ومن كلام له (عليه السلام):في النهي عن غيبة الناس

«إِنَّمَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعِصْمَةِ وَالْمَصْنُوعِ إِلَيْهِمْ فِي السَّلَامَةِ أَنْ يَرْحَمُوا أَهْلَ الذُّنُوبِ وَالْمَعْصِيَةِ وَيَكُونَ الشُّكْرُ هُوَ الْغَالِبَ عَلَيْهِمْ وَالْحَاجِزَ لَهُمْ عَنْهُمْ فَكَيْفَ بِالْعَائِبِ الَّذِي عَابَ أَخَاهُ وَعَيَّرَهُ بِبَلْوَاهُ أَ مَا ذَكَرَ مَوْضِعَ سَتْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي عَابَهُ بِهِ وَكَيْفَ يَذُمُّهُ بِذَنْبٍ قَدْ رَكِبَ مِثْلَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَكِبَ ذَلِكَ الذَّنْبَ بِعَيْنِهِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ فِيمَا سِوَاهُ مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ وَايْمُ اللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَاهُ فِي الْكَبِيرِ وَعَصَاهُ فِي الصَّغِيرِ لَجَرَاءَتُهُ عَلَى عَيْبِ النَّاسِ أَكْبَرُ يَا عَبْدَ اللَّهِ لا تَعْجَلْ فِي عَيْبِ أَحَدٍ بِذَنْبِهِ فَلَعَلَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ وَلَا تَأْمَنْ عَلَى نَفْسِكَ صَغِيرَ مَعْصِيَةٍ فَلَعَلَّكَ مُعَذَّبٌ عَلَيْهِ فَلْيَكْفُفْ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ عَيْبَ غَيْرِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ عَيْبِ نَفْسِهِ وَلْيَكُنِ الشُّكْرُ شَاغِلًا لَهُ عَلَى مُعَافَاتِهِ مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ غَيْرُهُ».(1)

* * *

[الشرح]:

من المألوف في الأوساط العاديّة أن يتفشّى النقد للأشخاص، وليس ذلك النقد يستند إلى ناحية تبرره، وإنّما هو التحدّث عن معائب الناس، والافاضة في ذكر النقائص وشرح المعائب، ولن تجد في الحياة الانسانيّة من استوفى الكمال في جسمه، وفي خلقه، وفي أعماله، فكلّ إنسان إذا فتّش نفسه يجد مساغاً للقول ونافذة يلج منها الناقدون من دون مشقّة أو عناء.

 

[الغيبة وأثرها النفسي والاجتماعي]:

ليس في هذه الأندية سوى الغيبة، وهي أن تذكر إنساناً بما يخدش شعوره ويجرح عاطفته إذا سمعه أو نقله ناقل.

إنّ هؤلاء الذين يألفون الغيبة لا يحسبون أنّهم يعيشون في مجتمع، فالغيبة لابدّ أن تصل إلى صاحبها، فيتغيّر لك قلبه، وتمقتك طبائعه، ويجتنب صحبتك، ويغضّ طرفه عمّن يعيبك، ولا تحسب أنّك بمنجاة أن لا يعيبك مغتاب ولا يهاجمك مهاجم، وقد يتفنّن الناس في الغيبة، فقد يعيبونه في تشويه في جسده أو بمحاكاة في عرج أو انتفاخ بطن، أو تقليده فيما نقص بأعين الناس من خشونة صوت وإمالة عُنق، وقد يرمزون بألقاب وكُنى يتعارفونها فيما بينهم. هذه نماذج تراها وتسمعها، وهناك في واقع الحياة العامّة أشكال وصور أخرى تستطيع أن تعرفها بنظرة سطحيّة.

العاقل الفطن يتصوّن عن الغيبة، حيث إنّ الغيبة تباعد بين القلوب، وتقطع الروابط بين الناس من حبّ ومودّة وصداقة. وقد تكون صدرت عن دواعٍ غير أصيلة في النفس، وأمّا إذا صدرت من دواعٍ أصيلة فهناك يكون فاعلها بؤرة شرّ، حيث إنّ بواعثها الأصيلة أصول الشرور كالحسد والكبر والحرص والحقد، ومن توجد في نفسه هذه العناصر اللئيمة والمبادئ الأثيمة فهو يعيش وحده تكفيه أدواؤه، ويقضي عليه بلاؤه.

وبالتالي، إنّ هذا الكلام له (عليه السلام) كما نبّه عليه السيّد الرضي (رضي الله عنه) وارد في مقام النهي عن غيبة الناس، وهي من أعظم الموبقات الموقعة في الهلكات، والموجبة لانحطاط الدرجات، لأنّ المفاسد التي تترتّب على ارتكابها أكثر من المفاسد التي تترتّب على سائر المنهيّات، وضررها ضرر نوعيّ، وضرر سائر المعاصي شخصيّ غالباً.

بيان ذلك كما قاله الشارح البحرانيّ: أنّه لمّا كان من المقاصد المهمّة اجتماع النفوس على همّ واحد وطريقة واحد، وهي سلوك سبيل الله بسائر وجوه الأوامر والنواهي، ولن يتمّ ذلك إلاّ بتعاون هممهم وتصافي بواطنهم واجتماعهم على الألفة والمحبّة، حتّى يكونوا بمنـزلة عبدٍ واحد في طاعة مولاه، ولن يتمّ ذلك إلاّ بنفي الضغائن والأحقاد والحسد ونحوه، وكانت الغيبة من كلٍّ منهم لأخيه مثيرةً لضغنه، ومستدعيةً منه مثلها في حقّه، لا جرم كانت ضدّ المقصود الكلّي للشارع، فكانت مفسدة كليّة».

قال الخوئي ميرزا حبيب الله: هذا هو محصّل قوله سبحانه «وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الإِْثْمِ وَالْعُدْوانِ».(2)

وسنذكر لك معنى الغيبة والأدلة الواردة في ذمّها ومفاسدها بعد الفراغ من شرح ما رواه السيّد (رضي الله عنه). قوله (عليه السلام): «وإنّما ينبغي لأهل العصمة» وهم الذين عصمهم الله من المعاصي ووقاهم من الجرائر بجعل نفوسهم الأمّارة مقهورة لقوّتهم العقلانية بما عرّفهم من معائب المعاصي ومنافع الطاعات، فحصل لهم بذلك ملكة الارتداع عن الذنوب والامتناع عن اقتحام المحارم، وهم.

«المصنوع إليهم في السلامة»:

أي الذين اصطنع الله سبحانه إليهم وأنعم عليهم بالسلامة من الانحراف عن صراطه المستقيم والاعتساف عن نهجه القويم، ومن الخروج من النور إلى الظلمات والوقوع في مهاوي الهلكات.

«أن يرحموا أهل الذنوب والمعصية».

لما رأوا منهم الخطيئة والعصيان والغرق في بحر الذلّ والهوان، والتيه في وادي الضلال والخذلان، والرحمة منهم إنّما تحصل بانقاذهم الغريق من البحر العميق، وإرشاد التائه إلى الرشاد بالتنبّه على السداد في العمل والاعتقاد.

«ويكون الشكر» منهم على ما اصطنع الله إليهم «هو الغالب عليهم» يعني أنّ اللازم على أهل العصمة أن يكون شكرهم على نعم الله سبحانه ـ ومن أعظمها عصمته لهم من الاقتحام في المعاصي ـ هو الغالب عليهم دون غيرهم، والشاغل لهم عن حصائد الألسنة وعن التعريض بعيوب الناس، «والحاجز لهم عنهم» وعن كشف سوآتهم وعوراتهم.

وإذا كان اللازم على أهل العصمة مع ما هم عليه من العصمة وترك المعاصي ذلك (فكيف) بمن هو دونهم من أُسراء عالم الحواس والآخذين بهوى الأنفس والمتورّطين في الجرائم وموبقات العظائم، أعني (الغائب الذي عاب) واغتاب (أخاه) بما يكرهه (وعيّره) وقرعه(ببلواه) يعني أنّ اللائق بحال أهل العصمة إذا كان ترك التعرّض بعيوب الناس، فغيرهم مع ما عليهم من العيب أولى بترك التعرّض وأحرى.

وقوله (عليه السلام): «أما ذكر موضع ستر الله عليه من ذنوبه».

توبيخ ولوم لهم على ترك الذِكر، وتحضيض على تداركه في المستقبل، يعني أنّه ينبغي له أن يذكر مكان ستر الله عليه ذنوبه مع علمه وإحاطته سبحانه بها صغائرها وكبائرها وبواطنها وظواهرها وسوالفها وحوادثها، وقد ستر عليه من ذنوبه «ممّا هو أعظم من الذي عابه به» فإذا ذكر معاملة الله سبحانه مع عبده هذه المعاملة وستره عليه جرائمه وجرائره له مع علمه بجميع ما صدر عنه من الخطايا والذنوب، فكيف به «وكيف يذمّه بذنب قد ركب مثله» ولا يذمّ نفسه «فإن لم يكن ركب» مثل «ذلك الذنب بعينه فقد عصى الله سبحانه فيما سواه ممّا هو أعظم منه وأيم الله» قسماً حقّاً «لئن لم يكن عصاه في الكبير وعصاه في الصغير لجرأتُه، على عيب الناس» وغيبتهم «أكبر».

ومحصل المراد أنّه لا يجوز لأحد أن يعيب أخاه، لأنّه إمّا أن يكون بذنب وقد ارتكب الغائب مثله أو أكبر منه أو أصغر، فإن كان بذنب قد ارتكب مثله أو أكبر كان له في عيب نفسه شغل عن عيب غيره.

وفيه قال الشاعر:

إذا جريتَ مع السفيه كما جرى
وإذا عتبتَ على السفيه ولُمته
لا تَنْهَ عن خُلُقِ وتأتي مثله

 

فكِلاكما في جريه مذمومُ
في مثل ما تأتي فأنت ظلوم
عارٌ عليك إذا فعلت عظيم

وإن كان بذنب ارتكب أصغر منه فهو ممنوع أيضاً، لأنّ جرأته على الغيبة وإقدامه عليها أكبر المعاصي باعتبار ما يترتّب عليها من المفاسد والمضار الدنيويّة والأُخرويّة.

ثمّ نادى (عليه السلام) نداء استعطاف فقال: «يا عبد الله لا تعجل في عيب أحد بذنبه، فلعلّه مغفور له» ولعلّه تائب عنه «ولا تأمن على نفسك صغير معصية فلعلّك مُعذَّب عليه» ومعاتب به.

ثم أكّد لهم الوصيّة بقوله: «فليكفف مَن عَلِم منكم عيبَ غيره» عن غيبته وتوبيخه وتفضيحه «لمكان ما يعلم من عيب نفسه، وليكن الشكر شاغلاً له على» ما أنعم الله سبحانه به عليه من «معافاته» وعصمته له «ممّا ابتُلي به غيره».

تنبيه: في تحقيق معنى الغيبة والأدلّة الواردة في حرمتها

وما يترتّب عليها من العقوبات ودواعيها ومستثنياتها وعلاجها وكفّارتها.

وقد حقّق الكلام فيها علماؤنا البارعون (قدّس الله أرواحهم) في كتب الأخلاق والفقه في مقدّمات أبواب المعايش بما لا مزيد عليه، بل أفرد بعضهم لتحقيقها رسالة مستقلة، فأحببنا أن نورد بعض ما فيها حسب ما اقتضته الحال، لكونها من أعظم عثرات الإنسان وأوبق آفات اللسان، فأقول وبالله التوفيق: الكلام في المقام في أمور:

 

الأمر الأوّل: في تحقيق معناها

فأقول: قال الفيّومي: اغتابه اغتياباً: إذا ذكره بما يكره من العيوب وهو حقّ، والاسم الغيبة، فإن كان باطلاً فهو الغيبة في بهت. وفي القاموس: غابه عابه وذكره بما فيه من السوء، كاغتيابه، والغيبة ـ بالكسر ـ فعلة منه. وعن الصحاح: الغيبة أن يتكلّم خلف إنسان مستور بما يغمّه لو سمعه، فإن كان صدقاً سُمّي غيبة، وإن كان كذباً سُمّي بُهتاناً.

وعن النبي (صلى الله عليه وآله) ـ وقد سأله أبو ذر عن الغيبة _: إنّها ذِكرك أخاك بما يكرهه.(3)

وفي رواية أخرى عنه (صلى الله عليه وآله): أتدرون ما الغيبة؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أرأيتَ إن كان في أخي ما أقول؟ قال (صلى الله عليه وآله): إن كان فيه ما تقول فقد اغتبتَه، وإن لم يكن فيه فقد بهتَّه.(4)

والظاهر أن يكون المراد بالذكر في كلامه وكلام غيره ـ كما فهمه الأصحاب ـ الأعمّ من الذكر القولّي، وإن كان عبارة الصحاح تفيد الاختصاص، فكلّ ما يوجب التذكّر للشخص من القول والفعل والاشارة وغيرها فهو ذِكر له، وممّن صرّح بالعموم ثاني الشهيدَين وصاحب الجواهر وشيخنا العلاّمة الأنصاريّ في المكاسب.

قال الغزالي: إنّ الذكر باللسان إنّما حُرّم لأنّ فيه تفهيم الغير نقصان أخيك وتعريفه بما يكرهه، فالتعريض به كالتصريح، والفعل فيه كالقول، والاشارة والايماء والغمز والهمز والكتابة والحركة وكلّ ما يفهم المقصود فهو داخل في الغيبة، فمن ذلك قول عائشة: دخلت علينا امرأة، فلما ولّت أومأتُ بيدي أنّها قصيرة، فقال (صلى الله عليه وآله): اغتبتِها. ومن ذلك المحاكاة، كأن يمشي مُتعارجاً أو كما يمشي، لأنّه أعظم في التصوير والتفهيم، ولمّا رأى (صلى الله عليه وآله) عائشة حاكت امرأة قال (صلى الله عليه وآله): «ما يسرّني أنّي حاكيت إنساناً ولي كذا وكذا» وكذلك الغيبة بالكتابة فإنّ القلم أحد اللسانَين.

قال شيخنا العلاّمة الأنصاري: ومن ذلك تبين المطلب الذي ذكره بعض المصنّفين بحيث يفهم منه الازراء بحال ذلك المصنّف، فإنّ قولك «إنّ هذا المطلب بديهي البطلان» تعريض لصاحبه بأنّه لا يعرف البديهيات، بخلاف ما إذا قيل إنّه مستلزم لما هو بديهي البطلان، لأنّ فيه تعريضاً بأن صاحبه لم ينتقل إلى الملازمة بين المطلب وبين ما هو بديهي البطلان، ولعلّ الملازمة نظريّة.(5) هذا والمراد من الأخ في النبويّين _كما صرح به غير واحد من الأعلام ـ هو المسلم، فإنّ غيبة الكافر وإن تُسمّى غيبة في اللغة إلاّ أنها لا يترتّب عليها حُكم الحرمة، إذ لا أخوّة بينه وبين المسلم، بل لا خلاف في جواز غيبتهم وهجوهم وسبّهم ولعنهم وشتمهم ما لم يكن قذفاً، وقد أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) حسّاناً بهجوهم، وقال: إنّه أشدّ عليهم من رشق النبال. وبذلك يظهر اشتراك المخالفين للمشركين في جواز غيبتهم، كما يجوز لعنهم لانتفاء الأخُوّة بينهم وبين المؤمنين، ولذلك قال ثاني الشهيدَين في حدّها: هو القول وما في حكمه في المؤمن بما يسوءه لو سمعه مع اتّصافه به.

 

[اختصاص حرمة الغيبة بين المؤمنين]:

وفي جامع المقاصد: وحدّها على ما في الأخبار أن يقول المرء في أخيه ما يكرهه لو سمعه ممّا فيه، ومن المعلوم أنّ الله تعالى عقد الأخوّة بين المؤمنين بقوله «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ»(6) دون غيرهم، وكيف تتصوّر الأخوّة بين المؤمن والمخالف بعد تواتر الروايات وتظافر الآيات في وجوب معاداتهم والبرائة منهم. فانقدح بذلك فساد ما عن الأردبيليّ والخراسانّي < من المنع عن غيبة المخالف نظراً إلى عموم أدلّة تحريمها من الكتاب والسنّة، لأنّ قوله تعالى (ولا يغتب) خطاب للمكلّفين أو خصوص المسلمين، وعلى التقديرَين فيعمّ المخالف، والسنّة أكثرها بلفظ الناس والمسلم، وهما معاً شاملان للجميع، ولا استبعاد في ذلك، إذ كما لا يجوز أخذُ مال المخالف وقتله لا يجوز تناول عِرضه.

ووجه ظهور الفساد أنّ ذيل الآية مفيد لاختصاص الخطاب بالمؤمنين، لأنّ تعليل النهي عنها بأنّها بمنـزلة أكل لحم الأخ يدلّ على اختصاص الحرمة بمن كان بينه وبين المغتاب أخوّة كما أشرنا.

قال شيخنا العلاّمة: وتوهّم عموم الآية كبعض الروايات لمطلق المسلم مدفوع بما علم بضرورة المذهب من عدم احترامهم وعدم جريان أحكام الإسلام عليهم إلاّ قليلاً ممّا يتوقّف استقامة نظام معاش المؤمنين عليه، مثل عدم انفعال ما يلاقيهم بالرطوبة، وحلّ ذبائحهم ومناكحهم، وحرمة دمائهم، لحكمة دفع الفتنة وفسادهم لأنّ لكلّ قوم نكاحاً أو نحو ذلك.

وقال صاحب الجواهر بعد نقل كلام الأردبيليّ: ولعلّ صدور ذلك منه لشدّة تقاته وورعه، لكن لا يخفى على الخبير الماهر الواقف على ما تظافرت به النصوص ـ بل تواترت ـ من لعنهم وسبّهم وشتمهم وكفرهم وأنّهم مجوس هذه الأمة وأشرّ من النصارى وأنجس من الكلاب، أنّ مقتضى التقدّس والورع خلاف ذلك، وصدر الآية «الَّذِينَ آمَنُوا »وآخرها بأكل لحم الأخ (إلى أن قال): وعلى كلّ حال فقد ظهر اختصاص الحرمة بالمؤمنين القائلين بإمامة الأئمة الإثني عشر دون غيرهم من الكافرين والمخالفين ولو بإنكار واحد منهم.

ثمّ الظاهر من المؤمن المغتاب ـ بالفتح ـ أهمّ من أن يكون حيّاً أو ميّتاً، ذَكَراً أو أُنثى، بالغاً أو غير بالغ، مميّزاً أو غير مميّز، وقد صرّح بالعموم شيخنا السيّد العلاّمة طاب رمسه في مجلس الدرس، ومثله كشف الريبة، حيث صرّح بعدم الفرق بين الصغير والكبير، وظاهره الشمول لغير المميّز أيضاً.

وقال شيخنا العلاّمة الأنصاري: الظاهر دخول الصبيّ المميّز المتأثّر بالغيبة لو سمعها لعموم بعض الروايات المتقدّمة وغيرها، الدالّة على حُرمة اغتياب الناس وأكل لحومهم مع صدق الأخ عليه، كما يشهد به قوله تعالى: «وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ»(7) مضافاً إلى إمكان الاستدلال بالآية وإن كان الخطاب للمكلّفين بناء على عدّ أطفالهم منهم تغليباً، وإمكان دعوى صدق المؤمن عليه مطلقاً أو في الجملة.(8)

وعلى ما ذكرناه من التعميم فلا بدّ أن يُراد من السماع في تعريفهم لها بأنّها ذِكر المؤمن بما يسوءه لو سمعه الأعمّ من السماع الفعليّ، والمراد بالموصول فيما يسوءه ما يكره ظهوره، سواء كره وجوده كالجذام والبرص ونحوهما أم لا كالميل إلى القبائح.

والمستفاد من بعض الروايات كغير واحد من الأصحاب عدم الفرق في ما يكره بين أن يكون نقصاً في الدين أو الدنيا أو البدن أو النسب أو الخلق أو الفعل أو القول أو ما يتعلّق به من ثوبه أو داره أو دابّته أو غير ذلك.

أما في الدين فكقولك: هو سارق، أو كذّاب، أو شارب الخمر، أو خائن، أو ظالم، أو متهاون بالصلاة أو الزكاة، أو لا يحسن الركوع أو السجود، أو لا يحترز من النجاسات، أو ليس بارّاً بوالديه.

وأمّا في الدنيا فكقوله: إنّه قليل الأدب متهاون بالناس، أو لا يرى لأحد على نفسه حقّاً، أو يرى لنفسه الحقّ على الناس، أو أنّه كثير الكلام، أو كثير الأكل، أو كثير النوم ينام في غير وقته.

وأمّا البدن فكما تقول: إنّه طويل أو قصير أو أعمش أو أحول أو أقرع أو لونه أصفر أو أسود ونحن ذلك ممّا يسوئه.

وأمّا النسب فكقولك: أبوه فاسق أو خسيس أو حجّام أو زبّال أو ليس بنجيب.

وأمّا الخلق فبأن تقول: إنّه سيّء الخلق بخيل متكبّر مختال مراء شديد الغضب جبان عاجز ضعيف القلب متهوّر وما يجري مجرى ذلك.

وأمّا الفعل فإمّا أن يكون متعلّقاً بالدين أو الدنيا، وقد مرّ مثالهما.

وأما القول: فكقولك: إنّه كذّاب أو سبّاب أو أنّه نمّام أو أعجم أو ألكن أو ألثغ أو أليغ ونحو ذلك.

وأمّا في ثوبه: فكقولك إنّه واسع الكمّ طويل الذيل وسخ الثياب ونحوها.

وأمّا في داره فكما تقول: إنّه مفحص قطاة، أي في الصغر، أو كدير النصارى أو نحوهما.

وأمّا في دابّته فكقولك لحصانه: إنّه برذون، أو لبغلته إنّها بغلة أبي دلامة أي كثيرة العيوب.

 

الثاني: في الأدلّة الدالّة على حرمة الغيبة:

وما ترتّب عليها من الذمّ والعقوبة فأقول: إنّها محرّمة بالأدلّة الأربعة ـ أعني الكتاب والسنّة والاجماع والعقل، فأمّا الاجماع فواضح، وأمّا العقل فلأنّها موجبة لفساد النظام وانفصام عروة الانتظام، وعليها تُبنى القبائح، ومنها يظهر العدو المكاشح، على ما مرّ توضيحه في شرح كلام الإمام (عليه السلام).

 

[الدليل القرآني]:

وأمّا الكتاب فمنه قوله تعالى: «وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ»(9) فجعل سبحانه المؤمن أخاً، وعِرضه كلحمه، والتفّكه به أكلاً، وعدم شعوره بذلك بمنـزلة حالة موته.

قال الفخر الرازي: الحكمة في هذا التشبيه الاشارة إلى أنّ عِرض الإنسان كدمه ولحمه، وهذا من باب القياس الظاهر، وذلك لأنّ عرض المرء أشرف من لحمه، فإذا لم يَحسُن من العاقل أكل لحوم الناس لم يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى، لأنّ ذلك آلم، وقوله «لحم أخيه» آكد في المنع، لأنّ العدّو يحمله الغضب على مضغ لحم العدّو، فقال تعالى أصدق الأصدقاء من ولدته أمّك، فأكل لحمه أقبح ما يكون، وقوله تعالى «ميتاً» إشارة إلى دفع وهم، وهو أن يقال: القول في الوجه يؤلم فيحرم، وأمّا الاغتياب فلا اطّلاع عليه للمغتاب فلا يؤلم، فقال: أكل لحم الأخ وهو ميّت أيضاً لا يؤلم، ومع هذا هو في غاية القبح لما أنّه لو اطّلع عليه لتألّم، كما أنّ الميّت لو أحسّ بأكل لحمه لآلمه ذلك...

ومن الكتاب أيضا قوله سبحانه: «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ»(10) قال الليث: الهُمزة هو الذي يعيبك بوجهك، واللُمزة الذي يعيبك بالغيب، وقيل: الهمز ما يكون باللسان والعين والاشارة، واللمز لا يكون إلاّ باللسان، وقيل: هما بمعنى واحد.

ومنه أيضاً قوله: «لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ»(11) وقوله: «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ»(12) روى في الكافي عن علي بن ابراهيم عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته أذناه فهو من الذين قال الله (عز وجل): «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ».(13)

 

[الدليل الروائي]:

وأمّا السنّة فيدلّ عليها منها أخبار لا تُحصى:

مثل ما رواه في الكافي عن ابن إبراهيم عن النوفليّ، عن السكونيّ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من الأكلة في جوفه.(14)

قال: وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الجلوس في المجلس انتظار(15) الصلاة عبادة ما لم يحدث، قيل: يا رسول الله وما يحدث؟ قال: الاغتياب.(16)

وفيه مسنداً عن مفضّل بن عمر قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): من روى على مؤمن رواية يريد بها شينهُ، وهدم مروّته ليسقط من أعين الناس أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان فلا يقبله الشيطان.(17)

وفي الوسائل من المجالس بإسناده عن أبي بصير، عن النبي (صلى الله عليه وآله) في وصيّة له قال: يا أبا ذر إيّاك والغيبة فإنّ الغيبة أشدّ من الزنا، قلت: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: لأنّ الرجل يزني فيتوب إلى الله فيتوب الله عليه، والغيبة لا تُغفَر حتّى يغفرها صاحبُها، يا أبا ذر سباب المسلم فُسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه من معاصي الله، وحُرمة ماله كحرمة دمه، قلت: يا رسول الله وما الغيبة ؟ قال: ذِكرك أخاك بما يكرهه، قلت: يا رسول الله فإن كان فيه الذي يُذكر به؟ قال: اعلم أنّك إذا ذكرتَه بما هو فيه فقد اغتبتَه، وإذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهتّه.(18)

وفي الوسائل أيضاً عن الحسين بن سعيد في كتاب الزهد مسنداً عن زيد بن علي، عن آبائه (عليهم السلام)، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: تحرم الجنّة على ثلاثة: على المنّان، وعلى المغتاب، وعلى مُدمن الخمر.(19)

وفيه أيضاً عن أبي عبد الله الشامي، عن نوف البكالي أنّه قال: أتيت أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو في رحبة مسجد الكوفة فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، فقلت: يا أمير المؤمنين عظني، فقال: يانوف أحسِن يُحسَن إليك... إلى أن قال: قلت: زدني قال: اجتنب الغيبة فإنّها أدام كلاب النار، ثم قال: يانوف كذب من زعم أنّه وُلد من حلال وهو يأكل لحوم الناس بالغيبة.(20)

وفي المكاسب لشيخنا العلاّمة الأنصاريّ (طاب رمسه) عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه خطب يوماً فذكر الربا وعظّم شأنه فقال: إنّ الدرهم يُصيبه الرجل أعظم من ستّة وثلاثين زنية، وإنّ أربى الربا عِرض الرجل المسلم.

وعنه (صلى الله عليه وآله): من اغتاب مسلماً أو مسلمة لم يقبل الله صلاته ولا صيامه أربعين صباحاً، إلاّ أن يغفر له صاحبه.

وعنه (صلى الله عليه وآله): من اغتاب مؤمناً بما فيه لم يجمع الله بينهما في الجنّة، ومن اغتاب مؤمناً بما ليس فيه انقطعت العصمة بينهما، وكان المغتاب خالداً في النار وبئس المصير.

وعنه (صلى الله عليه وآله): كذب من زعم أنّه وُلد من حلال وهو يأكل لحوم الناس بالغيبة، فاجتنب الغيبة فإنّها أدام كلاب النار.

وعنه (صلى الله عليه وآله): مَن مشى في غيبة أخيه وكشف عورته كانت أوّل خطوة خطاها وضعها في جهنم.

وروي أنّ المغتاب إذا تاب فهو آخر من يدخل الجنّة، وإن لم يَتُب فهو أوّل من يدخل النار.

وعنه (صلى الله عليه وآله): إنّ الغيبة حرام على كلّ مسلم، وإنّ الغيبة لتأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.(21)

قال شيخنا (قدس سره): وأكل الحسنات إمّا أن يكون على وجه الاحباط لاضمحلال ثوابها في جنب عقابه، أو لأنّها تنقل الحسنات إلى المغتاب كما في غير واحد من الأخبار، ومن جملتها النبويّ: يؤتى بأحد يوم القيامة فيوقف بين يدي الربّ (عز وجل)، يدفع إليه كتابه، فلا يرى حسناته فيه، فيقول: إلهي ليس هذا كتابي لا أرى فيه حسناتي، فيقال له: إنّ ربّك لا يضلّ ولا ينسى، ذهب عملُك باغتياب الناس، ثم يؤتى بآخر ويُدفع إليه كتابه فيرى فيه طاعات كثيرة فيقول: إلهي ما هذا كتابي، فإنّي ما عملت هذه الطاعات، فيقال له: إنّ فلاناً اغتابك، فدُفعت حسناته إليك».(22)

وفي عقاب الأعمال بإسناده عن أبي بردة قال: صلّى بنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم انصرف مسرعاً حتى وضع يده على باب المسجد، ثم نادى بأعلى صوته: يا معشر الناس لا يدخل الجنّة من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه، لا تتّبعوا عورات المؤمنين، فإنّه من تتبّع عورات المؤمنين تتبّع الله عورته، ومن تتبّع الله عورته فيفضحه ولو في جوف بيته.(23)

وفيه أيضاً بإسناده عن حفص بن غياث، عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):أربعة يؤذون أهل النار من الأذى، يُسقون من الحميم والجحيم، ينادون بالويل والثبور، فيقول أهل النار بعضهم لبعض: ما لهؤلاء الأربعة قد آذونا على ما بنا من الأذى: فرجل معلّق عليه تابوت من جمر، ورجل تجري أمعاؤه صديداً ودماً أسود نتناً، ورجل يسيل فوه قيحاً ودماً، ورجل يأكل لحمه، فيقال لصاحب التابوت: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إنّ الأبعد مات وفي عُنقه أموال الناس لا يجد لها في نفسه أداء ولا وفاء، ثم يقال للذي تجري أمعاؤه: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إنّ الأبعد كان لا يبالي أين أصاب البول من جسده، ثم يقال للذي يسيل فوه قيحاً ودماً: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إنّ الأبعد كان يُحاكي فينظر إلى كلّ كلمة خبيثة ويحاكي بها ثم يغتاب الناس، ثم يقال للذي يأكل لحمه: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إنّ الأبعد كان يأكل لحوم الناس بالغيبة ويمشي بالنميمة.(24)

وفي الأنوار النعمانيّة للمحدّث الجزائري عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: مررت ليلة أسري بي إلى السماء على قوم يخمشون وجوههم بأظافيرهم، فقلت: يا جبرائيل من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء الذين يغتابون الناس ويقعون في أعراضهم.(25)

وفيه أيضاً: وروي أنّه أمر بصوم يوم وقال: لا يفطرنّ أحد حتّى آذن له، فصام الناس حتّى أمسوا، جعل الرجل يجيء فيقول: يا رسول الله ظللت صائماً فأذن لي لأفطر فيأذن له، والرجل والرجل حتّى جاء رجل فقال: يا رسول الله فتاتان من أهلي ظلتا صائمتين فإنّهما تستحيان أن يأتيانك فأذن لهما أن تفطرا، فأعرض عنه، ثمّ عاوده فأعرض عنه، ثمّ عاوده فقال (صلى الله عليه وآله): إنّهما لم تصوما، وكيف صام من ظلّ هذا اليوم يأكل لحوم الناس؟ اذهب فمُرهما إن كانتا صائمتين أن تستقيئا، فرجع إليهما فأخبرهما فاستقائتا فقائت كلّ واحدة منهما علقة من دم، فرجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فأخبره، فقال (صلى الله عليه وآله): والذي نفس محمد بيده لو بقيتا في بطونهما لأكلتهما النار.(26)

وفي رواية أنّه لما أعرض عنه جائه بعد ذلك وقال: يا رسول الله إنّهما والله لقد قائتا وكادتا أن تموتا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ائتوني بهما، فجاءتا، فدعى بقدح فقال لإحداهما: قيئي! فقاءت من قيح ودم صديد حتّى ملأت القدح؛ وقال للأخرى: قيئي، فقاءت كذلك، فقال (صلى الله عليه وآله): إنّ هاتين صامتا عمّا أحلّ الله وأفطرتا على ما حرّم الله عليهما: جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس.(27)

وروى الغزالي في إحياء علوم الدين عن أنس مثلها.

قال شيخنا العلاّمة (طاب رمسه): ثم إنّه قد يتضاعف عقاب المغتاب إذا كان ممّن يمدح المغتاب في حضوره، وهذا وإن كان في نفسه مباحاً، إلاّ أنّه إذا انضمّ مع ذمّه في غيبته سُمّي صاحبه «ذا اللسانين» يوم القيامة وتأكّد حرمته، ولذا ورد في المستفيضة أنّه يجيء ذو اللسانين يوم القيامة وله لسانان من نار؛ فإنّ لسان المدح في الحضور وإن لم يكن لساناً من نار، إلاّ أنّه إذا انضمّ إلى لسان الذمّ في الغياب صار كذلك.

وفي المجالس بسنده عن حفص بن غياث، عن الصادق (عليه السلام)، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام)، عن عليّ (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من مدح أخاه المؤمن في وجهه واغتابه من ورائه فقد انقطعت العصمة بينهما.

وعن الباقر (عليه السلام): بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين، يُطري أخاه شاهداً ويأكله غائباً، إن أُعطي حسده، وإن ابتُلي خذله.(28)

 

الثالث: في دواعي الغيبة:

وهي كثيرة، وقد أشار إليها الصادق (عليه السلام) إجمالاً بقوله: الغيبة تتنوّع عشرة أنواع: شفاء غيظ، ومساعدة قوم، وتصديق خبر بلا كشف، وتهمة، وسوء ظنّ، وحسد، وسخرية، وتعجّب، وتبرّم، وتزيّن. رواه في المكاسب(29) والأنوار النعمانيّة.

وأمّا تفصيلها فقد نبّه عليها أبو حامد الغزالي في إحياء العلوم فقال: فالاُول: تشفي الغيظ وذلك إذا جرى سبب غضب به عليه، فإنّه إذا هاج غضبه يشتفي بذلك بذكر مساويه فيسبق اللسان إليه بالطبع إن لم يكن دين رادع، وقد يمتنع تشفّي الغيظ عند الغضب فيحتقن الغضب، بالباطن فيصير حقداً ثابتاً، فيكون سبباً دائماً لذكر المساوي، فالحقد والحسد من البواعث العظيمة على الغيبة.

الثاني: موافقة الأقران ومجاملة الرفقاء ومساعدتهم على الكلام، فإنّهم إذا كانوا يتفكّهون بذكر الأعراض فيرى أنّه لو أنكر عليهم أوقطع المجلس استثقلوه ونفروا عنه، فيساعدهم ويرى ذلك من حسن المعاشرة، ويظنّ أنّه مجاملة في الصحبة، وقد يغضب رفقاؤه فيحتاج إلى أن يغضب بغضبهم إظهاراً للمساهمة في السرّاء والضراء، فيخوض معهم في ذكر العيوب والمساوئ.

الثالث: أن يستشعر من إنسان أنّه سيقصده ويطوّل لسانه عليه أو يقبّح حاله عند محتشم، أو يشهد عليه بشهادة، فيبادره قبل أن يقبّح هو حاله، ويطعن فيه ليُسقط أثر شهادته، أو يبتدئ بذكر ما فيه صادقاً ليكذب عليه بعده، فيروج كذبه بالصدق الأوّل ويستشهد به ويقول: ما من عادتي الكذب، فإنّي أخبرتكم بكذا وكذا عن أحواله فكان كما قلت.

الرابع: أن يُنسب إلى شيء فيريد أن يتبرّأ منه، فيذكر الذي فعله، وكان من حقّه أن يبرّئ نفسه ولا يذكر الذي فعل، فلاينسب غيره إليه، أو يذكر غيره بأنّه كان مشاركاً له في الفعل ليمهّد بذلك عذر نفسه في فعله.

الخامس: إرادة التصنّع والمباهاة، وهو أن يرفع نفسه بتنقيص غيره، فيقول: فلان جاهل وفهمه ركيك، وغرضه في ضمن ذلك فضل نفسه ويوهم أنّه أفضل منه، أو يحذر أن يعظّم مثل تعظيمه فيقدح فيه لذلك.

السادس: الحسد وهو أنّه ربّما يحسد من يُثني الناس عليه ويحبّونه ويكرمونه، فيريد زوال تلك النعمة عنه، فلا يجد سبيلاً إليه إلا بالقدح فيه، فيريد أن يُسقط ماء وجهه عند الناس حتّى يكفّوا عن الكرامة والثناء عليه.

السابع: اللعب والهزل والمطايبة وتوجيه الوقت بالذكر وتزيين الوقت بالذكر، فيذكر غيره بما يضحك الناس على سبيل المحاكاة، ومنشؤه التعجّب والتعجيب.

الثامن: السخرية والاستهزاء استحقاراً له، فإنّ ذلك قد يجري في الحضور ويجري أيضاً في الغيبة، ومنشؤه التكبّر واستصغار المستهزء به.

التاسع: الرحمة وهو مأخذ دقيق ربّما يقع فيه الخواصّ، وهو أن يغتمّ بسبب ما يُبتلى به فيقول: مسكين فلان قد غمّني أمره وما ابتلي به، فيكون صادقاً في دعوى الاغتمام ويلهيه الغمّ عن الحذر عن ذكر اسمه، فيصير بذكره مغتاباً، فيكون غمّه ورحمته خيراً، لكنّه ساقه الشيطان إلى شرّ من حيث لا يدري، والترّحم والاغتمام ممكن من دون ذكر اسمه، فهيّجه الشيطان على ذكر اسمه ليبطل به ثواب اغتمامه وترحّمه.

العاشر: الغضب لله تعالى، وهو كسابقه في غموض إدراكه وخفائه على الخواصّ فضلاً عن العوام، فإنّه قد يغضب على منكر قارفه إنسان إذا رآه أو سمعه، فيظهر غضبه ويذكر اسمه، وكان الواجب أن يذكر غضبه عليه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يظهر على غيره أو يستره ولا يذكر اسمه بالسوء.

* * *

الرابع: في عدم جواز استماع الغيبة:

قال شيخنا في المكاسب: يحرم استماع الغيبة بلا خلاف، فقد ورد أنّ السامع للغيبة أحد المغتابَين، والأخبار في حرمته كثيرة، إلاّ أنّ ما يدلّ على كونه من الكبائر كالرواية المذكورة ونحوها ضعيفة السند.(30)

أقول: ومن جملة الأخبار الدالّة على حرمته ما رواه الصدوق في عقاب الأعمال بإسناده عن أبي الورد، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من اغتيب عنده أخوه المؤمن فنصره وأعانه نصره الله وأعانه في الدنيا والآخرة، ومن لم ينصره ولم يدفع عنه وهو يقدر على نصرته حقّره الله (عز وجل) في الدنيا والآخرة.(31)

وفيه أيضاً في حديث طويل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ومن ردّ عن أخيه غيبة سمعها في مجلس ردّ الله (عز وجل) عنه ألف باب من الشرّ في الدنيا والآخرة، وإن لم يردّ عنه كان عليه كوزر من اغتاب.(32)

وفي الوسائل عن الصدوق بإسناده عن شعيب بن واقد، عن الحسين بن زيد، عن الصادق، عن آبائه (عليهم السلام) في حديث المناهي، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن الغيبة والاستماع إليها، ونهى عن النميمة والاستماع إليها، وقال: لا يدخل الجنة قتّات ـ يعني نمّاماً ـ ونهى عن المحادثة التي تدعو إلى غير الله (عز وجل)، ونهى عن الغيبة وقال: من اغتاب امرءاً مسلماً بطل صومه، ونقض وضوءه، يوم القيامة تفوح من فيه رائحة أنتن من الجيفة يتأذّى بها أهل الموقف، وإن مات قبل أن يتوب مات مستحلاًّ لما حرّم الله (عز وجل). ألا ومن تطوّل على أخيه في غيبة سمعها فيه في مجلس فردّها عنه، ردّ الله عنه ألف باب من الشرّ في الدنيا والآخرة، فإن لم يردّها وهو قادر على ردّها كان عليه كوزر من اغتابه سبعين مرة.(33)

قال شيخنا: ولعلّ وجه زيادة عقابه أنّه إذا لم يردّه تجرّأ المغتاب على الغيبة، فيصّر على هذه الغيبة وغيرها، ثم قال: والظاهر أنّ الردّ غير النهي عن الغيبة، والمراد به الانتصار للغائب بما يناسب تلك الغيبة، فإن كان عيباً دنيويّاً انتصر له بأنّ العيب ليس إلا ما عاب الله به من المعاصي التي من أكبرها ذكرك أخاك بما لم يُعبه الله به، وإن كان عيباً دينيّاً وجّهه بمحامل تُخرجه عن المعصية، فإن لم يقبل التوجيه انتصر له بأنّ المؤمن قد يُبتلى بالمعصية، فينبغي أن يُستغفر له ويهتمّ له لا أن يُعيّر عليه، لأنّ تعييرك إيّاه لعلّه أعظم عند الله من معصيته ونحوه.(34)

ثم اعلم أنّ المحرّم إنّما هو سماع الغيبة المحرمة دون ما علم حليّتها ولو كان متجاهراً عند المغتاب مستوراً عند المستمع، وقلنا بجواز الغيبة حينئذٍ للمتكلّم، فالأقوى جواز الاستماع لأنّه قول غير منكر، فلا يحرم الاصغاء إليه للأصل، والرواية الدالّة على كون السامع أحد المغتابَين تدلّ على أنّ السامع للغيبة كقائل تلك الغيبة، فإن كان القائل عاصياً كان المستمع كذلك، فيكون دليلاً على الجواز فيما نحن فيه.

 

الخامس: في مستثنيات الغيبة:

إنّ الموارد التي يجوز فيها الغيبة جوازاً بالمعنى الأعمّ، فإنّ المستفاد من الأخبار أنّ حرمتها إنّما هو لأجل ما فيها من هتك عرض المؤمن وانتقاصه وتأذّيه، فلو لم توجب هتكاً لكونه مهتوكاً بدونها، ككونه متجاهراً بالفسق أو لم يقصد بها الانتقاص بالذات فلا.

قال في جامع المقاصد: وضابط الغيبة كلّ فعل يقصد به هتك عرض المؤمن والتفكّه به أو إضحاك الناس منه، وأمّا ما كان لغرض صحيح فلا يحرم، كنصيحة المستشير والتظلّم... الخ.(35)

قال الشيخ العلاّمة: حرمة الغيبة لأجل انتقاص المؤمن وتأذّيه منه، فإذا فُرض هناك مصلحة راجعة إلى المغتاب بالكسر أو الفتح أو ثالث، دلّ العقل أو الشرع على كونها أعظم من مصلحة احترام المؤمن بترك ذلك القول فيه، وجب كون الحكم على طبق أقوى المصلحتَين كما هو الحال في كلّ معصية من حقوق الله وحقوق الناس.(36)

إذا عرفت ذلك فنقول: إن مسوّغاتها أمور:

الأول: التظلّم، أي تظلّم المظلوم بذكر ظلم الظالم عند من يرجو رفع الظلم منه، قال سبحانه: «لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ»(37) فعن تفسير القمّي: أي لا يحبّ أن يجهر الرجل بالظلم والسوئة ويظلم إلاّ من ظُلم، فأطلق أن يعارض بالظلم.(38)

قال شيخنا العلاّمة: ويؤيّد الحكم فيه أنّ في منع المظلوم من هذا الذي هو نوع من التشفّي حرجاً عظيماً، ولأنّ في تشريع الجواز مظنّة ردع للظالم، وهي مصلحة خالية عن مفسدة، فيثبت الجواز لأنّ الأحكام تابعة للمصالح، ويدلّ عليه ما رُوي عن النبي (صلى الله عليه وآله): مطل الواجد يحلّ عقوبته وعرضه.(39)

الثاني: نصح المستشير، فإنّ النصيحة واجبة للمستشير، فإنّ خيانته قد تكون أقوى مفسدة من مفسدة الغيبة، فقد قال النبي (صلى الله عليه وآله) لفاطمة بنت قيس المشاورة في خطّابها: معاوية صعلوك لا مال له، وأبو الجهم لا يضع العصا على عاتقه.(40)

قال شيخنا: وكذلك النصح من غير استشارة، فإنّ من أراد تزويج إمرأة وأنت تعلم بقبائحها التي توجب وقوع الرجل في الغيبة والفساد لأجلها، فلا ريب أنّ التنبيه على بعضها ـ وإن أوجب الوقيعة فيها ـ أولى من ترك نصح المؤمن، مع ظهور عدّة من الأخبار في وجوبه.(41)

الثالث: الاستفتاء، بأن يقول للمفتي: ظلمني فلان حقي فكيف طريقي في الخلاص؟ قال أبو حامد: أو أخوه أو زوجته، ولكنّ التعيين مباح بهذا القدر، وقيّده شيخنا العلاّمة بما إذا كان الاستفتاء موقوفاً على ذكر الظالم بالخصوص، وإلاّ فلا يجوز، وظاهر الأخبار كظاهر كثير الأصحاب هو الاطلاق.

واستدلّوا عليه بما روى عن هند زوجة أبي سفيان أنّها قالت للنبي (صلى الله عليه وآله): إنّ أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني أنا وولدي، أفآخذ من غير علمه؟ فقال (صلى الله عليه وآله): خُذي ما يكفيك وولدك بالمعروف، فذكرت الظلم والشحّ لها لولدها، ولم يزجرها إذ كان قصدها الاستفتاء.

وبصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: إنّ امي لا تدفع يد لامس، فقال (صلى الله عليه وآله): احبسها، قال: قد فعلت، فقال: فامنع من يدخل عليها، قال: قد فعلت، قال: فقيّدها فإنّك لا تبرّها بشيء أفضل من أن تمنعها عن محارم الله (عز وجل). واحتمال كونها متجاهرة مدفوع بالأصل.(42)

الرابع: تحذير المسلم من الشرّ وعن الوقوع في الضرر لدنيا أودين، لأنّ مصلحة دفع فتنة الشر والضرر أولى من هتك شرّ المغتاب، مثل من يريد أن يشتري مملوكاً وأنت تعلم بكونه موصوفاً بالسرقة أو بعيب آخر، فسكوتُك عن ذكر عيبه إضرار بالمشتري، وكذلك المبتدع الذي يخاف من إضلاله الناس، فإذا رأيتَ من يتردّد إلى مبتدع أو فاسق وخفت أن تتعدّى إليه بدعته أو فسقه فلك أن تكشف مساويه.

ويدلّ عليه ما عن الكافي بسنده الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهِروا البراءة منهم، وأكثِروا من سبّهم والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام، وتحذرهم الناس ولا يتعلّموا من بدعهم، يكتب الله لكم بذلك الحسنات ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة.(43)

هذا وربّما يجعل هذا المورد من باب نصح المستشير بعد تعميمه بالنسبة إلى النصح المسبوق بالاستشارة وغيره.

الخامس: قصد ردع المغتاب عن المنكر الذي يفعله إذا لم يمكن الردع إلاّ به، فإنّه أولى من ستر المنكر عليه، فهو في الحقيقة إحسان في حقّه، مضافاً إلى عموم أدلّة النهي عن المنكر.

السادس: باب الترجيح والتعديل في الرواية لأجل معرفة قبول الخبر وعدمه ومعرفة صلاحيّته للمعارضة وعدمها، وإلاّ لانسدّ باب التعادل والترجيح الذي هو أعظم أبواب الاجتهاد وجرت السيرة عليه من قديم الزمان كجريانها على الجرح في باب الشهادة وعلى ترجيح ما دلّ على وجوب إقامتها على ما دلّ على حرمة الغيبة على وجه الإشكال فيه، وإلاّ لضاعت الحقوق في الدماء والأموال وغيرها، ولغلب الباطل، ويلحق بذلك الشهادة بالزنا وغيره لإقامة الحدود.

السابع: دفع الضرر عن المغتاب في دم أو عرض أو مال، وعليه يحمل ما ورد في ذمّ زرارة من عدة أحاديث، وقد ورد التعليل بذلك في بعض الأحاديث، ويلحق بذلك الغيبة للتقيّة على نفس المتكلّم أو ماله أو عرضه، فإنّ الضرورات تُبيح المحظورات.

الثامن: ذكر الشخص بعينه الذي صار بمنـزلة الصفة المميّزة التي لا يعرف إلاّ بها، كالأعمش والأعرج والأشتر والأحول ونحوها، فلا بأس بها إذا صارت الصفة في اشتهار يوصف بها الشخص إلى حيث لا يكره ذلك صاحبها، وعليه يُحمل ما صدر عن العلماء الأعلام.

التاسع: إظهار العيوب الخفيّة للمريض عند الطبيب للمعالجة.

العاشر: ردّ من ادّعى نسباً ليس له، فإنّ مصلحة حفظ الأنساب أولى من مراعاة حرمة المغتاب.

الحادي عشر: إذا علم إثنان عن رجل معصية وشاهداها، فأجرى أحدهما ذكره في غيبة ذلك العاصي جاز، لأنّه لا يؤثر عند السامع شيئاً، وإن كان الأولى تنـزيه اللسان عن ذلك لغير غرض من الأغراض الصحيحة، خصوصاً مع احتمال نسيان المخاطب لذلك أو خوف اشتهاره.

الثاني عشر: غيبة المتجاهر بالفسق في ما تجاهر به، فإنّ من لا يُبالي بظهور فسقه بين الناس لا يُكره ذِكره بالفسق، وقد قال الإمام (عليه السلام): إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حُرمة له ولا غيبة،(44) وفي رواية أخرى: من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له».(45) وأما جواز غيبته في غير ما تجاهر به فقد منع منه الشهيد الثاني، وحُكي عن الشهيد الأول أيضاً، واستظهر الفاضل النراقي الجواز.

قال شيخنا العلاّمة الأنصاري (قدس سره): ظاهر الروايات النافية لاحترام المتجاهر وغير الساتر هو الجواز.

واستظهره في الحدائق من كلام جملة من الأعلام، وصرّح به بعض الأساطين. قال شيخنا العلاّمة: وينبغي إلحاق ما يتستّر به بما يتجاهر فيه إذا كان دونه في القبح، فمن تجاهر (والعياذ بالله) باللواط جاز اغتيابه بالتعريض للنساء الأجانب، ومن تجاهر بقطع الطرق جاز اغتيابه بشرب الخمر، ومن تجاهر بالقبائح المعروفة جاز اغتيابه بكلّ قبيح، ولعلّ هذا هو المراد بمن ألقى جلباب الحياء، لا من تجاهر بمعصية خاصّة وغدا مستوراً بالنسبة إلى غيرها كبعض عمّال الظلمة.(46)

هذا، وهذه الموارد المذكورة هو المعروف استثناؤها بين جمع من الأصحاب، وبعضهم قد زادوا عليها، وبعضهم قد نقصوا، ولا حاجة إلى الاطناب بعد ما عرفت أنّ مدار الحرمة على قصد الانتقاص والأذى بالذات، والله أعلم.

 

السادس: في معالجة الغيبة:

وعلاجها إنّما هو بالعلم بما يترتّب عليها من المفاسد الدنيويّة والأُخرويّة، وبالتدبير في المضارّ المترتّبة عليها عاجلاً وآجلاً.

أما المضارّ الدنيويّة: فهو أنّها تورث العداوة والشحناء، وتوجب غضب المغتاب، فيكون في مقام المكافاة والمجازاة لشنيع قولك، فيغضبك ويؤذيك ويُهينك، ومن ذلك ينبعث الفساد، وربّما يؤول الأمر إلى ما لا يمكن علاجه، بل قد يؤل إلى القتل والجرح والاستيصال وإتلاف الأموال وغيرها.

وأما المضار الأُخرويّة: فيحصل التنبّه عليها بالتفكّر والتدبّر في الآيات والأخبار الواردة في ذمّها وعقوبتها، وبالعلم بأنّها توجب دخول النار وغضب الجبار ومقته، وتحبط الحسنات وتنقلها إلى ميزان حسنات المغتاب، فإن لم تكن له حسنة نقل الله من سيّئات خصمه بقدر ما استباحه من عرضه، قال (صلى الله عليه وآله): ما النار في اليبس أسرع من الغيبة في حسنات العبد.(47)

وإن كانت الغيبة في العيب بالخلق فليعلم أنّه عيب على الخالق، فإنّ من ذم الصنعة فقد ذمّ الصانع. قيل لحكيم: يا قبيح الوجه، قال: ما كان خلق وجهي إليّ فأُحسّنه. وروي أنّ نوحاً (عليه السلام) مرّ على كلب أجرب فقال: ما هذا الكلب؟ فنطق وقال: يا نبيّ الله هكذا خلقني ربي، فإن قدرتَ أن تغيّر صورتي بأحسن من هذه الصورة فافعل، فندم نوح على ما قال وبكى أربعين سنة، فسمّاه الله نوحاً، وكان اسمه عبد الملك أو عبد الجبّار.

وروي أيضاً أنّه مر عيسى (عليه السلام) ومعه الحواريّون بجيفة كلب فقال الحواريّون: ما أنتن ريح هذا الكلب، فقال (عليه السلام) ما أشدّ بياض أسنانه، كأنّه نهاهم عن غيبة الكلب وتعيبه،(48) فانظر إلى عظم الخطر في تعييب الناس، فإذا لم يرض أولياء الدين بعيب ميتة حيوان، فكيف بعيب النفوس المحترمة. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): طوبى لمن شغله عيب نفسه عن عيوب الناس.(49) فإذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوبك، قال الشاعر:

وأجرء من رأيت بظهر غيب            على عيب الرجال وذو العيوب

فلربّما تبصر في عين أخيك القذى      ولا تبصر الجذع في عينيك

ومصروفة عيناه عن عيب نفسه       فإن لاح عيبٌ من أخيه تبصّرا

وقد قيل للربيع بن خيثم: ما نراك تعيب أحداً: قال: لستُ راضياً عن نفسي فأتفرّغ لذكر عيوب الناس، ثمّ قال:

لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها          لنفسي في نفسي عن الناس شاغلُ

نعوذ بالله من زلاّت البيان وهفوات اللسان وسقطات الألفاظ ورمزات الألحاظ.

 

السابع: في كفّارة الغيبة:

قال المحدّث الجزائري (قدس سره): اعلم أنّ الواجب على المغتاب أن يندم ويتوب ويأسف على ما فعل ليخرج من حقّ الله تعالى، ثم يستحلّ المغتاب فيحلّه ليخرج عن مظلمته، وينبغي أن يستحلّه وهو نادم حزين، وإلاّ فالمرائي قد يطلب المحالّة فيكون عليه ذنب آخر، وقد ورد في كفّارته حديثان:

أحدهما: قوله (عليه السلام): كفّارة من اغتبته أن تستغفر له.(50) وفي حديث آخر: كلّما ذكرته.(51) ومعنى قوله «كلّما ذكرته» على طريقة الغيبة أو كلّما عنّ في خاطرك أو جرى ذكره على لسانك بعد المحالّة الأولى.

الثاني: قوله (صلى الله عليه وآله): من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فيتحلّلها منه من قبل أن يأتي يوم ليس هناك دينار ولا درهم، يؤخذ من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أُخذ من سيّئات صاحبه فزيد على سيّئاته.(52)

وجمع بين الحديثين شيخنا الشهيد الثاني قدس الله روحه بحمل الاستغفار له على من يبلغ غيبة المغتاب، فينبغي الاقتصار على الدعاء له والاستغفار، لأنّ في محالّته إثارة للفتنة وجلباً للضغائن، وفي حكم من لم يبلغه من لم يقدر على الوصول إليه لموت أو غَيبة، وحمل المحالّة على من يمكن الوصول إليه مع بلوغه.

قال الجزائري: ويمكن الجمع بينهما بوجهَين:

أحدهما: أنّ الاستغفار له كفّارة معجّلة تكون مقارنة للغيبة، والمحالّة متأخّرة عنه غالباً، فيجب عليه المبادرة بذلك لعدم توقّفه على التمكّن وعدمه، والمحالّة إذا تمكّن بعد هذا، فيكون الواجب اثنين لا واحد كما هو مذكور في القول الأول.

الثاني: حمل الاستغفار له على الاستحباب، والواجب إنّما هو المحالّة لا غير، وإذا جاء إلى المغتاب فينبغي أن لا يظهر له الكلام الذي اغتاب خوفاً من إثارة الشحناء وتجديد العداوة، بل يقول له: يا أخي لك حقوق عرضيّة وأريد أن تحالّني منها، ونحو ذلك من العبارات المجملة، ويستحب للمعتذر إليه قبول العذر والمحالّة استحباباً مؤكّداً، انتهى.

أقول: والأظهر في وجه الجمع ما حكاه عن الشهيد، بل وهو الأقرب.

والتحقيق ما حقّقه شيخنا العلاّمة الأنصاري (قدس سره) في المكاسب، حيث قال: مقتضى كون الغيبة من حقوق الناس توقّف رفعها على إسقاط صاحبها، أمّا كونها من حقوق الناس فلأنّه ظلم على المغتاب، وللأخبار في أنّ من حق المؤمن على المؤمن أن لا يغتابه، وأنّ حرمة عرض المسلم كحرمة دمه وماله، وأمّا توقّف رفعها على إبراء ذي الحقّ فللمستفيضة المعتضدة بالأصل، ثمّ ذكر جملة من المستفيضة.

ثمّ قال: ولا فرق في مقتضى الأصل والأخبار بين التمكّن من الوصول إلى صاحبه وتعذّره، لأنّ تعذّر البراءة لا يوجب سقوط الحقّ كما في غير هذا المقام، لكن روى السكوني عن أبي عبد الله، عن النبي (صلى الله عليه وآله): إنّ كفّارة الاغتياب أن تستغفر لمن اغتبته كلّما ذكرته،(53) ولو صحّ سنده أمكن تخصيص الاطلاقات المتقدّمة به، فيكون الاستغفار طريقاً إلى البراءة مع احتمال العدم أيضاً، لأنّ كون الاستغفار كفّارة لا يدلّ على البراءة، فلعلّه كفارة الذنب من حيث كونه حقّاً لله، نظير كفّارة قتل الخطأ التي لا توجب براءة القاتل إلاّ أن يُدّعى ظهور السياق في البراءة.

ثمّ ذكر كلام الشهيد الثاني (قدس سره) وجمعه بين الخبَرين المتقدّمين المتعارضين على ما تقدّم ذكره في كلام المحدّث الجزائري (قدس سره)، ثمّ أورد عليه بأنّه إن صحّ النبويّ ـ أي مارواه السكونّي عن أبي عبد الله (عليه السلام)، عن النبي (صلى الله عليه وآله) مسنداً فلا مانع عن العمل به بجعله طريقاً إلى البراءة مطلقاً في مقابل الاستبراء، وإلاّ تعيّن طرحه والرجوع إلى الأصل وإطلاق الأخبار المتقدّمة، وتعذّر الاستبراء أو وجود المفسدة فيه لا يوجب وجود مبرء آخر.

نعم أرسل بعض من قارب عصرنا عن الصادق (عليه السلام): إنّك إن اغتبت فبلغ المغتاب فاستحلّ منه، وإن لم يبلغه فاستغفِر الله له.(54)

وفي رواية السكوني المرويّة في الكافي في باب الظلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ومن ظلم أحداً ففاته فليستغفر الله له فإنّه كفارة له.(55)

والانصاف أنّ الأخبار في هذا الباب كلّها غير نقيّة السند، وأصالة البراءة تقتضي عدم وجوب الاستحلال ولا الاستغفار، وأصالة بقاء الحقّ الثابت للمغتاب ـ بالفتح ـ على المغتاب ـ بالكسر ـ تقتضي عدم الخروج منه إلاّ بالاستحلال خاصّة، لكن المثبت لكون الغيبة حقّاً بمعنى وجوب البراءة منه ليس إلاّ الأخبار الغير النقيّة السند، مع أنّ السند لو كان نقيّاً كانت الدلالة ضعيفة لذِكر حقوق أخر في الروايات لا قائل بوجوب البراءة منها، فالقول بعدم كونه حقّاً للناس بمعنى وجوب البرائة نظير الحقوق الماليّة لا تخلو من قوّة، وإمكان الاحتياط في خلافه، بل لا يخلو عن قرب من جهة كثرة الأخبار الدالّة على وجوب الاستبراء منها، بل اعتبار سند بعضها، والأحوط الاستحلال إن تيسّر، وإلاّ فالاستغفار «غفر الله لنا ولمن اغتبنا بحقّ محمد وآله الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين».(56)

انتهى ما نقلناه حرفيّاً عن كتاب (منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة) للسيّد العلاّمة ميرزا حبيب الله الخوئي تغمّده الله برحمته.

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد مج 2، ص 412، ط 1. ومن الطبعة الأولى ج2/ 413.

(2) المائدة: 2.

(3) أمالي الطوسي: 537؛ مكارم الأخلاق للطبرسي: 470.

(4) عوالي اللئالي 1: 275؛ بحار الأنوار 72: 222.

(5) المكاسب 1: 331.

(6) الحجرات: 10.

(7) البقرة: 220.

(8) المكاسب 1: 319 - 320.

(9) الحجرات: 12.

(10) الهمزة: 1.

(11) النساء: 148.

(12) النور: 19.

(13) الكافي 2: 357/ ح2.

(14) الكافي 2: 357/ ح1.

(15) في بعض المصادر: «لانتظار»، وفي بعضها «انتظاراً للصلاة».

(16) الكافي 2: 357/ ح1.

(17) الكافي 2: 358/ ح1.

(18) وسائل الشيعة 12: 281/ ح16308.

(19) وسائل الشيعة 12: 281/ ح16209.

(20) وسائل الشيعة 12: 283/ ح 16315.

(21) وردت هذه الأحاديث في المكاسب 1: 316 - 317.

(22) المكاسب 1: 317 - 318.

(23) ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: 241، عقاب من تتبّع عورة المؤمن.

(24) ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: 246 - 247.

(25) رواه المجلسي في بحار الأنوار 72: 222.

(26) انظر تفسير ابن كثير 4: 230؛ الدرّ المنثور للسيوطي 6: 96.

(27) انظر أيضاً تفسير ابن كثير 4: 230؛ تفسير الدّر المنثور 6: 95.

(28) المكاسب للأنصاري 1: 363 - 364.

(29) المكاسب 1: 331.

(30) المكاسب 1: 359.

(31) ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: 250، عقاب من اغتيب عنده المؤمن.

(32) ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: 280 - 285، عقاب مجمع عقوبات الأعمال. فلم ينصره.

(33) وسائل الشيعة 12: 282/ ح16312.

(34) المكاسب للأنصاري 1:362 - 363.

(35) جامع المقاصد 4: 27.

(36) المكاسب للشيخ الأنصاري 1: 342.

(37) النساء: 148.

(38) تفسير القمّي 1: 157.

(39) بحار الأنوار 72: 231.

(40) جواهر الكلام 22: 66؛ بحار الأنوار 72: 232.

(41) المكاسب 1: 352.

(42) المكاسب 1: 352 - 353.

(43) الكافي 2: 375/ ح4.

(44) أمالي الصدوق: 93/ ح68؛ وسائل الشيعة 12: 289/ ح16327.

(45) تحف العقول: 45، الاختصاص للمفيد: 242.

(46) المكاسب 1: 345 - 346.

(47) بحار الأنوار 72: 229.

(48) مستدرك الوسائل 9: 121/ ح10417.

(49) بحار الأنوار 72: 229.

(50) بحار الأنوار 72: 313/ ح27.

(51) بحار الأنوار 72: 341/ ح4.

(52) بحار الأنوار 72: 343.

(53) بحار الأنوار 72: 341/ ح4.

(54) بحار الأنوار 72: 342/ ح4.

(55) بحار الأنوار 72: 313/ ح27.

(56) المكاسب 1: 336 - 341.