ومن خطبة له (عليه السلام): [ في التحذير من الغفلة عمّا بعد الموت]

«فَإِنَّكُمْ لَوْ قَدْ عَايَنْتُمْ مَا قَدْ عَايَنَ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ لَجَزِعْتُمْ وَوَهِلْتُمْ وَسَمِعْتُمْ وَأَطَعْتُمْ وَلَكِنْ مَحْجُوبٌ عَنْكُمْ مَا قَدْ عَايَنُوا وَقَرِيبٌ مَا يُطْرَحُ الْحِجَابُ وَلَقَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ وَأُسْمِعْتُمْ إِنْ سَمِعْتُمْ وَهُدِيتُمْ إِنِ اهْتَدَيْتُمْ وَبِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ لَقَدْ جَاهَرَتْكُمُ الْعِبَرُ وَزُجِرْتُمْ بِمَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ وَمَا يُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ بَعْدَ رُسُلِ السَّمَاءِ إِلَّا الْبَشَرُ». (شرح النهج مج 1 ص 99).

* * *

الشرح:

من جملة حكم الله تعالى أن أخفى على خلقه ما يجري عليهم حين الموت وبعده، وفي عالم البرزخ، لمصالح لا يعلمها إلاّ هو، ولا يعلم الإنسان ما يجري عليه غداً في حياته، فكيف يعلم ما يجري عليه بعد موته، والموت انتقال من هذا العالم إلى عالم آخر، وشتّان بين العالمين.

والأخبار والأحاديث الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) تبيّن وتشير إشارة إجماليّة إلى ما يشاهده الإنسان حين الاحتضار وبعد الموت من التجهيز والتغسيل والتكفين والدفن وسؤال منكر ونكير، وأين تذهب الأرواح وتنعم وتعذّب، وأين تجتمع الأرواح، وهل تشعر الروح وتعقل وتسمع وتبصر، وهل لها علاقة بالبدن بعد أن صار تراباً واستحال إلى مادّة أخرى.(1)

 

[حقيقة الموت]:

ولنا مجال في المستقبل لبيان هذا السرّ وشرحه على ضوء الأخبار والأحاديث. والآن نقول: إنّ الموت هو انتقال إلى عالم غير مرئيّ، وهذا الانتقال مخوف مرعب، وهو مفارقة الروح للبدن بصورة مؤقّتة، ومفارقة الإنسان عن كلّ ما يحب من الأهل والاولاد والمال، فإذا انتقل إلى ذلك العالم ورأى أرواح ملايين الملايين من البشر كيف تعذّب وكيف تنعم، ورأى أرواح الأنبياء والأولياء وأرواح الفراعنة والكفّار والمشركين، وما هناك من صياح وصراخ وعجيج وضجيج وبكاء وعويل وغير ذلك غلب عليه الخوف والفزع، ولهذا يقول (عليه السلام): «فإنّكم لو قد عاينتم ما قد عاين من مات منكم لجزعتم ووهلتم» كما هو شأن الأنبياء والأولياء، فإنّهم بسبب علمهم واطّلاعهم على ذلك العالم كانوا يبكون البكاء الشديد ويبيتون الليالي خائفين وجلين، والناس لو كانوا يعلمون ذلك لما وجد إنسان عاصي، ولكان الناس كلهم مؤمنين متّقين، ولهذا قال (عليه السلام): «وسمعتم وأطعتم». ولو كان الناس كلّهم يعلمون ويطّلعون على ذلك العالم لاختلّ النظام الاجتماعي، ولما زرع الزارع، وما اتّجر التاجر، وصارت الأشغال معطّلة والحالة مضطربة، «ولكن محجوب عنكم ما قد عاينوا، وقريب ما يُطرح الحجاب» فإنّ الروح إذا خرجت من البدن وطارت من قفص الجسد ظهر لها كلّ ما كان محجوباً مخفيّاً، ثم قال (عليه السلام): «ولقد بُصِّرتم إن أبصرتم» أي صُيِّرتم مُبصرين، أي لكم عيون إن نظرتم بها، «وأُسمِعتم إن سمعتم» أي جُعل لكم السمع إن كنتم تسمعون كلام الله ومواعظه البالغة ونصائح الأنبياء والأوصياء المنجية «وهُديتم إن اهتديتم» أي علمتم الطريق إن وصلتم إلى المطلوب والمقصود، ومشيتم في الطريق المؤدّي إلى رضوان الله «بحقٍّ أقول: لقد جاهرتكم العِبَر» أي العبر ـ وهي ما يعتبر به الإنسان ـ قد أعلنت لكم بشأن الدنيا بما جرى على الأمم السالفة والفراعنة والقياصرة والعمالقة وسائر الملوك والسلاطين، وأجهرت العبر بما حلّ بآبائكم وبسائر الناس من المصائب والنوائب والشدائد. «وزُجرتم بما فيه مُزدَجَر» كلّ ما كان فيه زجر، كالنهي الأكيد عن المعاصي، والأمر الشديد بالواجبات قد زجركم الله به، وما يبلّغ عن الله بعد الملائكة ملائكة الوحي ورسل السماء إلاّ الأنبياء والأوصياء ومن سلك طريقتهم وبلّغ عنهم.

* * *

قال العلاّمة ابن ميثم (رضي الله عنه) في شرح هذه الفقرات: واعلم أنّ الإنسان ما دام ملتحفاً بجلباب البدن فإنّه محجوب بظلمة الهيئآت البدنيّة والمعارضات الوهميّة والخياليّة عن مشاهدة أنوار عالم الغيب والملكوت، وذلك الحجاب أمر قابل للزيادة والنقصان والقوّة والضعف،والناس فيها على مراتب، فأعظمهم حجباً وأكثفهم حجاباً الكفّار كما أشار إليه القرآن الكريم مثلاً في حجبهم «أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ» الآية،(2) فمثل الكافر كرجل وقع في بحر لُجّيّ صفته كذلك، فأشار بالبحر اللجّيّ إلى الدنيا بما فيها من الأخطار المهلكة، فالموج الأول موج الشهوات الداعية إلى الصفات البهيميّة، وبالحريّ أن يكون هذا الموج مظلماً، إذ حُبّك الشيء يُعمي ويُصمّ، والموج الثاني موج الصفات السبعيّة الباعثة على الغضب والعداوة والحقد والحسد والمباهاة، فبالحريّ أن يكون مظلماً، لأنّ الغضب غول العقل، وبالحري أن يكون هو الموج الأعلى، لأنّ الغضب في الأكثر مستولٍ على الشهوات، حتّى إذا هاج أذهل عنها، والسحاب هو الاعتقادات الباطلة والخيالات الفاسدة التي صارت حجباً لبصيرة الكافر عن إدراك نور الحقّ، إذ خاصّيّة الحجاب أن يحجب نور الشمس عن الأبصار الظاهرة، وإذا كانت هذه كلّها مظلمة، فبالحريّ أن تكون ظلمات بعضها فوق بعض.

وأمّا أخفّهم حجباً وأرقّهم حجاباً فهم الذين بذلوا جهدهم في لزوم أوامر الله ونواهيه، وبالغوا في تصفية بواطنهم وصقال ألواح نفوسهم وإلقاء حجب الغفلة وأستار الهيئآت البدنيّة، فأشرقت عليهم شموس المعارف الإلهيّة، وسالت إلى أودية قلوبهم مياه الجود الربّاني المعطي لكلّ قابل ما يقبله، فهؤلاء وإن كانوا قد بلغوا الغاية من الجهد في رفع الحجب وغسل درن الباطل عن نفوسهم، إلاّ أنّهم ما دامت الأبدان فهم في أغطية من هيئاتها وحجب من أستارها، وإن ضعفت تلك الحجب ورقّت تلك الأغشية، وما بين هاتين المرتبتين درجات من الحجب متفاوتة ومراتب متصاعدة ومتنازلة، وبحسب تفاوتها يكون تفاوت النفوس في الاستضاءة بأنوار العلوم وقبول الانتقاش بالمعارف الإلهيّة والوقوف على أسرار الدين، وبحسب تفاوت هذه الحجب يكون تفاوت ورود النار، كما قال تعالى: «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها»(3) ولن يخلص الإنسان من شوائب هذه الحجب وظلمتها إلا بالخلاص عن هذا البدن وطرحه، وحينئذٍ «تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً»،(4) فتكون مُشاهِدةً بعين اليقين ما أُعدّ لها من خير وما هُيّء لها من شرّ بحسب استعدادها بما كسبت من قبل، فأمّا قبل المفارقة فإنّ حجاب البدن مانع لها عن مشاهدة تلك الأمور كما هي، وإن حصلت على اعتقاد جازم برهانّي أو نوع من المكاشفة الممكنة كما في حقّ كثير من أولياء الله، إلاّ أنّ ذلك الوقوف والاطلاع يكون كالمشاهدة، لا أنّها مشاهدة حقيقيّة خالصة، إذ لا تنفكّ عن شائبة الوهم والخيال، ولذلك قال (صلى الله عليه وآله) حاكياً عن ربّه: «أعددُت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بَلَه ما أطلعتهم عليه»(5) أي وراء ما أطلعتهم عليه، وهو إشارة إلى طور المشاهدة الخالصة عن الشوائب التي هي عين اليقين بعد الموت، وقد يُسمّى ما أدركه أهل المكاشفات بمكاشفاتهم في حياتهم الدنيا عين اليقين، فأما إدراك مَن دون هؤلاء لتلك الأمور فما كان منها مؤكّداً بالعقوبة بالشعور بعدم إمكان النقيض فهو علم اليقين، وقد يختص علم اليقين في عرف الصوفيّة بما تميل النفس إلى التصديق به ويغلب عليها ويستولي حتى يصير هو المتحكّم المتصرّف فيها بالتحريص والمنع، فيقال: فلان ضعيف اليقين بالموت، إذا لم يهتمّ بالاستعداد له، فكأنّه غير موقن به مع أنّه لا يتطرّق إليه فيه شكّ.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «ما رأيت إيماناً مع يقين أشبه منه بشكّ إلاّ هذا الإنسان، إنّه كلّ يوم يُودَّع، والى القبور يُشيَّع، وإلى غرور الدنيا يرجع، وعن الشهوات واللذات لا يُقلع، فلو لم يكن لابن آدم ذنب يتوقّعه ولا حساب يوقف عليه إلاّ موت يبدّد شمله ويفرّق جمعه ويؤتم ولده لكان ينبغي له أن يحاذر ما هو فيه بأشدّ التعب، ولقد غفلنا عن الموت غفلة أقوام غير نازل بهم، وركنّا إلى الدنيا وشهواتها ركون أقوامٍ لا يرجون حساباً ولا يخافون عقاباً».(6)

وقيل له (عليه السلام): صف لنا الموت، فقال: على الخبير سقطتم، هو أحد ثلاثة أمور يرد عليه: أمّا بشارة بنعيم الأبد، وأمّا بشارة بعذاب الأبد، وأمّا تحزين وتهويل وأمر مبهم لا يدري من أيّ الفرق هو، فأمّا وليّنا المطيع لأمرنا فهو المُبشَّر بنعيم الأبد، وأمّا عدوّنا المخالف علينا فهو المُبشَّر بعذاب الأبد، وأمّا المبهم أمره الذي لا يدري ما حاله فهو المؤمن المسرف على نفسه لا يدري ما يؤول إليه حاله، يأتيه الخبر مبهماً مخوفاً، ثم لن يسوّيه الله (عز وجل) بأعدائنا، لكن يخرجه من النار بشفاعتنا، فاعملوا وأطيعوا ولا تتّكلوا ولا تستصغروا عقوبة الله (عز وجل)، فإن المسرف مَن لا تلحقه شفاعتنا إلاّ بعد عذاب ثلاثمائة ألف سنة(7).

وكتب (عليه السلام) لمحمد بن أبي بكر: «عباد الله إنّ الموت ليس منه فوت، فاحذروا قبل وقوعه وأعدّوا له عُدّته، فإنّكم طرد الموت، إن أقمتم له أخذكم، وإن فررتم منه أدرككم، وهو ألزم لكم من ظِلّكم، الموت معقود بنواصيكم، والدنيا تطوى خلفكم، فأكثروا ذِكر الموت عندما تنازعكم إليه أنفسكم من الشهوات، وكفى بالموت واعظاً، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كثيراً ما يوصي أصحابه بذكر الموت فإنّه هادم اللذات، حائل بينكم وبين الشهوات».(8)

 

[حالات ذكر الموت]:

نقلاً من كتابنا «علي والأسس التربويّة»:

للإنسان في ذكر الموت حالان: حال قبله، وأخرى عنده:

الحالة الأولى: [قبل الموت]

ينبغي للانسان قبل الموت أن يكون دائم الذكر له، ولذلك كان من أوّل هداية الأنبياء للناس تذكيرهم الموت وحثّهم على دوام تذكّره، ومن أكبر همّ الفلاسفة تفكيرهم به، وبسط القول في أنّ الحياة باطلة والموت حقّ، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «أكثروا من ذِكر هادم اللذّات فإنّه ما ذكره أحد في ضيق إلاّ وسّعه عليه، ولا في سعة إلاّ ضيقّها عليها»(9) وقد أخذ أهل الصين عن فلاسفتهم سنّة أجروها بينهم مجرى العادة في وجوب تذكّر الموت كلّ حين، فإذا وُلد الطفل عندهم صنعوا له نعشاً بقدره، ووضعوه بجانب المهد يجدّدونه على مقدار النموّ في الطفل، ولا يزالون يفعلون ذلك حتّى إذا بلغ أشدّه وضعوا النعش بجانب السرير إلى أن يحلّ يوم أجله، فيحملونه عليه، يشيرون بذلك إلى أنّ يوم الولادة ويوم الوفاة أمران متلاصقان وحبلان متّصلان، وأنّ الإنسان يمشي في هذه الدنيا وكأنّه عابر جسر: عن يمينه الموت، وعن شماله الحياة، وأنّه كما يدبّ بنموّه في الحياة يدبّ بأنفاسه نحو الممات، وأنّه يجب على العاقل أن يحضره على الدوام ذكر الموت كما يحضره ذكر الحياة، وأنّ اليقين كلّ اليقين في أعواد النعش، والشكّ كلّ الشكّ في أساطين القصر، وهم يلبسون السواد حداداً في يوم الولادة، والبياض فرحاً عند حلول الأجل، ولم يعتبروه شرّاً بل هو الخير كلّه عندهم، فمن منتهى غباوة الإنسان وجهله أن يتّخذ في كلّ منبت شعرة من جسمه حبلاً من الأمل يعلّقه بالبقاء في الحياة الدنيا ويمحو عن ذاكرته كلّ سبب يربطه بصفائح القبر، فما الدنيا في الآخرة ـ كما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إلاّ مثل ما يجعل الواحد إصبعه في اليمّ، فلينظر بم يرجع».(10)

ما عليه الناس في هذه الحالة:

الناس في الحالة السابقة ينقسمون ثلاثة أقسام: قسم لا يذكره البتة، وقسم يذكره رعباً وخشية، وآخر يذكره عقلاً وحكمة.

القسم الأوّل: هو ذلك الأحمق الذي لا يتذكّر الموت ولا يجري له على خاطر، كأنّه قد رسخ في ذهنه أن لا فناء، فلا يحسّ هذه الحقيقة إلاّ عند المشاهدة، ولا يذكر الموت إلاّ ريثما تنقضي تلك المشاهدة، كأن يشتدّ به المرض أو يختطف الموت أحد أهله أو جيرانه.

فهو لا يفكّر في الموت وما بعده إلاّ نظراً في حال أولاده وتركاته عند موته، ولا ينظر ويتدبّر في أحوال نفسه وعندما يرى جنازة إلاّ بقوله بلسانه (إنّا لله وإناّ إليه راجعون) ولا يرجع إلى الله بأفعاله، بل بأقواله فقط، فيكون كاذباً فيها تحقيقاً.

القسم الثاني: وهو ذلك الذي يذكر الموت دائماً لخشيته من وقوعه وخوفه من نزوله، فيتولاّهم الرعب ويستولي عليهم الفزع، وأكثر ما يذكرونه إذا خلوا من أشغالهم وانتقلوا إلى أوقات فراغهم، فيكدّرون صفاء هنائهم، ويسوّدون بياض معيشتهم، وأشدّ ما يكون عذابهم من ذكرى الموت إذا أردف الله عليهم النعمة إثر النعمة، وزادهم من متاع الدنيا وزينة الحياة، فتراهم في همّ دائم وعناء مقيم للتوقّي من الأخطار والتحّرز من أسباب الهلاك، ويتغالون في ذلك التوقّي إلى حال الجنون، فيحاذرون هبوب النسيم وحرارة الضياء، ويتوهمّون في كلّ لقمة تخمة، وفي كلّ جرعة غصّة، حتّى تمرض الأجسام من تلك الوساوس والأوهام التي قد تؤدّي إلى الموت الزؤام.

القسم الثالث: وهو العاقل الكيّس الذي لا يفارقه ذِكر الموت، كالمسافر إلى مقصد الحجّ مثلاً، فإنّه لا يفارق ذكر المقصد، وأشغال المنازل في الحلّ والترحال لا تنسيه مقصوده، وذلك لأنّه يعلم أنّ ذكر الموت يطرد فضول الأمل، ويكفّ غرب المنى، ويهوّن المصائب، ويحول بين الإنسان والطغيان.

ومن ذكر الموت تتولّد القناعة بما رُزق، والمبادرة إلى التوبة وترك المحاسدة والحرص على الدنيا، والنشاط في العبادة، ولا ينبغي أن يهمل الإنسان نفسه من تذكّر الموت كلّ يوم، فيصبح في كلّ يوم على تقدير الاستعداد للرحلة. فكلّ من ينتظر أن يدعوه ملك من الملوك كلّ ساعة ينبغي أن يكون مستعدّاً للاجابة، فإن لم يكن فربّما يأتيه الرسول وهو غافل فيُحرم السعادة، فما من وقت إلاّ والموت فيه ممكن.

 

الحالة الثانية: [عند الموت]

هي حال الإنسان عند الموت، والناس عنده ثلاثة أقسام أيضاً:

الأوّل: ذو بصيرة وعلم أنّ الموت يعتقه والحياة تسترقّه، وأنّ الإنسان وإن طال في الدنيا مكثه فهو كخطفة برق لمعت في أكناف السماء ثم عادت للاختفاء، فلا يثقل عليه الخروج من الدنيا إلاّ بقدر ما يفوت من خدمة ربّه (عز وجل) والازدياد من تقرّبه والاشفاق ممّا يقول أو يقال له، كما قال بعضهم لمّا قيل له: لِم تجزع؟ قال: لأنّي أسلك طريقاً لم أعهده، وأقدم على ربِّ لم أره، ولا أدري ما أقول وما يقال لي. ومثل هذا الشخص لا ينفر من الموت، بل إذا عجز عن زيادة العبادة ربّما اشتاق إليه. وقال بعضهم في مناجاته: إلهي إن سألتُك الحياة في دار الممات فقد رغبتُ في البعد عنك، وزهدتُ في القُرب منك، فقد قال نبيّك وصفيك (صلى الله عليه وآله): «من أحبّ لقاءَ الله أحب اللهُ لقاءَه، ومن كره لقاءَ الله فقد كره اللهُ لقاءه».(11)

والثاني: رجل رديء البصيرة متلطّخ السريرة، منهمك في الدنيا منغمس في علائقها، رضي بالحياة الدنيا واطمأنّ بها ويئس من الدار الآخرة كما يئس الكفّار من أصحاب القبور، فإذا خرج إلى دار الخلود أضرّ ذلك له كما تضرّ رياح الورد بالجعل، وإذا خرج من قاذورات الدنيا لم يوافقه عالم العلاء ومصباح الملأ الأعلى، فكان كما قال الله تعالى: «وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الآْخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً»(12) فالدنيا سجن الأوّل وجنّة الثاني، والأوّل كعبدٍ دعاه مولاه فأجابه طوعاً وقدم عليه مسروراً يتوافر على خدمته. والثاني كعبد آبق رُد ّإلى مولاه مأسوراً، وقيد إلى حضرته مقهوراً، فبقي ناكس الرأس بين يدي مولاه، مختزياً من جنايته، وشتّان بين الحالين.

والثالث: رتبة بين الرتبتين: رجل عرف غوائل هذا العالم وكره صحبته ولكن أنس به وألفه، فإذا خرج ورأى ما اتّخذ الله للصالحين لم يتأسّف على ما كره فواته، بل قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ».(13)

ولا يبعد أن يكره الإنسان مفارقة شيء ثمّ إذا فارقه لا يتأسّف عليه، فالصبيّ وقت الولادة يبكي لما يناله من ألم الانتقال، ثمّ إذا عقل لا يتمنّى العود إليه، والموت ولادة ثانية يستفاد بها كمالاً لم يكن له قبل، بشرط ألاّ يكون تقدّم قبل ذلك الكمال من الآفات والعوارض ما أبطل قبول المحلّ للكمال، كما أنّ الولادة سبب لكمال مغبوط لم يكن عند الاجتنان، بشرط ألاّ يصيبه وقتئذ من الأسباب والعلل ما يمنع قبول الكمال.

والموت من العقائد الراسخة والاعتقاديّة يكاد يكون عامّاً بين الأمم والأجيال، فلا تكاد تخلو كلّ أمّة أيّاً كانت من اعتقاد بموت، ولكنّ هذه الفكرة وأوصاف الموت تختلف بين هذه الأمم اختلافاً كبيراً. والقرآن يصف الموت بأوصاف نلخّصها ممّا ورد فيه، فهو ليس موتاً لا حياة بعده، ولا هو من البساطة بصفة يشبه النوم، وإنّما هو انتقال من دار إلى أخرى، فهو موت بعده حياة أخرى وراء هذه الحياة، ويومها يوم القيامة يوم الدين «ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ»(14) «ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ»(15) «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ»(16).

وليس من الموت من مهرب أو ملجأ مهما عظم شأنه «أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ»(17).

وليس الموت ينظر إلى الناس بعين التمييز بين الأفراد الواطئة والطبقات الراقية، بل هو ينظر إليهم كموجودات طبيعيّة تعرض عليها عوارض الطبيعة «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ».(18)

 

ومن كلام له (عليه السلام) قبل موته: [ في المحافظة على الشهادتين والاعتبار بموته]

«أَيُّهَا النَّاسُ كُلُّ امْرِئٍ لَاقٍ مَا يَفِرُّ مِنْهُ فِي فِرَارِهِ الْأَجَلُ مَسَاقُ النَّفْسِ وَالْهَرَبُ مِنْهُ مُوَافَاتُهُ كَمْ أَطْرَدْتُ الْأَيَّامَ أَبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هَذَا الْأَمْرِ فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا إِخْفَاءَهُ هَيْهَاتَ عِلْمٌ مَخْزُونٌ أَمَّا وَصِيَّتِي فَاللَّهَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَمُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله) فَلَا تُضَيِّعُوا سُنَّتَهُ أَقِيمُوا هَذَيْنِ الْعَمُودَيْنِ وَأَوْقِدُوا هَذَيْنِ الْمِصْبَاحَيْنِ وَخَلَاكُمْ ذَمٌّ مَا لَمْ تَشْرُدُوا حُمِّلَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ مَجْهُودَهُ وَخُفِّفَ عَنِ الْجَهَلَةِ رَبٌّ رَحِيمٌ وَدِينٌ قَوِيمٌ وَإِمَامٌ عَلِيمٌ أَنَا بِالْأَمْسِ صَاحِبُكُمْ وَأَنَا الْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ وَغَداً مُفَارِقُكُمْ غَفَرَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ إِنْ تَثْبُتِ الْوَطْأَةُ فِي هَذِهِ الْمَزَلَّةِ فَذَاكَ وَإِنْ تَدْحَضِ الْقَدَمُ فَإِنَّا كُنَّا فِي أَفْيَاءِ أَغْصَانٍ وَمَهَابِّ رِيَاحٍ وَتَحْتَ ظِلِّ غَمَامٍ اضْمَحَلَّ فِي الْجَوِّ مُتَلَفَّقُهَا وَعَفَا فِي الْأَرْضِ مَخَطُّهَا وَإِنَّمَا كُنْتُ جَاراً جَاوَرَكُمْ بَدَنِي أَيَّاماً وَسَتُعْقَبُونَ مِنِّي جُثَّةً خَلَاءً سَاكِنَةً بَعْدَ حَرَاكٍ وَصَامِتَةً بَعْدَ نُطْقٍ لِيَعِظْكُمْ هُدُوِّي وَخُفُوتُ إِطْرَاقِي وَسُكُونُ أَطْرَافِي فَإِنَّهُ أَوْعَظُ لِلْمُعْتَبِرِينَ مِنَ الْمَنْطِقِ الْبَلِيغِ وَالْقَوْلِ الْمَسْمُوعِ وَدَاعِي لَكُمْ وَدَاعُ امْرِئٍ مُرْصِدٍ لِلتَّلَاقِي غَداً تَرَوْنَ أَيَّامِي وَيُكْشَفُ لَكُمْ عَنْ سَرَائِرِي وَتَعْرِفُونَنِي بَعْدَ خُلُوِّ مَكَانِي وَقِيَامِ غَيْرِي مَقَامِي».(19)

* * *

الشرح:

إنّ هذا الكلام قاله (عليه السلام) لمّا ضربه ابن ملجم المرادي عليه لعائن الله، وهو مسوق في معرض الوعظ والاعتبار والتوصية والتذكير، فحذّر الناس ونبّههم على لحوق ضرورة الموت المنفور منه طبعاً: «أيّها الناس كلّ امرئٍ لاقٍ ما يفرّ منه في فراره» فإنّه لمّا كان الإنسان دائماً فارّاً من الموت ومتوقّياً له، وكان لا بدّ منه، لا جرم كان ضروري اللقاء له في فراره، والأجل قد يراد به غاية الحياة الدنيا كما قال تعالى: «فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ»(20) وقد يراد به المدّة المضروبة للقاء الإنسان وهي مدّة عمره، وإيّاه عنى (عليه السلام) بقوله: «الهرب منه ـ أي من الأجل ـ موافاته» وذلك أنّ الفارّ من الموت مثلاً بالحركات والعلاجات ونحوها تستلزم حركاته في ذلك فناء الأوقات وتصرّمها، وقطع تلك الأوقات مستلزم لملاقاته وموافاته.

وقوله صلوات الله عليه: «كم اطّردت الأيام» أي صيّرتها طريدة إلى أن أتبع بعضها بعضاً بالبحث وتعرّف مكنون هذا الأمر ـ أي الذي وقع له من القتل ـ وذلك المكنون هو وقته المعيّن بالتفصيل ومكانه، فإنّ ذلك ممّا استأثر الله تعالى بعلمه كقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ»(21) وقوله: «وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ»(22) وإن كان قد أخبره الرسول (صلى الله عليه وآله) بكيفيّة قتله مُجملاً كما روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنّه قال له: ستُضرب على هذه ـ وأشار إلى هامته ـ فتخضب منها هذه ـ وأشار إلى لحيته.(23) وعنه (صلى الله عليه وآله) أنّه قال له: أتعلم من أشقى الأوّلين؟ قال: نعم، عاقر الناقة، فقال له: أتعلم من أشقى الآخرين؟ قال: لا، قال: من يضربك ها هنا فيخضب هذه.(24)

وأمّا بحثه هو صلوات الله عليه عن تفصيل الوقت الذي يُقتل فيه والمكان الذي يُقتل فيه ونحوهما من القرائن المشخّصة، وذلك البحث أما بالسؤال من الرسول (صلى الله عليه وآله) مدّة حياته وكتمانه إيّاه، أو بالفحص والتفرّس من قرائن أحواله في سائر أوقاته مع الناس، فأبى الله تعالى إلاّ أن تخفى عنه تلك الحال.

هذا ما ذهب إليه الشارح المعتزليّ والبحرانيّ، ويظهر من قول المعتزليّ أنّه زعم أنّ مراده (عليه السلام) بمكنون هذا الأمر وقت قتله ومكانه المعيّنان بالتفصيل.

وحذا حذوه الشارح البَحرانيّ حيث قال: وذلك المكنون هو وقت قتله المعيّن بالتفصيل ومكانه، فإنّ ذلك ممّا استأثر الله به.

 

[علم علي (عليه السلام) بزمان ومكان قتله]:

لا يكاد ينقضي العجب من هذين الفاضلين كيف توهّما أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يكن عالماً بزمان موته ولا بمكانه إلاّ إجمالاً، وأنّه لم يكن يعرفهما تفصيلاً، إن هذا إلاّ وهم فاسد.

أمّا الشارح المعتزلي فمع روايته الأخبار الغيبيّة له (عليه السلام) وإذعانه على صحّتها كيف خفي عليه وجه الحقّ، وكيف يتصوّر في حقّ من هو عالم بما كان وما يكون، ومن يقول: «فاسألوني قبل أن تفقدوني فوالذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تهدي مائة أو تُضلّ مائة إلاّ أنبئتكم بناعقها وقائدها وسائقها ومناخ ركابها ومحطّ رحالها ومن يُقتل من أهلها قتلاً ويموت منهم موتاً» أنّه لم يكن يعرف زمان موته ومكانه!!.

وأمّا الشارح البحراني: فمع كونه من فضلاء علماء الإماميّة ـ قدّس الله ضرائحهم ـ كيف قصرت معرفته عن علم الأئمّة (عليهم السلام) بما كان وما يكون وما هو كائن، ولمعرفتهم (عليهم السلام) بوقت موتهم وموت شيعتهم، وأنّهم يعلمون علم المنايا والبلايا والأنساب، وهذه الأخبار قريبة من التواتر بل متواترة، وقد روى المخالف والمؤالف قول أمير المؤمنين (عليه السلام) للحارث الأعور الهمدانيّ:

يا حارِ همدان مَن يَمُت يرني
يعرفني طرفُه وأعرفه

 

من مؤمنٍ أو منافق قبلا
بنعته واسمه وما فعلا(25)

فإن من كان حاضراً عند كلّ ميت، عارفاً بوقت موته كيف لا يعرف وقت موت نفسه؟! وقد عقد الكليني محمد بن يعقوب (رضي الله عنه) في كتابه ـ أصول الكافي ـ باباً خاصّاً في ذلك وقال: باب أنّ الأئمة (عليهم السلام) يعلمون متى يموتون.(26) وروى في ذلك الباب عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن عبد الحميد، عن الحسن بن الجهم قال: قلت للرضا (عليه السلام) إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قد عرف قاتله والليلة التي يُقتل فيها، والموضع الذي يُقتل فيه، وقوله لمّا سمع صياح الأوز في الدار: صوائح تتبعها نوائح، وقول أم كلثوم: لو صلّيتَ الليلة داخل الدار وأمرتَ غيرك يصلّي بالناس، فأبى عليها، وكثر دخولُه وخروجه تلك الليلة بلا سلاح وقد عرف أنّ ابن ملجم قاتله بالسيف؟ فقال الرضا (عليه السلام): ذلك كان، ولكنّه خُيّر في تلك الليلة لتمضي مقادير الله(عز وجل).(27)

قال المجلسي: الظاهر من سائر الأخبار أنّه (عليه السلام) كان عالماً بشهادته ووقتها، وكان ينتظرها ويُخبر بوقوعها ويستبطئها في الليلة التي وُعدها، ويقول: ما منع قاتلي من قتلي؟ انتهى.

فقد ظهر واتّضح بذلك كلّه أنّه كان يعرف تفصيلاً زمان قتله ومكانه.

فإن قلت: سلّمنا هذا كلّه وذلك، ما تصنع بقوله (عليه السلام): «كم اطّردتُ الأيام أبحثها عن مكنون هذا الأمر فأبى الله إلاّ إخفاءه»؟

قلت: يمكن توجيهه بأن يكون المراد بهذا الامر خفاء الحقّ ومظلوميّة أهله وظهور الباطل وغلبة أصحابه وكثرة أعوانه، لأنّه (عليه السلام) سعى في أوّل الأمر في أخذ حقّه غاية السعي فلم يتيسّر، وجرت أمور لم تكن تخطر ببال أحد وقوع مثلها، وفي آخر الأمر لمّا انتهى إليه وحصل له الأنصار والأعوان وجاهد في الله حقّ الجهاد وغلب على المنافقين سنحت فتنة التحكيم التي كانت من غرائب الأمور، ثم بعد ذلك لمّا جمع العساكر وأراد الخروج إليهم وقعت الطّامّة الكبرى، فالمراد بالمكنون سبر ذلك وسببه، فظهر لي وأبى الله إلاّ إخفاءه عنكم لضعف عقولكم عن فهمه، إذ هي من غومض مسائل القضاء والقدر.

وهذا التوجيه أورده المجلسيّ في مرآة العقول نقلاً عن بعضهم واستحسنه.

وبالتالي فإنّ المراد بالأمر المكنون في كلامه (عليه السلام) سرّ غلبة الباطل على الحقّ وعلّة مظلوميّة أهل الحقّ.

والمراد بإخفاء الله إيّاه إخفاؤه منهم لا منه (عليه السلام)، فيكون هذا الكلام منه نظير قوله:

«بل اندمجتُ على مكنونِ عِلمٍ لو بُحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة».(28)

وقوله (عليه السلام): «هيهات علم مخزون» أي بعد الاطّلاع على ذلك السر فإنّه علم مخزون، ومن شأن المخزون أن يُستر ويُخفى.

 

[وصايا أمير المؤمنين (عليه السلام)]:

ثم شرع (عليه السلام) بالوصيّة فقال: «أمّا وصيّتي فالله لا تشركوا به شيئاً، ومحمّد (صلى الله عليه وآله) فلا تضيّعوا سُنّته» فبدأ بالأهمّ فالأهمّ، فالأوّل هو الإخلاص لله بالإعراض عن كلّ ما سواه، وفي ذلك لزوم أوامره ونواهيه وسائر ما نطق به كتابه العزيز، والثاني: لزوم سنّة محمد (صلى الله عليه وآله) وعدم إهمالها، وهو لزوم شرائع الدين وسلوك نهج الشرع المبين. ثم أكّد الأمر باتّباع التوحيد المطلق والسنّة النبويّة بقوله: «أقيموا هذين العمودَين، وأوقدوا هذين المصباحَين» واستعار لهما لفظ العمودين لأنّ مدار الإسلام ونظام أمور المسلمين في المعاش والمعاد على توحيد الله سبحانه ولزوم ما جاء له رسوله، كما أنّ مدار الخيمة وقيامها بالعمد، والمراد بإقامتهما الاعتقاد بهما والعمل بمقتضيات الايمان بهما، ووجه الثانية: أنّ توحيد الله والاقتداء بما جاء به رسوله مستلزمان للهداية في طريقه من ظلمات الجهل، قائدان إلى جواره في جنّات النعيم، وهو المطلوب الحقيقيّ، كما يهدي المصباح في الظلام على الطريق المطلوب.

وقوله (عليه السلام): «وخلاكم ذمّ مالم تُشرّدوا» أي سقط عنكم ذمّ وتجاوزكم فلا ذمّ يلحقكم ما لم تتفرّقوا.

قال المجلسي ـ في مرآة العقول _: والغرض النهي عن التفرّق واختلاف الكلمة، أي لا ذمّ يلحقكم ما دمتم متّفقين في أمر الدين، متمسّكين بحبل الأئمّة الطاهرين، أو المراد النهي عن الرجوع عن الدين وإقامة سُننه.

ثمّ لمّا كان قد أمرهم (عليه السلام) بلزوم هذين الأمرين اللذين يدور عليهما التكليف، بيّن لهم بقوله: «حمل كلّ امرئٍ منكم مجهوده، وخفّف عن الجهلة، ربّ رحيم ودين قويم وإمام عليم».

هذا الكلام بظاهره يعطي أنّ الله سبحانه كلّف كلّ أحد بما هو مبلغ طاقته ونهاية وسعه، فبيّن (عليه السلام) أنّ التكليف على حسب العلم يتفاوت، فكلّ امرئٍ من العلماء وأهل النباهة ومن هو بصدد العلم مجهوده وطاقته منه على الأدلّة وتعليماً، وأمّا الجهّال كالنساء وأهل البادية والزنج ونحوهم من أهل الغباوة فتكليفهم دون ذلك، وهو بالمحسوس من العبادات دون الأمر في التفكير في مقاصدها.

وعقّب (عليه السلام) وصيّته بالتنبيه على مجاري حالاته لاعتبار الحاضرين واتّعاظ المشاهدين، فقال: «أنا بالأمس صاحبكم» في الحرب ومنازعة الأقران وصاحب الأمر والنهي فيهم، واليوم عبرة لهم بحال مصرعه وضعفه عن الحراك، وغداً مفارقهم بالموت.

* * *

 

[دخول حبيب على عليٍ (عليه السلام) في مرضه]:

روى الصدوق في أماليه: عن حبيب بن عمرو قال: دخلت على أمير المؤمنين على بن أبي طالب (عليه السلام) في مرضه الذي قُبض فيه، فحلّ عن جراحته، فقلت: يا أمير المؤمنين ما جرحُك هذا بشيء وما بك من بأس، فقال لي: يا حبيب أنا والله مفارقكم الساعة، فبكيت عند ذلك وبكت أم كلثوم وكانت قاعدة عنده، فقال لها: ما يُبكيك يا بُنيّة؟ فقالت: ذكرت يا أبه أنّك تفارقنا الساعة فبكيت، فقال لها: يا بنيّة لا تبكين، فوالله لو ترين ما يرى أبوك ما بكيت، قال حبيب: فقلت له: وما الذي ترى يا أمير المؤمنين؟ فقال: يا حبيب أرى ملائكة السماوات والنبيّين بعضهم في أثر بعض وقوفاً إلى أن يتلقّوني، وهذا أخي محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالس عندي يقول: أقدم فإنّ ما أمامك خير لك ممّا أنت فيه. قال حبيب: فما خرجت من عنده حتّى توفّي من الغد.(29)

 

دخول عمرو بن الحمق على عليّ (عليه السلام) في مرضه:

وفي كتابنا ـ مسند الإمام علي (عليه السلام) نقلاًَ عن الخرائج والجرائح ـ عن عمرو بن الحمق الخزاعيّ قال: دخلت على علي (عليه السلام) حين ضُرب الضربة بالكوفة، فقلت: ليس عليك بأس، إنما هو خدش. قال: لعمري إنّي مفارقكم، ثم قال: إلى السبعين بلاء، قالها ثلاثاً، قلت: فهل بعد البلاء رخاء؟

فلم يُجبني وأُغمي عليه، فبكت أم كلثوم فلمّا أفاق قال: لا تؤذيني يا أم كلثوم، فإنّك إن تري ما أرى لم تبكِ، إنّ الملائكة من السماوات السبع بعضهم خلف بعض والنبيّون يقولون: انطلق فما أمامك خير لك ممّا أنت فيه، فقلت: يا أمير المؤمنين إنّك قلت إلى السبعين بلاء، فهل بعد السبعين رخاء؟ قال: نعم، وإنّ بعد البلاء رخاء، يمحو الله ما يشآء ويثبت وعنده أمّ الكتاب.(30)

 

[دخول الأصبغ على علي (عليه السلام)]:

وفي كتاب «الروضة» بالإسناد يرفعه إلى الأصبغ قال: لمّا ضُرب أمير المؤمنين (عليه السلام) الضربة التي كانت وفاته فيها اجتمع إليه الناس بباب القصر، وكان يُراد قتل ابن ملجم ـ لعنه الله ـ فخرج الحسن (عليه السلام) فقال: معاشر الناس إنّ أبي أوصاني أن أترك أمره إلى وفاته، فإن كان له الوفاة وإلاّ نظر هو في حقّه، فانصرفوا رحمكم الله، قال: فانصرف الناس ولم أنصرف، فخرج ثانية وقال لي: يا أصبغ أما سمعت قولي عن أمير المؤمنين؟ قلت: بلى ولكنّي رأيت حاله فأحببت أن أنظر إليه فأستمع منه حديثاً، فاستأذن لي رحمك الله، فدخل ولم يلبث أن خرج فقال لي: ادخل، فدخلت فإذا أمير المؤمنين معصّب بعصابة صفراء وقد علت صفرة وجهه على تلك العصابة، وإذا هو يرفع فخذاً ويضع أخرى من شدّة الضربة وكثرة السم، فقال لي: يا أصبغ، أما سمعت قول الحسن عن قولي؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين، ولكني رأيتك في حالةٍ فأحببت النظر إليك وأن أسمع منك حديثاً. فقال لي: أقعد فما أراك تسمع مني حديثاً بعد يومك هذا:

اعلم يا أصبغ أنّي أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عائداً كما جئتَ الساعة، فقال لي: يا أبا الحسن أخرج فنادي في الناس الصلاة جامعة واصعد المنبر وقم دون مقامي بمرقاة، وقل للناس: ألا من عقّ والديه فلعنة الله عليه، ألا من أبق من مواليه فلعنة الله عليه، ألا من ظلم أجيراً أجرته فلعنة الله عليه، يا أصبغ ففعلت ما أمرني به حبيـبي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقام من أقصى المسجد رجل فقال: يا أبا الحسن تكلّمت بثلاث كلمات وأوجزتهنّ فاشرحهنّ لنا، فلم أردّ جواباً حتّى أتيتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت ما كان من الرجل.

قال الأصبغ: ثم أخذ بيدي وقال: يا أصبغ أبسط يدك، فبسطت يدي، فتناول أصبعاً من أصابع يدي وقال: يا أصبغ كذا تناول رسول الله (صلى الله عليه وآله) أصبعاً من أصابع يدي كما تناولت أصبعاً من أصابع يدك، ثم قال: يا أبا الحسن، ألا وإنّي وأنت أبوا هذه الأمّة، فمن عقّنا فلعنة الله عليه، ألا وإنّي وأنت موليا هذه الأمّة، فعلى من أبق عنّا فلعنة الله عليه، ألا وإنّي وأنت أجيرا هذه الأمة فمن ظلمنا أجرتنا فلعنة الله عليه، ثم قال: قل «آمين» فقلت: آمين. قال الأصبغ: ثم أغمي عليه فلمّا أفاق فقال لي: أقاعد أنت يا أصبغ؟ قلت: نعم يا مولاي، قال: أزيدك حديثاً آخر؟ قلت: نعم زادك الله من مزيدات الخير، قال: يا أصبغ، لقيني رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بعض طرقات المدينة وأنا مغموم قد تبيّن الغمّ في وجهي، فقال لي: يا أبا الحسن أراك مغموماً، ألا أحدّثك بحديث لا تغتمّ بعده أبداً؟ قلت: نعم. قال: إذا كان يوم القيامة نصب الله منبراً يعلو منابر سائر النبيّين والشهداء ثم يأمرني الله أصعد فوقه، ثم يأمرك الله أن تصعد دوني بمرقاة، ثم يأمر الله ملكين فيجلسان دونك بمرقاة، فإذا استقللنا على المنبر لا يبقى أحد من الأوّلين والآخرين إلاّ حضر، فينادي الملك الذي دونك بمرقاة: معاشر الناس ألا من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرّفه بنفسي، أنا رضوان خازن الجنان، ألا إنّ الله بمنّه وكرمه وفضله وجلاله أمرني أن أدفع مفاتيح الجنة إلى محمد، وإنّ محمداً أمرني أن أدفعها إلى علي بن أبي طالب، فاشهدوا لي عليه.

ثم يقوم ذلك الذي تحت ذلك الملك بمرقاة منادياً يسمع أهل الموقف: معاشر الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرّفه بنفسي، أنا مالك خازن النيران، ألا إنّ الله بمنّه وفضله وكرمه وجلاله أمرني أن أدفع مفاتيح النار إلى محمد، وإنّ محمداً أمرني أن أدفعها إلى عليّ بن أبي طالب، فاشهدوا لي عليه، فآخذ مفاتيح الجنان والنيران، ثم قال: يا علي فتأخذ بحُجزتي، وأهل بيتك يأخذون بحجزتك، وشيعتك يأخذون بحُجزة أهل بيتك، قال: فصفقت بكلتا يدي: وإلى الجنّة يا رسول الله؟ قال: أي وربّ الكعبة. قال الأصبغ: فلم أسمع من مولاي غير هذين الحديثين ثم تُوفّي صلوات الله عليه.(31)

وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لمّا احتضر أمير المؤمنين (عليه السلام) جمع بنيه فأوصاهم، ثم قال: «يا بُنيّ إنّ القلوب جنود مجندة تتلاحظ بالمودّة وتتناجى بها، وكذلك هي في البغض، فإذا أحببتم الرجل من غير خيرٍ سبق منه إليكم فارجوه، وإذا أبغضتم الرجل من غير سوء سبق منه إليكم فاحذروه».(32)

وعن الحسن بن علي عليه السلام قال: دخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يجود بنفسه لمّا ضربه ابن ملجم فجزعت لذلك، فقال لي: أتجزع؟ فقلت: وكيف لا أجزع وأنا أراك على حالك هذه، فقال: ألا أعلّمك خصالاً أربع إن أنت حفظتهنّ فلك النجاة، وإن أنت ضيّعتهنّ فاتك الداران؟ يا بُنّي لا غنىً أكبر من العقل، ولا فقر مثل الجهل، ولا وحشة أشدّ من العجب، ولا عيش ألذّ من حسن الخُلق».(33)

 

[دخول صعصعة على علي (عليه السلام)]:

وفي كتابنا ـ مسند الإمام علي ـ نقلاً عن المناقب عن صعصعة بن صوحان أنّه دخل على أمير المؤمنين (عليه السلام) لمّا ضُرب فقال: يا أمير المؤمنين أنت أفضل أم آدم أبو البشر؟ قال علي (عليه السلام): «تزكية المرء نفسه قبيح، لكن قال الله تعالى لآدم: «يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ» وأنا أكثر الأشياء أباحنيها الله لي وتركتُها وما قاربتها. ثم قال: أنت أفضل يا أمير المؤمنين أم نوح؟ قال علي (عليه السلام): إنّ نوحاً دعا على قومه، وأنا ما دعوت على ظالمي حقّي، وابن نوح كان كافراً وابناي سيّدا شباب أهل الجنّة، قال: أنت أفضل أم موسى؟ قال (عليه السلام): إنّ الله تعالى أرسل موسى إلى فرعون فقال: «إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ»(34) حتّى قال الله تعالى: «لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ»(35) وقال «رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ»(36) وأنا ما خفت حين أرسلني رسول الله (صلى الله عليه وآله) بتبليغ سورة براءة أن أقرأها على قريش في الموسم مع أنّي كنت قتلت كثيراً من صناديدهم، فذهبت إليهم وقرأتها عليهم وما خفتهم، ثم قال: أنت أفضل أم عيسى ابن مريم؟ قال (عليه السلام): عيسى كانت أمّه في بيت المقدس فلمّا جاء وقت ولادتها سمعت قائلاً يقول: اخرُجي، هذا بيت العبادة لا بيت الولادة، وأمّا أمّي فاطمة بنت أسد لمّا قرب وضع حملها كانت في الحرم، فانشقّ حائط الكعبة وسمعت قائلاً يقول: ادخلي، فدخلت في وسط البيت وأنا ولدت به، وليس لأحد هذه الفضيلة لا قبلي ولا بعدي.(37)

وفي كتاب ـ معاني الأخبار ـ عن أنس بن مالك قال: كنت عند علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الشهر الذي أُصيب فيه ـ وهو شهر رمضان ـ فدعا ابنه الحسن (عليه السلام) ثم قال له: «يا أبا محمد أُعلو المنبر فاحمد الله كثيراً وأثنِ عليه، واذكر جدّك رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأحسن الذكر وقل: «لعن الله ولداً عقّ أبويه، لعن الله ولداً عقّ أبويه، لعن الله ولداً عقّ أبويه، لعن الله عبداً أبق من مواليه، لعن الله غنماً ضلّت عن الراعي» وانزل، فلمّا فرغ من خطبته ونزل اجتمع الناس إليه فقالوا: يا بن أمير المؤمنين وابن بنت رسول الله نبئنا الجواب، فقال: الجواب على أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال أمير المؤمنين: إنّي كنت مع النبي (صلى الله عليه وآله) في صلاةٍ صلاّها، فضرب بيده اليمنى إلى يدي اليمنى فاجتذبها فضمّها إلى صدره ضمّاً شديداً، ثم قال لي: يا علي، قلت: لبيّك يا رسول الله قال: أنا وأنت أبوا هذه الأمة، فلعن الله من عقّنا، قل آمين، قلت: آمين، ثم قال: أنا وأنت موليا هذه الأمة، فلعن الله من أبق عنّا، قُل آمين، قلت: آمين، ثم قال: أنا وأنت راعيا هذه الأمة، فلعن الله من ضلّ عنّا، قل آمين، قلت: آمين. قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: وسمعت قائلين يقولان معي «آمين» فقلت: يا رسول الله ومن القائلان معي آمين؟ قال: جبرئيل وميكائيل (عليهم السلام).(38)

وفي كتاب ـ الخرائج والجرائح ـ عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: جمع أمير المؤمنين (عليه السلام) بنيه ـ وهم اثنا عشر ذكراً ـ فقال لهم: «إنّ النبي يعقوب (عليه السلام) كان له من البنين اثنا عشر ذكراً فلمّا حضره الموت جمعهم وقال لهم: إنّي أُوصي إلى يوسف فاسمعوا له وأطيعوا، وأنا أُوصي إلى الحسن والحسين فاسمعوا لهما وأطيعوا، فقال له عبد الله ابنه: أدون محمد بن علي؟ ـ يعني محمد بن الحنيفة ـ فقال (عليه السلام): أجرأةً عليَّ في حياتي، كأنّي بك وقد وُجدتَ مذبوحاً في فسطاطك لا يُدرى من قتلك».

وقد صدّقت الحوادث هذه النبوءة فإنّه لمّا كان في زمان المختار أتاه عبد الله فقال له: أعطني قيادة الجيش، قال له المختار: لست هناك، فغضب ولحق بمصعب بن الزبير ـ وهو بالبصرة ـ فقال له: ولِّني قتال أهل الكوفة، فكان في مقدّمة مصعب بن الزبير، فالتقوا بحوراء فلمّا حجز الليل بينهم أصبحوا فوجدوه مذبوحاً في فسطاطه لا يُدرى من قتله.(39)

وفي أصول الكافي عن سليم بن قيس قال: شهدت وصيّة أمير المؤمنين صلوات الله عليه حين أوصى إلى ابنه الحسن (عليه السلام) وأشهد على وصيّته الحسين (عليه السلام) ومحمّداً وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته، ثم دفع إليه الكتاب والسلاح وقال له: «يا بُنيّ أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن أوصي إليك وأن أدفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إليّ رسول الله ودفع إلي كتبه وسلاحه، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين (عليه السلام)، ثمّ أقبل على ابنه الحسين فقال: وأمرك رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن تدفعها إلى ابنك هذا ـ وأخذ بيد علي بن الحسين ـ ثم قال لعليّ بن الحسين: وأمرك رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن تدفعها إلى ابنك محمد بن علي، وأقرأه من رسول الله ومنّي السلام».(40)

وفي كتاب (مسند الإمام علي صلوات الله عليه): عن علي بن الحسين ومحمد بن علي (عليهما السلام) أنّهما ذكرا وصيّة علي صلوات الله عليه ـ وساقا الحديث إلى أن قالا: قال صلوات الله عليه: «أيّها الناس هل فيكم أحد يدّعي قِبلي جوراً في حكم أو ظلماً في نفس أو مالٍ، فليقُم أُنصفه من ذلك؟ فقام رجل من القوم فأثنى عليه ثناءً حسناً وأطراه وذكر مناقبه في كلام طويل، فقال علي صلوات الله عليه: أيّها العبد المتكلّم، ليس هذا حين إطراء وما أحبّ أن يحضرني أحد في هذا المحضر بغير النصيحة، والله الشاهد على مَن رأى شيئاً يكرهه فلم يُعلمنيه، فإنّي أحبّ أن استعتب من نفسي قبل أن تموت، إلى أن قال: أيّها الناس أنا أحبّ أن أشهد عليكم ألاّ يقوم أحد فيقول «أردت أن أقول فخفتُ» فقد أعذرت بيني وبينكم، اللهمّ إلاّ أن يكون أحد يريد ظلمي والدعوى قبلي بما لم أَجُر، أما أنّي لم أستحلّ من أحد مالاً ولم أستحلّ دماً بغير حقّ، إلى أن قالا: ثمّ لم يزل يقول: اللهمّ اكفنا عدوّك الرجيم، اللهمّ إنّي أشهدك أنك لا إله إلاّ أنت، وأنت الواحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فلك الحمد عدد نعمائك لديّ وإحسانك عندي، فاغفر لي وارحمني وأنت خير الراحمين، ثمّ لم يزل يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنّ محمد عبده ورسوله عدة لهذا الموقف ولما بعده من المواقف، اللهم أجزِ محمد عنّا أفضل الجزاء، وبلِّغه منّا أفضل السلام، اللهمّ وألحقني به ولا تَحُل بيني وبينه إنّك سميع الدعاء غفور رحيم، ثمّ نظر إلى أهل بيته فقال: حفظكم الله وحفظ فيكم نبيّكم واستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام، ثمّ لم يزل يقول: «لا إله إلا الله محمد رسول الله» حتّى قُبض صلوات الله عليه.(41)

روى المجلسي في البحار: قال صلوات الله عليه في وصيّته: ثم تقدّم يا أبا محمد صلّ علي يا بُنيّ، وكبِّر علي سبعاً، واعلم أنّه لا يحلّ ذلك لأحد غيري إلاّ على رجل يخرج في آخر الزمان اسمه القائم المهدي من ولد أخيك الحسين يُقيم اعوجاج الحقّ.(42)

وروى الشيخ المفيد: لما حضرت أمير المؤمنين صلوات الله عليه الوفاة قال للحسن والحسن (عليهما السلام): «إذا أنا متّ فاحملاني على سريري، ثمّ أخرجاني واحملا مؤخّر السرير فإنّكما تُكفيان مقدّمه، ثمّ ائتيا بي الغريّين فإنّكما ستريان صخرة بيضاء تلمع نوراً، فاحتفرا فيها فإنّكما تجدان فيها ساجة، فادفناني فيها».

قال: فلمّا مات صلوات الله عليه أخرجناه وجعلنا نحمل مؤخّر السرير ونُكفى مقدّمه، وجعلنا نسمع دويّاً وحفيفاً حتّى أتينا الغريّين، فإذا صخرة بيضاء يلمع نورها، فاحتفرنا فإذا ساجة مكتوب عليها «هذه ممّا ادّخرها نوح لعلي بن أبي طالب صلوات الله عليه» فدفنّاه فيها وانصرفنا ونحن مسرورون بإكرام الله (عز وجل) لأمير المؤمنين (عليه السلام).(43)

* * *

(1) راجع الكافي للكليني 3: 231، باب (أن الميت يمثل له ماله وولده وعمله قبل موته)، ح41، و235، باب (المسألة في القبر...)/ ح1 - 18...

(2) النور: 40.

(3) مريم: 71.

(4) آل عمران: 30.

(5) بحار الأنوار 8: 92. و«بله» من أسماء الأفعال بمعنى دع واترك.

(6) فلاح السائل لابن طاووس: 214.

(7) معاني الأخبار للصدوق: 287، باب (معنى الموت)/ ح 2.

(8) الأمالي للطوسي: 24: 31/ 31.

(9) كنـز العمال للمتقي الهندي 15: 700/ ح42798.

(10) البحار للمجلسي، 70: 119/ ح110.

(11) الكافي 3: 134/ ح12.

(12) الإسراء: 72.

(13) فاطر: 34 و35.

(14) المؤمنون: 15.

(15) المؤمنون: 16.

(16) العنكبوت: 57.

(17) النساء: 78.

(18) الزمر: 31.

(19) نهج البلاغة، ج2: 34 - خ149.

(20) الأعراف: 34.

(21) لقمان: 34.

(22) لقمان: 34.

(23) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 117.

(24) بحار الأنوار 11: 393 نقلاً عن تفسير الثعلبي.

(25) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 299.

(26) الكافي للكليني 1: 258، باب (أن الأئمّة يعلمون متى يموتون...).

(27) المصدر السابق: ح4.

(28) نهج البلاغة 1: 39/ الخطبة الخامسة.

(29) الأمالي للصدوق: 396/ ح510/ 4.

(30) الخرائج والجرائح للراوندي 1: 178، باب 2/ ح11.

(31) بحار الأنوار 42: 44 - 46.

(32) أمالي الطوسي: 595/ ح1232.

(33) بحار الأنوار 75: 111.

(34) الشعراء: 12.

(35) النمل: 10.

(36) القصص: 33.

(37) اللمعة البيضاء: 99.

(38) معاني الأخبار: 118/ ح1.

(39) الخرائج والجرائح 1: 183 - 184/ ح17.

(40) الكافي 1: 297 - 298/ ح1.

(41) دعائم الإسلام للقاضي النعمان المغربي 2: 349 - 356.

(42) بحار الأنوار 42: 215.

(43) الإرشاد 1: 23 ـ 24.