنّة ـ أنّه لمّا نزلت هذه الآية قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): سألت الله أن يجعلها أُذنك. قال علي: فما نسيتُ بعد هذا شيئاً، وهذا يدلّ على عِلمه وحِفظه وفضيلته».

وفي كتاب ذخائر العقبى للمحب الطبري (ص 61 طبعة سنة 1356 هـ) قال الرسول (صلى الله عليه وآله) للإمام علي: يا علي ما سألتُ الله (عز وجل) شيئاً من الخير إلاّ سألتُ لك مثله، ولا استعذتُ الله من الشر إلاّ استعذتُ لك مثله.

علي وقول الله (عز وجل): «هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ» ـ (الأنفال: آية 63).

أخرج الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في تاريخه قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن مسلم الشافعي، أخبرنا أبو القاسم بن العلا وأبو بكر محمد بن عمر بن سليمان العريني النصيـبيّ، حدّثنا أبو بكر أحمد بن يوسف بن خلاد، حدّثنا أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المهدي، حدّثنا عباس بن بكار، حدّثنا خالد بن أبي عمر الأسدي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: مكتوب على العرش «لا إله إلاّ الله وحدي لا شريك لي، ومحمّد عبدي ورسولي أيّدته بعليّ» وذلك قوله (عز وجل) في كتابه الكريم: «هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ»(11) علي وحده.(12)

ورواه بإسناده الكنجي الشافعي في كفايته (ص 110) ثم قال: قلت: ذكره ابن جرير في تفسيره، وابن عساكر في تاريخه في ترجمة علي (عليه السلام)، ورواه الحافظ جلال الدين السيوطي في الدرّ المنثور (مج 3 ص 199) نقلاً عن ابن عساكر، والقندوزي في ينابيعه (ص 94) نقلاً عن الحافظ أبي نعيم بإسناده عن أبي هريرة.

وصدر الحديث أخرجه جمع من الحفاظ، منهم الخطيب البغدادي في تاريخه (مج 11 ص 173) بإسناده عن أنس بن مالك، قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): لمّا عُرج بي رأيت على ساق العرش مكتوباً «لا إله إلاّ الله محمد رسول الله أيّدته بعلي نصرته بعليّ».

 

[اقتران اسم علي (عليه السلام) باسم رسول الله (صلى الله عليه وآله)]:

وروى السيّد الهمداني في مودّة القربى، في المودّة الثامنة عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّي رأيت اسمك مقروناً باسمي في أربعة مواطن: لمّا بلغت بيت المقدس في معراجي إلى السماء وجدت على صخرة بها «لا إله إلا الله محمد رسول الله، أيّدته بعلي وزيره» ولمّا انتهيت إلى سدرة المنتهى وجدت عليها «إني أنا الله لا إله إلا أنا وحدي، محمد صفوتي من خلقي، أيّدتُه بعلي وزيره ونصرته به»، ولمّا انتهيت إلى عرش ربّ العالمين فوجدت مكتوباً على قائمه «إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا، محمد حبيـبي من خلقي، أيّدته بعلي وزيره ونصرته به»، فلمّا وصلت الجنّة وجدت مكتوباً على باب الجنّة «لا إله إلاّ أنا ومحمد حبيـبي من خلقي أيّدته بعلي وزيره ونصرته به».

علي في قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» (الأنفال: آية 64).

أخرج الحافظ أبو نعيم في فضائل الصحابة بإسناده أنّها نزلت في علي، وهو المعنيّ بقوله: «الْمُؤْمِنِينَ».

علي في قوله تعالى: «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً» (الأحزاب آية 23).

أخرج الخطيب الخوارزمي في المناقب (ص 188)، وصدر الكنجي في الكفاية ص 122 نقلاً عن ابن جرير وغيره من المفسرين، أنه نزل قوله: «فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ »في حمزة وأصحابه كانوا عاهدوا الله تعالى لا يولّون الأدبار، فجاهدوا مقبلين حتّى قُتلوا، «وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ» علي بن أبي طالب مضى على الجهاد ولم يبدّل ولم يغيّر الآثار.

وفي الصواعق لابن حجر (ص 80)، سئل علي (عليه السلام) وهو على المنبر بالكوفة عن قوله تعالى: «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ» الآية فقال: اللهمّ غفراً، هذه الآية نزلت فيّ وفي عمّي حمزة وفي ابن عمّي عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، فأمّا عبيدة فقضى نَحبه شهيداً يوم بدر، وحمزة قضى نحبه شهيداً يوم أُحد، وأمّا أنا فأنتظر أشقاها يخضب هذه من هذه ـ وأشار إلى لحيته ورأسه ـ عهدٌ عهده إلي حبيـبي أبو القاسم محمد (صلى الله عليه وآله).

 

[تصدق علي (عليه السلام) بالخاتم]:

علي في قوله تعالى: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ» (المائدة: 55).

أخرج أبو اسحاق الثعلبيّ في تفسيره بإسناده عن أبي ذر الغفاري (رضي الله عنه) قال: أما إنّي صلّيت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوماً من الأيام الظهر، فسأل سائل في المسجد فلم يُعطه أحد شيئاً، فرفع السائل يديه إلى السماء وقال: اللهمّ اشهد أنّي سألتُ في مسجد نبيّك محمد (صلى الله عليه وآله) فلم يُعطني أحد شيئاً، وكان علي (رضي الله عنه) في الصلاة راكعاً، فأومأ إليه بخُنصره اليمنى وفيه خاتم، فأقبل السائل فأخذ الخاتم من خنصره وذلك بمرأى من النبي (صلى الله عليه وآله) وهو في المسجد، فرفع رسول الله (صلى الله عليه وآله) طرفه إلى السماء وقال: اللهم إنّ أخي موسى سألك فقال: «رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي» فأنزلت عليه قرآناً «سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما» اللهمّ وإنّي محمد نبيّك وصفيّك، اللهمّ فاشرح لي صدري ويسّر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي علياً اشدُد به ظهري، قال أبو ذر (رضي الله عنه): فما استتمّ دعاؤه حتّى نزل جبرئيل (عليه السلام) من عند الله (عز وجل) وقال: يا محمد اقرأ «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا» الآية.(13)

وفي تصدّق علي (عليه السلام) بخاتمه وهو راكع يقول حسّان بن ثابت:

من ذا بخاتمه تصدّق راكعاً
من كان بات على فراش محمّدٍ
من كان في القرآن سُمّي مؤمناً

 

وأسرّها في نفسه إسرارا
ومحمّدٌ أسرى يؤمّ الغارا
في تِسع آياتٍ تُلين غِزارا

ذكرها أبو المظفّر سبط ابن الجوزيّ الحنفيّ في تذكرته (ص 10) والكَنجي في الكفاية (ص 123).

أخرج هذه الآثار ونزول الآية فيها جمع كثير من أئمّة التفسير والحديث، منهم: الطبريّ في تفسيره (ج 6 ص 165) من طريق ابن عباس وعتبة بن أبي حكيم ومجاهد، والرازي في تفسيره (ج3 ص 431)، والخازن في تفسيره (مج 1 ص 496)، وأبو البركات في تفسيره، والنيشابوريّ في تفسيره (3 ص 461) وكثير من الحفّاظ ورجال الحديث.

 

[مفاخرة علي (عليه السلام) والعباس وشيبة]:

علي في قوله تعالى: «أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ».(14)

أخرج الطبري في تفسيره (ج 10 ص 59) بإسناده عن أنس أنّه قال: قعد العباس وشيبة (ابن عثمان) صاحب البيت يفتخران، فقال له العباس: أنا أشرف منك، أنا عمّ رسول الله ووصي أبيه وساقي الحجيج، فقال شيبة: أنا أشرف منك، أنا أمين الله على بيته وخازنه؟ أفلا ائتمنَك كما ائتمنني؟ فهما على ذلك يتشاجران، حتّى أشرف عليهما علي، فقال له العبّاس: إنّ شيبة فاخرني فزعم أنّه أشرف مني، فقال: فما قلت له يا عمّاه؟ قال: قلت أنا عمّ رسول الله ووصيّ أبيه وساقي الحجيج، أنا أشرف منك، فقال لشيبة: ماذا قلت أنت يا شيبة؟ قال: قلت: أنا أشرف منك، أنا أمين الله على بيته وخازنه، أفلا ائتمنك كما ائتمنني؟ قال: فقال لهما: اجعلاني معكما فخراً، قالا: نعم، قال: فأنا أشرف منكما، أنا أوّل من آمن بالوعيد من ذُكور هذه الأمة، وهاجر وجاهد، وانطلقوا ثلاثتهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فأخبر كلّ واحد منهم بمفخره، فما أجابهم النبيّ بشيء، فانصرفوا عنه، فنـزل جبرئيل (عليه السلام) بالوحي بعد أيّام فيهم، فأرسل النبيّ (صلى الله عليه وآله) إليهم ثلاثتهم حتّى أتوه، فقرأ عليهم «أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ» الآية.

وحديث هذه المفاخرة ونزول الآية فيها أخرجه كثير من الحفّاظ والعلماء مجملاً ومفصّلاً، منهم: القرطبيّ في تفسيره والرازي في تفسيره والخازن في تفسيره وغير هؤلاء.

علي في قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا».(15)

أخرج أبو اسحاق الثعلبيّ في تفسيره بإسناده عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): قل اللهمّ اجعل لي عنك عهداً، واجعل لي في صدور المؤمنين مودّة، فأنزل الله هذه الآية.(16)

ورواه أبو المظفّر سبط ابن الجوزيّ الحنفيّ في تذكرته (ص 10) وقال: وروي عن ابن عباس أنّ هذا الودّ جعله الله لعلي في قلوب المؤمنين. وأخرج الخطيب الخوارزميّ في مناقبه (ص188) حديث ابن عبّاس وبعده بالإسناد عن علي (عليه السلام) أنه قال: لقيني رجل فقال: يا أبا الحسن والله إنّي أُحبّك في الله، فرجعت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبرته بقول الرجل، فقال: لعلّك يا علي اصطنعت إليه معروفاً، قال: فقلت: والله ما اصطنعتُ إليه معروفاً، فقال رسول الله: الحمد لله الذي جعل قلوب المؤمنين تتوق إليك بالمودّة، فنـزل قوله: «ِإنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا». وأخرجه صدر الحفاظ الكنجي في الكفاية (ص 121)، وأخرجه محب الدين الطبري في رياضه (ج 2 ص 207) أنّه لا يبقى مؤمن إلا وفي قلبه ودّ لعلي وأهل بيته.

 

[علي (عليه السلام) وشيعته خير البرية]:

علي في قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ».(17)

أخرج الطبري في تفسيره (ج 3 ص 146) باسناده عن أبي الجارود، عن محمد بن علي في قوله (عز وجل) «أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ »فقال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): أنت يا علي وشيعتك.

وروى الخوارزمي في مناقبه (ص 66) عن جابر قال: كنّا عند النبي (صلى الله عليه وآله) فأقبل علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قد أتاكم أخي، ثم التفت إلى الكعبة فضربها بيده ثم قال: والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة، إنّه أوّلكم إيماناً معي، وأوفاكم بعهد الله، وأقومكم بأمر الله، وأعدلكم في الرعيّة، وأقسمكم بالسويّة، وأعظمكم عند الله مزيّة. قال: وفي ذلك الوقت نزلت فيه «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ»، وكان أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) إذا أقبل علي قالوا: قد جاء خير البريّة.

 

[سأل سائل بعذاب واقع]:

علي في قوله تعالى: «سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ»، ـ سورة المعارج ـ أذعنت به الشيعة، وجاء مثبتاً في كتب التفسير والحديث لمن لا يستهان بهم من علماء أهل السنّة، ودونك منصوصها: كما جاء في المجلد الاول من الغدير:

الحافظ أبو عبيد الهراتي المتوفّى بمكّة سنة 223، روى في تفسيره غريب القرآن قال: لما بلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بغدير خُمّ ما بلغ وشاع ذلك في البلاد، أتى جابر بن النضر بن حارث بن كلدة العبديّ، وفي رواية الثعلبيّ التي أصفق العلماء على نقلها سمّاه الحارث بن النعماء الفهريّ، ولا يبعد صحّة ما في هذه الرواية من (جابر بن النضر) حيث أن جابراً قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) والده النضر صبراً بأمر من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما أسر يوم بدر الكبرى.

الغرض، جاء فقال: يا محمد أمرتنا من الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنّك رسول الله، وبالصلاة والصوم والحج والزكاة فقبلنا منك، ثمّ لم ترضَ بذلك حتّى رفعت بضبع ابن عمّك ففضّلته علينا وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شيء منك أم من الله ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): والذي لا إله إلا هو إنّ هذا من الله. فولّى جابر يريد راحلته وهو: يقول اللهمّ إن كان ما يقول محمّد حقّاً، فأمطِر علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فما وصل إليها حتّى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دُبره وقتله، وأنزل الله تعالى: «سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ» الآية.

وروى هذه القصّة أيضاً أبو بكر النقّاش الموصلي البغدادي المتوفّى 351 في تفسيره شفاء الصدور، وأبو إسحاق الثعلبي النيشابوري المتوفّى 427 في تفسيره الكشف والبيان، والحاكم أبو القاسم الحسكانّي في كتاب دعاة الهداة إلى أداء حقّ الموالاة، وأبو بكر يحيى القطربي المتوفّى 567 في تفسيره في سورة المعارج، وشمس الدين أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي المتوفّى 654 في تذكرته (ص 19)، والشيخ إبراهيم اليمني الوصابي الشافعّي في كتابه الإكتفاء في فضل الأربعة الخلفاء. وشيخ الإسلام الحمويني المتوفى 722 في كتابه فرائد السمطين في الباب الثالث عشر، والشيخ محمد الزرنديّ الحنفيّ في كتابَيه معارج الوصول ودُرر السمطَين، إلى كثير وكثير من فطاحل علماء السنة. انتهى نقلاً عن كتاب الغدير.

وهذه الآيات جزو من كلّ، وقليل من كثير، فقد جاء في كتاب الصواعق المحرقة لابن حجر نقلاً عن ابن عباس (ص 125 طبعة 1375) «أن ما من آية في القرآن إلاّ وعلي أميرها وشريفها» وكذا ذكر السيوطيّ في تاريخ الخلفاء، ولقد عاتب الله أصحاب محمّد في غير مكان وما ذكر علياً إلاّ بخير، وإنّ ابن عساكر قال: ما نزل في أحد من كتاب الله تعالى ما نزل في علي، ولقد بلغت الآيات فيه ثلاثمائة آية».

ولو فرضنا أنّه لم تنـزل آية واحدة بالخصوص في علي، فإنّ كلّ ما في القرآن من ثناء على عامل بخير من أيّ نوع كان فإنّه يشمل علياً ويدلّ عليه صراحة، لأنّه السبّاق في جميع المكرمات.

ولقد أثار دهشتي ظاهرة فريدة في بابها، فاجأتني وأنا أبحث وأنقّب في مصادر هذه الصفات، وهي أنّ ابن حجر صاحب الصواعق وكثير غيره من شيوخ السنة مع اعترافهم بفضائل علي وإعلانها فضيلة فضيلة ومنقبة منقبة يتحاملون على شيعة الإمام بما فيهم الإماميّة ويعدّونهم من أهل البدع والزيغ، ونقدّم مثالاً واحداً من هذا التحامل، لأنّ المقام لا يتّسع للمزيد.

قال الفضل بن روزبهان في (كتاب إبطال الباطل): كلّ ما ذكره الشيعة من الفضائل والمناقب لمولانا علي بن أبي طالب فنحن لا ننكره، لأنّ فضائل أهل البيت لا تُحصى ولا يُنكرها إلاّ منكر نور الشمس والقمر. ولكنّه في نفس الكتاب المذكور قال: إنّ كتب الشيعة من موضوعات يهوديّ كان يريد تخريب بناء الإسلام، فعملها وجعلها وديعة عند الإمام جعفر الصادق، فلمّا توفّي حسب الناس أنّها كلامه...

كنّا نظن أنّ مبدأ (إكذب، واكذب، ثمّ اكذب فلا بدّ أن تجد من يصدّقك) مبدأ حديث من مخترعات الغرب والاستعمار،وإذا به قديم، وربّما نقله الغربيّون من الشرق عن ابن روزبهان وأمثاله فيما نقلوا من فلسفات وحضارات...

إنّ الشيعة اتّصلوا بالإمام جعفر الصادق (عليه السلام) مباشرة، ونقلوا عنه مشافهة، وكلّ راوٍ من رواتهم يقول: سألت الإمام وحدّثني الإمام، ولم يدّعِ واحد من الشيعة أنّه وجد عند الصادق بعد وفاته كتاباً وأوراقاً له ولا لغيره، وهذه كتب الشيعة في الحديث والفقه والتفسير بمنظرٍ لكلّ بصير.

قال مرترزقةٌ هذا القول منذ مئات السنين لغاية الكيد والدسّ، ونقله أحمد أمين وأضرابه جهلاً أو تحاملاً وهم يعيشون في عصر الفضاء والسماء.

وغريبة الغرائب أنّ كلّ شيء في الدنيا تغيّر إلاّ الكذب على الشيعة والافتراء على مذهب التشيّع، منذ زمن مضى وانقضى كتب شيخ سوء أو فقيه شرّ أنّ الشيعة ـ بما فيهم الإماميّة ـ يُغالون، وأنّهم أخذوا دينهم عن ابن سبأ اليهوديّ، رمى هذا المفتري رميته ولكن بعد أن شقّ طريق الضلال والتضليل.

لقد اشترى السفّاكون من أرباب الأقلام دينهم وضمائرهم ليتقوّلوا على الأبرياء الأقاويل، وجاء المتأخّر فرأى الكلمة المطبوعة لـ (السلف الصالح) فقدّسها وركع لها وسجد دون تمحيص وتحقيق، وأخذ يردّدها فكرة وأسلوباً، بل نقلها بالحرف الواحد كأنّها وحي منـزل.

إنّ العالم المنصف إذا تكلّم عمّا تدين به طائفة من الطوائف اعتمد على الكتب المعتبرة عنها وما ثبت من مذهبها، أمّا النقل عن خصومها وبخاصّة خصوم العقيدة والمذهب، فهو تماماً كالحكم على المدّعى عليه بمجرد إقامة الدعوى وقبل الاستماع إلى الشهود والبيّنات.

ومن الصدف أنّي كلّما قرأت افتراء على الشيعة تذكّرت كلمة لسيبويه: اجتمع هذا النحويّ الشهير بنفر من نُحاة الكوفة فناظروه في مسائل نحويّة، وطال بينه وبينهم الجدال والنقاش ولكن على غير طائل، فسأله سائل عن سبب عجزه عن إقناعهم فقال: أُخطّئهم على مذهب العرب، ويُخطّئوني على مذهبهم» أي أنّه تكلّم هو على مقاييس منطقيّة وتكلّموا على غير أساس.

* * *

(1) شرح نهج البلاغة 15: 181. ومن الطبعة الأولى ج3/ 445.

(2) الحجر: 47.

(3) هود: 17.

(4) تفسير الدر المنشور 3: 324.

(5) تفسير الطبري 12: 22.

(6) المجادلة: 13.

(7) السنن الكبرى للنسائي 5: 142/ ح8504؛ سنن الترمذي 2: 300 - 301/ ح3805؛ المصنّف لابن أبي شيبة 7: 495/ ح6؛ المعجم الكبير للطبراني 6: 213.

(8) الواقعة: 10.

(9) التوبة: 20.

(10) السجدة: 18.

(11) الأنفال: 62.

(12) تاريخ ابن عساكر 2: 353/ ح864 و865. ط الثانية.

(13) تفسير الثعلبي فصول المهمّة لابن الصبّاغ 123، ف 1.

(14) التوبة: 19.

(15) مريم: 96.

(16) تفسير الثعلبي؛ وعنه: مناقب آل أبي طالب2: 289؛ العمدة لابن البطريق: 289/ ح471.

(17) البيّنة: 7.