من كلام له (عليه السلام) كان يوصي به أصحابه: [ في بيان أهمية الصلاة]

«تَعَاهَدُوا أَمْرَ الصَّلَاةِ وَحَافِظُوا عَلَيْهَا وَاسْتَكْثِرُوا مِنْهَا وَتَقَرَّبُوا بِهَا فَإِنَّهَا كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً أَلَا تَسْمَعُونَ إِلَى جَوَابِ أَهْلِ النَّارِ حِينَ سُئِلُوا ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَإِنَّهَا لَتَحُتُّ الذُّنُوبَ حَتَّ الْوَرَقِ وَتُطْلِقُهَا إِطْلَاقَ الرِّبَقِ وَشَبَّهَهَا رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) بِالْحَمَّةِ تَكُونُ عَلَى بَابِ الرَّجُلِ فَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنْهَا فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ فَمَا عَسَى أَنْ يَبْقَى عَلَيْهِ مِنَ الدَّرَنِ وَقَدْ عَرَفَ حَقَّهَا رِجَالٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا تَشْغَلُهُمْ عَنْهَا زِينَةُ مَتَاعٍ وَلَا قُرَّةُ عَيْنٍ مِنْ وَلَدٍ وَلَا مَالٍ يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: «رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ»...«.

(شرح النهج لابن أبي الحديد مج2 ص569).

* * *

الشرح:

قوله (عليه السلام): «تعاهدوا أمر الصلاة» أي جدّدوا العهد بها وراقبوا عليها في أوقاتها المخصوصة ولا تضيّعوها ولا تغفلوا عنها، لأنّها عماد الدين ومعراج المؤمنين، وقربان كلّ تقي ومؤمن نقي، وأوّل ما يُحاسَب به العبد، إن قُبِلت قُبل ما سواها، وإن رُدّت ردّ ما سواها.

وقد ذمّ الله أقواماً توانوا عنها واستهانوا بأوقاتها فقال: «وَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ» قال أمير المؤمنين (عليه السلام): يعني أنهم غافلون استهانوا بأوقاتها»(1).

«وحافظوا عليها» أي على أوقاتها ورعاية آدابها وسُننها وحدودها ومراسمها وشروطها وأركانها، فلقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «من ترك صلاته متعمّداً فقد هدم دينه»(2) وقال: «لا تضيّعوا صلاتكم فإنّ من ضيّع صلاته حشره الله تعالى مع قارون وفرعون وهامان لعنهم الله وأخزاهم، وكان حقّاً على الله أن يُدخله النار مع المنافقين، فالويل لمن لم يحافظ على صلاته».(3)

وقال أبو جعفر (عليه السلام): «إنّ الصلاة إذا ارتفعت في أوّل وقتها رجعت إلى صاحبها وهي بيضاء مشرقة تقول: حفظتَني حفظك الله، وإذا ارتفعت في غير وقتها بغير حدودها رجعت إلى صاحبها وهي سوداء مظلمة تقول: ضيّعتني ضيّعك الله».(4)

وقد أمر الله (عز وجل) بمحافظتها في الكتاب العزيز بقوله: «حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ».(5) قال أمين الإسلام الطبرسي: أي داوموا على الصلوات المكتوبات في مواقيتها بتمام أركانها.

وزبدة القول: إنّ الصلاة جوهر الدين، والدين أمر فطريّ كما صرّح به الكتاب والسنّة.

إنّ الصلاة شكر لإحسان المنعم، وشعور الإنسان بالشكر للمحسن شعور قديم. ومن الأمثال العربيّة المعروفة فيه قولهم: (الإنسان عبد الاحسان).

إنّ الصلاة خضوع لمكوّن عظمة السماء والأرض، والخضوع للعظماء أمر ارتكازيّ في جِبلّة كلّ فرد من الناس.

والصلاة هي من أهمّ مزايا الأنبياء وصفات رسل الله التي جاءت في القرآن الكريم، والتي مدحهم بها الله تعالى...، وفي هذا إشارة إلى وحدة الأديان السماويّة في الأثر والغاية، وإنّ أكثر الأحكام التي جاء بها القرآن كانت متّبعة لدى الأنبياء المتقدّمين، ومن جهة أخرى فيه إشارة بالحثّ على السير بطريقتهم والتمسّك بصفاتهم وأفعالهم التي منها الصلاة، كما تجد ذلك في الآيات التالية:

قال الله تعالى، يمدح إسماعيل (عليه السلام): «وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا».(6)

وقال تعالى على لسان إبراهيم (عليه السلام) حين دعى ربّه: «رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ».(7) وقال تعالى حكاية عن عيسى: «وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا»(8) وقال تعالى على لسان لقمان يُوصي ولده: «يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ».(9)

ففي هذه الآيات الكريمة تجد أثر الصلاة عند قدماء الأنبياء وأهميّتها الكبيرة في نفوسهم، حيث كان إسماعيل (عليه السلام) أوّل ما يأمر أهله بالصلاة، وإبراهيم (عليه السلام) يدعو ربّه لأن يكون في المقيمين للصلاة، وعيسى (عليه السلام) يفتخر حيث أوصاه تعالى بالصلاة، ولقمان (عليه السلام) يؤكّد في وصيته لولده بالمحافظة على الصلاة.

وكانت الصلاة هواية نبيّنا محمّد (صلى الله عليه وآله) ومعشوقته الكبرى، حتّى قال لأصحابه: «حُبّب إليَّ من دنياكم ثلاث: النساء، والطيب، وجُعل قرّة عيني الصلاة»(10) فترى قد جعلها قرّة عينه ونور بصره لمنـزلتها عنده وكبرها في نفسه وأهميّتها لديه.

الصلاة هي سفينة شاطئ الأمان وسبيل مجتمع السلام وباب جنة الخلد. هذه الصلاة جعلها الله تعالى في القرآن الكريم سبباً من أسباب الفلاح، قال تعالى في سورة المؤمنون: «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ»(11) وقال تعالى في سورة الأعلى: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى».(12)

والصلاة هي أهمّ مظهر من مظاهر الإسلام، وأعظم ركن منه، وهي لباسه التي يعرف إسلامه بها وإيمانه منها، وهي جنسيّته التي بها يُعلم انتماؤه إلى دولة الإسلام، وأنّه من أتباع محمد (صلى الله عليه وآله)، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «لكلّ شيءٍ وجه، ووجه دينكم الصلاة»(13) فترى قد جعل الصلاة وجه الدين ولباس الشريعة. وفي حديث آخر جعلها الحدّ الفاصل بين الكفر والإيمان فقال: «ما بين الكفر والإيمان إلاّ ترك الصلاة».(14)

والإمام الخامس محمّد الباقر(عليه السلام) شبّه الصلاة في الدين بالعمود للخيمة، فقال (عليه السلام): «الصلاة عمود الدين، مثلها كمثل عمود الفسطاط، إذا ثبت العمود ثبتت الأطناب والأوتاد، وإذا مال العمود وانكسر لم يثبت وتد ولا طنب».(15)

وأبعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) تارك الصلاة منه، ونفى أن يكون من المسلمين، وإن ادّعى ذلك، وحرمه من شفاعته يوم الحساب الأكبر، فقال وهو على فراش الموت: «ليس مِنّي من استخفّ بصلاته، لا يرد علي الحوض لا والله».(16) وأكّد هذا المعنى الإمام الصادق (عليه السلام) فقال: «إنّ شفاعتنا لا تنال مستخفّاً بالصلاة».(17)

وشرّعت الصلاة لأجل تأييد قوّة الخير ودعم الفضيلة وطرد الرذيلة وإزالة الشرّ في قلب الإنسان، لأنّه عندما وُجد، وجد معه قوّتان: قوّة الخير وقوّة الشر، كما قال تعالى: «وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها»(18) وجعل الله بين القوّتين صراعاً ونزاعاً، كما جعل بيد المرء زمامهما، لأجل امتحان البشر وأن يدخلوا الجنة أو النار أزاء عمل يعملونه في دار الحياة، إن خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ.

وشرّعت الصلاة لتحذير الإنسان من هوى النفس ومغرياتها وشياطينها، وشرّعت لتقف إلى جنب العقل ناصراً ومرشداً ومعيناً، ولدعم الفضيلة وقوّتها المستودعة في الإنسان، ولا شكّ أنّ الصلاة هي أقوى أفعال الدين لمكافحة إرادة النفس وشيوع الرذيلة وانتشار الشرّ، ولهذا السرّ شرّع تكرار الصلاة مرّات مختلفة في اليوم، لتضعف بذلك هوة الشرّ وتنكسر شوكتها، ولعلّ من هذا المعنى أُخذ اسم ـ المِحراب ـ لمكان المصلّي، حيث فيه يحارب المصلّي الهوى والنفس والشيطان.

والصلاة هي روح الدين الإسلاميّ، والدين الذي بابه الصلاة مدرسة تعليميّة كبرى تتلقّى برنامجها من الله تعالى وينـزل منهاجها من السماء، فيوقف البشر في الأرض على خفايا لم تدركها عقولهم، ويوصلهم إلى نقاط في الإرشاد العالي لا يمكن أن تتوصّل إليها أفكارهم مهما بلغوا من التقدّم والرقي، والجدير بالذكر أنّ التقدّم المادّيّ الذي يعرفه أهل الأرض لا يزيدهم إلا تأخّراً عن روحيّة السماء وحقيقة الحياة.

وتمتاز الصلاة بإطلاقها سراح الفكر بالتجوال الفكريّ الصحيح، وبحثّها على العمل الناتج والتمرين على حركة الفكر والجسد معاً، والإسلام طالما حثّ على ذلك، ومن حثّه على الأوّل قوله (صلى الله عليه وآله): «تفكير ساعة خيرٌ من عبادة سبعين سنة»(19) ومن الثاني قوله تعالى: «وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ».(20)

والصلاة حوت كلا العملين وجمعت بين الجنسين، وأشارت إلى كلّ من الجهدين بصورة عمليّة كاملة لا نظريّة فحسب، ومن هنا جاء النقص إلى أكثر المسلمين اليوم، حيث اعتبروا الصلاة كعمل خارجيّ خالٍ من التفكير بالغرض الذي شُرّعت لأجله الصلاة، وقد ورد في الحديث عن آل البيت (عليهم السلام) «إنّ الله لا يقبل من العبد صلاته إلاّ ما أقبل عليه فيها».(21)

وقد أشار الإمام الرضا (عليه السلام) إلى تلك الفوائد، كما بيّن بعض أسرار مشتملات الصلاة في حديث نذكره بطوله، قال (عليه السلام): «إنّما أمر الله بالوضوء ليكون العبد طاهراً إذا قام بين يدَي الجبّار وعند مناجاته إيّاه مطيعاً له فيما أمره، نقيّاً من الأدناس والنجاسة؛ مع ما فيه من ذهاب الكسل وطرد النعاس، وإنّما وجب على الوجه واليدين والرأس والرجلين؛ لأنّ العبد إذا قام بين يدَي الجبّار فإنّما ينكشف من جوارحه ويظهر ما وجب فيه الوجوه، وذلك بوجهه يسجد ويخضع، وبيده يسأل ويرغب ويرهب ويبتهل، وبرأسه يستقبله في ركوعه وسجوده، وبرجليه يقوم ويقعد».(22)

والصلاة هي وديعة السماء في الأرض وأمانة الله عند خلقه، وقد أمرهم بالاهتمام بها والمحافظة عليها، فقال تعالى: «حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ».(23)

وهذه الأمانة هي التي تعرّفنا بالدين الحنيف، وتعلّمنا المحافظة على أموال الناس وعلى حقوقهم الفرديّة والاجتماعيّة؛ لأنّ الإسلام أعطى المرء حقوقه من نتاج الحياة، وجعل سياجاً قويّاً يفصل بين تلك الحقوق، وحرّم التعدّي والنهب والكذب، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «لا يحلّ مال امرئٍ إلاّ من طيب نفس».(24)

والإمام زين العابدين (عليه السلام) ضرب للمسلمين مثلاً علياً في المحافظة على الأمانات، حيث يقول: «والله لو أنّ قاتل أبي الحسين ائتمنني على السيف الذي قُتل به لأدّيتُه إليه».(25)

فالصلاة والدين يعلّمان المرء كيف يعيش في الحياة عيشة فيها السعادة للفرد والجماعة، وكيف يحافظ على الحقوق والأموال، وكيف يؤدّي الودايع والأمانات، لأنّ المحافظة على الأمانة الكبرى ـ وهي الصلاة ـ تستلزم المحافظة على الأمانة الصغرى وتدرّب على تأديتها. ولعلّ أوّل من أطلق الأمانة على الصلاة من الناس هو أمير المؤمنين صلوات الله عليه بعد إشارة القرآن الكريم إلى ذلك، حيث كان صلوات الله عليه إذا حضر وقت الصلاة يتململ ويتزلزل، فيقال له: ما لك يا أمير المؤمنين؟ فيقول: «جاء وقت الصلاة، وقت أمانة عرضها الله تعالى على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها»(26) وهو بهذا يشير إلى قوله تعالى: «إِنَّا عَرَضْنَا الأَْمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالأَْرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها» الآية.(27)

وقد بيّن الإسلام ما للصلاة من أثر كبير في إدراك النجاح وتحصيل الفلاح، قال الله تعالى: «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ»(28) وفي الحديث الشريف عن أعرابيّ جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال له (صلى الله عليه وآله): أسلم تسلم، قال: وما الإسلام؟ قال (صلى الله عليه وآله): شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمد رسول الله، قال: ثمّ ماذا؟ قال: الصلاة خمس مرّات في اليوم والليلة، إلاّ أن تتطوّع، قال: ثمّ ماذا؟ قال: صوم رمضان إلاّ أن تتطوّع...الخ، فولّى الأعرابي وهو يقول: والله لا أزيد عليها ولا أنقص، فلمّا بلغ قوله النبي (صلى الله عليه وآله) قال: أفلح الأعرابيّ إن صدق».(29)

ويحسب البعض أنّ الصلاة صخرة عثرة في طريق الحياة، وأنّ الدين عدو الدنيا، وهذا وهم فاسد وافتراء وكذب على الدين والإسلام؛ لأنّ القرآن يقرّر عكس هذا حيث يقول تعالى: «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ»(30) وقوله تعالى: «وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا»(31) ولم يكتفِ بآية أو آيتين بل أورد سلسلة من الآيات الكريمة في الموضوع نفسه قائلاً: «يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ».(32) «لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ».(33) «وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً».(34) «كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ»(35) و«أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ».(36) «كُلُوا مِمَّا فِي الأَْرْضِ حَلالاً طَيِّباً».(37)

وفي الحديث الشريف: «اعمل لدُنياك كأنّك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنّك تموت غداً»(38) وقال (صلى الله عليه وآله) «مَن لا دُنيا له لا دين له». وفي الكافي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «لا خير فيمن لا يحبّ جمع المال من حلال يكفّ به وجهه ويقضي به دَينه ويصل به رحمه».(39) وعن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) قال: «إنّي لأبغض الرجل أن يكون كسلاناً في أمر دنياه، ومن كسل عن أمر دُنياه فهو عن أمر آخرته أكسل».(40) والأخبار في الحثّ على تحصيل الدنيا وإصلاح أمر العيشة بحدّ التواتر.

وبالتالي قصدنا بهذا البحث التقريب لأفكار شبابنا المسلمين وجيلنا الناشئ الجديد الذي جعل الصلاة وراء ظهره. هذا الجيل الذي عليه كلّ آمالنا في الدعوة لاستمرار رسالة الإسلام وتبليغها للعالم البعيد، ونشر دعوة السماء الحقّة في الأرض، وبثّ فكرة نبيّ الإسلام في العالم، وتطبيق نظام القرآن بين الناس، والقيام بالعبادات الإلهيّة فُرادى وجماعات. نسأل الله تعال أن يوفّق الجميع لمراضيه.

 

[الصلاة تحتّ الذنوب]:

قوله صلوات الله عليه: «إنّها لتحتّ الذنوب حتّ الورق». إلى قوله: «فما عسى أن يبقى عليه من الدرن».

يدلّ هذا الكلام بظاهره على أنّ الصلاة حسنة لا تضرّ معها سيئة، وأنّ الله يغفر سيّئآت المصلّي مهما تضاعفت وتنوّعت!. وليس من شكّ أنّ هذا الظاهر يصطدم مع حكم العقل والبديهة، ومع قوله تعالى: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ».(41)

فما هو وجه الجمع؟

الجواب: لا أحد يجرأ على الزعم والادّعاء أنّه منـزّه عن التقصير والخطأ إلاّ جاهل مغرور حاشا الأنبياء... والخطيئة أنواع، ولكلّ نوع درجات، فهناك حقّ الله وحقّ الناس، وهناك الكبيرة والصغيرة، وبعض الخطايا تقبل المغفرة والتسامح ويختصر فيها على اللوم والعتاب أو التوبيخ.

وبعضها يوجب العقاب الخفيف، وثالثة العقاب الوسط، ورابعة العذاب الأكبر، وأفحش الخطايا على الإطلاق الشرك بالله، والاعتداء على حريّات الناس بكمّ الأفواه وتعذيب الأرواح والأجسام ونهب الثروات وما إلى ذلك من الجرائم التي يرتكبها الأقوياء ضدّ الضعفاء الذين لا قدرة لهم ولا حيلة ولا وسيلة. وهذا النوع من الذنوب لا يُغفر إطلاقاً، وإن صلّى المذنب الظالم وصام وحجّ إلى بيت الله الحرام.

وما عدا هذا النوع من الذنوب يقبل الغفران، شريطة أن لا يكون فيه شائبة اعتداء على الأخرين، وإن كانت مثقال ذرة. ومن الأمثلة التي تقبل التسامح والمغفرة سقطات اللسان مع عدم الإضرار بالآخرين، وأكل الخبائث أو شُربها بلا ضرورة، وصناعة التماثيل، والنظرة الآثمة، والعصبيّة إذا لم يترتّب عليها فساد؛ بل وحلق اللحية، والإسراف في الأموال على القول بالتحريم.

وغير بعيد أن يكون المراد بالذنوب التي تحتّها الصلاة وتطهّر المصلي منها هذا النوع بالخصوص، ومن الجائز أيضاً أن يكون القصد من حتّ الذنوب أنّ الصلاة من طبيعتها تحثّ المصلي على التوبة التي تطهّره من الذنوب. ويومي إلى ذلك ويؤيّده قوله تعالى: «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ»(42) أي تنهى المصلي عنهما بمجرد الدعوة والإرشاد، ولا تدفعه عنهما قسراً، أو تخلق في نفسه النفور منهما قهراً.. لأنّ هذا لم يحدث بشهادة العيان، وليس من شكّ أنّ إهمال التوبة من المنكرات، فيشمله نهي الصلاة عن المنكر.

قوله صلوات الله عليه: «وقد عرف حقّها رجال من المؤمنين» الذين وجدوا حلاوة الإيمان بالله، وبرد اليقين، وجلال القرب منه، وعقلوا أسرار الصلاة وأهدافها، وأنّ الله سبحانه يكتب لهم من ثوابها على قدر محافظتهم عليها واهتمامهم بها، وإذن فلا عجب إذا أعطوها عن طيب نفس كلّ همهم واهتمامهم، وجعلوها شغلهم الشاغل حتّى عن الولد والمال.

ونحن نعرف الكثير من عظمة الصلاة عند الله، وأنّها عمود الدين وقربان كلّ تقيّ... وأيضاً نتحدّث عن فضلها ونكتبه ونذيعه، ولكنّ صلاتنا ـ ويالسوء العمل ـ أشبه بحركة آليّة أو تلقائيّة... أبداً لا شيء فيها من الخضوع والخشوع، نحن نصلّي ـ والله ـ بقصد القربة لله، ولكن بماذا نفكّر أثناء الصلاة؟... بالتافهات وزينة الحياة. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إنّ خير أعمالكم الصلاة»(43) وتقول أنفسنا الأمّارة: لا، إنّ خير أعمالكم الشهرة والسمعة، والجمع للوارث التارك للصلاة، اللهمّ هدايتك وغفرانك.

* * *

فصل ووصل: الصلاة وطرق التقدّم الثلاثة

بسم الله الرحمن الرحيم

«إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الأَْبْتَرُ».

إنّ سورة الكوثر أقصر سورة في القرآن الكريم لعرض خير الفضائل والتبشير بها بغاية الايجاز، وذلك بعض ما امتاز به الكتاب المجيد.

تتألّف هذه السورة من ثلاثة آيات: تحتوي الأولى والثالثة على جملة واحدة، أمّا الثانية فعلى جملتين! وتعني الآية الأولى «إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ» يا رسول الله لقد منحناك الخير، وتعني الآية الثالثة «إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الأَْبْتَرُ»: إنّ عدّوك الذي يروم محوك سوف يُحرم من كلّ خير. والباقي «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ» تعني أقم الصلاة وقدّم الضحية.

وهذه هي الطرق الوحيدة للوصول إلى الخير. وقد بيّن الله سبحانه غاية الدين الجوهريّة والسبيل إلى نيلها بصورة واضحة مجملة.

إنّ غاية الدين أو الإيمان لا تتعدّى جلب السعادة والخير للعالم، وقد فسّر ابن عباس وابن جبير «الكوثر» بالخير.(44) وفي الواقع أنّ المقصود بهذه الكلمة خير المادة وخير الروح.

ولا ريب في أنّ هذا الوحي الإلهيّ وإن كان قد خوطب به النبي الكريم محمد (صلى الله عليه وآله) ولكنّه في الحقيقة موجّه إلى كلّ مؤمن؛ بل إنّ كلّ وحي مذكور في القرآن موجّه في الواقع إلى كافّة المؤمنين. فمعنى السورة إذن: أيّها الإنسان لقد منحناك كلّ خير بوحينا، ولا يمكن تحقيق ذلك إلاّ بالصلاة والتضحية، وهذه هي الوسيلة الوحيدة لإيصال البشر إلى الرفعة والسمّو المادّيّ والمعنويّ.

لقد تحقّق لدى العالم بعد طول الاختبار أنّه ما من أمّة تستطيع التقدّم إلاّ بالتضحية، فكلّما زادت من هذه زيد لها من ذلك، ولكنّ الظاهر أنّ الله تعالى قد قدّم الصلاة عليها.

إنّ التضحية عمل، وفي الحقّ أنّ التقدّم والرفعة يتوقّفان على أعمال الإنسان، بمعنى أنّ الإنسان ينال الشيء بعد أن يسعى إليه «وَأَنْ لَيْسَ لِلإِْنْسانِ إِلاَّ ما سَعى»(45) كما أنّ أعمال الإنسان نتيجة لاحساسه وعواطفه وآماله، وبدونها لا يقدم على أيّ عمل.

إنّ العواطف تؤدّي إلى أعمال مثلها إن رديئة فرديئة، أو حسنة فحسنة، فالقتل بسبب الطمع ومعاونة ذوي الحاجة سلوكان يؤدّي إليهما نوعان من الأفكار رديء وحسن.

وإنّ القرآن الكريم والنبي محمد (صلى الله عليه وآله) هما اللذان نبّها إلى ذلك، قال الله تعالى في كتابه المجيد: «أَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ».(46)

إنّ غاية المجد والرفعة لتكمن في نبل وسمّو أفكارنا وعواطفنا وشعورنا، وهذا هو السبب في أنّ الصلاة تعتبر علاجاً شاملاً لكلّ شرور البشر «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ»(47) ويصف الحديث الصلاة بأنّها نهر جارٍ يطهّر منّا أرجاسنا، وقد وصفت بحقّ بأنّها معراج المؤمنين، وهي في الواقع أيسر سبيل لبلوغ هذه الرفعة؛ بل إنّ الأمر بالصلاة قد عاصر المعراج ـ أي صعود النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله) إلى السماء، حيث فيه تلقّى الأمر من الله تعالى بالصلاة.

إنّ الكلمات المقدّسة التي نكرّرها عادة في صلاتنا هي «الله أكبر»، وبذلك تفتح الصلاة بهذا التكبير لله، كما أنّ الإنسان يُقرّ عند وقوفه أمام الله بأن لا قيمة لأيّة عظمة في الدنيا أزاء عظمة الله، وهذا الشعور بالله يستتبع تحوّلاً وانقلاباً لا نظير لهما في الصلاة التي نقيمها، وإنّ الإنسان إذ يشعر شعوراً دافقاً بضعته أمام الخالق؛ إذ يسجد أمامه ويُعفّر جبهته بالتراب، وفي كلّ لحظة يكرّر من أعماق قلبه «الله أكبر» ليقوّي في نفسه الشعور بقوّة الله وتتمكّن جذوره في قلبه.

إنّ أوّل خطو الإنسان نحو التقدّم الروحيّ بعد مدح الله تعالى والاقرار بعظمته يكمن في الابتداء بالصلاة حيث يعترف الإنسان بضعفه، ويتوق أن ينطلق ليسمو.

وما الصلاة إلاّ دعاء، وليس الدعاء إلاّ تلاوة بعض الكلمات المرسومة، ولكنّ الدعاء ما أُريد به أن يخلق حركة في صميم عقل الإنسان. إنّه رغبة حافز ونشاط، بل دافع يُعبّر عنه بكلمات، ويكمن خلف هذا النشاط ووراء هذه العواطف قوّة عظيمة تعبّر عن طبيعتها أمام الله، فيشعّ من حنايا ضمائرنا نور، وتجيش نفوسنا بثورة، وفي خلال هذه الثورة نتضرّع بطلب الرحمة من الله القدير، وإنّ هذه القوّة الإلهيّة تعين الضعيف فترتوي بها روحه وتقوى.

وفي الصلاة اعتراف بسيطرة الإله الجبّار على خلقه، وأنّه لا يسيطر على أجسامنا فحسب، ولكنّه يحكم عقولنا وضمائرنا أيضاًَ.

وفي الصلاة رابطة بين الله والإنسان، وفي الصلاة اعتراف الإنسان بالعبوديّة لله تعالى، فيقوم بطبيعة الحال بواجبات هذه العبوديّة للإله.

إنّ الصلاة هي التي تبيّن بواعث الإنسان الحقيقيّة واعترافه بذنبه وخطاياه وضعفه, وإنّه ليبدي رغبته في أن يرتفع من هذه الوهدة، ويطلب المعونة من الله تعالى للخلاص منها ومن انحطاطه وطاعته لأفكار السوء.

هكذا تخلق الصلاة في الإنسان نشاطاً وقوّة بحيث يمتنع عن ركوب الخطايا والمآثم، وربّما أبعدت عنه المعاصي بُعد ما بين المشرق والمغرب، وجعلت روحه نقيّة نقاء القماش الأبيض من الأوضار والأقذار، وقد يغفر الله للانسان ما ارتكب من ذنب ويمحوه كما يغسل الماء أيّ شيء.

وعندما يصلّي الإنسان لربّه الصلاة الحقيقيّة تشعّ من داخل نفسه رغبة بأن يتنـزّه عن الظلم والقسوة والكذب والدعاوى الخادعة، ومن كلّ الظنون السيّئة والأعمال الرديئة، وبذلك يقف سدّاً منيعاً ضدّ نزعات الشيطان.

وقد أضفى الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) أهميّة خاصّة على الصلوات، وقد وُصفت في الوحي بأنّها طعام الروح، «وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى»(48) ووسيلة لاستمداد المعونة من عند الله، «اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ»،(49) وإنّها أسلوب لكبح جماح النفس واجتثات الرذائل والنوازع المنحطّة من جذورها، «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ»،كما أنّها واسطة للنجاح في الدنيا والآخرة، «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ».

كان الفساد والانحطاط فاشيين في العرب قبل الإسلام، وقد استقامت أخلاقهم في ضمن مدّة قصيرة وهي ثلاثة وعشرون عاماً في الإسلام، وانتشروا في الأرض متقمّصين أثواباً من القداسة، يبشّرون بالأخلاق السامية والشهامة، ومردّ ذلك كلّه إلى الصلاة؛ إذ لم تكن هناك مدارس ولا جامعات ولا أيّة واسطة لترقية الزراعة والتجارة، وإنّما هي «سبحان ربّي العظيم وبحمده» «وسبحان ربّي الأعلى وبحمده» غذّت أرواحهم وأوصلت كلّ واحد منهم إلى ذروة المجد الذي لا يمكن نيله بواسطة أخرى.

إنّ نيل الفضائل عمل جبّار، وما أندر أن تتصاحب العظمتان الدنيويّة والأخلاقيّة.

وما ينال الفضائل إلاّ الذين ينحنون أمام الله، ويصغون باهتمام إلى أقوال رُسله، بينما تنحني أمامهم الأمم متطلّعة إلى أمجادهم الدنيويّة والخلقيّة والروحيّة التي لم يسبق لها مثيل، ذلكم هو تأثير «سبحان ربّي العظيم وبحمده» و«سبحان ربّي الأعلى وبحمده» عندما تُتلى من أعماق القلوب.

هذه ناحية من نواحي الصلاة نحو التقدّم المادّيّ والروحيّ، وهناك شكل ثانٍ للتقدّم الذي تعبّد الصلاة إليه الطريق: فهو التقدّم الجمعي أو الاجتماعيّ، وحجر الزاوية فيه سورة الفاتحة.

إنّ الانحناء أمام الله يرفع من شأن الأفراد؛ ولكنّ الانتظام بصفوف مرتّبة أمامه يدفع للنجاح الجمعيّ.

إنّ الصلابة والجمود يقلّلان من أثر الصلاة في تقدّم الفرد، إذ يجب الإفصاح عن كلّ ما يطرأ على ذهن الإنسان عند الصلاة؛ لأنّ فيها يتلائم العمل والتعبير.

ويشتدّ تأثير الصلاة إذا اقترنت بحركات جسميّة تُنبئ عن تواضع عظيم أمام الله، وقد قال الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وآله): «أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد».(50)

إنّ آية «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» حجر الزاوية في التقدّم الجمعيّ، وتتّحد عند تلاوتها أفكار الإنسانيّة جمعاء في الخضوع لله، ويشعر الإنسان باتّصاله التام بالجنس البشريّ، على الرغم من انتسابه إلى عائلته وعنصره وأمّته وبلاده، فهو يشعر بشعورهم ويتمنّى خلودهم جميعاً، وإذا حلّ الهدم والتخريب والموت بأفراد جنسه في أيّة بقعة من بقاع الأرض يغشى قلبه أسى، ويردّد في غمرة هذا الألم «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» ويدعو الله ضارعاً طالباً خير كلّ ذي حياة في هذا الوجود، وتلك نفس الصرخة التي تخرج من قلوب القدّيسين والحكماء والأنبياء، فتغدو بلسماً شافياً لأدواء الأمم.

إنّ رفع السلاح ضدّ العدّو ضرورة ماسّة، ولكنّ هناك سلاحاً آخر هو سلاح الصلاة الجبّار الذي فرضه الله تعالى على المسلمين، إن أيّ انتصار ناله المسلمون في بدر لم يكن بسبب تفوّق قوّتهم أو عددهم، ولكن بسبب الصلاة التي صلّوها، ودعاء المضطرّ الذي دعوه طيلة تلك الليلة.

ويشبه حالة المسلمين اليوم ونقصهم في القوّة والنفوذ، ولو أفادوا من سلاح الدعاء الذي لا يخيب وخشعوا أمام الله تعالى طالبين منه النصر لفتح سبحانه لهم أبواباً من حيث لا يحتسبون النصر.

إنّ في القنبلة الذريّة ـ والحقيقة أولى أن تقال ـ لبأساً شديداً، وفي مقدورها أن تدمّر مدناً وأقطاراً، ولكنّ الدموع المسفوحة أمام الله القويّ الجبّار أكثر بأساً، ويمكن أن تغيّر مجرى الحوادث بصورة مدهشة تبلغ حدّ الإعجاب.

وتمهّد الصلاة السبيل ـ فضلاً عن التقدّم الفرديّ والجمعيّ ـ إلى تقدّم ثالث: هو نشر الإسلام والأخذ بنُصرة الحقّ، ولا خير في التقدّم الفرديّ أو الجمعيّ ما لم يكن في نفوسنا ميل لهذا التقدّم الثالث.

 

[الصلاة لغة واصطلاحاً]:

إنّ لفظ الصلاة من الأسماء الشرعيّة، ولا شبهة في أنّها عربيّة، فلا يجوز أن يكون الشرع ارتجلها ابتداء من غير نقل، وإلاّ لم يصحّ قوله تعالى: «إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا»(51) فلا بدّ أن يكون له في اللغة معنى آخر.

فاختلفوا في أصله، فقيل: الدعاء، وقيل أصلها من الصَلا ـ وهي عظم العجز لرفعه في الركوع والسجود.(52)

وعلى القول الأوّل أكثر العلماء، إذ لا صلاة إلاّ ويقع فيها الدعاء أو ما يجري مجراه. وقال بعض الصوفيّة: اشتقاق الصلاة قيل من الصِلى النار، والخشبة المعوجّة إذا أرادوا تقويمها تُعرض على النار ثمّ تقوّم، وفي العبد اعوجاج لوجود نفسه الأمّارة بالسوء، وسبحات وجه الله الكريم ـ أي أنواره ـ التي لو كشف حجابها لأحرقت من أدركته، يُصيب بها المصلّي من رهج السطوة الإلهيّة والعظمة الربّانيّة ما يزول به اعوجاجه؛ بل يتحقّق به معراجه، فالمصلّي كالمصطلي بالنار، ومن اصطلى بنار الصلاة وزال بها اعوجاجه لا يُعرض على نار جهنم إلاّ تحلّة القَسَم.

روى الصدوق في كتاب «من لا يحضره الفقيه» أنّه قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «ما من صلاة يحضر وقتها إلاّ نادى مَلَك بين يدي الناس: أيّها الناس قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على ظهوركم فأطفؤها بصلاتكم».(53)

وقد ورد أنّ الله تعالى إذا تجلّى لشيء من خلقه خضع له،(54) ومن تحقّق الصلة في الصلاة تلمع له طوابع التجلّي فيخشع، والفلاح للذين هم في صلاتهم خاشعون، وبانتفاء الخشوع ينتفي الفلاح، وشهد القرآن بالفلاح للمصلّين.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «الصلاة مرضاة الربّ، وحبّ الملائكة، وسنّة الأنبياء، ونور المعرفة، وأصل الإيمان، وإجابة الدعاء، وكراهة الشيطان، وشفيع بين صاحبها وملك الموت، وسراج في القبر، وفراش تحت جنبه، وجواب منكر ونكير، ومؤنس في السراء والضراّء، وصائرة معه في قبره إلى يوم القيامة».(55)

وأقبل أمير المؤمنين صلوات الله عليه ذات يوم على الناس فقال: «أيّة آية في كتاب الله أرجى عندكم؟ فقال بعضهم:«إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ»(56) قال:حسنة وليست إيّاها. فقال بعضهم: «وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً»(57) فقال: حسنة وليست إيّاها، فقال بعضهم: «يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ»(58) قال: حسنة وليست إيّاها، وقال بعضهم: «وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ»،(59) قال: حسنة وليست إيّاها، ثمّ أحجم الناس، فقال: ما لكم يا معشر المسلمين! قالوا: لا والله ما عندنا شيء، قال صلوات الله عليه: «سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أرجى آية في كتاب الله «وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ»(60) وقال: يا علي والذي بعثني بالحقّ بشيراً ونذيراً، إنّ أحدكم ليقوم إلى الوضوء فتساقط عن جوارحه الذنوب، فإذا استقبل الله بوجهه وقلبه لم ينفتل عن صلاته وعليه من ذنوبه شيء كما ولدته أمّه، فإن أصاب شيئاً بين الصلاتين كان له مثل ذلك حتّى عند الصلوات الخمس. ثم قال:يا علي إنّما منـزلة الصلوات الخمس لأمّتي كنهرٍ جارٍ على باب أحدكم، فما يظنّ أحدكم لو كان في جسده درن ثم اغتسل في ذلك النهر خمس مرّات في اليوم، أكان يبقى في جسده درن؟ فكذلك والله الصلوات الخمس لأمتي.(61)

وقال الإمام الباقر(عليه السلام): «يا باغي العلم صلِّ قبل أن لا تقدر على ليل ولا نهار تصلّ فيه، إنّما مثل الصلاة لصاحبها كمثل رجل دخل على ذي سلطان فأنصت له حتّى فرغ من حاجته، وكذلك المرء المسلم بإذن الله (عز وجل)، ما دام في الصلاة لم يزل الله (عز وجل) ينظر إليه حتّى يفرغ من صلاته».(62)

وكان سلمان الفارسي (رضي الله عنه) مع جماعة من أصحابه تحت شجرة، فأخذ غصناً منها فنفضه فتساقط ورقه، فقال: ألا تسألوني عمّا صنعت؟ فقلنا: خبرّنا، قال: كنّا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ظلّ شجرة فأخذ غصناً منها فنفضه فتساقط ورقه، فقال: ألا تسألوني عمّا صنعت؟ قلنا: خبّرنا يا رسول الله، قال: إنّ العبد المسلم إذا قام إلى الصلاة تحاتت عنه خطاياه كما تحاتت ورق هذه الشجرة.(63)

* * *

(1) الخصال للصدوق: 621.

(2) جامع الأخبار: 86، وعنه في البحار، ج82: 202، ح1.

(3) جامع الأخبار: 87، وعنه البحار، ج79: 203، ح2.

(4) الكافي للكليني 3: 268، ح4.

(5) البقرة: 238.

(6) مريم: 54 و55.

(7) إبراهيم: 40.

(8) مريم: 31.

(9) لقمان: 17.

(10) الخصال للصدوق: 165، ح218.

(11) المؤمنون: 1 و2.

(12) الأعلى: 14 و15.

(13) الكافي للكليني 3: 270، ح16.

(14) ثواب الأعمال للصدوق: 231.

(15) المحاسن للبرقي 1: 44/ ح60.

(16) الكافي للكليني 3: 268/ ح7.

(17) الأمالي للصدوق: 572/ ح779.

(18) الشمس: 7 و8.

(19) مشكاة الأنوار للطبرسي: 544.

(20) التوبة: 105.

(21) المحتضر لابن سليمان الحلي: 37.

(22) عيون أخبار الرضا للصدوق 1: 111، باب 34/ ح1.

(23) البقرة: 238.

(24) البحار للمجلسي 73: 348.

(25) أمالي الصدوق: 319/ ح374.

(26) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 1: 389.

(27) الأحزاب: 72.

(28) المؤمنون: 1 و2.

(29) صحيح البخاري 20: 225.

(30) الأعراف: 32.

(31) القصص: 77.

(32) المؤمنون: 51.

(33) المائدة: 78.

(34) المائدة: 88.

(35) البقرة: 57.

(36) المائدة: 4.

(37) البقرة: 168.

(38) كفاية الأثر للخزاز القمي: 228.

(39) الكافي للكليني 5: 72، ح5.

(40) الكافي للكليني 5: 85، ح4.

(41) الزلزلة: 7 و8.

(42) العنكبوت: 45.

(43) كنـز العمال للمتقي الهندي 3؛ 44/ ح5399.

(44) الدّر المنثور للسيوطي 2: 133.

(45) النجم: 39.

(46) العنكبوت: 45.

(47) المؤمنون: 1 و2.

(48) طه: 131.

(49) البقرة: 153.

(50) مسند أحمد 2: 421.

(51) يوسف: 2.

(52) مجمع البيان للطبرسي، ج1: 189.

(53) من لا يحضره الفقيه، ج1: 208، ح624.

(54) الإصابة لابن حجر، ج5: 313.

(55) الخصال للصدوق: 522/ ح11، رواه بلفظ آخر...

(56) النساء: 48.

(57) النساء: 110.

(58) الزمر: 53.

(59) آل عمران: 135.

(60) هود: 114.

(61) مجمع البيان للطبرسي 5: 345.

(62) دعائم الإسلام للقاضي المغربي 1: 134.

(63) البحار للمجلسي 79: 208، ح16.