من كتاب له (عليه السلام) إلى معاوية ابن أبي سفيان: [ يحذره فيه من سيئات عمله]

«وَكَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ إِذَا تَكَشَّفَتْ عَنْكَ جَلَابِيبُ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ دُنْيَا قَدْ تَبَهَّجَتْ بِزِينَتِهَا وَخَدَعَتْ بِلَذَّتِهَا دَعَتْكَ فَأَجَبْتَهَا وَقَادَتْكَ فَاتَّبَعْتَهَا وَأَمَرَتْكَ فَأَطَعْتَهَا وَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَقِفَكَ وَاقِفٌ عَلَى مَا لا يُنْجِيكَ مِنْهُ مِجَنٌّ فَاقْعَسْ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ وَخُذْ أُهْبَةَ الْحِسَابِ وَشَمِّرْ لِمَا قَدْ نَزَلَ بِكَ وَلَا تُمَكِّنِ الْغُوَاةَ مِنْ سَمْعِكَ وَإِلَّا تَفْعَلْ أُعْلِمْكَ مَا أَغْفَلْتَ مِنْ نَفْسِكَ فَإِنَّكَ مُتْرَفٌ قَدْ أَخَذَ الشَّيْطَانُ مِنْكَ مَأْخَذَهُ وَبَلَغَ فِيكَ أَمَلَهُ وَجَرَى مِنْكَ مَجْرَى الرُّوحِ وَالدَّمِ وَمَتَى كُنْتُمْ يَا مُعَاوِيَةُ سَاسَةَ الرَّعِيَّةِ وَوُلَاةَ أَمْرِ الْأُمَّةِ بِغَيْرِ قَدَمٍ سَابِقٍ وَلَا شَرَفٍ بَاسِقٍ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ لُزُومِ سَوَابِقِ الشَّقَاءِ وَأُحَذِّرُكَ أَنْ تَكُونَ مُتَمَادِياً فِي غِرَّةِ الْأُمْنِيِّةِ مُخْتَلِفَ الْعَلَانِيَةِ وَالسَّرِيرَةِ».

(شرح ابن ابي الحديد مج 3 ص409).

* * *

ضبط الألفاظ اللغوية:

(الجلابيب) جمع جلباب وهي الملحفة في الأصل، واستُعير لغيرها من الثياب. قوله: وتبهّجت بزينتها: صارت ذات بهجة أي زينة وحسن. ويقفك واقف يعني الموت. قوله: (فاقعس) عن هذا الأمر أي تأخّر. وأُهبة الحساب عُدّته، (وتأهّب) استعدّ وشمّر لما قد نزل بك، أي جدّ واجتهد وخف. (والغواة) جمع غويّ وهو الضالّ. قوله: «وإلاّ تفعل» يقول: وإن كنت لا تفعل ما قد أمرتك ووعظتك به فإنّي أعرّفك من نفسك ما أغفلتَ معرفته: إنّك مُترَف ـ والمترف الذي قد أترفته النعمة أي أطغته. قد أخذ الشيطان منك مأخذه أي تناول الشيطان منك لبّك وعقلك. قوله: وجرى منك مجرى الروح والدم، هذه كلمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) «إنّ الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم».(1)

الشرح: [علي ومعاوية]

لم تنفع عظات علي صلوات الله عليه في معاوية ولم تؤثّر فيه ولم تأخذ مفعولها من نفسه، وكيف يتّعظ من اتّخذ إلهه هواه «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ»(2) كيف يرعوي من طبع الشيطان على قلبه فأنساه ذكر الله «وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ»(3) فهو مختلف السريرة والعلانية، يُظهر الإسلام ويُبطن الكفر.

ذكر ابن أبي الحديد المعتزلي عن عمرو بن هند، عن أبيه، أنّ علياً صلوات الله عليه لمّا نظر إلى أصحاب معاوية وأهل الشام قال: والذي فلق الحبّة وبرء النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا وأسرّوا الكفر، فلمّا وجدوا عليه أعواناً رجعوا إلى عداوتهم لنا، إلاّ أنّهم لم يتركوا الصلاة.(4)

وعن حبيب بن ثابت قال: لمّا كان قتال صفّين قال رجل لعمّار بن ياسر: يا أبا اليقظان ألم يقل رسول الله (صلى الله عليه وآله): قاتلوا الناس حتّى يُسلموا، فإذا أسلموا عصموا دماءهم وأموالهم؟ قال: بلى ولكن ـ والله ـ ما أسلموا ولكن استسلموا وأسرّوا الكفر حتّى وجدوا عليه أعواناً.(5)

قال ابن أبي الحديد في ج2، 97 من شرح النهج عن الحكم بن عمير الثمالي ـ كانت أمّه بنت أبي سفيان ـ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمعاوية: كيف بك إذا وليت؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال رسول الله: أنت الحطم ومفتاح الظلم حصباً وحقباً، تتّخذ الحسن قبيحاً، والسيئة حسنة، يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير، أجلك يسير وأمرك عظيم. فكان كما قال (صلى الله عليه وآله) فهو مفتاح الظلم ورأس الجور.

ولمّا رجع أمير المؤمنين صلوات الله عليه من حرب البصرة ودخل الكوفة وكان معه أشراف الناس وذلك لاثنتي عشر ليلة خلت من رجب، فاستقبله أهل الكوفة وفيهم قرّآئهم وأشرافهم، فدعوا له بالبركة وقالوا: يا أمير المؤمنين أتنـزل القصر؟ قال: لا ولكنّي أنزل الرحبة، فنـزلها حتّى دخل المسجد الأعظم فصلّى فيه ركعتين ثمّ صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على رسوله، ثم قال: «أمّا بعد يا أهل الكوفة، فإنّ لكم في الإسلام فضلاً ما لم تبدّلوا وتغيّروا، ألا إن أخوف ما أخاف عليكم اتّباع الهوى وطول الأمل، أمّا اتّباع الهوى فيصدّ عن الحقّ، وأمّا طول الأمل فيُنسي الآخرة، اليوم عملٌ ولا حساب، وغداً حساب، ولا عمل، الحمد لله الذي نصر وليّه، وخذل عدّوه، وأعزّ الصادق المحقّ، وأذلّ الناكث المُبطل» فقام جماعة ممّن تخلّف عن وقعة الجمل منهم سليمان بن صرد الخزاعي واعتذروا عند أمير المؤمنين صلوات الله عليه فقبل عذرهم، ونزل بالكوفة على جعدة بن هبيرة المخزومي ـ وجعدة ابن أخت أم هاني بنت أبي طالب كانت تحت هبيرة بن أبي وهب المخزومي فأولدها جعدة وكان شريفاً ـ وبعد أن نزل صلوات الله عليه على باب المسجد فدخل وصلّى وتحوّل فجلس إليه الناس، ولمّا لحقه ثقله قالوا له: انزل القصر، قال: قصر الخبال لا تنـزلوا فيه، واتّخذ الكوفة دار خلافته.

قال الشني في ذلك:

قل لهذا الإمام: قد خبت الحرب
وفرغنا مِن حرب مَن نقض العهدَ
تنفث السم ما لمن نهشته
إنّه والذي يحجّ له الناس
لضعيف النخاع إن رُمي اليوم
إن تذره فما معاوية الدهر
ولنيل السماء أقرب من ذاك
فاغدُ بالجدّ والحديد إليهم

 

وتمّت بذلك النعماءُ
وبالشام حيّة رقطاء
فارمِها قبل أن تعضّ شفاء
ومن دون بيته البيداء
بخيلٍ كأنّها أشلاء
بمُعطيك ما أراك تشاء
ونجم العيّوق والعوّاء
ليس والله غير ذاك دواء(6)

* * *

[الوفود على معاوية]:

ووفد على معاوية ممّن خالف أمير المؤمنين صلوات الله عليه جماعة كمروان بن الحكم والوليد بن عقبة وعبيد الله بن عمر، أمّا الوليد فلحق بالمدينة وجعل يكاتب معاوية يستبطئه في الطلب بدم عثمان ويحرّضه وينهاه عن قطع الوقت بالمكاتبة، ويرسل إليه بقوله:

ألا أبلغ معاوية بن حرب
قطعت الدهر كالسَدَم المُعنّى
فإنّك والكتاب إلى علي
لك الويلات أقحِمها عليهم

 

فإنّك من أخي ثقة مُليمُ
تهدّر في دمشق ولاَ تريم
كدابغة وقد حلم الأديم
فخير الطالب الترة الغشوم

فكتب معاوية إليه الجواب بيتاً من شعر أوس بن حجر:

ومستعجب ممّا يرى من أناتنا ولو زيّنته الحرب لم يترمرم(7)

وقدم بعد ذلك على معاوية وشهد معه صفّين.

 

[عبيد الله بن عمر]:

وأمّا عبيد الله عمر لمّا ألزمه أمير المؤمنين صلوات الله عليه قتل الهرمزان وعرف أنّه يُقيده به توجّه إلى معاوية، فقال معاوية لعمرو بن العاص: إنّ الناس قد أحيا لك عمر بن الخطاب بالشام بقدوم عبيد الله بن عمر، فقد رأيت أن أُقيمه خطيباً يشهد على عليٍ بقتل عثمان وينال منه.

فقال: الرأي ما رأيت، فبعث إليه فأتاه، فقال له: يا بن أخي إنّ لك اسم أبيك، فانظر بملء عينيك وانطق بملء فيك فأنت المأمون المصدق، فاصعد المنبر واشتم علياً واشهد عليه أنّه قتل عثمان. فقال: أيّها الأمير أمّا شتمه فإنّ أباه أبو طالب وأمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم، فما عسى أن أقول في حسبه، وأمّا بأسه فهو الشجاع المطرق وقد عرفت أيّامه، ولكنّي مُلزمه دم عثمان، فقال عمر بن العاص: قد ـ وأبيك ـ إذن نكأتَ القُرحة، فلمّا خرج عبيد الله قال معاوية: أما والله لولا قتله الهرمزان ومخافته عليّاً على نفسه ما أتانا أبداً، ألا ترى تقريظه علياً، فقال عمرو: يا معاوية لم تغلب فاخلب، قال: فخرج حديثهما إلى عبيد الله فقام خطيباً وتكلّم بحاجته فلمّا انتهى إلى علي صلوات الله عليه أمسك ولم يقل شيئاً، فلمّا نزل بعث إليه معاوية يقول: يا بن أخي إنّك بين عيّ وخيانة. فبعث إليه: إنّي كرهت أن أقطع الشهادة على رجل لم يقتل عثمان، وعرفتُ أنّ الناس محتملوها عنّي فتركتُها، فهجره معاوية واستخفّ به وفسّقه، فقال عبيد الله:

معاوي لم أحرص بخطبة خاطبٍ
ولكنّني زاولت نفساً أبيّة
وقذفي علياً بابن عفّان جهرة
ولكنّه قد حزّب القوم جهله
فما قال أحسنتم ولا قد أسأتمُ
فأمّا ابن عفّان فأشهد أنّه
وقد كان فيها للزبير عجاجة
وقد أظهرا من بعد ذلك توبـة

    

ولم أكُ عياً في لؤيّ بن غالب
على قذف شيخ بالعراقين غائب
كِذاب وما طبعي سجايا المكاذب
ودبّوا حواليه دبيب العقارب
وأطرق إطراق الشجاع المواثب
أصُيب بريئاً لابساً ثوب تائب
وطلحة فيها جاهد غير لاعب
فيا ليت شعري ما هما في العواقب

فلما بلغ معاوية شعره بعث إليه فأرضاه(8).

وأرسل أمير المؤمنين صلوات الله عليه جرير بن عبد الله إلى معاوية يدعوه إلى البيعة وإلاّ ينازله الحرب، فأبى معاوية أن يبايع وعزم على الحرب.

ولمّا عزم أمير المؤمنين صلوات الله عليه على المسير إلى الشام دعا رجلاً فأمره أن يتجهّز ويسير إلى دمشق، فإذا دخلها أناخ راحلته بباب المسجد وأن لا يلقي من ثياب سفره شيئاً، فإنّ الناس إذا رأوه وعليه آثار الغبرة يسألونه، فإذا سألوه فليقل لهم: تركتُ علياً قد نهد إليكم بأهل العراق، فانظر ما يكون من أمرهم، ففعل الرجل ذلك فاجتمع الناس عليه وسألوه فقال لهم ذلك، فكثروا عليه يسألونه، فأرسل إليه معاوية أبا الأعور السلمي يسأله عن ذلك، فأخبره بأنّ علياً قد نهد إليهم بأهل العراق، فأتى معاوية فأخبره بمقالته، وأنّ عليّاً قد نهد إليهم بأهل العراق، فنادى معاوية الصلاة جامعة ثمّ قام فخطب الناس وقال لهم: إنّ علياً قد نهد إليكم في أهل العراق فماذا ترون؟ فضرب الناس بأذقانهم على صدورهم لا يتكلّمون، فقام ذو الكلاع الحميريّ فقال: عليك أمّ رأي وعلينا أمّ فعال ـ وهي لغة حمير ـ فنـزل ونادى في الناس بالخروج إلى معسكرهم. وعاد الرجل إلى علي صلوات الله عليه فأخبره بما رآه فنادى صلوات الله عليه الصلاة جامعة، ثمّ قام فخطب الناس فأخبرهم أنّه قدم عليه رسول كان قد بعثه إلى الشام وأخبره أنّ معاوية قد نهد إلى العراق في أهل الشام فما الرأي؟ فاضطرب أهل المسجد، هذا يقول: الرأي كذا وهذا يقول الرأي كذا وكثر اللغط واللجب، فلم يفهم أمير المؤمنين من كلامهم شيئاً ولم يدر المصيب من المخطئ، فنـزل عن المنبر وهو يقول: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ذهب بها ابنُ آكلة الاكباد يعني معاوية.(9)

* * *

[في إرسال صعصة بن صوحان إلى معاوية]:

قال المسعودي في تاريخه (مروج الذهب): ذهب إلى داره وقال لآذنه: مَن في الباب من وجوه العرب؟ فذكر له جماعة منهم صعصعة بن صوحان العبدي (رضي الله عنه) فقال صلوات الله عليه: فأذن لهم، فدخلوا وسلّموا عليه بالخلافة، فقال لهم: أنتم وجوه أصحابي عندي ورؤساء القبائل، فأشيروا عليَّ في أمر هذا الغلام المترف ـ يعني معاوية ـ فافتت بهم المشورة، فقال صعصعة: إنّ معاوية أترفه الهوى وحبّبت إليه الدنيا فهانت عليه مصارع الرجال وابتاع آخرتهم بدُنياه، فإن تعمل فيه برأي ترشد وتصب وبالله التوفيق ورسوله وبك يا أمير المؤمنين، الرأي أن تُرسل إليه عيناً من عيونك وثقة من ثقاتك بكتاب تدعوه إلى بيعتك، فإن أجاب وأناب كان له مالك وعليه ما عليك، وإلاّ جاهدتَه وصبرت لقضاء الله تعالى حتّى يأتيك اليقين.

قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: عزمتُ عليك يا صعصعة إلاّ كتبتَ الكتاب بيدك ورحلت إليه بنفسك، واجعل صدر الكتاب تخويفاً وتحذيراً وعجزه استتابة، وليكن فاتحة الكتاب «بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله وابن عبدَيه أمير المؤمنين علي إلى معاوية بن أبي سفيان، سلام عليك أمّا بعد» واكتُب ما أشرتَ به عليَّ، واجعل عنوان الكتاب «ألا إلى الله تصير الأمور».

قال: فخرج بالكتاب وتجهّز وسار حتّى ورد دمشق الشام فأتى باب معاوية، فقال لآذنه: استأذن لرسول أمير المؤمنين عليَّ، وبالباب أردفة (أي جماعة) من بني أمية، فأخذته الأيدي من كلّ جانب ومكان وهو يقول: سُبحان الله أتقتلون رجلاً يقول ربّي الله، وكثرت الجلبة واللغط، فاتّصل ذلك بمعاوية، فوجّه بمن يكشف الناس عنه فكشفوا عنه، فأذن لهم بالدخول فدخلوا عليه، فقال: من هذا الرجل؟ قالوا: رجلٌ من العرب يقال له صعصعة بن صوحان معه كتاب من علي بن أبي طالب، فقال: والله لقد بلغني أمره، هذا أحد سهام علي وخطباء العرب، ولقد كنت إلى لقائه شيّقاً، يا غلام ائذن له بالدخول، فأذن له بالدخول فدخل عليه وقال: السلام عليك يا بن أبي سفيان، هذا كتاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه.

فقال معاوية: أما إنّه لو كانت الرسل تُقتل في جاهليّة أو في إسلام لقتلتك، ثمّ اعترضه معاوية بالكلام وأراد أن يستخرجه لينظر قريحته أطبعاً أم تكلّفاً، قال: من الرجل؟ قال: من نزار. قال: وما كان نزار؟ قال: كان إذا غزى نكّس، وإذا ألقى افترس، وإذا انصرف احترس، قال: فمن أيّ أولاده أنت؟ قال: من جديلة، قال: وما كان جديلة؟ قال: كان في الحرب سيفاً قاطعاً، وفي المكرمات غيثاً نافعاً وفي اللقاء لبّاً ساطعاً، قال: فمن أيّ أولاده أنت؟ قال: من عبد القيس. قال: وما كان عبد القيس؟ قال: كان أبيضاً حسيباً وهّاباً لضيفه ما يجد، ولا يسائل عمّا فقد، كثير الموق طيب العرق، يقوم لضيفه مقام الغيث من السماء.

قال: ويحك يا بن صوحان فما تركت لهذا الحيّ من قريش مجداً ولا مكرمة. قال: بلى والله يا بن أبي سفيان، تركت لهم ما لا يصلح إلاّ لهم، تركت لهم الأبيض والأحمر والأصفر والأشقر والسرير والمنبر والملك إلى المحشر، وأنّى لا يكون كذلك وهم منار الله تعالى في الأرض ونجومه في السماء. ففرح معاويّة وظنّ أنّ كلامه يشتمل على قريش كلّها، فقال: صدقت يابن صوحان، إنّ ذلك لكذلك. فعرف صعصعة (رضي الله عنه) ما أراد، فقال: ليس لك ولا لقومك فيه إصدار ولا إيراد، بعدتم عن أنفس المرعى، وعلوتم عن عذب الماء. قال: فلمن ذلك ويلك يا بن صوحان؟ قال: الويل لأهل النار، ذلك لبني هاشم دونك. فالتفت معاوية إلى أصحابه وقال: أخرجوه، فقال صعصعة: الصدق يُنبيء عنك لا الوعيد، من أراد المشاجرة قبل المحاورة. فقال معاوية: وددتُ أنّي من صلبه، ثم التفت إلى بني أميّة وقال: هكذا فلتكن الرجال. ثم قال: يا بن صوحان إنّك ذو معرفة بالعرب وبحالها، أخبرني عن أهل البصرة وإيّاك والتحامل على قوم لقوم. قال صعصعة: البصرة واسطة العرب، ومنتهى الشرف والسؤدد، وهم أهل الخطط في أوّل الدهر وآخره، وقد دارت بهم سروات العرب دوران الرحى على القطب. قال: فأخبرني عن أهل الكوفة. قال: الكوفة قبّة الإسلام وذروة الكلام ومصان ذوي الأعلام، إلاّ أنّ بها أجلافاً تمنع ذوي الأمر بالطاعة وتخرجهم عن الجماعة، وتلك أخلاق ذوي الهيئة والقناعة. قال معاوية: فأخبرني عن أهل الحجاز. قال: أسرع الناس إلى فتنة وأضعفهم عنها وأقلّهم عناءً فيها، غير أنّ لهم ثباتاً في الدين وتمسّكاً بعروة اليقين، يتبعون الأئمّة الأبرار، ويخلعون الفسقة الفجّار.

فقال معاوية: مَن البررة ومن الفجرة؟ فقال صعصعة: تَرَك الخداعَ مَن كَشَف القناع: عليّ وأصحابه من البررة، وأنت وأصحابك من الفجرة. فبان الغضب في وجه معاوية، إلاّ أنّه أحب أن يمضي صعصعة بكلامه، قال: أخبرني عن القبّة الحمراء في ديار مضر، قال: أسد مضر بسلاء بني غيلين، إذا أرسلتها افترست، وإذا تركتها احترست. فقال معاوية: هنالك يا بن صوحان العز الراسي، فهل في قومك مثل هذا؟ فقال صعصعة (رضي الله عنه): إنّ هذا لأهله دونك، ومن أحبّ عمل قومٍ حُشر معهم. قال: فأخبرني عن ديار ربيعة، ولا يستخفّنّك الجهل وسابقة الحميّة بالتعصّب لقومك. فقال: والله ما أنا منهم براضٍ ولكنّني أقول فيهم وعليهم، هم والله أعلام الليل وأذناب في الدين، والميل لمن تغلّب، رأيتها إذا رشّحت خوارج الدين برازخ اليقين، من نصروه فلج، ومن خذلوه زلج. ثم أمسك معاوية، فقال له صعصعة: سَل وإلاّ أخبرتك بما عنه تحيد، قال: وما ذاك؟ قال: أهل الشام، قال: أخبرني عنهم، قال: هم أعصى الناس للخالق، وأطوعهم للمخلوق، عصاة الجباّر وخلفة الأشرار، فعليهم الدمار، ولهم سوء الدار».(10)

أجل كانوا مصداقاً لقول صعصعة يوم دخول سبايا آل رسول الله إلى الشام، فإنّهم عصوا الخالق وأطاعوا المخلوق، فخرجوا وبأيديهم الطبول والدفوف فرحين مستبشرين بقتل الحسين (عليه السلام).

يقول سهل الساعدي: خرجت من شهر زورا أريد بيت المقدس فصادف خروجي أيّام قتل الحسين (عليه السلام)، فدخلت الشام فرأيت الدكاكين مغلقة والأعلام منشورة والرايات مشهورة والناس أفواج قد امتلأت بهم السكك والأسواق، وهم في أحسن زينة فرحين مستبشرين، فقلت لبعضهم: ألأهل الشام عيد لا نعرفه؟(11)

* * *

وفي كتاب له (عليه السلام) إلى عثمان بن حنيف الأنصاري: [ وفيه يعنِّفه على قبوله دعوة وليمة ويذكر فيه زهده (عليه السلام)]

وكان عامله على البصرة وقد بلغه أنه دُعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها: «أَمَّا بَعْدُ يَا ابْنَ حُنَيْفٍ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إِلَى مَأْدُبَةٍ فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا تُسْتَطَابُ لَكَ الْأَلْوَانُ وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلَى طَعَامِ قَوْمٍ عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ فَانْظُرْ إِلَى مَا تَقْضَمُهُ مِنْ هَذَا الْمَقْضَمِ فَمَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ وَمَا أَيْقَنْتَ بِطِيبِ وُجُوهِهِ فَنَلْ مِنْهُ.

أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ وَيَسْتَضِي‏ءُ بِنُورِ عِلْمِهِ أَلَا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ أَلَا وَإِنَّكُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ فَوَاللَّهِ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً وَلَا ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً وَلَا أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً وَلَا حُزْتُ مِنْ أَرْضِهَا شِبْراً وَلَا أَخَذْتُ مِنْهُ إِلَّا كَقُوتِ أَتَانٍ دَبِرَةٍ وَلَهِيَ فِي عَيْنِي أَوْهَى وَأَوْهَنُ مِنْ عَفْصَةٍ مَقِرَةٍ».

(شرح ابن أبي الحديد مج 4 ط 1 ص 76).

* * *

ضبط الألفاظ الغريبة:

(المأدبة) بضّم الدال: الطعام يُدعى إليه القوم. وفتية أهل البصرة، جمع فتى أي من شبابها أومن أسخيائها. (والعائل) الفقير. (والجفان) قصاع كبار. (والقضم) الأكل بأدنى الفم. (والطمر) الثوب البالي الخَلِق. الطُعم ـ بالضمّ ـ الطعام، والوَفر المال الكثير، والتِبر الذهب.

الشرح:

عثمان بن حُنيف ـ بضّم الحاء ـ ابن واهب بن الحكم بن ثعلبة بن الحارث الأنصاري الأوسي أحد الأمجاد من الأنصار، أخذ من النبي (صلى الله عليه وآله) العلم والتربية وبلغ الدرجة العالية فنال مناصب كبرى.

قال ابن أبي الحديد المعتزلي: عمل لعمر ثم لعلي صلوات الله عليه وولاّه عمر مساحة الأرض وجبايتها بالعراق، وضرب الخراج والجزية على أهلها، وولاّه علي صلوات الله عليه على البصرة، فأخرجه طلحة والزبير منها حين قدماها.(12)

ويظهر من ذلك أنّه كان رجلاً بارعاً في علم الاقتصاد والسياسة معاًَ فاستفاد منه عمر من الناحية الاقتصادية، وفوّض إليه أمر الخراج والجزية، وهو من أهمّ الأمور في هذا العصر، وخصوصاً في أرض العراق العامرة.

وكان من خواص علي صلوات الله عليه ومن السابقين الذين رجعوا إليه وأخلصوا له، قال في الرجال الكبير بعد ترجمته: هو من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه وكلمة السابقين في وصفه مأخوذ من قوله تعالى في سورة البرائة آية 100 ـ «وَالسَّابِقُونَ الأَْوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالأَْنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَْنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» وكفى له بذلك مدحاً وإخلاصاً له صلوات الله عليه فإنّ الآية تخصص السابقين الأوّلين من الأنصار والمهاجرين بهذه الفضيلة التي لا فضيلة فوقها، والسبق والتقدّم إنّما هو بقبول ولاية أمير المؤمنين، فإنّها ميزان الإيمان والاخلاص لله ورسوله، ودليل البرائة من النفاق والمطامع الدنيويّة.

ومؤاخذته صلوات الله عليه بمجرّد إجابة دعوة من بعض فتيان البصرة، وتشديده في توبيخه بهذه الجمل البالغة في الطعن والمذمّة دليل آخر على علوّ رتبته وسمّو درجة إيمانه، وأنّه لا ينبغي من مثله إجابة مثل تلك الدعوة والاشتراك في حفلة ضيافة تُعقد لكسب الشهرة أو جلب المنفعة أو الانهماك في اللذّة والغفلة أو الاستمتاع بالأغذية اللذيذة، فظاهر الكتاب الموجّه إلى عثمان بن حنيف بالعتاب توبيخ عنيف على ارتكابه خلافاً عظيماً يستحقّ به هذا التوبيخ الشديد الذي هو آلم من الضرب بالسوط أو الحبس إلى حين الموت، فلا بدّ من التدبّر في أمور:

 

[محطات للتأمل]:

الأوّل: ما هو جوهر هذا الخلاف الذي ارتكبه هذا الوالي الذي فوّض إليه إدارة أمور ثغرٍ هامّ من الثغور الإسلاميّة في هذا الزمان، فالبصرة أحد الثغور الهامّة الإسلامية في تينك العصور تضاهي مركزيّة الكوفة ومصر والشام، وقد انتخبه صلوات الله عليه والياً له، وفوّض إليه إدارة شؤونه وسياسة نظامه في هذا الموقف الرهيب، فكيف يوبّخه ويؤنّبه بهذه الجمل القاسية التي ملؤها الوهن والاستضعاف، فهذا الخلاف يحتمل وجوهاً:

1 ـ أنّه مجرّد إجابة دعوة الاشتراك في وليمة لذيذة هُيّئت للتفريج والأُنس مع الأحباب والأقران.

2 ـ أعدّت هذه الوليمة على حسب استمالة الوالي والنفوذ فيه للاستفادة منه في شتّى المقاصد المرجوعة إليه، وللاعتماد عليه في تنفيذ الحوائج، كما هو عادة ذوي النفوذ والجاه في كلّ بلد، فإنّ شأنهم تسخير عمّال الدولة بالتطميع والاحسان للاستمداد منهم في مقاصدهم.

3 ـ أنّ هذه الوليمة أُعدّت من عصابة مخالفة لعلي صلوات الله عليه وموالية لمعاوية وأعوانه، فهي حفلة مؤامرة ضدّ علي صلوات الله عليه والهدف منها جلب الوالي إلى الموافقة مع مقاصد سياسيّة هامّة، وصرف عثمان بن حنيف عن موالاته صلوات الله عليه إلى معاوية، كما فعل معاوية مع زياد بن أبيه بعد ذلك، فإنّه أحد أعوان علي وأحد ولاته المسيسين وله يد في تقوية حكومته، فاستجلبه معاوية بالمكايد والمواعيد، وأثبته أخاً له لجلبه من موالاة علي صلوات الله عليه إلى معاوية، واستفاد منه أكثر استفادة في حكومته.

وما ذكره صلوات الله عليه في كتابه هذا يناسب الوجه الثالث، فإنّه موقف خطر يحتاج إلى الحذر منه أشدّ الحذر، فشرع صلوات الله عليه يوبّخ عثمان في قبول هذه الدعوة والإسراع إليها وتقبّل ما أعدّوه له من البذل من إعداد الأطعمة الطيّبة المختلفة الألوان وتقديم الأقداح الكبيرة في الخوآن.

وأشار صلوات الله عليه إلى أنّ هذه الوليمة ممّا لم يقصد بها رضا الله وإكرام والي وليّ الله، وإلاّ فيشترك فيها ذوو الحاجة والفقراء من الجيران وسائر المسلمين، ولم يخصّصوا الدعوة بالأغنياء وذوي النفوذ والثروة.

ثمّ أشار صلوات الله عليه إلى أنّ الحاضرين حول هذا الخوان من الغافلين المنهمكين في اللذّات الماديّة، فعبّر عن الخوان بالمقضم، وهو ما يُعدّ فيه علف الدابّة من التبن والشعير، وتعبيره يعمّ كلّ خوان ومطعم مهّيأ لأمثال هؤلاء المفتونين بأمر الدنيا.

وقوله صلوات الله عليه: «فما اشتبه عليك عِلمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجههٍ فنل منه» يستفاد منه أنه قرّر على عمّاله احتياطاً في الدين فوق حدّ العدالة التي كانت شرطاً في التصدّي لهذه المناصب الجليلة.

ثم أنّه صلوات الله عليه توجّه إلى بيان أمر لعمّاله أو مطلق شيعته، ولخّصه في كلمتين:

1 ـ الاقتداء بالامام في العمل والسيرة.

2 ـ الاستضاءة من نور علمه والأخذ بدستوره في كلّ الأمور، والاقتداء بالإمام عملاً وأخذ دستور العمل منه كلاهما سلوك طريق النجاة، ولكنّ الثاني أعمّ، فإنّه يشمل الغائب عن محضر الإمام، ويشمل التكاليف الخاصّة بالمأموم دون الإمام وهي كثيرة جدّاً.

ثم لخّص صلوات الله عليه سيرته في كلمتين لتكون مدار العمل لعمّاله وللاقتداء به صلوات الله عليه.

1 ـ الاكتفاء من رياش الدنيا ولباسها وزينتها بطمرين أي ثوبين باليين: أزار ورداء من غير صوف يلبسه أحوج الناس.

2 ـ الاكتفاء من طعامها وغذائها ولذائذها بقرصين من خبز الشعير اليابس الفارغ عن الأدام.

وقد مثّل صلوات الله عليه في هذه الكلمتين الزهد بأدقّ ممّا فيه وأشّق ما فيه، بحيث جعله من كراماته وأنّه ممّا لا يقدر على العمل به غيره، فقال: ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك.

 

[البرنامج التربوي]:

ثم نظّم برنامجاً تربوياً لعمّاله ومن يتصدّى لإدارة أمور حكومته في أربع مواد:

1 ـ الورع: وهو تحصين النفس عن الرذائل والاجتناب عن المحارم والمحرمّات، لأنّ الورع عن المحارم أعظم المنجيات وعمدة ما يُنال به إلى السعادات ورفع الدرجات، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «خير دينكم الورع»،(13) وقال (صلى الله عليه وآله): «مَن لقي الله سبحانه ورعاً أعطاه الله ثواب الإسلام كلّه»، وفي بعض الكتب السماوية: وأمّا الورعون فإنّي أستحي أن أحاسبهم، وقال الإمام الباقر(عليه السلام): إنّ أشدّ العبادة الورع،(14) وقال الإمام الصادق(عليه السلام): أوصيك بتقوى الله والورع والاجتهاد، واعلم أنّه لا ينفع اجتهاد لا ورع فيه.(15) وقال: اتّقوا الله أصحابي من اشتدّ ورعه وعمل لخالقه ورجا ثوابه، هؤلاء أصحابي.(16) وقال: ألا وإنّ من اتّباع أمرنا وإرادته الورع، فتزيّنوا به يرحمكم الله، وكيدوا أعداءنا به ينعشكم الله.(17)

وقال الإمام الباقر(عليه السلام): أعينونا بالورع، فإنّ من لقي الله تعالى منكم بالورع كان له عند الله فرجاً، إن الله (عز وجل) يقول: «وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً» فمنّا النّبيّ ومنّا الصدّيق والشهداء والصالحين.(18)

وقال(عليه السلام): قال الله (عز وجل): يا ابن آدم اجتنب ما حُرّم عليك تكن من أورع الناس.(19)

وسئل الإمام الصادق(عليه السلام) عن الورع من الناس فقال: الذي يتوّرع عن محارم الله (عز وجل).(20)

2 ـ الاجتهاد في تحرّي الحقيقة، والعمل على مقتضى الوظيفة، وتحمّل الكدّ والأذى في سبيل الحقّ.

3 ـ العفّة: وهي ضبط النفس عمّا لا يحلّ ولا ينبغي من المشتهيات وما فيه الرغبات.

والأخبار في مدح العفّة وفضيلتها كثيرة، قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: أفضل العبادة العفاف.(21) وقال الإمام الباقر(عليه السلام): ما من عبادة أفضل من عفّة بطن وفرج.(22) وقال: ما عُبد الله بشئ أفضل من عفّة بطن وفرج.(23) وقال: أيّ الاجتهاد أفضل من عفّة بطن وفرج؟(24)

4 ـ السداد: وهو تحكيم المعرفة بالأمور، والأخذ باليقين، وتحكيم العمل والدقّة في تقرير شرائطه وكيفيّاته وعدم التسامح فيه.

وقد بقيٍ في المقام نكتة، وهي أنّه ربّما يزهد بعض الناس في معاشهم حبّاً لجمع المال وادخاره، فيعيشون عيش الفقراء ويكنـزون الذهب والفضّة ويقتنون العقار والدار، فقال صلوات الله عليه:

 

[زهد علي والأنبياء (عليهم السلام) ]:

«فوالله ما كنـزتُ من دُنياكم تِبراً، ولا ادّخرت من غنائمها وفراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طِمراً» وهذا أقصى حدّ في الزهد وغاية ما يتصوّر من الاعراض عن الدنيا.

وكفى للزهد فضيلة ومدحاً أنّه أعرف صفات الأنبياء والأولياء، ولم يبعث نبيّ إلاّ به، ولو لم يتوقّف التقرّب إلى الله والنجاة في دار الآخرة عليه لما ضيّق عظماء نوع الإنسان وأعرف الناس بحقيقة الحال على أنفسهم في فطامها عن شهوات الدنيا ولذّاتها.

فانظر إلى كليم الله موسى(عليه السلام) كيف كان غالب قوته نبت الأرض وأوراق الأشجار، وكان ضعف بدنه من كثرة رياضته، بحيث تُرى الخُضرة من صفاق بطنه كما أخبر به أمير المؤمنين صلوات الله عليه في نهج البلاغة.(25)

ثمّ انظر إلى روح الله عيسى(عليه السلام) كيف يلبس الشَّعر ويأكل الشجر، ولم يكن له ولد يموت ولا بيت يخرب، ولا يدّخر لغدٍ، أينما يُدركه المساء نام.(26) وقال له الحواريّون يوماً: يا نبيّ الله لو أمرتنا أن نبني بيتاً تعبد الله فيه، قال: اذهبوا فابنوا بيتاً على الماء، فقالوا: كيف يستقيم بنيان على الماء؟ قال: كيف تستقيم عبادة على حبّ الدنيا؟(27)

وروي أنّه اشتدّ به يوماً المطر والرعد والبرق فجعل يطلب بيتاً يلجأ إليه، فرفعت إليه خيمة من بعيد، فأتاها فإذا فيها إمرأة فحاد عنها، فإذا هو بكهف في جبل فأتاه فإذا فيه أسد فوضع يده عليه وقال: إلهي جعلت لكلّ شيء مأوى ولم تجعل لي مأوى، فأوحى الله إليه: مأواك في مستقر من رحمتي، لأزوّجنك يوم القيامة ألف حوراء خلقتُها بيدي، ولأطعمنّك في عرسك أربعة آلاف عام، يوم منها كعمر الدنيا، ولآمرنّ منادياً ينادي: أين الزهّاد في الدنيا؟ زوروا عرس الزاهد عيسى ابن مريم.(28)

ثمّ انظر إلى يحيى بن زكريا حيث يلبس المسوح حتّى ثقب جلده تركاً للتنعّم بلين اللباس واستراحة حسّ اللمس، فسألته أمّه أن يلبس مكانها جبّة من صوف ففعل، فأوحى الله إليه: يا يحيى آثرت عليَّ الدنيا، فبكى ونزع الصوف وعاد إلى ما كان عليه.(29)

ثمّ افتح بصيرتك وتأمّل في سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وزهده في الدنيا، فإنّه لبث في النبوّة ما لبث ولم يشبع هو وأهل بيته غدوة إلاّ جاعوا عشيّة، ولم يشبعوا عشيّة إلاّ جاعوا غدوة، ولم يشبع من التمر هو وأهل بيته حتّى فتح الله عليهم خيبر، وقُرّب إليه يوماّ طعاماً على مائدة فيها ارتفاع فشقّ ذلك عليه حتّى تغيّر لونه، فأمر بالمائدة فرُفعت ووضع الطعام على الأرض، وكان ينام على عباءة مثنيّة فثنوها له ليلة بأربع طاقات فنام عليها فلمّا استيقظ قال: منعتموني قيام الليلة هذه بهذه العباءة، اثنوها باثنتين كما كنتم تثنونها، وكان يضع ثيابه لتُغسل فيأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة فما يجد ثوباً يخرج به إلى الصلاة حتّى تجفّ ثيابه فيخرج بها إلى الصلاة. وروي أنّ امرأة من بني ظفر صنعت له (صلى الله عليه وآله) كساءين أزاراً ورداءً وبعثت إليه بأحدهما قبل أن يبلغ الآخر، فخرج إلى الصلاة وهو مشتمل به ليس عليه غيره، قد عقد طرفيه إلى عنقه فصلّى كذلك.

وشدّة زهد علي صلوات الله عليه وتركه الدنيا أشهر من أن يحتاج إلى بيان، وكذا من بعده من الأئمّة الراشدين والأصحاب والتابعين وغيرهم من أكابر الدين والسلف الصالح، فليعتبر الإنسان وليقتد بهداهم «أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ»(30) «ولا تغترّ بالدنيا فإنّها غرّارة مكّارة سحّارة، تُضحك الإنسان قليلاً وتُبكيه طويلاً» كما وصفها أمير المؤمنين(عليه السلام).(31)

 

[قصة عيسى (عليه السلام) وصاحب الرغيف الثالث]:

ومن النكت والأمثلة الظريفة ما ذكره صاحب المستظرف في باب الزهد:

روي أنّ عيسى (عليه السلام) كان معه صاحب في بعض سياحاته فأصابهما الجوع وقد انتهيا إلى قرية، فقال عيسى(عليه السلام) لصاحبه: انطلق فاطلب لنا طعاماً من هذه القرية، وأعطاه ما يشتري به، فذهب الرجل وقام عيسى يصلّي، فجاء الرجل بثلاثة أرغفة، فقعد ينتظر انصراف عيسى من الصلاة، فأبطأ عليه فأكل رغيفاً وكان عيسى(عليه السلام) رآه حين جاء ورأى الأرغفة ثلاثة، فلمّا انصرف من صلاته لم يجد إلاّ رغيفين فقال له: أين الرغيف الثالث؟ فقال الرجل: ما كانا إلاّ رغيفين فأكلاهما، ثمّ مرّا على وجوههما حتّى أتيا على ضباء ترعى فدعا عيسى واحداً منهما فجاءه فذكّاه وأكلا منه، فقال له عيسى(عليه السلام): بالذي أراك هذه الآية، مَن أكل الرغيف الثالث؟ فقال: ما كانا إلاّ اثنين، ثمّ مرّا على وجوههما حتّى جاءا قرية، فدعا عيسى ربّه أن يُنطق له من يخبره عن حال هذه القرية، فأنطق الله له لبَنة، فسألها عيسى فأخبرته بكلّ ما أراد وصاحبه يتعجّب ممّا رأى، فقال له عيسى(عليه السلام): بحقّ من أراك هذه الآية، مَن صاحب الرغيف الثالث؟ فقال: ماكانا إلاّ اثنين، فمّرا على وجوههما حتّى انتهيا إلى نهر عجاج، فأخذ عيسى (عليه السلام) بيد الرجل ومشى به على الماء حتّى جاوز النهر، فقال الرجل: سُبحان الله، فقال عيسى: بالذي أراك هذه الآية، من صاحب الرغيف الثالث؟ فقال الرجل: ما كانا إلاّ اثنين، فمرّا على وجوههما حتى أتيا قرية عظيمة خربة، وإذا قريب منها ثلاث لبنات عظام ـ وقيل: ثلاثة أكوام من الرمل ـ فقال لها: كوني ذهباً بإذن الله، فكانت، فلمّا رآها الرجل قال: هذا مال، فقال عيسى (عليه السلام): نعم واحدة لي وواحدة لك وواحدة لصاحب الرغيف الثالث، فقال الرجل: أنا صاحب الرغيف الثالث: فقال عيسى (عليه السلام) هي لك كلّها، ثمّ فارقه عيسى، وأقام الرجل ليس معه ما يحملها عليه، فمرّ به ثلاثة نفر فقتلوه، فقال إثنان منهما للثالث: انطلق إلى القرية فأتنا بطعام، فانطلق فلمّا غاب قال أحدهما للآخر: إذا جاء قتلناه واقتسمنا المال بيننا، فقال الآخر: نعم، وأمّا الذي ذهب ليشتري الطعام فإنّه أضمر لصاحبيه السوء وقال: أجعل لهما في الطعام سمّاً، فإذا أكلاه ماتا وآخذ المال لنفسي، فوضع السمّ في الطعام وجاء، فقاما إليه فقتلاه وأكلا الطعام فماتا، فمرّ بهم عيسى(عليه السلام) وهم مصروعون حولها فقال: هكذا الدنيا تفعل بأهلها.(32)

* * *

ومن كلام له (عليه السلام): [ يتعرض فيه لأرض فدك ويذكر فيه مجاهدة نفسه (عليه السلام)]

«بَلَى كَانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَكٌ مِنْ كُلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّمَاءُ فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ آخَرِينَ وَنِعْمَ الْحَكَمُ اللَّهُ وَمَا أَصْنَعُ بِفَدَكٍ وَغَيْرِ فَدَكٍ وَالنَّفْسُ مَظَانُّهَا فِي غَدٍ جَدَثٌ تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا وَتَغِيبُ أَخْبَارُهَا وَحُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا وَأَوْسَعَتْ يَدَا حَافِرِهَا لَأَضْغَطَهَا الْحَجَرُ وَالْمَدَرُ وَسَدَّ فُرَجَهَا التُّرَابُ الْمُتَرَاكِمُ وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الْخَوْفِ الْأَكْبَرِ وَتَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ الْمَزْلَقِ».(33)

* * *

الشرح:

قوله صلوات الله عليه: «بلى كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلّته السماء».

[فدك تاريخياً]:

فدك قرية في الحجاز، وبينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة، وهي أرض يهوديّة في مطلع تاريخها الإسلاميّ، وكان يسكنها طائفة من اليهود، ولم يزالوا على ذلك حتّى السنة السابعة، حيث قذف الله بالرعب في قلوب أهليها، فصالحوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) على النصف من فدك، وروي أنّه صالحهم عليها كلّها.

وابتدأ بذلك تاريخها الإسلاميّ، فكانت ملكاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) لأنّها ممّا لم يُوجَف عليها بخيل ولا ركاب، ولمّا ملك (صلى الله عليه وآله) فدك أنزل الله تعالى عليه «وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ»(34) فقال (صلى الله عليه وآله): ادعوا لي فاطمة، فدُعيت له، فقال: يا فاطمة هذه فدك وهي ممّا لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، وهي لي خاصّة دون المسلمين، فخُذيها لك ولذريتك، فملكتها فاطمة، فكانت في يدها مدّة حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) تتصرّف فيها، إلى أن توفّي أبوها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فانتزعها الخليفة الأول منها على حدّ تعبير صاحب الصواعق المحرقة وغيره من المؤرّخين،(35) وأصبحت من مصادر الماليّة العامّة وموارد ثروة الدولة يوم ذاك، إلى أن تولّى الخلافة عثمان بن عفان فأقطعها مروان بن الحكم، ثم يُهمل التاريخ أمر فدك بعد عثمان فلا يصرّح عنها بشيء، ولكنّ الشيء الثابت هو أنّ أمير المؤمنين علياً صلوات الله عليه انتزعها من مروان ـ على تقدير كونها عنده في خلافة عثمان بن عفّان ـ كسائر ما نهبه بنو أمية في أيّام خليفتهم.

ولمّا ولي معاوية بن أبي سفيان الخلافة أمعن في السخريّة وأكثر الاستخفاف بالحقّ المهضوم، فأقطع مروان بن الحكم ثُلث فدك، وعمر بن عثمان ثلثها، ويزيد ابنه ثلثها الآخر، فلم يزالوا يتداولونها حتّى خلصت كلّها لمروان بن الحكم أيّام ملكه، ثم صفت لعمر بن عبد العزيز بن مروان، فلمّا تولّى هذا الأمر ردّ فدكاً على ولد فاطمة (عليه السلام) وكتب إلى واليه على المدينة أبي بكر بن عمرو بن حزم يأمره بذلك، فكتب إليه: إن فاطمة سلام الله عليها قد ولدت في آل عثمان وآل فلان وفلان، فعلى من أردّ منهم؟ فكتب إليه: أمّا بعد، فإني لو كتبتُ إليك آمرك أن تذبح بقرة لسألتني ما لونها، فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقسمها في ولد فاطمة (عليه السلام) من علي صلوات الله عليه.(36)

فنقمت بنو أمية ذلك على عمر بن عبد العزيز وعاتبوه فيه وقالوا له: هجّنت فِعل الشيخين، وقيل أنّه خرج إليه عمرو بن قيس في جماعة من أهل الكوفة فلمّا عاتبوه على فعله قال لهم: إنّكم جهلتم وعلمتُ، ونسيتم وذكرتُ، إنّ أبا بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم حدّثني عن أبيه، عن جدّه، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: فاطمة بضعة منّي، يُسخطها ما يُسخطني، ويرضيني ما يرضاها، وإنّ فدك كانت صافية على عهد أبي بكر وعمر، ثمّ صار أمرها إلى مروان فوهبها لعبد العزيز أبي فورثتها أنا وأخوتي عنه، فسألتهم أن يبيعوني حصّتهم منها، فمن بائع وواهب حتّى اجتمعت لي، فرأيت أن أردّها على ولد فاطمة. فقالوا له: فإن أبيت إلاّ هذا فأمسِك الأصل واقسم الغلّة، ففعل.(37)

ثمّ انتزعها يزيد بن عبد الملك من أولاد فاطمة، فصارت في أيدي بني مروان حتّى انقرضت دولتهم.

فلمّا قام أبو العباس السفّاح بالأمر وتقلّد الخلافة ردّها على عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ثمّ قبضها أبو جعفر المنصور في خلافته من بني الحسن، وردّها المهدي بن المنصور على الفاطميين، ثمّ قبضها موسى بن المهدي من أيديهم.

ولم تزل في أيدي العبّاسيين حتّى تولى المأمون الخلافة، فردّها على الفاطميين سنة (210)، ولما بويع المتوكّل على الله انتزعها من الفاطميّين وأقطعها عبد الله بن عمر البازيار، وكان فيها إحدى عشرة نخلة غرسها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيده الكريمة، فوجّه عبد الله بن عمر البازيار رجلاً يقال له بشران بن أبي أميّة الثقفيّ إلى المدينة فصرم تلك النخيل، ثم عاد ففلج.

وينتهي آخر عهد الفاطميّين بفدك بخلافة المتوكّل ومنحه إيّاها عبد الله بن عمر البازيار. هذه إلمامة مختصرة بتاريخ فدك المضطرب الذي لا يستقيم على خط ولا يجمع على قاعدة، وإنّما حاكت أكثره الأهواء وصاغته الشهوات على ما اقتضته المطامع والسياسات الوقتيّة، وعلى هذا فلم يخلُ هذا التاريخ من اعتدال واستقامة في أحايين مختلفة وظروف متباعدة، بحيث تؤول فدك إلى أهلها وأصحابها الأوّلين.

ويلاحظ أنّ مشكلة فدك كانت قد حازت أهميّة كبرى بنظر المجتمع الإسلاميّ وأسياده، ولذا ترى حلّها يختلف باختلاف سياسة الدولة، ويرتبط باتّجاه الخليفة العام نحو أهل البيت مباشرة، فهو إذا استقام اتجاهه واعتدل رأيه ردّ فدكاً على الفاطميّين، وإذا لم يكن كذلك وقع انتزاع فدك في أوّل القائمة من أعمال ذلك الخليفة. ويدلّنا على مدى ما بلغته فدك من القيمة المعنويّة في النظر الإسلاميّ قصيدة دعبل الخزاعي التي أنشأها حينما ردّ المأمون فدكاً:

أصبح وجه الزمان قد ضحكا بردّ مأمون هاشما فدكا(38)

 

[القيمة الاقتصادية لفدك]:

ويظهر من هذا الاهتمام بأمر فدك أنّها لم تكن أرضاً صغيرة أو مزرعة متواضعة كما يظنّ البعض؛ بل الأمر الذي يُطمئنّ إليه أنّها كانت تدرّ على صاحبها أموالاً طائلة تشكّل ثروة مهمّة، وليس عليَّ بعد هذا أن أحدّد الحاصل السنديّ منها وإن ورد في بعض طرقنا الارتفاع به إلى أعداد عالية جدّاً.

ويدلّ على مقدار القيمة الماديّة لفدك أمور:

الأول: أنّ عمر منع أبا بكر من ترك فدك للزهراء لضعف الماليّة العامّة مع احتياجها إلى التقوية لما يتهدّد الموقف من حروب الردّة وثورات العصاة.

ومن الجليّ أنّ أرضاً يُستعان بحاصلاتها على تعديل ميزانيّة الدولة وتقوية ماليّاتها في ظروف حرجة كظرف الثورات والحروب الداخليّة لابدّ أنّها ذات نتاج عظيم.

الثاني: قول الخليفة لفاطمة سلام الله عليها في محاورة له معها حول فدك: إنّ هذا المال لم يكن للنبيّ (صلى الله عليه وآله)، وإنّما كان مالاً من أموال المسلمين يحمل النبيّ به الرجال ويُنفقه في سبيل الله، فإنّ تحميل الرجال لا يكون إلاّ بمال مهمّ تتقوّم به نفقات الجيش.

الثالث: ما سبق من تقسيم معاوية فدكاً أثلاثاً، وإعطائه لكلٍّ من يزيد ومروان وعمرو بن عثمان ثلثاً، فإنّ هذا يدّل بوضوح على مدى الثروة المجتناة من تلك الأرض، فإنّها بلا شكّ ثروة عظيمة تصلح لأن توزّع على أمراء ثلاثة من أصحاب الثراء العريض والأموال الطائلة.

الرابع: التعبير عنها بقرية ـ كما في معجم البلدان(39) ـ وتقدير بعض نخيلها بنخيل الكوفة في القرن السادس الهجري ـ كما في شرح النهج لابن أبي الحديد.(40)

هذه ناحية موجزة من نواحي فدك تعطيك صورة مصغّرة عنها وعن ضخامة ثرائها.

ومن ناحية أخرى ما كان من أمر فاطمة سلام الله عليها لمّا انتزع أبو بكر منها فدكاً وبلغها ذلك لاثت خمارها وتجلببت بجلبابها وأقبلت في لمّة من حفدتها ونساء قومها تطأ في ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتّى دخلت على أبي بكر وقد حشد الناس من المهاجرين والأنصار، فضُرب بينها وبينهم ريطة بيضاء، فجلست ثم أنّت أنّةً أجهش القوم لها بالبكاء، فأمهلتهم طويلاً حتّى سكنت فورتهم.

 

خطبة فاطمة (عليها السلام):

لمّا منعت فاطمة الزهراء على أبيها وعليها أفضل الصلاة والسلام فدكاً بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) خطبت خطبة طويلة عظيمة جليلة غاية في الفصاحة والبلاغة والمتانة بمحضر من المهاجرين والأنصار تتضمّن أبلغ الحُجج على القوم وأقواها وأمتنها.

وقد رواها الفريقان بأسانيدهم ورواياتهم ببعض التفاوت. وفي كتاب كشف الغمّة أنّها من محاسن الخطب وبدائعها، عليها مسحة من نور النبوّة، وفيها عبقة من أرج الرسالة وقد أوردها المؤالف والمخالف.

قال: ونقلها من كتاب السقيفة ـ لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ من نسخة قديمة مقروءة على مؤلّفها، روى عن رجاله من عدّة طرق، قُرئت عليه في ربيع الآخر سنة 322 هجرية.(41)

وذكرها عمر رضا كحّالة في كتابه «أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام» في المجلد الثالث المطبوع بالمطبعة الهاشمية بدمشق سنة 1359 هجرية. وقد تكفّل بسرد أحوالها سلام الله عليها على أحسن ما يكون، وذكر خطبها الثلاثة على أتمّ ما يرام، واحتجاجها على أبي بكر وعمر وغضبها عليهما.

وذكرها الخوارزمي في كتابه «بلاغات النساء» المطبوع بالمطبعة الحيدرية في النجف الأشرف. وذكر فصلاً منها الشيخ أحمد مفتاح في كتابه «مفتاح الأفكار في النثر المختار» المطبوع في مصر بمطبعة جريدة الإسلام سنة 1314 هجرية ص147، وذكر ابن أبي الحديد المعتزلي فصلاً طويلاً منها في كتابه «شرح نهج البلاغ» المطبوع بمصر في الجلد الرابع ط الأُولى. بسند متسلسل.

ونحن ننقلها عن كتاب «الاحتجاج» للطبرسيّ:

قال: روى عبد الله بن الحسن باسناده عن آبائه (عليه السلام)، أنّه لمّا أجمع أبو بكر على منع فاطمة فدكاً وبلغها ذلك لاثت خمارها على رأسها واشتملت بجِلبابها، وأقبلت في لمّةٍ من حفدتها ونساء قومها، تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فدخلت عليه وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم، فنيطت دونها ملاءة، فجلست ثم أنّت أنّة أجهش القوم لها بالبكاء، فارتّج المجلس، ثمّ أمهلتهم هنيهة، حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم افتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله أبيها (صلى الله عليه وآله)، فعاد القوم في بكائهم، فلمّا أمسكوا عادت في كلامها فقالت:

 

[نصّ] الخطبة المتضمّنة الاحتجاج على القوم والتظّلم منهم بمحضر من المهاجرين والأنصار:

«الحمد لله على ما أنعم، وله الشكر على ما ألهم، والثناء بما قدّم، من عموم نعمٍ ابتداها، وسُبوغ آلاءٍ أسداها، وتمام نعمٍ والاها، جمّ عن الإحصاء عددُها، ونأى عن الجزاء أمدُها، وتفاوت عن الإدراك أبدُها، وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتصالها، واستحمد الخلائق بإجزالها، وثنّى بالندب إلى أمثالها.

وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له كلمةً جعل الاخلاص تأويلها، وضمّن القلوب موصولها، وأنار في التفكّر معقولها، الممتنع من الأبصار رؤيته، ومن الألسن صفته، ومن الأوهام كيفيتّه، ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها، كوّنها بقدرته، وذرأها بمشيّته، من غير حاجة منه إلى تكوينها، ولا فائدة له في تصويرها، إلاّ تثبيتاً لحكمته، وتنبيهاً على طاعته، وإظهاراً لقدرته، وتعبّداً لبريّته، وإعزازاً لدعوته، ثمّ جعل الثواب على طاعته، ووضع العقاب على معصيته، ذيادة(42) لعباده عن نقمته، وحياشة لهم إلى جنتّه.

وأشهد أنّ أبي محمّداً (صلى الله عليه وآله) عبده ورسوله، اختاره وانتجبه قبل أن أرسله، وسمّاه قبل أن اجتباه، واصطفاه قبل أن ابتعثه، إذ الخلائق بالغيب مكنونة، وبسرّ الأهاويل مصونة، وبغاية العدم مقرونة، علماً من الله تعالى بمآل الأمور، وإحاطة بحوادث الدهور، ومعرفة بمواقع المقدور، ابتعثه الله تعالى إتماماً لأمره، وعزيمة على إمضاء حكمه، وإنفاذاً لمقادير حتمه، فرأى الأمم فرقاً في أديانها، عكّفاً على نيرانها، عابدةً لأوثانها، منكرة لله مع عرفانها، فأنار الله تعالى بأبي محمد (صلى الله عليه وآله) ظلمها، وكشف عن القلوب بُهمها، وجلى عن الأبصار غممها، وقام في الناس بالهداية، وأنقذهم من الغواية، وبصّرهم من العماية، وهداهم إلى الدين القويم، ودعاهم إلى الصراط المستقيم، ثمّ قبضه الله إليه قبض رأفة واختيار ورغبة وإيثار. محمد (صلى الله عليه وآله) عن تعب هذا الدار في راحة، قد حُفّ بالملائكة الأبرار ورضوان الرب الغفّار ومجاورة الملك الجبّار (صلى الله عليه وآله)، على أبي نبيّه وأمينه على وحيه وصفيّه وخيرته من الخلق ورضيّه والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.

ثمّ التفتت إلى أهل المجلس وقالت: أنتم عباد الله نصب أمره ونهيه وحمله دينه ووحيه، وأمناء الله على أنفسكم، وبُلغاؤه إلى الأمم، وزعيم حقّ له فيكم، وعهد قدّمه إليكم، وبقيّة استخلفها عليكم، كتاب الله الناطق والقرآن الصادق والنور الساطع والضياء اللامع، بيّنة بصائره، منكشفة سرائره، متجلّية ظواهره، مغتبط به أشياعه، قائد إلى الرضوان أتباعه، مؤدّ إلى النجاة استماعه، به تُنال حُجج الله المنوّرة وعزائمة المفسّرة ومحارمة المحذّرة وبيّناته الجالية وبراهينه الكافية وفضائله المندوبة ورُخصه الموهوبة وشرائعه المكتوبة.

فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك، والصلاة تنـزيهاً لكم عن الكبر، والزكاة تزكية للنفس ونماء في الرزق، والصيام تثبيتاً للاخلاص، والحجّ تشييداً للدين، والعدل تنسيقاً للقلوب، وطاعتنا نظاماً للملّة، وإمامتنا أماناً من الفرقة، والجهاد عزّاً للإسلام وذلاً لأهل الكفر والنفاق، والصبر معونة على استيجاب الأجر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مصلحة للعامّة، وبرّ الوالدين وقاية من السخط، وصلة الأرحام منسأة في العمر، والقصاص حقناً للدماء، والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة، وتوفية المكاييل والموازين تغييراً للبخس، والنهي عن شرب الخمر تنـزيهاً عن الرجس، واجتناب القذف حجاباً عن اللعنة، وترك السرقة إيجاباً للعفّة، وحرّم الله الشرك إخلاصاً له بالربوبيّة، ألا فاتّقوا الله حقّ تُقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون»، وأطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، فإنّما يخشى الله من عباده العلماء.

ثمّ قالت سلام الله عليها: أيّها الناس، اعلموا أنّي فاطمة وأبي محمّد، أقول عوداً وبدءاً، ولا أقول ما أقول غلطاً، ولا أفعل ما أفعل شَططاً، «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ»(43) فإن تعزوه وتعرفوه تجدوه أبي دون نسائكم، وأخا ابن عمي دون رجالكم، ولنعم المعزي إليه، فبلّغ الرسالة صادعاً بالنذارة، مائلاً عن مدرجة المشركين، ضارباً ثبجهم، آخذاً بكظمهم، داعياً إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، يجذّ الأصنام وينكث الهام، حتّى انهزم الجمع وولّوا الدبر، حتّى تفرّى الليل عن صبحه، وأسفر الحقّ عن محضه، ونطق زعيم الدين، وخرست شقاشق الشياطين، وطاح وشيظ النفاق، وانحلّت عُقدة الكفر والشقاق، وفهتهم بكلمة الاخلاص في نفر من البيض الخماص، وكنتم على شفا حفرة من النار مذقة الشارب ونهزة الطامع وقبسة العجلان وموطئ الأقدام، تشربون الطرق وتقتاتون القدّ، أذلّة خاسئين تخافون أن يتخطّفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بأبي محمد (صلى الله عليه وآله) بعد اللتيّا والتي، وبعد أن مُني ببهم الرجال وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب «كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ»(44) أو نجم قرن للشيطان أو فغرت فاغرة من المشركين قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفئ حتّى يطأ صماخها بأخمصه، ويخمد لبّها بسيفه، مكدوداً في ذات الله، مجتهداً في أمر الله، قريباً من رسول الله، سيّداً في أولياء الله، مشمّراً ناصحاً مجدّاً كادحاً، وأنتم في رفاهية من العيش وادعون فاكهون آمنون، تتربّصون بنا الدوائر، وتتوكّفون الأخبار، وتنكصون عند النـزال، وتفرّون من القتال، فلمّا اختار الله لنبيّه (صلى الله عليه وآله) دار أنبيائه ومأوى أصفيائه ظهرت فيكم حسيكة النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الأقلّين، وهدر فنيق المبطلين يخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفاً بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللغرّة فيه ملاحظين، ثمّ استنهضكم فوجدكم خِفافاً، وأحمشكم فألفاكم غضاباً، فوسمتم غير إبلكم، وأوردتم غير شربكم، هذا والعهد قريب، والكلم رحيب، والجرح لمّا يندمل، والرسول لمّا يُقبَر، بداراً زعمتم خوف الفتنة «أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ»،(45) فهيهات منكم وكيف بكم وأنّى تؤفكون، وهذا كتاب الله بين أظهركم، أموره ظاهرة، وأحكامه زاهرة، وأعلامه باهرة، وزواجره لائحة، وأوامره واضحة، قد خلّفتموه وراء ظهوركم، أرغبة عنه تدبرون؟ أم بغيره تحكمون؟ «بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً»(46) «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِْسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآْخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ»(47) ثمّ لم تلبثوا إلاّ ريثما تسكن نفرتها ويسلس قيادها، ثمّ أخذتم تورون وقدتها، وتهيجون جمرتها، وتستجيبون لهتاف الشيطان الغويّ وإطفاء نور الدين الجليّ وإهماد سُنن النبي الصفي، تشربون حسواً في ارتغاء، وتمشون لأهله وولده في الخمرة والضرّاء، ونصبر منكم على مثل حزّ المدى ووخز السنان في الحشا، وأنتم الآن تزعمون أن لا إرث لي، «أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ».(48)

إيهاً معاشر المسلمة أأُبتزّ إرث أبي؟! الله يا ابن أبي قحافة، أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟! لقد جئتَ شيئاً فريّاً، أفعلى عمدٍ تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول جلّ وعلا: «وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ»(49) وقال فيما اقتصّ من خبر يحيى بن زكريا «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ»(50) وقال تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُْنْثَيَيْنِ»(51) وزعمتم أن لا إرث لي من أبي ولا رحم بيننا، أفخصّكم الله بآيةٍ أخرج أبي منها؟ أم تقولون أهل مِلّتين لا يتوارثان؟ أوَلست أنا وأبي من أهل ملّة واحدة؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟! فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنِعم الحكم الله، والزعيم محمّد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المُبطلون، ولا ينفعكم إذ تندمون «لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ»(52) و«سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ».(53)

ثمّ رنت بطرفها نحو الأنصار فقالت: يا معشر البقية وأعضاد الملّة وحضنة الإسلام، ما هذه الغميزة في حقّي والسنة عن ظُلامتي؟ أما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبي يقول: المرء يُحفظ في ولده؟ سرعان ما أحدثتم، وعجلان ذا إهالة، ولكم طاقة بما أحاول، وقوّة على ما أطلب وأزاول، أتقولون مات محمّد فخطب جليل استوسع وهنُه، واستنهر فتقه، وانفتق رتقه، وأظلمت الأرض لغيبته، واكتابت خيرة الله لمصيبته، وكسفت الشمس والقمر وانتثرت النجوم لمصيبته، وأكدت الآمال، وخشعت الجبال، وأضيع الحريم، وأُزيلت الحرمة عند مماته، فتلك ـ والله ـ النازلة الكبرى والمصيبة العظمى التي لا مثلها نازلة ولا بائقة عاجلة، أعلن بها كتاب الله جلّ ثناؤه في أفنيتكم في ممساكم ومصبحكم هتافاً وصراخاً وتلاوة وإلحاناً، ولقبله ما حلّت بأنبياء الله ورسله، حكم فصل وقضاء حتم، «وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ»(54) إيهاً بني قيلة، أأهضم تراث أبي وأنتم بمرأى منّي ومسمع ومنتدى ومجمع، تلبسكم الدعوة وتشملكم الخبرة، وأنتم ذوو العدد والعدّة والأداة والقوة، وعندكم السلاح والجنّة، توافيكم الدعوة فلا تجيبون، وتأتيكم الصرخة فلا تُغيثون، وأنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير والصلاح، والنخبة التي اختيرت، والخيرة التي اختبرت لنا أهل البيت، ناوأتم العرب، وبادهتم الأمور، وتحمّلتم الكدّ والتعب، وناطحتم الأمم، وكافحتم البهم، فلا نبرح وتبرحون، نأمركم فتأتمرون، حتّى إذا دارت بنا رحى الإسلام، ودرّ حلب الأيام، وخضعت نعرة الشرك، وسكنت فورة الإفك، وخمدت نيران الكفر، وهدأت عدوة الهرج، واستوسق نظام الدين، فأنّى حرتم بعد البيان، وأسررتم بعد الإعلان، ونكصتم بعد الإقدام، وأشركتم بعد الإيمان، بؤساً لقوم «نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ».(55)

ألا قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض، وأبعدتم من هو أحقّ بالبسط والقبض، وركنتم إلى الدعة، ونجوتم من الضيق بالسعة، فمججتم ما وعيتم، ولفظتم الذي سوّغتم، «إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَْرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ».(56)

ألا وقد قلت ما قلتُ على معرفة منّي بالخذلة التي خامرتكم، والغدرة التي استشعرتها قلوبكم، ولكنّها فيضة النفس وبثّة الصدر ونفثة الغيظ وتقدمة الحجّة، فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر، نقبة الخفّ، باقية العار، موسومة بغضب الله وشنار الأبد، موصولة بنار الله الموقدة، التي تطّلع على الأفئدة، فبعين الله ما تفعلون «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ»(57) وأنا ابنة نذيرٍ لكم بين يدَي عذابٍ شديد «اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ» «انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ».

ثمّ انكفأت وأمير المؤمنين صلوات الله عليه يتوقّع رجوعها إليه، ويتطلّع طلوعها عليه، فلمّا استقرت بها الدار قالت لأمير المؤمنين: يا ابن أبي طالب اشتملَت شملة الجنين، وقعدت حجرة الظنين، نقضت قادمة الأجدل فخانك ريش الأعزل، هذا ابن أبي محافة يبتزّني نحيلة أبي وبُلغة ابني، لقد أجهد في خصامي، وألفيته الألدّ في كلامي، حتّى حبستني قيلة نصرها، والمهاجرة وصلها، وغضّت الجماعة دوني طرفها، فلا دافع ولا مانع، ولا ناصر ولا شافع، خرجت كاظمة، وعدت راغمة، أضرعت خدّك يوم أضعت جدّك، افترست الذئاب وافترشت التراب، ما كففت قائلاً ولا أغنيت طائلاً، ليتني متّ قبل منيتي ودون ذلّتي، عذيري الله منك عادياً ومنك حامياً، ويلاي في كلّ شارق، ويلاي في كلّ غارب، مات العمد، ووهن العضد، شكواي إلى أبي، وعدواي إلى ربّي، اللهمّ إنّك أشدّ قوة وحولاً وأشدّ بأساً وتنكيلاً.

فقال لها أمير المؤمنين صلوات الله عليه: لا ويل لك بل الويل لشانئك، فنهنهي عن وجدك يا ابنة الصفوة وبقيّة النبوّة، فما ونيتُ عن ديني، ولا أخطأت مقدوري، فإن كنت تريدين البُلغة فرزقك مضمون وكفيلك مأمون، وما أُعدّ لك أفضل ممّا قطع عنك، فاحتسبي الله. فقالت: حسبي الله وأمسكت.(58)

ولم تزل سلام الله عليها عليلة مريضة صاحبة فراش منهدّة الركن يُغشى عليها ساعة بعد ساعة، حتّى إذا دنت منها الوفاة وجّهت خلف أمير المؤمنين صلوات الله عليه من يحضره، فجاء أمير المؤمنين فأخذ رأس الزهراء ووضعه في حجره، وألقى الرداء من على عاتقه وحلّ أزراره، ثمّ ناداها: يا فاطمة كلّميني، فلم تكلّمه فناداها: يا ابنة خير من وطئ الحصى كلّميني، فلم تكلّمه فقال: فاطمة كلّميني أنا ابن عمك علي، عند ذلك أفاقت وقالت: يا ابن العمّ قرب الأجل، فقال: يا فاطمة تجديه؟ قالت: أجد الموت الذي لابدّ منه، وفي قلبي وصايا، قال: أوصي بها تجديني وفيّاً إن شاء الله، فقالت: يا ابن العم أوّلاً سألتك بالله هل رأيتني خائنة أم خالفتك منذ عاشرتك؟ قال: حاشا لله يا بنت رسول الله، أنت أبّر وأتقى، فقالت له: يا ابن العم الأولى من وصاياي أنّي رأيت الملائكة صورّت لي نعشاً، قال: صفيه، فوصفته له. قال: أصنعه إن شاء الله، فقالت: والثانية يا ابن العم إنّ الرجل لا يستقيم بلا زوجة، فإذا أردت التزويج فعليك ببنت أختي أمامة، فإنّها تكون لولديّ الحسنين مثلي، واجعل لها يوماً وليلة ولولديّ يوماً وليلة، ولا تصِح في وجهيهما فإنّهما يصبحان يتيمين، بالأمس فقدا جدّهما واليوم يفقداني. والثالثة يا ابن العم إذا أنا قضيتُ نحبي غسّلني وكفّني ولا تدع أحداً من هؤلاء الذين ظلموني يشهد جنازتي، وادفنّي ليلاً إذا هدأت الأصوات ونامت العيون. ثمّ قضت نحبها صابرة مظلومة، فألقى أمير المؤمنين الرداء على وجهها ودموعه تجري، عند ذلك صرخ الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم وفضّة وصار كيوم مات فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله): فأقبل الناس يهرعون أفواجاً أفواجاً، واجتمعوا على باب أمير المؤمنين حتّى صاروا كعرف الفرس، فخرج إليهم أبو ذر وقال: أيّها الناس انصرفوا، إنّ الزهراء قد أُخّر إخراجها، ولمّا تناصف الليل قام أمير المؤمنين وأخذ في تجهيزها، فكان هو يغسّلها، والحسن يصبّ الماء، والحسين يناوله الماء، وأسماء بيدها الضياء.

قالت أسماء: بينما أمير المؤمنين يغسّل فاطمة إذ صاح بي: أسماء عليَّ بالضياء، فأتيته به، فأخذ الضياء من يدي وجعل يتأمّل وينظر في أضلاع الزهراء، ثمّ رمى الضياء من يده وجلس على الأرض يبكي، فأقبلت عليه، قلت له: سيّدي فيم بكاؤك الآن حزناً على فاطمة؟ قال: لا يا أسماء وإن عزّ عليَّ فراقها، لكن لمّا وضعتُها على المغتسل رأيتُ ضلعها مكسوراً ومتنها قد اسودّ من ألم السياط، وكانت تُخفي عليَّ ذلك مخافة أن يشتدّ بي وجدي.(59)

* * *

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج15: 81.

(2) الفرقان: 43.

(3) الزخرف: 36.

(4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4: 31.

(5) المصدر السابق.

(6) شرح نهج البلاغة 3: 108، ط مكتبة المرعشي النجفي - قم.

(7) شرح نهج البلاغة 3: 95.

(8) شرح نهج البلاغة 3: 102.

(9) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3: 95.

(10) مروج الذهب للمسعودي 3: 51.

(11) مقتل الحسين (عليه السلام) للخوارزمي 2: 60.

(12) شرح نهج البلاغة، ج 16: 206.

(13) مستدرك الوسائل 11: 270/ ح12973.

(14) الكافي 2: 77/ ح5.

(15) الكافي 2: 76/ ح1.

(16) بحار الأنوار 67: 298/ ح6.

(17) الكافي 2: 78/ ح13.

(18) الكافي 2: 78/ ح12.

(19) الكافي 2: 77/ ح12.

(20) الكافي 2: 77/ ح8.

(21) الكافي 2: 79/ ح3.

(22) الكافي 2: 80/ ح7.

(23) الكافي 2: 79/ ح1.

(24) الكافي 2: 79/ ح4.

(25) نهج البلاغة 2: 55/ خ160.

(26) راجع ما روي في الاخبار للصدوق: 252 باب (معنى الزهد) ح5.

(27) البحار 14: 327/ ح51 و53.

(28) مصدر السابق.

(29) فيض القدير للمناوي 2: 368.

(30) الأنعام: 90.

(31) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج4: 139.

(32) الدر المنثور للسيوطي، ج2: 34، رواه بلفظ آخر...

(33) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 208.

(34) الإسراء: 26.

(35) الصواعق المحرقة: 38.

(36) بحار الأنوار 29: 212؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 278.

(37) نفس المصدر.

(38) السقيفة وفدك للجوهري: 107؛ شرح نهج البلاغة 16: 217.

(39) معجم البلدان للحموي 4: 238.

(40) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 236.

(41) كشف الغمة 2: 108.

(42) الذيادة: الطرد والمنع.

(43) التوبة: 128.

(44) المائدة: 64.

(45) التوبة: 49.

(46) الكهف: 50.

(47) آل عمران: 85.

(48) المائدة: 50.

(49) النمل: 16.

(50) مريم: 5 و6.

(51) النساء: 11.

(52) الأنعام: 67.

(53) الزمر: 39 و40.

(54) آل عمران: 144.

(55) التوبة: 13.

(56) إبراهيم: 8.

(57) الشعراء: 227.

(58) الاحتجاج للطبرسي 1: 131 - 146؛ بحار الأنوار 29: 220 - 235.

(59) انظر خبر وفاتها (عليها السلام) في البحار 43: 174.