خطبته (عليه السلام) المعروفة بخطبة اللؤلؤة:[ فيها يتعرض لحوادث المستقبل ويذكر فيها الإمام المهدي]

علي بن الحسين بن محمد بن مندة، قال: حدّثنا محمد بن الحسين المعروف بأبي الحكم، قال: حدّثنا إسماعيل بن موسى بن إبراهيم، قال: حدّثني سليمان بن حبيب، قال: شريك عن حكيم بن جبير، عن إبراهيم، عن علقمة بن قيس، قال: خطبنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) على منبر الكوفة خطبة اللؤلؤة، فقال فيما قال في آخرها:

«ألا وإنّي ظاعن عن قريب ومنطلق إلى المغيب، فارتقبوا الفتنة الأمويّة والمملكة الكسرويّة، وإماتة ما أحياه الله، وإحياء ما أماته الله، واتّخذوا صوامعكم بيوتكم، وعضّوا على مثل حجر الغضا، واذكروا الله كثيراً، فذكره أكبر لو كنتم تعلمون.

ثم قال: تُبنى مدينة يُقال لها الزوراء بين دجلة ودجيل والفرات، فلو رأيتموها مشيّدة بالجصّ والآجر، مزخرفة بالذهب والفضّة واللازورد المستسقى والمرمر والرخام وأبواب العاج والأبنوس والخيم والقباب والستارات، وقد عليت السلاج والعرعر والصنوبر والشب،وشيدت بالقصور، وتوالت عليها ملوك بني الشيصبان أربعة وعشرون ملكاً على عدد سنّي الملك، فيهم السفّاح والمقلاص، والجموح والهذوع، والمظفّر والمؤنّث والنـزار والكبش والمهتور، والعيار والمصطلم والمستصعب والعلام والرهبانّي والخليع والسيار والمترف والكديد والأكتب والمسرف والأكلب والوسيم والصيلام والعينوق، وتعمل القبّة الغبراء ذات القلاة الحمراء، وفي عقبها قائم الحقّ يسفر عن وجهه بين أجنحة الأقاليم كالقمر المضيء بين الكواكب الدرّيّة.

ألا وإنّ لخروجه علامات عشرة: أولها طلوع الكوكب ذي الذنب ويقارب من الحادي، ويقع فيه هرج ومرج وشغب، وتلك علامات الخصب، ومن العلامة إلى العلامة عجب، فإذا انقضت العلامات العشرة إذ ذاك يظهر منا القمر الأزهر وتمّت كلمة الاخلاص لله على التوحيد...» إلى آخر الخطبة.

عن كفاية الأثر (ص 316) والبحار (مج9 ص 157) وفي الثالث منه أيضاً (ص 171).

* * *

ضبط الألفاظ الغريبة:

جاء في تاج العروس أنّ (الشيصبان) اسم للشيطان،(1) والمشهور أنّ عدد خلفاء بني العباس كان سبعة وثلاثين، ولعلّه (عليه السلام) إنّما عدّ منهم من استقرّ مُلكه وامتدّ، لا من تزلزل سلطانه وذهب مُلكه سريعاً: كالأمين، والمنتصر، والمستعين، والمعتزّ وأمثالهم.

( والكديد) أمّا كناية عن المعتزّ فالمراد نسبة أعوام عمره، فإنّ عمره حين مات كان أربعاً وعشرين سنة، فيكون ما ذكره (عليه السلام) عند العد على خلاف الترتيب، أو كناية عن المقتدر، ويكون بنسبة مدّة خلافته وكانت أربعاً وعشرين سنة وأحد عشر شهراً وثمانية عشر يوماً، وكان ثامن عشرهم، وفي العدّ أيضاً الكديد هو الثامن عشر.

* * *

[الشرح]:

من الجلي البيّن الذي هو بمطلع الأكمة عند الناس أنّ العبّاسيّين كانت سيرتهم معاكسة للدين الإسلاميّ، وأفعالهم مخالفة لما جاء به محمد (صلى الله عليه وآله)، من تغيير الأحكام الإسلاميّة ورفض السُنن وقتل النفوس الزكيّة من أولاد محمد وعترته الأطهار وغيرهم من أبرار الناس وأخيارهم.

فكم من عُجنت طينته بماء الوحي وغُرس بماء الرسالة حتّى فاح منهما مسك الهدى وعنبر التقى، جعلوا جسمه دريئة للسيوف، وحشاه طُعمة للسمّ والحتوف.

 

[جرائم بني العباس]:

إليك نموذجاً مصغّراً لما فعلته هذه الدولة وما ارتكبته من الجرائم الفظيعة منذ بدء حكومتها إلى انتهائها، فهذا أبو العبّاس السفّاح (لُقّب بهذا اللقب لكثرة سفكه الدماء) لمّا تربّع على دست الخلافة وجلس على منصّة الحكم وانقادت إليه أزمة الأمور، قال المقريزي في النـزاع والتخاصم: فكان أوّل ما فعله أن ولّى ابن أخيه إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله سنة ثلاث وثلاثين ومائة الموصل، فدخلها في اثني عشر ألفاً، فأوّل ما بدأ به أن دعا أهل الموصل فقتل منهم اثني عشر رجلاً، فنفر أهل البلد وحملوا السلاح، فنادى: من دخل الجامع فهو آمن، فأتاه الناس يهرعون إليه، فأقام الرجال على أبواب الجامع وقتل الناس فيه قتلاً ذريعاً تجاوز فيه الحدّ وأسرف في المقدار، فيقال أنّه قتل أحد عشر ألف إنسان ممّن له خاتم، سوى من ليس في يده خاتم وهم عدد كثير، بحيث لم ينجُ من رجال الموصل ـ مع كثرتهم ـ إلاّ نحو أربعماءة رجل صدموا الجند فأفرجوا لهم، فلما كان الليل سمع صراخ النساء اللاتي قتل رجالهنّ، فأمر من الغد بقتلهنّ، فأقام رجاله ثلاثة أيام يقتلون النساء والصبيان، وكان في عسكره قائد معه أربعة آلاف عبد زنجيّ فأخذوا النساء قهراً، فلمّا فرغ إبراهيم من قتل الناس في اليوم الثالث ركب في اليوم الرابع وبين يديه الحراب والسيوف المسلولة فأخذت إمرأة بزمام دابّته فأراد أصحابه قتلها فكفّهم عنها، فقالت له: ألستَ من بني هاشم؟ ألست ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ أما تأنف للعربيّات المسلمات أن ينكحهنّ الزنوج؟ فلم يُجبها وبعث معها من بلّغها مأمنها، ثمّ جمع من الغد الزنوج للعطاء وقتلهم عن آخرهم، فكانت هذه فعلة لم نسمع بأقبح منها إلاّ ما كان من السفّاح.(2) ولعمري لقد فاق فرعون في فساده وأربى عليه في عتوّه وعناده، وإنّ السفّاح بما فعله ابن أخيه قد صار يسوم أمّة محمد (صلى الله عليه وآله) من سوء العذاب أشدّ وأقبح ما كان فرعون يسوم بني إسرائيل منه، فكيف بها إذا ضمّت مع ما حكاه البلاذريّ قال: كان أبو العبّاس ـ يعني السفّاح ـ يسمع الغناء، فإذا قال للمغنّي: أحسنت! لم ينصرف من عنده إلاّ بجائزة وكسوة، فقيل له: إنّ الخلافة جليلة، فلو حجبت عنك من يشاهدك على النبيذ، فاحتجب عنهم وكانت صلاته قائمة لهم، فأين هذا من هدى النبوّة وسيرة أئمّة الهدى فما أبعده عن هداهم، ولله درّ القائل:

نزلوا بمكّة في قبائل نوفل           ونزلتَ بالبيداء أبعد منـزلِ

لا يفترق العبّاسيّون عن بني أميّة في شيء، لا في الظلم والقسوة، ولا في الفسوق والفجور، ولا في الاستهتار والزندقة، فالغاية واحدة عند الجميع، وهي الانتفاع والاستقلال، والمبدأ واحد وهو اللامبالاة بالدين والقيم، فالكلّ ركب متون الأهواء وسلك طريق الضلال، من قطع الرؤوس، ونصب المشانق، وهدم الدور على الأحياء، وما إبراهيم وأخوه السفّاح إلا كمعاوية، وما المنصور والرشيد إلاّ كهشام، وما المتوكّل إلا كيزيد بن معاوية، فلقد عرفنا حاكمين يتّخذون من القتل وسيلة لتوطيد سلطانهم، أو لحفظ الأمن بزعمهم، أمّا من ذكرناه من الأمويّين وسنذكره من العبّاسيّين فقد كان يقتل لا لسبب إلاّ بدافع من الغدر والاسراف في القتل.

حين ضاق الناس ذرعاً بالأمويّين، وبلغ الاستياء ذروته من سياستهم، أرسل إبراهيم الإمام ـ أخو السفّاح ـ أبا مسلم الخراسانّي إلى خراسان وقال له فيما قال: احفظ وصيّتي: انظر هذا الحيّ من اليمن فأكرمهم واسكن بين أظهرهم، فإنّ الله لا يتمّ هذا الأمر إلاّ بهم، واتّهم ربيعة في أمرهم، وأمّا مضر فإنّهم العدو القريب الدار، واقتل مَن شككتَ فيه، وإن استطعت ألاّ تدع بخراسان من يتكلّم بالعربية فافعل، وأيّما غلام بلغ خمسة أشبار تتّهمه فاقتله!...(3)

وبعد أن نقل المقريزي هذا الكلام من كتاب (النـزاع والتخاصم) قال معقّباً: (فأين ـ أعزّك الله ـ هذه الوصيّة من وصايا الخلفاء الراشدين لعمّالهم، وتالله لو توجّه أبرّ مسلم إلى أرض الحرب ليغزو أهل الشرك بالله لما جاز أن يُوصي بهذا، فكيف وإنّما توجّه إلى دار الإسلام وقتال أبناء المهاجرين والأنصار وغيرهم من العرب، لينتزع من أيديهم ما فتحه آباؤهم من أرض الشرك، ليتّخذوا مال الله دولاً، وعبيده خولاً؟! وقد عمل أبو مسلم بوصيّة إبراهيم.(4)

وأيّ فرق بين قول إبراهيم العبّاسّي: (واقتُل من شككتَ فيه) وقول معاوية الأمويّ حين كتب إلى عماله: (انظروا من اتّهمتموه بموالاة أهل البيت فنكّلوا به واهدموا داره).

* * *

[المنصور والعلويّون]:

جاء في كتاب «الشيعة والحاكمون»:

كان البيت العبّاسي بيت جهل وخمول بعد عبد الله بن عباس، ولولا انتسابهم إلى عمّ الرسول لم يرد لأحد منهم ذِكر في التاريخ، أمّا البيت العلويّ فكان في جميع الأدوار بيت العلم والدين، ومهوى أفئدة المسلمين، فمن علي أمير المؤمنين إلى ولديه الحسنَين، ومنهما إلى الإمام زين العابدين، ومنه إلى الصادقَين: محمد الباقر وجعفر الصادق الخ.

وكان العبّاسيّون يعتزّون بقرابتهم من علي بن أبي طالب وأبنائه سلام الله عليهم كاعتزازهم بالنبي الكريم (صلى الله عليه وآله)، وكانوا يحضرون مجالس أبناء علي متأدّبين متعلّمين، وكان محمد بن عبد الله بن الحسن يأخذ المنصور بركابه ويسوّي ثيابه على السرج.

وحين اضطربت أمور بني أميّة اجتمع بنو العبّاس وعقدوا البيعة لمحمد بن عبد الله بن الحسن، وكان فيمن بايعه إبراهيم والسفاح والمنصور، وكان المنصور أشدّهم حماساً لهذه البيعة، وأرسل المجتمعون إلى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، فلمّا حضر رغبوا إليه في أن يبايع محمداً، فقال: إنّ هذا الامر لا يتمّ إلا لهذا ـ وضرب على ظهر السفاح ـ ثمّ لهذا ـ وأشار إلى المنصور ـ وقال لعبد الله بن الحسن: إنّ ولديك إبراهيم ومحمد سيقتلهما المنصور، ثم نهض وخرج من المجلس. (5) (مقاتل الطالبيين).

ولمّا دارت الدوائر على الأمويّين واستُخلف المنصور اختفى محمد بن عبد الله بن الحسن خوفاً على نفسه، فطلبه المنصور من أبيه وحاول قتله بكلّ وسيلة ليتخلّص من البيعة التي في عنقه، واجتهد في البحث عنه وعن أخيه إبراهيم، ونصب العيون وبذل الأموال، فعرف مكانهما، ولم يعد أمامهما إلاّ الاستسلام أو الخروج، فخرج محمد في المدينة وإبراهيم في البصرة وحاربا حتى قتلا، وكان محمد يُعرف بصاحب النفس الزكيّة، وقُتل معه خلق كثير من أبناء الأنصار والمهاجرين وأبناء جعفر بن أبي طالب ومن أبناء الحسين، وقتل معه الحسين وعلي ابنا زيد بن علي بن الحسين.

قال المسعودي: إنّ المنصور أكل عجّة من مخّ وسكّر فاستطابها وقال: أراد إبراهيم أن يمنعني من هذا وأشباهه.

من أجل هذه العجّة قتل المنصور أبناء الرسول الألوف من الأبرياء!...

قال المسعودي، والمقريزي في (النـزاع والتخاصم): جمع المنصور أبناء الحسن وأمر بجعل القيود والسلاسل في أرجلهم وأعناقهم وحملهم في محامل مكشوفة وبغير وطاء، تماماً كما فعل يزيد بن معاوية بعيال الحسين، ثمّ أودعهم مكاناً تحت الأرض لا يعرفون فيه الليل من النهار، وأشكلت أوقات الصلاة عليهم، فجزّأوا القرآن خمسة أجزاء، فكانوا يصلّون على فراغ كلّ واحد من حزبه، وكانوا يقضون الحاجة الضروريّة في مواضعهم، فاشتدّت عليهم الرائحة وتورّمت أجسادهم، ولا يزال الورم من القدم حتّى يبلغ الفؤاد، فيموت صاحبه مرضاً وعطشاً وجوعاً.

وقال ابن الأثير ج 4: دعا المنصور محمد بن عبد الله العثمانّي وكان أخاً لأبناء الحسن من أمّهم، فأمر بشقّ ثيابه حتّى بانت عورته، ثم ضُرب مئة وخمسون سوطاً، وأصاب إحدى عينيه سوط فسالت على وجهه، ثمّ قتله، كذا في (النـزاع والتخاصم).(6)

وقال ابن الأثير في الصفحة نفسها، وأحضر المنصور محمد بن إبراهيم بن الحسن، وكان أحسن الناس صورة، فقال له: أنت الديباج الأصغر؟ لأقتلنّك قتلة لم أقتلها أحداً، ثمّ أمر به فبُني عليه أسطوانة وهو حيّ فمات فيها!..

كان معاوية بن أبي سفيان يدفن الأحياء خنقاً تحت الأرض، وكان المنصور يقيم عليهم البناء فوق الأرض، وهذا هو الفارق الوحيد بين خليفة الشام وخليفة العراق، بين الأمويّ والعباسيّ، على أنّنا لا نعرف أمويّاً واحداً سجن جماعة تحت الأرض وتركهم يموت الواحد منهم بعد الآخر بين الفضلات والقذارات، ولهذا قال الشاعر:

والله ما فعلت أميّةُ فيهمُ           مِعشار ما فعلت بنو العبّاسِِ

وفي كتاب ( النـزاع والتخاصم) أنّه كان للقاسم بن إبراهيم طباطبا ضيعة بالمدينة يقال لها الرس، فلم يسمح له المنصور بالمقام بها حتّى طلبه فقفز إلى السند وقال:

لم يروه ما أراق البغي من دمنا
ولم يطفّ غليلاً في حشاه سوى

 

في كلّ أرض فلم يقصر من الطلبِ
أن لا يرى فوقها ابناًَ لبنت نبي

وكان يفرّ من بلد إلى بلد، يسير حافياً والدم يسيل من قدميه، ومن قوله وهو مشّرد:

عسى جابر العظم الكسير بلطفه
عسى الله لا تيأس من الله إنّه

 

سيرتاح للعظم الكسير فيجبرُ
يُيسّر منه ما يعزّ ويعسر(7)

وفي كتاب (النـزاع والتخاصم): أنّ المنصور دلّ امرأة ابنه المهدي ووليّ عهده على بيت واستحلفها أن لا تفتحه إلاّ بعد وفاته بحضور زوجها، وبعد هلاكه فتحه المهدي وإذا فيه رؤوس من قتل من الطالبيّين وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم، وفيهم أطفال».

قال المقريزي: أنّى هذا الجور والفساد من عدل الشريعة المحمّديّة وسيرة أئمّة الهدى؟! أين هذه القسوة الشنيعة مع القرابة من رحمة النبوّة، وتاللهِ ما هذا من الدين في شيء. بل هو من باب قول الله سبحانه: «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَْرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ»(8)(9).

هذا عمل من يزعم أنه يؤمن بالله واليوم الآخر والكتاب المنير، وأنّه أمير المؤمنين خليفة ربّ العالمين، وابن عمّ سيّد المرسلين؟! وهكذا يفعل ما لا تفعله الوحوش والذئاب ويتوكّأ على الأنساب.

 

الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) والمنصور:

أوّل من أطلق لقب الصادق على الإمام جعفر بن محمد هو المنصور بعد أن تحقّق قوله بأنّ المنصور سيملك بقتل محمّد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن كما قدّمنا، وكان الإمام الصادق (عليه السلام) في عهد المنصور يوصي شيعته ويقول لهم: عليكم بالطاعة والصمت فإنّكم في سلطان مَن مكرهم لتزول منه الجبال (10).

ولكنّ المنصور لا يُرضيه الصمت من الإمام والطاعة من الشيعة مادام الناس يعتقدون بإمامته وتفضيله على المنصور والناس أجمعين.

قال محمد الاسقنطوريّ: دخلت يوماً على الدوانيقيّ ـ أي المنصور ـ فوجدته في فكر عميق، فقلت له: ما هذا الفكر؟

قال: قتلتُ من ذريّة فاطمة بنت محمد ألفاً أو يزيدون، وتركتُ سيّدهم ومولاهم، فقلت: ومن ذلك؟ قال: قد عرفت أنّك تقول بإمامته وأنّه إمامي وإمامك وإمام جميع هذا الخلق، ولكن الآن أفرغ منه.(11)

وتدلّنا هذه الرواية على انتشار التشيع لعلي وأولاده حتّى بين حجّاب المنصور وحواشيه، بل إنّ الربيع وزير المنصور كان شيعيّاًً.

 

[كلمات تكفي الإمام الصادق (عليه السلام) شرَّ المنصور]:

جاء في كتاب «الشيعة والحاكمون»:

لما حجّ المنصور مرّ بالمدينة، فقال للربيع: عليَّ بجعفر بن محمد! قتلني الله إن لم أقتله، فمطل به، ثم ألحّ فيه فحضر، فلما دخل همس الإمام بشفتيه ثم تقّرب وسلّم، فقال المنصور: لا سلّم الله عليك يا عدوّ الله! تعمل عليَّ الغوائل في مُلكي! قتلني الله إن لم أقتلك، فقال الإمام: إنّ سليمان أُعطي فشكر، وإنّ أيوب ابتُلي فصبر، وإنّ يوسف ظُلم فغفر، وأنت على ارث منهم وأحقّ بالتأسّي بهم. فنكّس المنصور رأسه ثم رفعه وقال: يا أبا عبد الله أنت القريب القرابة، وذو الرحم الواشجة، ثمّ عانقه وأجلسه معه على فراشه وأقبل عليه يُسائله ويحادثه، ثم قال: عجّلوا لأبي عبد الله اذنه وكسوته وجائزته.

ولمّا خرج الإمام تبعه الربيع وقال: إنّي منذ ثلاثة أيام أدافع عنك وأداري عليك، ورأيتك إذ دخلت همست بشفتيك، وقد انجلى الأمر، وأنا خادم سلطان ولا غنى عنه، فأحب أن تعلّمنيه.. قال الإمام: قل: اللهمّ احرسني بعينك التي لا تنام، واكفني بكنفك الذي لا يُرام، ولا أهلك وأنت رجائي، فكم من نعمة أنعمتها عليَّ قلّ عندها شكري فلم تحرمني، وكم من بليّة ابتليتني بها قلّ عندها صبري فلم تخذلني، اللهمَّ بك أدرأ في نحره، وأعوذ بخيرك من شرّه.(12)

وكان المعلّى بن خُنيس من الشيعة المقرّبين لدى الصادق، وكان مولاه ووكيله، فكتب المنصور إلى عامله على المدينة ـ وهو داود بن عروة ـ بقتله، فاستدعاه داود وقال له: اكتب أسماء الشيعة وإلاّ ضربت عنقك، فقال: أبالقتل تهدّدني؟! والله لو كان اسم أحدهم تحت قدمي ما رفعتها، فضرب عنقه وصلبه، فعزّ ذلك على الإمام الصادق ودعى على داود، وما انتهى من دعائه حتّى ارتفع الصياح وجاء الخبر بهلاكه.(13)

وأيضاً كتب المنصور إلى عامله أن يحرق على الإمام الصادق داره، ثم دسّ إليه السم فمات مسموماً.

قتل المنصور من أبناء علي وفاطمة ألفاً أو يزيدون باعترافه، وقتل من شيعتهم ما لا يُعدّ ولا يحصى، وتفنّن في ظلمهم، واخترع أنواعاً من القتل وألواناً من التنكيل، تماماً كما يتفنّن علماء القرن العشرين باختراع الوسائل التي تخفّف آلام البشريّة وتيسّر العسير من شؤونهم، فمن الضرب بالسياط على الأعين حتّى تسيل، إلى هدم البيوت على الأحياء، إلى رصفهم مع الأعجاز في الجدران، إلى تسميمهم بالفضلات والقذارات، إلى ما لا نهاية.

ومهما يكن فيجب أن لا ننسى أنّ المنصور كان يؤمن بالله، وأنّه قرابة نبيّ الرحمة!... والحقّ أنّ المنصور أدّى رسالته كحاقد على الفضيلة وأهلها!...

وبالتالي، فإنّ استقرائي لسيرة الخلفاء المسلمين قد بعث فيَّ شعوراً بأنّ الإسلام لولا المنصور وأمثاله من الحاكمين لعمّ الناس أجمعين واعتنقوه تلقائيّاً بدون دعوة ودعاية، ولما وجد على هذه الكرة إنسان غير مسلم.

 

[جرائم المهدي بن المنصور]:

جاء في كتاب «الشيعة والحاكمون»:

«مات المنصور وقام ولده محمّد الملقّب بالمهدي، وبقي في الحكم من سنة ثمان وخمسين ومئة إلى سنة تسع وستين ومئة، وكان أبوه قد أتمّ المهمة وانتهى من تنفيذ ما أعده من خطط الاغتيال والفتك بقرى الخير والصلاح، ولم ينجُ منه إلاّ إثنان: علي بن العباس بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فأخذه المهدي وسجنه، ثم دسّ إليه السم فتفسّخ لحمه وتباينت أعضاؤه.

 

[قصة عيسى بن زيد]:

وعيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، توارى من المهدي خوفاً على نفسه، قال أبو الفرج في (مقاتل الطالبيّين): «كان عيسى أفضل من بقي من أهله ديناً، وعلماً، وورعاً، وزهداً، وتقشفاً، وأشدّهم بصيرة في أمره ومذهبه، مع علم كثير ورواية للحديث وطلب له، صغيره وكبيره».(14)

هرب عيسى من المهدي واختبأ في دار بعض الشيعة ـ وهو علي بن صالح ـ ثمّ رأى أن يتّخذ عملاً يعتاش منه ولا يكون كلاًّ على أحد، وكان أهل الكوفة ينقلون الماء من الفرات إلى بيوتهم على الجمال وسائر الحيوانات، فاتّفق عيسى مع صاحب الجمل على أن يستقي على الجمل ويدفع له يوم أجراً معيناً ويتقوّت هو بما يبقى، وهكذا بقي أمداً طويلاً وهو متنكّر، وتزوج امرأة من فقراء الكوفة لا تعرفه هي ولا أهلها.

وكان لعيسى أخ اسمه الحسين بن زيد، وله ولد يدعى يحيى، فقال يحيى يوماً لأبيه: يا أبه إنّي أشتهي أن أرى عمّي عيسى فإنّه يقبح بمثلي أن لا يلقى مثله من أشياخه. فقال له: إنّ هذا الأمر يثقل عليه، وأخشى أن ينتقل من منـزله كراهية لقائك إيّاه فتزعجه، فما زال يحيى يلحّ على أبيه حتّى طابت نفسه وقال له: اذهب إلى الكوفة فإذا بلغتها فسل عن دور بني حي، وهناك سكّة تسمّى كذا، وسترى داراً لها باب صفته كذا، فاجلس بالقرب منها، فإنّه سيقبل عليك عند المغرب كهل طويل مسنون الوجه، قد أثّر السجود في جبهته، عليه جبّة صوف، يسقي الماء على جمل، لا يضع قدماً ولا يرفعها إلا ذكر الله ودموعه تنحدر، فقم وسلّم عليه وعانقه، فإنّه سيذعر منك كما يذعر من وحش، فعّرفه نفسك وانتسب له، فإنّه يسكن إليك ويحدّثك طويلاً ويسألك عنّا جميعاً ويخبرك بشأنه ولا يضجر بجلوسك معه ولا تُطل عليه، ودعه فإنّه سوف يستعفيك من العودة إليه، فافعل ما يأمرك به من ذلك، فإنّك إن عدت إليه توارى عنك واستوحش منك وانتقل من موضعه وفيه من ذلك مشقّة.

قال يحيى: ذهبت إلى الكوفة وفعلت ما أمرني به أبي، وحين عانقت عمّي عيسى ذعر مني كما يذعر الوحش من الإنس، فقلت: يا عمّ يحيى بن الحسين بن زيد أنا ابن أخيك، فضمّني إليه وبكى، ثمّ أناخ جمله وجلس معي فجعل يسألني عن أهله رجلاً رجلاً وامرأة امرأة وصبيّاً صبيّاً، وأنا أشرح له أخبارهم وهو يبكي، ثم قال: يا بُني أنا أستقي على هذا الجمل الماء فأصرف ما اكتسب من أجرة الجمل إلى صاحبه وأتقوّت باقيه، وربّما عاقني عائق عن استقاء الماء فأخرج إلى البريّة فألتقط ما يرمي الناس به من البقول فأتقوّته.

وقد تزّوجت إلى رجل ابنته وهو لا يعلم من أنا إلى وقتي هذا، فولدت منّي بنتاً فنشأت وبلغت وهي أيضاً لا تعرفني ولا تدري من أنا، فقالت لي أمها: زوَّج ابنتك بابن فلان السقّاء وهو رجل من جيراننا فإنّه أيسر منّا وقد خطبها، وألحّت علي فلم أزل أستكفي الله أمرها حتّى ماتت البنت بعد أيام، فلم أجدني آسى على شيء من الدنيا أساي على أنّها ماتت ولم تعلم بموضعها من رسول الله (صلى الله عليه وآله). قال يحيى: ثمّ أقسم عليَّ عمّي أن انصرف ولا أعود إليه وودّعني.(15)

هذه أمثولة تعبر عن منهج حكومات الجور والظلم: يعاني فيها الطيّبون الأخيار ضروب الفواجع والشقاء، ويعيش فيها الخونة والجهلاء آمنين مترفين يجدون كلّ عون وحماية!... إنّ البلد الطيب الأمين يحمل القريب والغريب، وتفيض خيراته على المواطنين والمهاجرين على السواء، أمّا البلد الخبيث بحكّامه وقادته فهو شرّ وبلاء على العلماء والأبرياء، ونعمة ورخاء على أهل الجهل والأدعياء.

لم يستطع عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي وفاطمة بنت رسول الله، لم يستطع هذا العالم المخلص المحدّث الورع الزاهد أن يُظهر نفسه في بلد الإسلام، وحاكمه خليفة المسلمين، وعاش خائفاً مستتراً يخدم الناس وينقل الماء إلى البيوت بأجر زهيد، عاش ابن رسول الله في خلافة المهدي يلتقط ما يرمي به الناس من قشور الخضار والفاكهة يتقوّته هو وزوجته وابنته التي كبرت ثمّ ماتت ولم تعرف مكانها من رسول الله، عاش مشرّداً متنكّراً ينفر من الإنس كما ينفر من الوحش، لا لشيء إلا أنّه عالم زاهد يعرف الحقّ ويعمل به. وعاش المخنّثون والعاثرات وأهل الفسق والفجور في دَعة وأمان، تسهل لهم الأمور، وتغدق عليهم الأموال.

قال المسعودي: بسط المهدي يده في العطاء فأذهب جميع ما خلّفه المنصور، وكان 16 مليون درهم و14 مليون دينار.

قال لي بعض أساتذة الفلسفة في القاهرة: إنّ الشيعة يقولون بالتقيّة. قلت: لعن الله مَن أحوجهم إليها، لقد خرج موسى الكليم من مصر خائفاً يترقّب وقال: «رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ»(16) وّقال النبيّ (صلى الله عليه وآله): «بئس القوم قوم يعيش المؤمن من بينهم بالتقيّة».(17) إنّكم تنادون بحريّة الرأي والعقيدة، ثمّ إذا رأيتم مظلوماً سكت عن رأيه خوفاً من حكام الجور نعيتم على المظلوم وسكتّم عن الظالم، وصدق من قال: ما اختلف الناس ولكن اطّرد القياس».

 

[المهدي ويعقوب بن داود بن طهمان]:

استعمل المهدي يعقوب بن داود بن طهمان حتّى استوزره وفوّض إليه أمر الخلافة، وكان يعقوب ممّن له الميل في محبّة علي وذريّته.

قال الطبري محمد بن جرير في (تاريخ الأمم والملوك): كان المهدي يُجلس عنده مواليه وأصحابه فيشربون النبيذ، وكان يعقوب يعظه في سقيهم النبيذ وفي السماع، قال يعقوب: كنت أعظه وأقول له: إنّه ليس على هذا استوزرتَني ولا على هذا صحبتك، أبعد الصلوات الخمس في المسجد يُشرب عندك النبيذ وتسمع السماع، وليّتني أمور المسلمين وإعطاء الجند، وليس دنياك عوضاً من آخرتي، قال فكان يقول لي: اللهمّ غفراً، اللهمّ أصلح قلبه، فقال له شاعره:

فدع عنك يعقوب بن داود جانباً وأقبِل على صهباء طيّبة النشرِ(18)

وكان يعقوب سمحاً جواداً كثير البرّ واصطناع المعروف، جاءته امرأة من اليمامة جعديّة مملوكة لبني جعدة يقال لها وحشيّة، قد كاتبت على ولدها وأخيها وأهل بيتها بألف دينار، فوقفت بين يديه فقالت:

أما ومعلم التوراة موسى
وباعث أحمدٍ فينا رسولاً
لشهراً نحو يعقوب سرينا
أغثني يا فداك أبي وأمي
يبشّرني بنُجحي كلّ طير

 

ومُرسي البيت في حرم الإلالِ
فعلّمنا الحرام من الحلال
فأدّاني له وقت الهلال
وعمّي لا أحاشيه وخالي
جرت لي عن يميني أو شمالي

فقال لها: صدقت طيرُك، فأعطاها ألف دينار وقال: ارحلي فاشتري أهلك وولدك وأقدميهم، ففعلت، فما زالت في عيال يعقوب هي وأهلها أجمعون حتّى ماتت.(19)

روى الطبري عن إبراهيم المسعودي: قال المهدي: وُصف لي يعقوب بن داود في منامي فقيل لي أن اتّخذه وزيراً، فلما رآه قال: هذه والله الخلقة التي رأيتها في منامي، فاتّخذه وزيراً وما زال يقرّبه ويُدنيه حتّى غلب على أمره، فقال بشّار يهجي المهدي:

بني أمية هبّوا طال نومكم
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا

 

إنّ الخليفة يعقوب بن داودِ
خليفة الله بين الدفّ والعود(20)

فجعلت السعاة تسعى إلى المهدي ويحسّنون له عزله وقتله، وكانوا يخلون بالمهدي ليلاً فيقولون له بعد أن يشدّدوا على يعقوب وينصرفوا عنه على أن يصبح فيثور بيعقوب، فإذا أصبح غدا عليه يعقوب وقد بلغه الخبر، فإذا نظر إليه المهدي تبسّم، فجاء رجل إلى السُعاة وقال لهم: أنا أعرف الطريق الذي أقتله به، ثم جاء المهدي وقال: إنّ هذا يقتلك، قال: يقتلني؟ قال نعم: لأنّه خرج مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن على أبيك المنصور وقد حبسه أبوك، وإنّه علويّ الرأي وسيقتلك ويُعطي الخلافة للعلويّين، فإن كنت تكذّبني فادفع إليه أحد العلويّين ليقتله، فإن قتله فهو منك وإلا فصدّقني فيما قلت. قال: نِعم ما جئت به من الرأي.

قال يعقوب: بعث إليّ المهدي يوماً فدخلت عليه، فإذا هو في مجلس مفروش بفرش مورّد ُمتناهٍ في السرور، على بُستان فيه شجر، ورؤس الشجر على صحن المجلس، وقد اكتسى ذلك الشجر بالأوراد والأزهار من الخوخ والتفاح، فكلّ ذلك مورّد يشبه المجلس الذي كان فيه، فما رأيت شيئاً أحسن منه، وإذا عنده جارية ما رأيت أحسن منها ولا أشطّ قواماً ولا أحسن اعتدالاً، عليها نحو تلك الثياب، فما رأيت أحسن من جملة ذلك، فقال لي: يعقوب، قلت: بلى. قال: كيف ترى مجلسنا هذا؟ قلت: يا أمير ما هذا إلاّ من موجدة، وأنا أستعيذ بالله من سخط الأمير، قال: لا، ولكن أحب أن تضمن لي قضاء هذه الحاجة وأن تقضيها لي، فقلت: الأمر للأمير وعليَّ السمع والطاعة، قال: واللهِ؟ قلت: والله ثلاثاً، قال: وحياة رأسي؟ قلت: وحياة رأسك، قال: فضع يدك عليه واحلف به، قال: فوضعت يدي عليه وحلفت له به لأعملنّ بما قال ولأقضينّ حاجته، قال: فلمّا استوثق مني في نفسه قال: هذا فلان بن فلان من ولد علي، أحبّ أن تكفيني مؤونته وتريحني منه وتعجّل ذلك، قال: قلت أفعل، قال: فخذه إليك، فحوّلته إلي وحوّلت الجارية وجميع ما كان في البيت من فرش وغير ذلك، وأمر لي معه بمائة ألف درهم، قال: فحملت جلّه ومضيت به، فلشدّة سروري بالجارية صيّرتها في مجلس بيني وبينها ستر، وبعثت إلى العلويّ فأدخلته على نفسي وسألته عن حاله فأخبرني بها وبمجمل منها، وإذا هو ألب الناس وأحسنهم إباءة، قال: وقال لي في بعض ما يقول: ويحك يا يعقوب، تلقى الله تعالى بدمي وأنا رجل من ولد فاطمة بنت محمد؟ قال: قلت: لا والله، فهل فيك خير؟ قال: نعم إن فعلتَ خيراً شكرتُك ولك عندي دعاء واستغفار، قال: فقلت له: أيّ الطرق أحبّ إليك؟ قال: طريق كذا وكذا الذي اتّفقوا عليه في وقت كذا وكذا من الليل، فقلت له: إذاً احمل معك هذا المال واسلك الطريق، وإذا بالجارية قد حفظت عليَّ قولي فبعثت به مع خادم لها إلى المهدي وقالت: هذا جزاؤك من الذي آثرته على نفسك وفعل كذا وكذا حتّى ساقت الحديث كلّه، قال: وبعث المهدي من وقته ذلك فشحن ذلك الطريق الذي وصفه العلويّ برجاله، فلم يلبث أن جاؤه بالعلويّ والمال على السجيّة التي حكتها الجارية، قال: وأصبحت من غد ذلك اليوم فإذا برسول المهدي يستحضرني، وكنت خالي الذرع غير ملقى إلى أمر العلوي، فدخلت على المهدي فوجدته على كرسي بيده مخصرة، فقال: يعقوب، قلت: نعم، قال: ما حال الرجل العلويّ؟ قلت: يا أمير قد أراحك الله منه، قال: مات؟ قلت: نعم، قال: والله؟ قلت: والله، قال: قم فضع يدك على رأسي، قال: فوضعت يدي على رأسه وحلفت له به، فقال: يا غلام أخرج إلينا ما في هذا البيت، ففتح بابه عن العلويّ، قال: فبقيت متحيّراً وسقط في يدي وامتنع منّي الكلام فما أدري ما أقول، فقال لي المهدي: لقد حلّ لي دمك لو آثرت إراقته، ولكن احبسوه في المطبق ولا أُذكّر به، فحبست في المطبق، واتُّخذ لي فيه بئراً فدلّيت فيها، فكنت كذلك أطول مدّة لا أعرف عدد الأيام، حتّى طالت شعري واسترسل كهيئة شعور البهائم، فمكثت خمسة عشر سنة وكان يدلى إليَّ في كلّ يوم رغيف وكوز من ماء وأؤذن بأوقات الصلاة، فلمّا كان في رأس ثلاث عشرة سنة أتاني آت في منامي فقال:

حنا على يوسف ربّ فأخرجه من قصر جبّ وبيت حوله غُممُ

فحمدت الله لما سمعته وقلت: أتى الفرج، ثمّ مكثت حولاً لا أرى شيئاً، فلمّا كان رأس الحول أتاني ذلك الآتي فقال لي:

عسى فرج يأتي به الله إنّه له كلّ يوم في خليقته أمرُ

ثم أقمت حولاً لا أرى شيئاً، فلما كان آخر الحول أتاني أيضاً ذلك الآتي فقال:

عسى الأمر الذي أمسيتَ فيه
فيأمن خائف ويفكّ عانٍ

 

يكون وراءه فرجٌ قريبُ
ويأتي أهله النائي الغريبُ

قال: فلمّا أصبحت نُوديت، فظننتُ أنّي أُوذن بالصلاة، فدلّي لي حبل أسود وقيل لي: أشدد به وسطك، ففعلت فأخرجوني، فلمّا قابلت الضوء غشي بصري، فانطلقوا بي فأُدخلت على الرشيد فقيل لي: سلِّم على أمير المؤمنين، فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته المهدي، قال: لستُ به، قلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته الهادي، قال: لست به، قلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته الرشيد، فقال الرشيد: وعليك السلام فأنا الرشيد، يا يعقوب بن داود، إنه والله ما شفع فيك إلي أحد، غير أنّي حملت الليلة صبيّة لي على عُنقي فذكرت حملك إيّاي على عنقك، فرثيت لك من المحلّ الذي كنتَ به، فأخرجتك، فسَل حاجتك. قال: قلت: المقام بمكّة، ففعل الرشيد ذلك، ثمّ قال: فهل غير هذا؟ فقلت: ما بقي مستمع لشيء ولا بلاغ، قال: فراشداً، فخرجت فكان وجهي إلى مكّة، ثمّ لم يزل بمكّة ولم تطل أيامه بها حتّى مات (رحمه الله).(21)

 

الهادي العباسي:

جاء في كتاب (الشيعة والحاكمون): توفّي المهدي وبويع موسى الملقّب بالهادي، قال المسعودي: كانت خلافته سنة وثلاثة أشهر، وكان قسيّ القلب شرس الأخلاق. وفي عهده كان على المدينة رجل من ولد عمر بن الخطاب اسمه عبد العزيز، فتحامل على الطالبيّين وأساء إليهم وسامهم صنوف العذاب، فحجر عليهم أن يخرجوا من المدينة، وطالبهم أن يثبتوا وجودهم ويعرضوا عليه أنفسهم كلّ يوم، وكان يُلصق بهم تهمة مُعاقرة الخمرة زوراً وبهتاناً، ويُقيم عليهم الحدّ ويُشهّر بهم، وأرسل يوماً في طلب الحسين بن علي بن الحسن وأسمعه كلاماً قاسياً وتهدده وتوعّده مما أدّى إلى خروجه، فقُتل هو وأكثر من كان معه بمكان يُسّمى فخّ على بعد ستّة أميال من مكة المكرمة، وأقام القتلى ثلاثة أيام لم يُواروا حتّى أكلتهم السباع والطير، ومن أُسر منهم قُتل صبراً. عن مروج الذهب للمسعودي.

وبالرغم من قصر أيامه فقد استطاع أن يقوم بعمل تاريخيّ ويسجّل اسمه مع جلاّدي الشعوب وقتلة أولاد الأنبياء.

قال الاصفهاني في مقاتل الطالبييّن: إنّ أم الحسين صاحب فخ هي زينب بنت عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، قتل المنصور أباها وأخوتها وعمومتها وزوجها علي بن الحسن، ثمّ قتل الهادي حفيد المنصور ابنها الحسين، وكانت تلبس المسوح على جسدها، لا تجعل بينها وبينه شيئاً حتّى لحقت بالله (عز وجل).(22)

 

هارون الرشيد:

جاء في كتاب (الشيعة والحاكمون): تولّى الرشيد الحكم بعد أخيه الهادي سنة سبعين ومئة، ومات سنة ثلاث وتسعين ومئة، ولم يشتهر أحد من العبّاسيّين شهرة الرشيد وابنه المأمون، فلقد كانا من أعظم ملوك العالم شأناً وأسماهم مكانة، ولم يبزّهما عبّاسيّ ولا أمويّ في تشجيع العلوم والآداب، ولعبت قصص ألف ليلة وليلة دوراً كبيراً في شهرة هارون الرشيد، وألبسته أساطيرها ثوباً مضافاً من العظمة والجلال، أمّا شهرته في إدارة الملك وما إليها من بناء المساجد والكلّيّات والمستشفيات والمنازل والقناطر والطرق المعبدة وشبكة الجداول، أمّا هذه الادارة والأعمال فتُعزى إلى مهارة البرامكة الذين وكّل إليهم مهام الدولة خلال السبع عشرة سنة. وكانت مقدرة هذه الأسرة ونزاهتها وإخلاصها السبب الوحيد لهلاكها وإنزال النكبة بها على يد الرشيد المعروفة بنكبة البرامكة، أمّا قصّة العبّاسة وجعفر البرمكيّ وحملها منه سراً فإنّها من نسج الخيال للتغطية وتبرير الظلم والتنكيل.

قال صاحب شافية أبي فراس نقلاً عن كتاب ( ثمرات الأوراق): إنّ الرشيد أوّل خليفة لعب بالصولجان والشطرنج والنرد، أمّا سياسته مع العلويّين وشيعتهم فتدلّ الأرقام أنّه كان مصمّماً على أن لا يُبقي منهم على الأرض ديّاراً، ونذكر فيما يلي طرفاً منها:

 

ستون شهيداً:

جاء في كتاب (عيون أخبار الرضا): إنّ حميد بن قحطبة الطائي الطوسي قال:

طلبني الرشيد في بعض الليل وقال لي فيما قال: خذ هذا السيف وامتثل ما يأمرك به الخادم، فجاء بي الخادم إلى دار مغلقة ففتحها وإذا فيها ثلاثة بيوت وبئر، ففتح البيت الأوّل وأخرج منه عشرين نفساً عليهم الشعور والذوائب، وفيهم الشيوخ والكهول والشبّان، وهم مقيّدون بالسلاسل والأغلال، وقال لي: يقول لك أمير المؤمنين: اقتل هؤلاء، وكانوا كلّهم من ولد علي وفاطمة، فقتلتهم الواحد بعد الواحد والخادم يرمي بأجسادهم ورؤوسهم في البئر، ثمّ فتح البيت الثاني وإذا فيه أيضاً عشرون من نسل علي وفاطمة، وكان مصيرهم كمصير الذين كانوا في البيت الأول، ثم فتح البيت الثالث وإذا فيه عشرون، فألحقهم بمن مضى، وبقي منهم شيخ وهو الأخير فقال: تبّاً لك يا ميشوم أيّ عذرٍ لك يوم القيامة عند جدنا رسول الله!.. فارتعشت يدي وارتعدت فرائصي، فنظر إليّ الخادم مغضباً وهدّدني، فقتلت الشيخ ورمى به في البئر!...(23)

 

الأسطوانات:

نقل صاحب (مقاتل الطالبيين) عن إبراهيم بن رياح أنّ الرشيد حين ظفر بيحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بنى عليه أسطوانة وهو حي، وقد ورث الرشيد طريقة البناء على الأحياء من جدّه المنصور.(24)

قال صاحب عيون (أخبارالرضا): لمّا بنى المنصور الأبنية ببغداد جعل يطلب العلويّة طلباً شديداً ويضع من ظفر به منهم في الأسطوانات المجوّفة المبنيّة من الجصّ والآجر، فظفر ذات يوم بغلام منهم حسن الوجه وله شعر أسود وهو من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب، فسلّمه إلى الباني الذي كان يبني له وأمره أن يجعله جوف أسطوانة ويبني عليه، ووكّل عليه من يراعي ذلك، وحين أراد الباني أن يُدخله حيّاً في الاسطوانة أخذته الرقّة والرحمة، فترك في الأسطوانة فرجة يدخل منها الريح، وقال للغلام: لا بأس عليك، فاصبر فإنّي سأُخرجك في جوف الليل إذا جنّ.

ولمّا دخل الليل أتاه وأخرجه من الاسطوانة وقال له: اتّقِ الله في دمي ودم الفعلة الذين معي، وغيِّب شخصك فإنّي أخرجتُك خوفاً أن يكون جدّك خصمي يوم القيامة، قال له الغلام: سأفعل ولكن لي أم، وهي في مكان كذا فاذهب إليها وعرّفها أنّي قد نجوت وأنّ عودي إليها غير ممكن، قال الباني: ذهبت إلى الموضع الذي دلّني عليه فسمعت دويّاً كدويّ النحل من البكاء فعلمت أنّها أمه، فدنوت منها وعرّفتها الخبر وأعطيتها شيئاً من شعره وانصرفت.(25)

 

يحيى والرشيد:

ولمّا اشتد الرشيد على العلويين خرج عليه يحيى بن عبد الله بن الحسن بالديلم. قال ابن الأثير في الجزء الخامس من الكامل، والاصفهاني في مقاتل الطالبيّين ما ملخصّه، أنّ يحيى استتر مدّة يجول في البلدان ويطلب موضعاً يلجأ إليه حتّى بلغ الديلم، وقد ظهر هناك واشتدّت شوكته وأتاه الناس من الأمصار، فانتدب إليه الرشيد الفضل بن يحيى في خمسين ألف مقاتل، فراسل الفضل يحيى في الصلح فأجابه إليه لما رأى من تفرّق أصحابه وخلافهم عليه، واشترط يحيى أن يكتب له الرشيد أماناً بخطّه يشهد عليه القضاة والفقهاء وجلّة بني هاشم ومشايخهم، فكتب الرشيد الأمان على مارسم يحيى، وأشهد الشهود الذين التمسهم، وجعل الأمان على نسختين: إحداهما مع يحيى والأخرى مع الرشيد.

وحين قدم يحيى على الرشيد أكرمه وأجازه بمئتي ألف دينار وخلع وغيرها، ولكنّ الرشيد لم يذهب ما في نفسه وقال له يوماً: أيّنا أقرب إلى رسول الله أنا أو أنت؟ قال: أعفني، قال: لابدّ من الجواب، فقال له يحيى: لو عاش رسول الله وخطب ابنتك أكنت تزوّجه؟ قال:أي والله، قال يحيى: لو عاش رسول الله فخطب إلي أكان يحلّ لي أن أزوّجه؟ قال الرشيد:لا، فقال يحيى: هذا جواب ما سألتَ، فغضب الرشيد وقام من مجلسه.

 

شيوخ السوء:

أراد الرشيد أن يغدر بيحيى وينقض العهد الذي خطّه بيمينه وأشهد فيه على نفسه فلم يجد مبرّراً ولا عذراً يعتذر به، فأمسك وسكت على مضض، وأخيراً فقد الصبر فالتجأ إلى شيخ من شيوخ السوء الذين يبيعون العلل والحيل ويتسابقون إلى عرضها على من يدفع الثمن، تماماً كما يفعل البزّاز والبقال والفحام، فأتاه الشيخ أبو البختري وهب بن وهب بأنّ هذا العهد باطل منتقض، وأنّ يحيى يحلّ قتله ودمه، وأخذ العهد ومزّقه، فأعطاه مليون وستمئة ألف، وولاّه القضاء.

وإستناداً إلى هذه الفتوى أخذ الرشيد يحيى وضربه مئة عصا، ويحيى يُناشده الله والرحم والقرابة من رسول الله، ثم زجّه في سجن مظلم، وفي اليوم الثاني أحضره وضربه مئة عصا، ثمّ ردّه إلى السجن وضيّق عليه من الطعام والشراب، وأخيراً بنى عليه أسطوانة وهو حيّ حتّى مات(26).

والشيخ أبو البختريّ موجود في كلّ عصر، في عصر الرشيد وقبله وبعده، جاء في حاشية الكامل لابن الأثير (ج 4 ص 191 طبعة 1357 هـ): إنّ يزيد صاحب حبابة وسلامة القسّ شهد له أربعون شيخاً أنّه ما على الخلفاء من حساب ولا عذاب، وإنّي لأعرف اليوم شيوخاً بأسمائهم وسيماهم ناصروا أمثال الرشيد ويزيد في الفسق والفجور ضدّ من أوقف نفسه لله وسهر الليل لتأييد دين الله والذبّ عن أولياء الله.

 

الإمام الكاظم (عليه السلام) والرشيد:

جاء في القران الكريم أنّ الأئمّة على نوعين: أئمّة حقّ وهداية، وأئمّة باطل وغواية.قال الله تعالى: «وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ».(27)

وهذه هي صفات علي والأئمة من ولده.

وقال سبحانه «وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ».(28)

وهذه صفات الرشيد وأسلافه الأمويّين والعبّاسيّين، ومن هنا كان الصراع بين الكاظم والرشيد حقيقيّ وواقعيّ. إمام يدعو إلى الله وجنّته، وإمام يدعو إلى الشيطان وغوايته، فكيف يجتمعان؟! أمّا المجاملة والابتسام فرماد وتحته نار مادام القلب يرتعد من الكراهية والبغضاء. وإليك هذه القصّة:

جاء في عيون أخبار الرضا: أنّ المأمون قال: ما زلت أحبّ أهل البيت وأُظهر للرشيد بُغضهم تقرّباً إليه،فلمّا حجّ الرشيد كنت معه، ولمّا كان بالمدينة دخل عليه الإمام موسى بن جعفر فأكرمه وجثى على ركبته، وعانقه يسأله عن حاله وعياله، ولمّا قام الإمام نهض الرشيد وودّعه بإجلال واحترام، فلمّا خرج سألت أبي وقلت له: مَن هذا الذي فعلت معه شيئاً لم تفعله بأحد سواه؟ فقال لي هذا وارث علم النبيّين، هذا موسى بن جعفر، فإن أردت العلم الصحيح فعند هذا.(29)

عانق الإمام وأكرمه وجلس متأدّباً بين يديه وشهد له بأنّه وارث علم النبيّين، ولكن أيّ جدوى بهذه الشهادة وذلك الإكرام مادام يدعو إلى الجنّة، والرشيد يدعو إلى النار؟! إنّ علم النبيّين لم يشفع للإمام عند الرشيد حين رأى من حبّ الناس له وتعلّقهم به ما رأى، فاستعرت في قلبه نيران الحقد وسيطرة عليه الأنانيّة، فقتل من أبناء النبيّين ما لا يبلغه الاحصاء...

وما ذنب الإمام الكاظم إذا أحبّ الناس العلمَ وأهله، والحقَّ ومن انتصر له ؟!.. وهل يجب عليه أن يكون جاهلاً مخنّثاً مستهتراً حتّى يرضى الرشيد عنه كما رضي عن مخارق وأمثاله؟! وإذا كان لك عدّو لا يُرضيه إلاّ موتك، فهل تقتل نفسك وتنتحر حتّى لا يغضب عليك؟!.. إنّ الإمام الكاظم لم يخرج على حاكم ولا دعا أحداً إلى مبايعته، ولم يحّرك ساكناً ضدّ الرشيد ولا غيره، وكلّ ذنبه أنّه وارث علم النبيّين، وأنّه إمام حقّ وهدى، والرشيد إمام باطل وضلال.

أرسل الرشيد جلاوزته إلى الإمام موسى بن جعفر، وكان يتعبّد عند قبر جدّه، فأخرجوه منه وقيّدوه، وأرسله الرشيد إلى البصرة، وكان عليها عيسى بن جعفر بن المنصور، فحبسه عنده سنة، ثمّ كتب عيسى إلى الرشيد أن خُذه مني وسلِّمه إلى من شئت وإلاّ خلّيتُ سبيله، فقد اجتهدتُ أن آخذ عليه حجّة فما قدرت على ذلك، فحبسه ببغداد عند الفضل بن الربيع، ثم عند الفضل بن يحيى، ثمّ عند السندي بن شاهك وأخيراً تخلّص منه بالسم، وقيل أنّ السنديّ لفّه فى بساط وقعد الفرّاشون على وجهه فانتقل إلى ربّه خنقاً.

 

الإمام الرضا (عليه السلام) والرشيد:

قال السيّد الأمين في كتاب أعيان الشيعة (مج1 ص60 الطبعة الأولى): بعد حياة الإمام الكاظم أرسل الرشيد أحد قوّاده إلى المدينة ـ وهو الجلودي ـ وأمره أن يهجم على دور آل أبي طالب ويسلب نساءهم ولا يدع على واحدة منهن إلاّ ثوباً واحداً، فامتثل الجلودي حتّى وصل إلى دار الإمام الرضا، فجعل الإمام النساء كلّهنّ في بيت واحد ووقف على باب البيت، فقال الجلودي: لا بدّ من دخول البيت وسلب النساء، فتوسّل إليه وحلف له أنّه ياتيه بكلّ ما عليهنّ من حُليّ وحُلل على أن يبقى الجلوديّ مكانه، ولم يزل يلاطفه حتّى أقنعه، ودخل الإمام وأخذ جميع ما على النساء من ثياب ومصاغ وجميع ما في الدار من أثاث وسلّمه إلى الجلودي فحمله إلى الرشيد، وحين ملك المأمون غضب على هذا الجلوديّ وأراد قتله، وكان الإمام الرضا حاضراً، فطلب من المأمون أن يعفو عنه ويهبه له، فظن الجلوديّ أن الإمام يحرّض المأمون على قتله لما سبق من إساءته، فقال الجلوديّ للمأمون: أسالك بالله أن لا تقبل قوله فيّ، فقال المأمون: والله لا أقبل قوله فيك، اضربوا عنقه، فضُربت. وهناك مظالم أخرى للرشيد مع العلويّين وشيعتهم نتركها خوف الاطالة، ولأنّ الشاهد يدلّ على الغائب، وهو كافٍ واف للتعبير عن حقيقة الرشيد وسياسته.

 

الأمين:

جاء في كتاب (الشيعة والحاكمون): مات هارون الرشيد بطوس سنة ثلاث وتسعين ومئةهـ،وفيها بويع لابنه الأمين، ودامت خلافة الرشيد ثلاثاً وعشرين سنة وشهراً، وكانت خلافة الأمين أربع سنين وأشهر. وقال أبو الفرج في مقاتل الطالبيّين: كانت سيرة الأمين في أمر آل أبي طالب خلاف من تقدّم، لتشاغله بما كان فيه من اللهو والادمان له، ثمّ الحرب بينه وبين المأمون حتّى قُتل، فلم يحدث على أحد منهم ـ أي من آل أبي طالب ـ في أيامه حدث بوجه ولا سبب.(30)

 

المأمون:

قتل المأمون أخاه الأمين واستقام الأمر وانبسط التشيّع في عهده وعهد أبيه، وانتشر في كلّ بقعة من بقع الإسلام، حتّى امتدت جذوره إلى البلاط الملكيّ، فكان الفضل بن سهل ذو الرياستين وزير المأمون شيعيّاً، وطاهر بن الحسين الخزاعيّ قائد المأمون الذي فتح له بغداد وقتل أخاه الأمين شيعيّاً، وكثير سواهما، حتّى أنّ المأمون خشي عاقبة هذين فقتل الفضل وولّى طاهراً إمارة هرات، أي عزله من قيادة الجيش إلى وظيفة أدنى، وكانت الطاهريّة كلّها تتشيّع، كما قال ابن الأثير في حوادث عام 350.

وقد ساعد إمعان السلطة في الفساد والمظالم على هذا الانتشار، فكلّما أمعن الحاكمون في الجور كلّما تحرك ساكن الأمة وازداد تمسّكها بأهل البيت الطاهر، ونتج عن قتل كلّ واحد منهم اعتناق الأُلوف لمذهب التشيّع، وحسبك دليلاً على ذلك أنّ السنديّ بن شاهك خادم الرشيد حين سقى الإمام الكاظم السم دعا ثمانين رجلاً من الفقهاء والوجهاء وأدخلهم على الإمام وقال لهم: انظروا هل حدث به حدث، فإنّ الناس يزعمون أنّه فُعل به مكروه، لقد خاف الرشيد من الرأي العام والناس، لا من الله، فدعاهم إلى النظر ليشهدوا على أنّه لا جرح ولا ضرب ولا أيّ أثر للقتل، ثمّ وضُعت جنازة الإمام على الجسر ببغداد حيث يقيم أكثر الشيعة ونودي عليه: هذا موسى بن جعفر قد مات فانظروا إليه، فهاج الشيعة وكادت الفتنة تقع، فتداركها سليمان بن جعفر عمّ الرشيد، فأخذ الجنازة من الشرطة وشيّعها بموكب حافل، ومشى حافياً حاسراً، لا حبّاً للإمام ولا صلة للرحم كما زعم، بل خوفاً من الثورة على ابن أخيه هارون وسلطان العبّاسيّين.

ولمّا جاء المأمون إلى الحكم ورأى ما رأى من كثرة الشيعة وإقبال الناس على الإمام الرضا ونقمتهم على أبيه والحاكمين من أسلافه، حاول أن يُداهن ويستميل الرأي العام، فأظهر التشيّع كذباً ونفاقاً، وأخذ يدافع ويناظر عن إمامة علي أمير المؤمنين وأنّه أحقّ بالخلافة من أبي بكر وعمر، وهو لا يؤمن بشيء إلاّ بتثبيت ملكه وتوطيد سلطانه، والغريب أنّ حيل المأمون قد انطلت على كثير من الشيعة، فظنّوا به خيراً، والحقيقة أنّ الرشيد والمأمون بُنيا على أساس واحد وهو الاحتفاظ بالسلطة وإن اختلف شكل البناء، فلقد دسّ الرشيد السم إلى الإمام الكاظم، ودسّ المأمون السم للإمام الرضا، ولكنّ المأمون كان قد استفاد من أخطاء أبيه الرشيد الذي جاهر بالعداء لأهل البيت وسجن الإمام علناً ثمّ اغتاله بأسلوب يُدينه ويُثبت عليه التبعات، ويثير السخط والاستياء، استفاد المأمون من أخطاء أبيه فأحكم الخطط لإخفاء جرائمه ومآثمه، وقصّته مع الإمام الرضا (عليه السلام) تدلّ على ذلك بوضوح، وهذه خلاصتها:

 

الإمام الرضا (عليه السلام) والمأمون:

كان الإمام علي بن موسى بن جعفر (عليهم السلام) خير بني آدم في عصره على الاطلاق، وأعظم منـزلة عند الله والناس، نقل المؤرّخون وأهل السير أنّ الإمام الرضا كان إذا مرّ ببلد ازدحم خاصّة الناس وعامّتهم في الطرقات، وأخذ الفقهاء والعلماء بركابه ولجام دابّته، يسألونه أن يُفيض عليهم من علمه ويحدّثهم عن آبائه كما حصل له حين مرّ بنيشابور. وخرج في أحد الأعياد للصلاة فامتلأت الطرقات والسطوح بالرجال والنساء والصبيان، ولما بلغ الجادّة رفع رأسه إلى السماء وكبّر فخيّل إلى الناس أنّ الهواء والحيطان والأرض والسماء تجاوبه، وضجّوا بالبكاء والصياح، وبلغ المأمون ذلك، فقال الفضل بن سهل: إن بلغ الرضا المصلّى على هذا السبيل افتتن به الناس، فالرأي أن تسأله الرجوع، فبعث إليه المأمون يسأله أن يرجع، فرجع.

وقد حاول المأمون أن يحطّ من قدر الرضا عند الناس ويُظهر لهم أنّه ما زهد في الدنيا إلا بعد أن زهدت فيه وامتنعت عنه، ولو وجد السبيل إليها لتقبّلها بغبطة وسرور.

في المجلّد 12 من الوسائل ص 147 أنّ المأمون اجتمع مع الرضا فقال له: يا ابن رسول الله قد عرفتُ فضلك وزهدك وورعك وعبادتك، وأراك أحقّ بالخلافة منّي، فقال الرضا (عليه السلام): بالعبودية لله (عز وجل) أفتخر، وبالزهد في الدنيا أرجو النجاة من شرّ الدنيا، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم، وبالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند الله (عز وجل)، فقال له المأمون: فإنّي قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة وأجعلها لك وأبايعك، فقال له الرضا (عليه السلام): إن كانت هذه الخلافة لك وجعلها الله لك فلا يجوز أن تخلع لباساً ألبسك الله وتجعله لغيرك، وإن كانت الخلافة ليست لك فلا يجوز لك أن تجعل لي ما ليس لك، فقال له المأمون: يا ابن رسول الله لا بدّ لك من قبول هذا الأمر، فقال: لست أفعل ذلك طائعاً أبداً، فما زال يجهد به أيّاماً حتى يئس من قبوله، فقال: إن لم تقبل الخلافة ولم تحبّ مبايعتي لك، فكن وليّ عهدي لتكون لك الخلافة بعدي، فقال الرضا (عليه السلام): والله لقد حدّثني أبي عن آبائه، عن أمير المؤمنين، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّي أخرج من الدنيا قبلك مقتولاً بالسّم مظلوماً، تبكي عليَّ ملائكة السماء والأرض، وأُدفن في أرض غربة إلى جنب هارون الرشيد، فبكى المأمون وقال: يا ابن رسول الله ومن الذي يقتلك أو يقدر على الإسائة إليك وأنا حيّ؟ فقال الرضا (عليه السلام): أما أنّي لو أشاء أن أقول مَن الذي يقتلني لقلتُ، فقال المأمون: يا ابن رسول الله إنّما تريد بقولك هذا التخفيف عن نفسك ودفع هذا الأمر عنك ليقول الناس أنّك زاهد في الدنيا، فقال له الرضا (عليه السلام): والله ما كذبتُ منذ خلقني الله (عز وجل)، وما زهدت في الدنيا للدنيا، وإنّي لأعلم ما تريد، فقال المأمون: وما أريد؟ قال: الأمان على الصدق، قال: لك الأمان، قال: تريد أن يقول الناس أنّ علي بن موسى الرضا لم يزهد في الدنيا بل زهدت الدنيا فيه، أما ترون كيف قبل ولاية العهد طمعاً في الخلافة؟ قال: فغضب المأمون ثم قال: إنّك تتلقّاني أبداً بما أكرهه، وقد أمنتَ سطوتي، فبالله أقسم لئن لم تقبل ولاية العهد وإلاّ أجبرتُك على ذلك، فإن لم تفعل وإلاّ ضربت عُنقك، فقال الرضا (عليه السلام): قد نهاني الله أن أُلقي بيدي التهلكة، فإن كان الأمر على هذا فأفعل ما بدا لك، وإنّما أقبل ذلك على أن لا أُولّي أحداً ولا أعزل أحداً ولا أنقض رسماً ولا سُنّة، وأكون في الأمر من بعيد مُشيراً. فرضي بذلك منه وجعله وليّ عهده على كراهية منه (عليه السلام) لذلك».

وبالتالي فإنّ موقف المأمون من الإمام الرضا كموقف أبيه الرشيد من الإمام الكاظم وموقف جدّه المنصور من الإمام الصادق وموقف معاوية بن أبي سفيان من الإمام الحسن، لقد هانت دماء الأبرياء والأولياء على حكّام الجور من أجل المُلك، وهانت على المصلحين نفوسهم في سبيل الحقّ، ولذا نوالي هؤلاء، ونبرأ من أولئك.

 

المتوكّل وعداؤه لأهل البيت (عليهم السلام):

في كتاب (الشيعة والحاكمون): «أنّ المتوكّل كان معروفاً في اللهو والمُجون ومُعاقرة الخمر، قال المسعودي: هو أوّل خليفة من بني عبّاس ظهر في مجلس اللعب والمضاحك والهزل». وقال السيد أمير علي في كتاب (مختصر تاريخ العرب): وفي عهده بدأ انحلال الامبراطورية العربيّة، وتسرّب الفساد في جسم الدولة، وأمر الناس بالتمسّك بالتقليد، وأقصى أحرار الفكر عن الوظائف، وتغلّب عليه الأتراك، وأصبحوا أصحاب الأمر والنهي.

وقال أبو الفرج في مقاتل الطالبين: كان المتوكّل شديد الوطأة على آل أبي طالب، غليظاً على جماعتهم، شديد الغلظة والحقد عليهم،وسوء الظنّ والتهمة لهم... واستعمل على المدينة ومكة عمر بن الفرج الرخجيّ فمنع آل أبي طالب من التعرّض للناس، ومنع الناس من البرّ بهم، وكان لا يبلغه أنّ أحداً وصل منهم بشيء وإن قلّ إلا أنهكه عقوبة، وأثقله غرماً، حتى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلّين فيه واحدة بعد واحدة ثم يرقّعنه ويجلسن على مغازلهنّ عواري حاسرات».(31)

هكذا شاء أمير المؤمنين المتوكّل على الله أن تقبع العلويّات في بيوتهنّ عاريات يتبادلن القميص المرقّع عند الصلاة، وأن تختال الفاجرات العاهرات بالحليّ وحلل الديباج بين الإماء والعبيد.

لقد أرسل الرشيد إلى بنات الرسول من يسلب الثياب عن أبدانهنّ، أمّا المتوكّل فقد شدّد وضيق عليهنّ حتّى ألجأهنّ إلى العري، وهكذا تتطوّر الفلسفات والمناهج مع الزمن على أيدي القرشيّين العرب أبناء الأمجاد والأشراف!

لقد تفرّق العلويّون أيام المتوكّل (نيرون العرب) كما سمّاه بعض المؤرّخين، فمنهم من توارى حتّى مات في حال تواريه، كأحمد بن عيسى بن الحسين، وعبد الله بن موسى الحسينيّ، ومنهم من ثار من الضغط والجور كمحمّد بن صالح، ومحمد بن جعفر.

ولم يكتفِ المتوكّل بتنكيل الأحياء حتّى اعتدى على قبور الأموات، فهدم قبر الحسين عليهالسلام وما حوله من المنازل والدور ومنع الناس من زيارته، ونادى مناديه: من وجدناه عند قبر الحسين حبسناه في المطبق ـ سجن تحت الأرض ـ فقال الشاعر:

تالله إن كانت أميةُ قد أتت
فلقد أتاه بنو أبيه بمثلها
أسفوا على أن لا يكونوا شايعوا

 

قتل ابن بنت نبيّها مظلوما
هذا لعمرك قبره مهدوما
في قتله فتتبعوه رميما(32)

وكان المتوكّل يقرّب علي بن جهم لأنه كان يُبغض علياً أمير المؤمنين، وكان ابن الجهم هذا مأبوناً، سمعه يوماً أبو العيناء يطعن على الإمام فقال له: إنّك تطعن عليه لأنّه قتل الفاعل والمفعول من قوم لوط، وأنت أسفلهما (ابن أبي الحديد ج1 ص 363).

وكان ابن السكّيت من كبار العلماء والأدباء في زمانه، وقد ألزمه المتوكّل تعليم ولده المعتز، فقال له يوماً: أيّهما أحبّ إليك: ابناي هذان المعتزّ والمؤيّد أو الحسن والحسين؟ فقال ابن السكيت: والله إنّ قنبراً خادم عليّ بن أبي طالب خيرٌ منك ومن ابنيك! فقال المتوكّل للأتراك: سلّوا لسانه من قفاه، ففعلوا فمات.

وكان عند المتوكّل مخنّث يُدعى عبادة، فيشدّ على بطنه مخدّة ويرقص بين يدي المتوكّل والمغنّون يغنّون «أقبل البطين خليفة المسلمين» وهم يعنون عليّاً أمير المؤمنين، والمتوكّل يشرب ويضحك. وفعل ذلك يوماً وابنه المنتصر حاضر، فقال لأبيه: إنّ الذي يحكيه هذا الكلب ويضحك منه الناس هو ابن عمّك وشيخ أهل بيتك وبه فخرك، فكُل أنت لحمه إذا شئتَ ولا تُطعم هذا الكلب وأمثاله! فقال المتوكّل للمغنّين: غنّوا.

غار الفتى لابن عمّه رأس الفتى في حر أمّه

وسمعه يوماً يشتم فاطمة بنت الرسول، فسأل أحد الفقهاء فقال له: قد وجب عليه القتل، إلاّ أنّ من قتل أباه لم يَطُل عمره، فقال المنتصر: لا أُبالي إذا أطعتُ الله بقتله ألاّ يطول عمري، فقتله فعاش بعده سبعة أشهر.

لقد أمر القرآن بمودّة أهل البيت، وجعلها أجراً وشكراً لمحمّد على ما أسداه لأمّته من الخير، فكانت النتيجة أنّ أقرب الناس إليه الذين حكموا وتحكّموا برقاب الناس باسمه هم الذين استباحوا من دماء أبنائه والتنكيل بهم ما لا يقبل المزيد. إنّ الذين أنكروا محمّداً ورسالته أهون على الإسلام بكثير من المتوكّل وأمثاله الذين أظهروا الإسلام ثمّ كادوا له وخالفوه مخالفة المضادّ المعاند والعدوّ الحاقد.

ونكتفي بما ذكرناه عن العبّاسيين، فإنّ فيه الدلالة الكافية الوافية على قُبح سيرتهم وسوء سياستهم التي تتلخّص بكلمتين: اجتراء على الشرّ والحرام، وشغف بالظلم والفساد، واحتقار للدين والإنسانيّة، والمصدر الوحيد لهذه السيّئات والمنكرات هو حكم الفرد واستقلاله في شؤون الدولة، واستهتاره بحقوق الجماعة.

* * *

(1) تاج العروس 1: 316.

(2) النـزاع والتخاصم للمقريزي: 139 - 140.

(3) تاريخ الطبري 6: 14 - 15.

(4) النـزاع والتخاصم: 135.

(5) مقاتل الطالبيين: 172.

(6) الكامل في التاريخ 3: 579، حوادث سنة 145هـ؛ النـزاع والتخاصم: 142 و143.

(7) النـزاع والتخاصم: 144.

(8) محمد: 22 و23.

(9) النـزاع والتخاصم: 144.

(10) أمالي الطوسي: 667/ ح1398.

(11) الثاقب في المناقب: 208/ ح184، عيون المعجزات: 80.

(12) تاريخ دمشق لابن عساكر 18: 86 - 87.

(13) الإرشاد للمفيد 2: 185.

(14) مقاتل الطالبيين: 269.

(15) مقاتل الطالبيين: 270 - 271.

(16) القصص: 21.

(17) الجامع الصغير للسيوطي 1: 491/ ح3186.

(18) تاريخ الطبري 6: 386.

(19) تاريخ بغداد 14: 264.

(20) تاريخ الطبري 6: 382 - 383.

(21) تاريخ الطبري 6: 384 - 386.

(22) مقاتل الطالبيين: 285.

(23) عيون أخبار الرضا 1: 108؛ بحار الأنوار 48: 176- 178.

(24) انظر مقاتل الطالبيين: 319 - 320.

(25) عيون أخبار الرضا 2: 102.

(26) انظر مقاتل الطالبيين: 318 - 320.

(27) الأنبياء: 73.

(28) القصص: 41.

(29) عيون أخبار الرضا 1: 87/ ح12.

(30) مقاتل الطالبيين: 338.

(31) مقاتل الطالبيين: 396.

(32) البداية والنهاية لابن كثير 11: 143.