جاء في خطبته (عليه السلام) المعروفة بالقاصعة: [ وفيها يذكر موضعه وقربه من رسول الله (صلى الله عليه وآله)]

«وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ وَالْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَأَنَا وَلَدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ وَيَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ وَكَانَ يَمْضَغُ الشَّيْ‏ءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ وَمَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ وَلَا خَطْلَةً فِي فِعْلٍ وَلَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ بِهِ (صلى الله عليه وآله) ـ مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً ـ أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ وَمَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِهِ عَلَماً وَيَأْمُرُنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ غَيْرِي وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ (صلى الله عليه وآله) فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ فَقَالَ هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَتَرَى مَا أَرَى إِلَّا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ وَلَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ».

(شرح النهج لأبن أبي الحديد مج 3 ص250 ط الأولى بمصر).

* * *

ضبط الألفاظ اللغوية:

هذه الخطبة خطب بها صلوات الله عليه بعد انقضاء أمر النهروان، والعَرف بالفتح الريح الطيّبة. ومضغ الشيء يمضغه بفتح الضاد، والخطلة في الفعل الخطأ فيه وإيقاعه على غير وجهه، وحراء اسم جبل بمكّة معروف، والرنّة الصوت.

والقرابة القريبة بينه وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله) دون غيره من الأعمام كونه ربّاه في حجره، ثمّ حامى عنه ونصره عند إظهار الدعوة دون غيره من بني هاشم، ثمّ ما كان بينهما من المصاهرة التي أفضت إلى النسل الأطهر دون غيره من الأصهار.

* * *

[الشرح]:

[علي وليد الكعبة]:

قال العلاّمة الحلي (رضي الله عنه) في كشف الحقّ: ولد علي صلوات الله عليه يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب بعد عام الفيل بثلاثين سنة في الكعبة، ولم يولد فيها أحد سواه لا قبله ولا بعده، وكان عمر النبي (صلى الله عليه وآله) يوم ذلك ثلاثين سنة، وكان (صلى الله عليه وآله) يوجره اللبن عند شربه، ويحرّك مهده عند نومه، ويُناغيه في يقظته، ويحمله على صدره ويقول: هذا أخي ووليّي وناصري وصفيّي وذُخري وكهفي وصهري ووصيّي وزوج كريمتي وأميني على وصيّتي وخليفتي، وكان يحمله دائماً ويطوف به جبال مكّة وشعابها وأوديتها.(1)

يحدّثنا الكليني أعلا الله مقامه في كتابه (أصول الكافي) في باب مولد علي صلوات الله عليه عن المفضّل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لمّا وُلد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فُتح لأمّته بياض فارس وقصور الشام، فجاءت فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين صلوات الله عليه إلى أبي طالب (عليه السلام) ضاحكة مستبشرة فأعلمته ما قالت آمنة، فقال أبو طالب: وتتعجّبين من هذا، إنّك لتحبلين وتلدين وصيّه ووزيره، ثم قال لها: اصبري سَبتاً أبشّرك بمثله إلاّ النبوّة، قال: السبت ثلاثون سنة، وكان بين مولد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومولد أمير المؤمنين ثلاثون سنة.(2)

وفي كتاب (روضة الواعظين) قال جابر بن عبد الله الأنصاري: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ميلاد أمير المؤمنين صلوات الله عليه فقال (صلى الله عليه وآله): آه آه لقد سألتني عن خير مولود وُلد بعدي على سنة المسيح (عليه السلام)، إنّ الله خلقني وعليّاً من نور واحد قبل أن خلق الخلق بخمسمائة ألف عام، فكنّا نسبّح الله تعالى ونقدّسه، فلمّا خلق الله آدم (عليه السلام) قذفنا في صُلبه، فاستقررت أنا في جنبه الأيمن وعلي في الأيسر، ثم نقلنا من صلبه في الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الطيّبة، فلم نزل كذلك حتّى أطلعني الله تعالى من طُهر طاهر ـ وهو عبد الله بن عبد المطلب ـ فاستودعني خير رحم وهي آمنة، ثم أطلع الله تعالى عليّاً من طُهر طاهر ـ وهو أبو طالب (عليه السلام) ـ واستودعه خير رحم وهي فاطمة بنت أسد، ثم قال (صلى الله عليه وآله): يا جابر ومن قبل أن يقع علي في بطن أمه كان في زمانه رجل عابد راهب يقال له المثرم بن دعيب، وكان مذكوراً في العبادة، وقد عبد الله تعالى مائة وتسعين سنة ولم يسأله حاجة، فسأل ربّه يوماً أن يريه وليّاً له، فبعث الله تعالى بأبي طالب إليه، فلما أن بصر به المثرم قام إليه وقبّل رأسه وجلس بين يديه فقال له: من أنت يرحمك الله؟ قال: رجل من تهامة، فقال: من أيّ تهامة؟ قال: من مكّة. قال: ممّن؟ قال: من عبد مناف، قال: من أيّ عبد مناف؟ قال: من بني هاشم، فوثب إليه الراهب فقبّل رأسه ثانياً وقال: الحمد الله الذي أعطاني مسألتي ولم يُمتني حتّى أراني وليّه، ثم قال: أبشر يا هذا فإنّ العليّ الأعلى قد ألهمني إلهاماً فيه بشارتك، قال أبو طالب (عليه السلام): وما هو؟ قال: ولدٌ يخرج من صُلبك هو وليّ الله تعالى، وهو إمام المتّقين ووصيّ رسول رب العالمين، فإن أدركتَ ذلك الولد فاقرأه منّي السلام وقل له: إنّ المثرم يقرأ عليك السلام وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ويشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، وأنّك وصيّه حقّاً، بمحمد (صلى الله عليه وآله) يتمّ النبوّة وبك يتمّ الوصيّة، فبكى أبو طالب وقال: ما اسم هذا المولود؟ قال: اسمه علي، فقال أبو طالب: إنّي لا أعلم حقيقة ما تقول إلاّ ببرهان بيّن ودلالة واضحة، قال المثرم: فما تريد أن أسأل الله تعالى لك أن يعطيك في مكانك هذا ما يكون دلالة لك؟ قال أبو طالب: أريد طعاماً من الجنة في وقتي هذا، فدعا المثرم ربّه بذلك فما استتمّ دعاؤه حتّى أُتي بطبق عليه من فاكهة الجنة رطب وعنب ورمان، فتناول أبو طالب رمّانة ونهض فرحاً مسروراً ورجع من ساعته إلى منـزله فأكلها، فتحوّلت ماءاً في صُلبه، فجامع فاطمة بنت أسد فحملت بعلي صلوات الله عليه.

وارتجّت الأرض وزلزلت بهم أياماً حتّى لقيت قريش شدّة وفزعوا وقالوا: قوموا بآلهتكم إلى ذروة جبل أبي قبيس، فأقبلوا بآلهتهم إلى أبي قبيس، فجعل يرتجّ ارتجاجاً حتّى تدكدت بهم صمّ الصخور وتناثرت وتساقطت الآلهة على وجهها، فلمّا بصروا ذلك قالوا: لا طاقة لنا بما حلّ بنا، فصعد أبو طالب إليهم وهو غير مكثرث بما هم فيه، فقال: أيّها الناس إنّ الله تعالى قد أحدث في هذه الليلة حدثاً وخلق فيها خلقاً إن لم تطيعوه وتقرّوا بولايته وتشهدوا بإمامته لم يسكن ما بكم ولا يكون لكم بتهامة مسكن، فقالوا: يا أبا طالب إنّا نقول بمقالتك، فبكى أبو طالب ورفع الله تعالى يديه وقال: إلهي وسيدي أسألك بالمحمّدية المحمودة والعلويّة العالية وبالفاطميّة البيضاء إلا تفضّلت على تهامة بالرأفة والرحمة، قالوا: فوالذي فلق الحبة وبرء النسمة لقد كانت العرب تكتب هذه الكلمات فتدعو بها عند شدائدها في الجاهليّة وهي لا تعلمها ولا تعرف حقيقتها، فلمّا كانت الليلة التي ولد بها أمير المؤمنين صلوات الله عليه أشرقت السماء بضيائها وتضاعف نور نجومها، وأبصرت من ذلك قريش عجباً، فهاج بعضهم في بعض قالوا: في السماء حادثة، وخرج أبو طالب يتخلّل سكك مكة وأسواقها ويقول: أيّها الناس تمّت حجّة الله، وأقبل الناس يسألونه عن علّة ما يرونه من إشراق السماء وتضاعف نور النجوم، فقال: أبشروا فقد ظهر في هذه الليلة وليّ من أولياء الله تعالى يكمل الله فيه خصال الخير ويختم به الوصيّين وهو إمام المتّقين، وناصر الدين، وقامع المشركين، وغيظ المنافقين، وزين العابدين، ووصيّ رسول ربِّ العالمين، ولم يزل يكرّر هذه الكلمات والألفاظ إلى أن أصبح.(3)

وعن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت علي بن الحسين (عليه السلام) يقول: إنّ فاطمة بنت أسد ضربها الطلق وهي تطوف بالبيت فدخلت الكعبة فولدت علياً صلوات الله عليه.(4)

وذكر شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي (رضي الله عنه) في أماليه: إنّ العباس بن عبد المطلب ويزيد بن قعنب كانا جالسين ما بين فريق بني هاشم إلى فريق عبد العزى بأزاء بيت الله الحرام، إذ أتت فاطمة بنت أسد بن هاشم ـ أم أمير المؤمنين صلوات الله عليه وكانت حاملة بأمير المؤمنين لتسعة أشهر، وكان تمام اليوم، فوقفت بأزاء البيت الحرام وقد أخذها الطلق فرمت بطرفها نحو السماء وقالت: أي ربِّ إنّي مؤمنة بك وبما جاء به من عندك الرسول وبكلّ نبيّ من أنبيائك وبكلّ كتاب أنزلت، وإنّي مصدّقة بكلام جدّي إبراهيم الخليل وأنّه بنى البيت العتيق، فأسألك بحقّ هذا البيت ومن بناه، وبهذا المولود الذي في أحشائي الذي يكلّمني ويُؤنسني بحديثه، وأنا مؤمنة أنّه إحدى آياتك ودلائلك لَمّا يسّرت عليَّ ولادتي.

قال العباس بن عبد المطلب ويزيد بن قعنب: لمّا تكلّمت فاطمة بنت أسد ودعت بهذا الدعاء رأينا البيت قد انفتح من ظهره ودخلت فاطمة فيه وغابت من أبصارنا، ثمّ عادت الفتحة والتزقت بإذن الله تعالى، فرمنا أن نفتح الباب لتصل إليها بعضُ نسائنا فلم ينفتح الباب، فعلمنا أنّ ذلك أمر من الله تعالى، وبقيت فاطمة في البيت ثلاثة أيام وأهل مكّة يتحدّثون بذلك في أفواه السكك وتتحدّث المخدّرات في خدورهنّ. قال: فلمّا كان بعد ثلاثة أيام انفتح البيت من الموضع الذي كانت دخلت فيه، فخرجت فاطمة وعلي صلوات الله عليه على يديها، وهي تقول: معاشر الناس إنّ الله (عز وجل) اختارني من خلقه وفضّلني على المختارات ممّن مضى منكنّ قبلي.

وقد اختار الله آسية بنت مزاحم فإنّها عبدت الله سراً في موضع لا يحبّ أن يُعبد الله فيه إلاّ اضطراراً، ومريم بنت عمران حيث هانت ويسرت عليها ولادة عيسى فهزّت الجذع اليابس من النخلة في فلاة من الأرض حتّى تساقط عليها رطبا جنيّاً، وإنّ الله اختارني وفضّلني عليها وعلى كلّ من مضى قبلي من نساء العالمين، لأنّي وَلدت في بيته العتيق وبقيت فيه ثلاثة أيام آكل من ثمار الجنّة وأرزاقها، فلمّا أردتُ أن أخرج وولدي على يدي هتف بي هاتف وقال: يا فاطمة سمِّيه عليّاً، فأنا العليّ الأعلى، وإنّي خلقته من قدرتي وعزّتي وجلالي، واشتققت اسمه من اسمي وأدّبتُه بأدبي، وفوّضت إليه أمري، وأوقفته على غامض علمي، ووُلد في بيتي، وهو أوّل من يؤذّن فوق بيتي، ويكسر الأصنام ويرميها على وجهها، ويعظّمني ويهلّلني، وهو الإمام بعد حبيـبي ونبيّي وخيرتي من خلقي محمد رسولي، ووصيّه، فطوبى لمن أحبّه ونصره، والويل لمن عصاه وخذله وجحد حقّه.

فلما رآه أبو طالب سرّه: قال علي صلوات الله عليه: السلام عليك يا أبه ورحمة الله وبركاته، قال: ثم دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) اهتزّ له أمير المؤمنين وضحك في وجهه وقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ...» إلى آخر الآيات، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قد أفلحوا بك، وقرأ تمام الآيات إلى قوله: «أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ» فقال رسول الله: أنت ـ والله ـ أميرهم، تميرهم من علومك فيمتارون، وأنتَ ـ والله ـ دليلهم وبك يهتدون، ثم قال (صلى الله عليه وآله) لفاطمة: إذهبي إلى عمه حمزة فبشّريه به،قالت: فإذا خرجت أنا فمن يرويه؟ قال (صلى الله عليه وآله): أنا أرويه، قالت فاطمة: أنت ترويه؟ قال: نعم، فوضع رسول الله لسانه في فيه فانفجرت منه اثنتا عشر عيناً.(5)

 

[قصيدة العمري في مدح علي (عليه السلام) ]:

يقول عبد الباقي العمري في مدح أمير المؤمنين صلوات الله عليه:

أنت العليّ الذي فوق العلا رُفعا
وأنت ذاك البطين الممتلي حكماً
وأنت يعسوب نحل المؤمنين إلى
وأنت نقطة باءٍ معْ توحّدها
وأنت عين يقينٍِ لم يزده به
لله درّ فتى الفتيان منك فتىً
لقد ترعرعت في حِجرٍ عليه لذي
ربيب طاها حبيب الله أنت ومن
رعاه مولاه من راعٍ لأمّتـه

 

ببطن مكّة وسط البيت إذ وضعا
معشارها فلك الأفلاك ما وسعا
أيّ الجهات انتحى يلقاهمُ تبعا
بها جميع الذي في الذِكر قد جُمعا
كشفُ الغطاء يقيناً أنّه انقشعا
ضرع الفواطم في مهد الهدى رضعا
حجر براهين تعظيم بها قطعا
كان المربّي له طاها فقد برعا
بهذه وأبيك الحقّ فيك رعى

قال شهاب الدين أبو الثناء السيد محمود الآلوسي المفسّر في شرح قول العمري:

أنت العليّ الذي فوق العلا رفعا ببطن مكّة وسط البيت إذ وضعا

ما لفظه: «وفي كون الأمير كرّم الله وجهه وُلد في البيت أمر مشهور في الدنيا، وذكر في كتب الفريقَين السنّة والشيعة... إلى قوله: ولم يشتهر وضع غيره كرّم الله وجهه كما اشتهر وضعه، بل لم تتّفق الكلمة عليه، وأحرى بإمام الأئمّة أن يكون وضعه فيما هو قبلة للمؤمنين، سبحان من يضع الأشياء في مواضعها وهو أحكم الحاكمين.(6)

وأيّد قوله العلامة الشريف السيد حيدر الحسيني العبدلي الآملي أنّه قال:ولد صلوات الله عليه في الكعبة بالحرم الشريف، فكان شرف مكّة وأصل بكّة، لامتيازه بولادته في ذلك المقام المنيف، فلم يسبقه أحد ولا يلحقه أحد بهذه الكرامة، ولا بلغ أحد ما بلغ من السيادة والنباهة عامّة، وهو بالأصالة صاحب الإمامة الإبراهيميّة.(7)

وبمقربة من هذا القول ما قاله العلاّمة البارع السيد محمد الهادي الموسوي في كتاب أصول العقائد: «كان مولده صلوات الله عليه في جوف الكعبة، ولم يشرّف المولى سبحانه أحداً من الأنبياء والأوصياء بهذا الشرف، فهو مخصوص به صلوات الله عليه.

وقول الوزير الإربلي في (كشف الغمّة): ولم يولد في البيت أحد سواه لا قبله ولا بعده، وهي فضيلة خصّه الله بها إجلالاً له، وإعلاء لرتبته، وإظهاراً لتكرمته.(8)

وقول الحافظ الثقة رشيد الدين محمد بن علي السروي قال: فالولد الطاهر من الطاهر وُلد في الموضع الطاهر، فأنّى توجد هذه الكرامة لغيره، فأشرف البقاع الحرم، وأشرف الحرم المسجد، وأشرف بقاع المسجد الكعبة، ولو يولد فيها مولود سواه، فالمولود فيها يكون غاية الشرف.(9)

 

[كلمة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء]:

وهناك محاضرة لسماحة الحجّة المرحوم الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (تغمّده الله برحمته) ألقاها ببغداد عاصمة العراق في مسجد براثا بمناسبة ميلاد أمير المؤمنين صلوات الله عليه قال (قدّس الله روحه):

إنّما المناسب في هذا المقام هو التعرّض لولادته صلوات الله عليه في هذه الليلة المباركة، وإنّما نتعرض لشأن واحد من شؤون ولادته صلوات الله عليه وهو ولادته في الكعبة على أشهر الروايات، ولعلّ غيرها من مدسوسات النواصب الذين يريدون أن يستروا ضوء الشمس بأكفّهم، وولادته صلوات الله عليه في الكعبة طفحت بها الكتب ونظمها الشعراء حديثاً وقديماً، وآخرهم عبد الباقي الشهير في مستهلّ قصيدة له:

أنت العلي الذي فوق العلا رفعا ببطن مكة وسط البيت إذ وضعا

وهي منقبة لم يشاركه فيها أحد في الإسلام. وقد ذكروا أنّ مريم لما جاءها المخاض بعيسى (عليه السلام) أوت إلى بيت المقدس لتضعه فيه، فنوديت: اخرُجي يا مريم فهذا بيت العبادة لا بيت الولادة، وفاطمة بنت أسد لمّا أحسّت بالطلق ـ وهي في الكعبة ـ انسدت أبوابها ولم تقدر على الخروج حتى وضعت علياً صلوات الله عليه.

ولعلّ في هذه الحادثة الظريفة أسراراً ورموزاً أجلّها وأجلاها:

إنّ الله سبحانه كأنّه يقول: أيّتها الكعبة إنّي سأطهّرك من رجس الأوثان وعبادة الأصنام والأنصاب والأزلام بهذا المولود فيك، وهكذا فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله) دخلها عالم الفتح والأصنام منضودة ومعلّقة على جدرانها، ولكلّ قبيلة من قبائل العرب صنم، فأصعد علياً صلوات الله عليه على منكبيه وصار يحطّمها ويرمي بها إلى الأرض، والنبي (صلى الله عليه وآله) يقول: جاء الحقّ وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقاً، وقد نظم الشافعي هذه الفضيلة بأبيات مشهورة تُنسب له يقول في آخرها:

وعليُّ واضع أقدامه في محلٍّ وضع الله يده(10)

فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان يحدّث عن المعراج قائلاً: إنّ الله عزّ شأنه وضع يده على كتفي حتّى وجدت بردها بين ثديي.(11)

وفي ولادته صلوات الله عليه رمز آخر لعلّه أدقّ وأعمق: وهو أنّ حقيقة التوجّه إلى الكعبة التوجّه إلى ذلك النور المتولّد فيها، ولو أنّ القصد مقصور على محض التوجّه إلى البنية وتلك الأحجار لكان أيضاً نوع من عبادة الأصنام (معاذ الله)، ولكن التناسب يقضى بأنّ البدن ـ وهو تراب ـ يتوجّه إلى الكعبة التي هي تراب، والروح ـ التي هي جوهر مجرّد ـ تتوجّه إلى النور المجرّد، وكلّ جنس لاحق بجنسه، النور للنور، والتراب للتراب، وإلى بعض هذا أشار بعض شعراء الفاطميّين إذ يقول:

بشرٌ في العين إلاّ أنّه
جلّ أن تُدركه أبصارنا
فهو في التسبيح زلفى راكع
تدرك الأفكار منه جوهراً
فهو الكعبة والوجه الـذي

 

من طريق العقل نور وهدى
وتعالى أن تراه جسدا
سمع الله به من حمدا
كاد من إجلاله أن يُعبدا
وحّد الله به من وحّدا(12)

وهذا الطراز من الشعر وإن كان فيه شيء من الغلوّ ففيه كثير من الحقيقة، وفيه لمعات من التوحيد.

نعم نتوجّه بأبداننا في صلاتنا إلى الكعبة وبأرواحنا إلى النور، إلى النور الذي أشرق وأضاء فيها، نتوجّه إليه فنجعله الوسيلة إلى الله تعالى كما قال عزّ شأنه: «اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ»،(13) نتوجّه إليه كي يوجّهنا إلى الخير والسداد، فالتوجّه منا إليه والتوجيه منه لنا».

 

[ولادة علي (عليه السلام) في الكعبة في الشعر الإسلامي]:

يقول العلاّمة الورع الشيخ حسين نجف المتوفى سنة 1252 من قصيدة علوية:

جعل الله بيته لعليٍّ
لم يُشاركه في الولادة فيه
علم اللهُ شوقها لعلي
إذ تمنّت لِقاءَه وتمنّى
ما ادّعى مُدّعٍ لذلك كلاّ
فاكتست مكّةٌ بذاك افتخاراً
بل به الأرض قد علت إذ حوته
أو ما تنظر الكواكبَ ليلاً
وإلى الحشر في الطواف عليه

 

مولداً يا لَه عُلىً لا يُضاهى
سيّدُ الرُّسْل لا ولا أنبياها
عِلمه بالذي به من هواها
فأراها حبيبه وأراها
من ترى في الورى يروم ادّعاها
وكذا المشعران بعد مناها
فغدت أرضُها مطافَ سَماها
ونهاراً تطوفُ حول حِماها
وبذاك الطواف دام بقاها(14)

* * *

للمولى محمّد مسيح المعروف (بمسيحا الشيرازي) المتوفّى سنة 1127 في قصيدة يمدح بها أمير المؤمنين.

ما كان ربّاً ولكن ليس من بشرٍ
هو الذي كان بيتُ الله مولدَه
هو الذي مِن رسول الله كان له
هو الذي صار عرش الربّ ذا شنف

وليس يشغله شأنٌ عن الشأنِ
فطهّر البيتَ من أرجاس أوثان
مقامُ هارون من موسى بن عمران
إذ صار قُرطيه إبناه الكريمان(15)

وقال صاحب الفضيلة والأدب ميرزا محمد تقي التبريزي الشهير بحجّة الإسلام، المتوفّى في سنة 1312 من لاميّة علويّة:

سِرْ حنانيك في البلاد وباحِث
فانظرن هل ترى لتيم بن مرّ
لا ومن شقّ جانب البيت حتّى
فتخلّت عن أسجحٍ هاشميّ
وسما غارب النبي فنحّى

 

عن بُطون الكرام جيلاً فجيلا
أو عديّ يا سعد فيها محلاّ
دخلت فيه أمُّه وهي حُبلى
بُوركتْ حاملاً وبوركتَ حملا
عنه أصنامهم وحسبك نُبلا

* * *

يتحدّث إلينا المجلسي ـ أعلا الله مقامه ـ في البحار عن محمد بن العبّاس مرفوعاً إلى محمد بن زياد، قال: سأل ابن مهران عبد الله بن العبّاس عن تفسير قوله تعالى: «وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ»(16) فقال ابن عباس: إنّا كنّا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأقبل علي بن أبي طالب صلوات الله عليه فلمّا رآه النبي تبسّم في وجهه وقال: مرحباً بمن خلقه الله تعالى قبل آدم (عليه السلام) بأربعين ألف عام. فقلت: يا رسول الله أكان الابن قبل الأب؟ قال (صلى الله عليه وآله): نعم، إنّ الله تعالى خلقني وخلق عليّاً قبل أن يخلق آدم بهذه المدّة، خلق نوراً فقسمه نصفَين، فخلقني من نصفه وخلق عليّاً من النصف الآخر قبل الأشياء كلّها، ثمّ خلق الأشياء فكانت مظلمة، فنورها من نوري ونور علي، ثمّ جعلنا عن يمين العرش، ثمّ خلق الملائكة، فسبّحنا وسبّحت الملائكة، وهلّلنا فهلّلت الملائكة، وكبّرنا فكبّرت الملائكة، فكان ذلك من تعليمي وتعليم علي، وكان ذلك في علم الله السابق أن لا يدخل النار محبّ لي ولعلي، ولا يدخل الجنة مُبغض لي ولعلي، ألا وإنّ الله تعالى خلق الملائكة بأيديهم أباريق اللجين مملوّة من ماء الحياة من الفردوس، فما أحد من شيعة علي إلاّ وهو طاهر الوالدين تقيّ نقيّ مؤمن بالله تعالى، فإذا أراد أبو أحدهم أن يواقع أهله جاء ملك من الملائكة الذين بأيديهم أباريق ماء الجنة فيطرح من ذلك الماء في آنيته التي يشرب منها، فيشرب من ذلك الماء فينبت الماء في قلبه كما ينبت الزرع، فهم على بيّنة من ربّهم ومن نبيّهم ومن وصيّه عليّ ومن ابنتي الزهراء ثمّ الحسن ثمّ الحسين (عليه السلام) ثمّ الأئمة من وُلد الحسين. فقلت: يا رسول الله من الأئمّة؟ قال (صلى الله عليه وآله):أحد عشر منّي، وأبوهم علي بن أبي طالب ثمّ قال (صلى الله عليه وآله): «الحمد لله الذي جعل محبّة علي والإيمان به سببين».(17)

* * *

يقول العمري في مدح أمير المؤمنين صلوات الله عليه مخمّساً لهمزيّة التميمي:

كنت في جُيُب الغيب معنىً يُصانُ
أيقلّ الأسرار منك مكان

 

حين لا أعصر ولا أحيان
ولقد كنت والسماء دخان

ما بها فرقد ولاجوزاء

بك ليل العماء ضاء بلائي
درّة كنت والجواهر لا شي

 

فاستضاء الوجود من ظلمة الغي
في دُجى بحر قدرة بين بردي

صدف فيه الوجود الضياء

نقطة أفرغت وليس وعاء
تحت باء لها العباء غطاء

 

مُلئت حكمة ولا إجلاءُ
لا الخلا يوم ذاك فيها خلاء

فيُسمّى ولا الملاء ملاء

طالما للأملاك كنتَ دليلا
يوم نادى ربّ السما جبرئيلا

 

ولناموسهم هديت سبيلا
قائلاً: من أنا فروّى قليلا

وهو لولاك فاته الاهتداء(18)

* * *

[عليٌّ (عليه السلام) معلم جبرئيل]:

وذكر المجلسي أيضاً في (البحار) أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان جالساً ذات يوم وجبرئيل بين يديه إذ دخل أمير المؤمنين صلوات الله عليه فلمّا نظر اليه جبرئيل (عليه السلام) تصاغر بين يديه، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): ما سبب ذلك؟ قال: لأنّ لعلي عليَّ حقّ التعليم، قال: كيف هو؟ قال: اعلم يا رسول الله لمّا خلقني الله تعالى سألني: من أنا ومن أنت؟ تحيّرت في الجواب، قلت: أنا أنا وأنت أنت، فأعاد القول عليّ الجليل جلّ وعلا، أيضاً لم أعلم ما أقول، فلاح شخص هذا ـ يعني أمير المؤمنين ـ فقال: قل الجواب «أنت ربّي الجليل وأنا عبدك الذليل جبرئيل»، فلمّا أجبت ربّي بهذا قرّبني، وذلك من تعليم علي صلوات الله عليه وأنا من ذلك أعظّمه، قال له النبيّ (صلى الله عليه وآله): كم مضى من عمرك؟ قال: لا أعلم، سوى أنّي أعلم في السماء السابعة تخرج نجمة في كلّ ثلاثين ألف سنة مرّة واحدة وأنا رأيتها ثلاثين ألف مرّة، قال: فقال النبي (صلى الله عليه وآله): يا علي أدنُ مني، فدنى منه فرفع عمامة أمير المؤمنين وحكّ جبهته بجبهته فلاحت نجمة منيرة بجبين أمير المؤمنين صلوات الله عليه فخرّ جبرئيل ساجداً وهو يقول: سبّوح قدّوس هي هي والله تلك النجمة».

وهذه النجمة المنيرة خمد ضوءُها وأظلم سناؤها عندما ضُرب علي على أُمّ رأسه بالسيف حتّى وصل السيف إلى موضع سجوده، فسالت دماؤه على كريمته المباركة، فسقط في محرابه وهو يقول: فُزت وربّ الكعبة.

* * *

(1) كشف الحق للعلاّمة الحلي: 109 (ط: بغداد).

(2) الكافي للكليني 1: 452، باب (مولد أمير المؤمنين (عليه السلام)/ ح3).

(3) روضة الواعظين للفتال النيسابوري: 77.

(4) روضة الواعظين للفتال النيسابوري: 100.

(5) أمالي الطوسي: 707/ ح1511.

(6) راجع الغدير للأميني، ج6، 22.

(7) الكشكول في ما جرى على آل الرسول: 189.

(8) كشف الغمة للأربلي، ج1: 8.

(9) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب، ج2: 23.

(10) شرح إحقاق الحق للمرعشي النجفي 8: 681 ( الهامش).

(11) فتح القدير للشوكاني 4: 444، المعجم الكبير للطبراني، 20: 109، ولا يخفى أن وضع الله سبحانه وتعالى يده على كتف النبيّ (صلى الله عليه وآله) من باب التجلـّيات الأسمائيّة لله (عز وجل) بطريق اللمس، لأنّ الله سبحانه ليس جسماً وليس كمثله شيء. انظر للتفصيل: شرح الأسماء الحسنى للمولى هادي السبزواري 2: 53.

(12) هذه الأبيات من شعر الأخفش في مدح الخليفة الفاطمي.

(13) المائدة: 35.

(14) الغدير للأميني 6: 29.

(15) الغدير للأميني 11: 368.

(16) الصافات: 166 و167.

(17) البحار 24: 89/ ح4.

(18) الغدير للأميني 7: 252.