في وصيّته الكبرى لولده الحسن (عليه السلام): [ في نفي الشريك وافتقار العبد إلى الله]

«اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكٌ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ وَلَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ وَلَعَرَفْتَ أَفْعَالَهُ وَصِفَاتِهِ وَلَكِنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ لا يُضَادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ وَلَا يَزُولُ أَبَداً وَلَمْ يَزَلْ أَوَّلٌ قَبْلَ الْأَشْيَاءِ بِلَا أَوَّلِيَّةٍ وَآخِرٌ بَعْدَ الْأَشْيَاءِ بِلَا نِهَايَةٍ عَظُمَ عَنْ أَنْ تَثْبُتَ رُبُوبِيَّتُهُ بِإِحَاطَةِ قَلْبٍ أَوْ بَصَرٍ فَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَافْعَلْ كَمَا يَنْبَغِي لِمِثْلِكَ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي صِغَرِ خَطَرِهِ وَقِلَّةِ مَقْدِرَتِهِ وَكَثْرَةِ عَجْزِهِ وعَظِيمِ حَاجَتِهِ إِلَى رَبِّهِ فِي طَلَبِ طَاعَتِهِ وَالْخَشْيَةِ مِنْ عُقُوبَتِهِ وَالشَّفَقَةِ مِنْ سُخْطِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْكَ إِلَّا بِحَسَنٍ وَلَمْ يَنْهَكَ إِلَّا عَنْ قَبِيحٍ».(1)

* * *

الشرح: [التوحيد ونفي الشريك]

لأهل العلم في التدليل على توحيد الله تعالى شأنه مسالك وطرق، بعضها واضح وبعضها خفيّ، وما خفي منها فإنّما هو لابتنائه على أمور ومسائل قد تكون دقيقة في نفسها، وقد تكون دقيقة باعتبار أنّ الافهام لم تمارسها ولم تألف الدنوّ إليها والاقتراب منها ولا الحوم حولها.

نرى الله تعالى في كتابه يُقيم الدليل على توحيده بأنّه لو كان غيره لفسدت السماوات والأرض. ونرى أمير المؤمنين عليّاً صلوات الله عليه يستدلّ على توحيد الله بأنّه لو كان غيره لأتتنا رسله، ولرأينا آثار ملكه وسلطانه.

و نجد أرسطاطاليس (من فلاسفة اليونان) يستدلّ على توحيد الله ووحدته بوحدة العالم الموجود منه.

ونجد صاحب الأسفار (من فلاسفة المسلمين) يستدلّ على وحدته تعالى بوجوب وجوده وإمكان وجود غيره.

وآخر يقول بأنّ واجب الوجود واحد، ويجب في الإله أن يكون واحداً، لاستحالة أن يكون الإله غير واجب الوجود.

والشاعر يقول:

وفي كلّ شيء له آيةٌ        تدلّ على أنّه واحدُ

إلى غير ذلك من المسالك والمناهج التي ترى أنّ بعضها أضوء وأنور من بعض، والله تعالى لا يريد أن يفرض القول بوحدانيّته فرضاً بلا دليل وبلا برهان، بل يريد أن يكون الإيمان بوحدانيّته والتصديق بأُلوهيّته دون غيره بالدليل الواضح والبرهان الجلي بصورة لا تزعزعها الشبه ولا تزلزلها التشكيكات.

وإنّ مسألة التوحيد مسألة شغلت بال العالم قديماً وحديثاً، ولا تزال محل النقض والابرام بين الموحّدين من المسلمين وبين غيرهم؛ بل بين المسلمين أنفسهم، فإنّ كثيراً من الفرق الإسلاميّة كالمجسّمة والمشبّهة والغالية نبوا وابتعدوا عن القول بالتوحيد؛ بل ربّما انغمس في دنس الشرك من يرى نفسه موحّداً من حيث لا يعلم.

ففي الحديث «ولو أنّ أحداً قال لشيءٍ فعله الله أو فعله رسولُه (صلى الله عليه وآله) «ألا فعل خلاف ذلك؟» أو وجد ذلك في نفسه عُدّ مشركاً، ثم تلى قوله: «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً».(2)

ولعلّ إلى هؤلاء يُشير الله سبحانه بقوله: «وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ».(3)

فهؤلاء لا يجوز أن يكونوا ممّن دخل في الشرك صريحاً، بل من دخل فيه من حيث لا يعلم، وانغمس في حمأته من حيث لا يشعر، أُتي من قِبل إهماله وتفريطه في أمر دينه، ولذلك لم يكن معذوراً.

ومن هنا يتبيّن لك أنّ الشرك ذو شعب متعدّدة وأطراف مترامية، وأنّ غير المتحفّظ لا يأمن من الولوج فيه والدخول في بعض شُعبه وأطرافه.

ونحن إذ نتقدّم للتكلّم فيه إنّما نتقدّم لنبرئ النفوس منه ونطهرها من رجسه، ونحيد بها عن الانغماس في حمأته، وعن الدنوّ والاقتراب من مدارجه وموالجه، والله هو المسئول للإعانة على توضيح ذلك وإفهامه.

قد تفنّن المفسرون في التعبير عن المشار إليه بقوله تعالى: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا».(4)

قال البيضاويّ في معنى (لفسدتا): أي السماوات والأرض لبطلتا، لما يكون بينهما من الاختلاف والتمانع.(5)

وقال الزمخشريّ في كشّافه عند ذكر الآية: لو كان يتولاّهما (أي السماوات والأرض، ويدبّر أمرهما آلهة شتّى غير الواحد الذي هو فاطرهما لفسدتا. وفيه دلالة على أمرين: أحدهما وجوب أن لا يكون ذلك الواحد إلاّ إيّاه وحده لقوله: (إلاّ الله).

فإن قلت: لم وجب الأمران؟ قلت: لعلمنا أنّ الرغبة تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف، وقد جاء عن عبد الملك بن مروان حين قتل عمر بن سعيد الأشدق، قال: كان ـ والله ـ أعز عليَّ من دم ناظري، ولكن لا يجتمع فحلان في شول.

وقال صاحب مجمع البيان عند ذكر الآية: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا»: معناه لوكان في السماء والارض آلهة سوى الله لفسدتا وما استقامتا، وفسد من فيهما ولم ينتظم أمرهم، وهذا هو دليل التمانع الذي بنى عليه المتكلّمون مسألة التوحيد. قال: وتقرير ذلك أنّه لو كان مع الله سبحانه إله آخر لكانا قديمين، والقدم من أخصّ الصفات، والاشتراك فيه يوجب التماثل، فيجب أن يكونا قادرين عالمين حيّين، ومن حقّ كلّ قادرين أن يصحّ كون أحدهما مريداً لضدّ ما يريده الآخر من إماتة وإحياء أو تحريك وتسكين أو إفقار وإغناء ونحو ذلك، فإذا فرضنا ذلك فلا يخلو أمّا أن يحصل مرادهما وذلك محال، وأمّا أن لا يحصل مرادهما فينتقض كونهما قادرين، وأمّا أن يقع مراد أحدهما ولا يقع مراد الآخر، فينتقض كون من لم يقع مراده قادراً، فإذاً لا يجوز أن يكون الإله إلاّ واحداً(6).

تنبّه إلى أنّ المفسّرين لا يريدون الاستدلال على التوحيد بالآية، إنّما يريدون الاستدلال بالبرهان العقليّ الذي أشارت إليه الآية، وإنّ كثيراً من الآيات تنبّه إلى البراهين العقليّة وتشير إليها ليؤخذ بها ويعتمد عليها.

وكان الله سبحانه يريد أن يدعم الحقّ ويثبته ويجعله محكماً قارّاً باقامة الأدلّة والبراهين عليه من ناحيتي العقل والنقل، يريد أن يستعمل الإنسان عقله ويسترشده ـ وهو رسوله الباطنيّ ـ كما يسترشد الأنبياء والرسل، ويجتمع به كما يجتمع بهم في مهمّات مسائله ومعاضل أحكامه. لا يريد الله أن يفرض على الإنسان فيما يرجع إلى أصول دينه وحقائق عقيدته الأمر فرضاً، ويُجبره على العلم والاعتقاد إجباراً، علماً منه سبحانه أنّ الاعتقاد من الأفعال القلبية، والقلب لا يُجبَر على شيء من فعله. يريد الله بالإنسان أن يمشي على بيّنة ويسير على ضوء، ولا يحكم إلاّ بدليل وبرهان، وذلك شأن الدين الحقّ وهو الهادي إليه.

إنّ محلّ الشاهد وموضع القصد من هذا الكلام الجملة الأولى من كلام أمير المؤمنين صلوات الله عليه وإنّما أتينا بهذه الفقرة لما فيها من الارتباط بهذا القصد من توجيه القلب وأخذه بالموعظة ليحرص على الاستفادة منه، وهو كلام واضح في الدلالة على توحيد الله تعالى. أجل لو كان الله سبحانه شريك لوجب في ذلك الشريك أن يكون عالماًُ حكيماً، إذ لا يجوز في الإله المستحقّ للعبوديّة أن يكون جاهلاً سفيهاً، فإنّ الجاهل السفيه يستحق الطرد والابعاد والاهانة والتحقير، إذاً لا بدّ أن يكون عالماً حكيماً، والعلم والحكمة تقتضي أن يبعث للناس رسولاً يدعوهم إليه ويدلّهم عليه، وإلاّ لانتفى عنه العلم وبطلت الحكمة، ولو بعث رُسُلاً لأتتنا ودلّتنا وأرشدتنا.

وحيث أنّه لم يأتنا عن غير الله رسول فلا رسول، وإذ لا رسول لغير الله فلا مُرسِل غير الله، ولا إله سوى الله.

وهذا معنى قوله صلوات الله عليه: «لو كان لربّك شريك لأتتنا رُسله» فإنّ إتيان الرسل لازم، وانتفاء اللازم يستدعي انتفاء الملزوم.

ومثله قوله صلوات الله عليه: «ولرأيت آثار ملكه وسلطانه» فإنّه لو كان لله شريك لكان عالماً حكيماً قادراً، ولو كان كذلك لكان له ملك وسلطان، ولو كان له ملك وسلطان لرأينا آثار ملكه وسلطانه، ولما انتفت هذه اللوازم كلّها انتفى ملزومها، وإلاّ لوجب الملزوم بلا لازمه، وهو محال.

وكذلك قوله صلوات الله عليه: «ولعرفت أفعاله وصفاته» فإنّه لو كان لله شريك لكان له أفعال وصفات، قضاء لحقّ العلم والحكمة والقدرة، ولو كانت لعرفناها لوجوب ظهورها، ولكن لا نعرف خالقاً غير الله ولا مدبّراً لهذا الكون سوى الله، وانتفاء المعرفة عن غير أفعال الله يدّل على انتفاء غير الله.

قوله صلوات الله عليه: «ولكنّه إله واحد كما وصف نفسه».

لقد استفاضت الآيات القرآنيّة بالنصّ على التوحيد، ويكاد أن يكون القسم الأوفر من بين الآيات، ويكفيك منها أمره تعالى نبيّه نبيّ الرحمة أن يقول: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ »و«هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ».

قوله صلوات الله عليه: «لا يضادّه في ملكه أحد».

إمكان المضادّة في الملك فرع الكفاءة والمقدرة بين الإلهين المتصوّر تقارنهما، وإذ قامت عندنا البراهين القاطعة على نفي الشريك، فليس هناك من يضادّه أو ينازعه في الملك.

 

[حقوق الله وأداء الواجب]:

قوله صلوات الله عليه: «عظم عن أن تثبت ربوبيّته بإحاطة قلب أو بصر» لأنّ المثبت بالقلب يستدعي أن يكون محاطاً به، والإدراك بالبصر يستلزم كون المرئيّ جسماً، ومقام الربّ سبحانه فوق كلّ هذه التصوّرات.

قوله صلوات الله عليه: «فإذا عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك أن يفعله في صغر خطره، وقلّة مقدرته، وكثرة عجزه، وعظيم حاجته إلى ربّه، في طلب طاعته، والخشية من عقوبته، والشفقة من سخطه، فإنّه لم يأمرك إلاّ بحسن، ولم يَنْهَك إلاّ عن قبيح».

أخذ صلوات الله عليه يعدد وجوه حاجة ولده المحبوب إلى المولى سبحانه، وما يجب أن يكون مثله من الحال من الطاعة والتحلّي بالصفات الفاضلة، ومكارم الأخلاق، ومن أهمّها معرفة أداء الواجب نحو خالقه ونحو المخلوق.

فإنّ أداء الواجب بالغ الخطورة عظيم الشأن، يتطلّب من العزيمة أن تكون على أتمّها، إذ في أداء الواجب مجاهدة للنفس الأمّارة بالسوء أيّ مجاهدة، ومغالبة لها أيّ مغالبة، فمن لم يُرزق جلد العزيمة ومضاءها فلن يستطيع مع أداء الواجب صبراً.

وأداء الواجب على وجه الدقّة كلمة تحمل بين جنبيها جمعاًُ من الفضائل، فهي في الحقيقة أمّ الفضيلة الولود. أليس من الواجب أن تعرف حقوقك فتطلبها من مظانّها، وتعرف حقوق غيرك عليك فتؤدّيها على وجهها، وماذا بعد ذلك من الفضائل لا يتّصل بنسب إلى حقّ لك أو حقّ عليك.

إنّ الأمم لتترقّى شؤونها الاجتماعية ومدنيّتها الخلقيّة بمقدار رقيّ هذه الفضيلة: فضيلة أداء الواجب في نفوس أناسها، فإنّه إن طُويت الضلوع على هذه الفضيلة فقد ضعف الخلاف بين الفرد والفرد، ومتى تمّ ذلك فقد قويت الأواصر بين الطبقة وأختها، ومتى التقت طبقات الأمّة فلا عادي ولا معدوّ عليه، فهي واصلة إلى غايتها التي لا غاية وراءها في مدنيّة الخلق والاجتماع، وما حاجة الأمّة حينئذ إلى التقاضي والتشاكي؟ وذلك هو المثل الاعلى الذي يتوخّاه الإمام علي صلوات الله عليه لحياة الأمم.

 

[ما هي الواجبات]:

من أجل ذلك وجب أن نبيّن للناس ما هو واجب لهم وما هو واجب عليهم، رضوا أم غضبوا، كرهوا أم أحبّوا «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ».(7)

1 ـ معرفة الله تعالى معرفة يصحّ بها الاعتقاد، فيكون على بصيرة من ربّه، ويعرف معنى كلمة التوحيد التي جاء بها الأنبياء من لدن آدم إلى خاتمهم محمّد (صلى الله عليه وآله)، بالتبشير بها وإيقاظ العقل البشريّ للايمان بقوّتها وآثارها في الكون، وأنّ كلّ ما عداها زيغً وبُهتان مبين.

2 ـ أوامر الدين ونواهيه: إنّ لكلّ دين من الأديان تكاليف وواجبات تكفل حفظ مظهره وتبسط سلطانه في الناس، وإنّ أوامر الدين الإسلاميّ من صلاة وصيام وحجّ وزكاة وما إلى ذلك ما هي إلاّ أعلام خفّاقة تهوي إليها النفوس، وتنتظم القلوب فتلبسها ثوب الدين، وتعصمها من الشرور، فتكون جنود الله في الأرض تعبده وتأخذ نفسها بمرضاته.

وإذا كان كلّ من ينتسب إلى عظيم أو زعيم يحمل شارته ويفاخر الناس بنبالته، فما أجدر المسلم أن يكون سمات الإسلام أظهر شيء لديه، ثمّ هي طهارة للنفوس وتهيئة لها للكمال.

فالصلاة تغسل أدران الشيطان من نفس الإنسان، وتعوّده الخير والتواضع، وتحول بينه وبين المحظورات، وكذلك بقيّة التكاليف تذكّر الإنسان بعظمة ربّه، وترسم أمام ناظريه الحلال والحرام، فيعرف ما يأخذ وما يدع. وليس هناك دين من غير عمل، فالمسلمون القائمون باسم الإسلام دون العمل بأوامره منعوا أنفسهم موارد السعادة، ومكنّوا لغريزة النفس الجامحة أن تتغلّب على عقولهم، إذ لا تجد من جنود الدين الروحية حاجزاً، وحرمت قائداً حكيماً يهديها سواء السبيل.

3 ـ مجاهدة النفس، ويا لله من مجاهدة النفوس، ولن يقدر على ذلك إلاّ أُولو العزم وذوو النفوس المسلمة حقّاً، من أجل ذلك عدّها النبي (صلى الله عليه وآله) أكبر عند الله من خدمة الإسلام بحدّ السيف، فقال بعد أن عاد من إحدى غزواته: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»(8) ومغالبة النفس إنّما تصدر عن قوة الإرادة والإخلاص لله.

4 ـ [العناية الدينية]: من الحتم على المسلم أن يحوط دينه بعنايته، ويرّد هجمات العدوّ عنه، وهذه جيوش المبشّرين من أوربيّين وأمريكان تغزو دين الإسلام باسم الانسانية والعلم ومعالجة المرضى، فيتّخذون سذاجة الطفل سبيلاً إلى محو دينه وإدخال العقائد المسيحيّة عليه بصنوف الحيل وألوان الإغراء، ويستضعفون المرضى المساكين الذين استسلموا بسبب قسوة المرض، فلا يعالجونهم إلاّ أن يسقوهم مع الدواء التثليث.

5 ـ الأخوّة الإسلاميّة وحميّة الدين لمناصرة المسلمين وإن بَعُدت ديارهم وتباينت أوطانهم، «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ»(9) والرسول الكريم كأنّه كان ينظر بنور الله إلى تاريخ المسلمين في مستقبلهم إلى أن تقوم الساعة، فخاف عليهم أن يكون بأسهم بينهم شديداً، وأن تكون قلوبهم شتّى، وكان يوجس خيفة كلّما جرّ الحديث مع أصحابه إلى الرابطة الإسلاميّة، فيوصيهم بالأخوّة من حينٍ لآخر فيقول: «المسلم أخو المسلم»(10) ويقول: «المسلمون أخوة تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمّتهم أدناهم، وهم يدٌ على من سواهم».(11)

* * *

ومن وصيّته (عليه السلام) للحسن والحسين (عليهما السلام): لمّا ضربه ابن ملجم لعنه الله

[ وفيها يوصي بالتقوى ونظم الأمر والاهتمام بفروع الدين]

«أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللَّهِ وَأَلَّا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَإِنْ بَغَتْكُمَا وَلَا تَأْسَفَا عَلَى شَي‏ءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا وَقُولَا بِالْحَقِّ وَاعْمَلَا لِلْأَجْرِ وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً وَلِلْمَظْلُومِ عَوْناً أُوصِيكُمَا وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي بِتَقْوَى اللَّهِ وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا (صلى الله عليه وآله) يَقُولُ صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ اللَّهَ اللَّهَ فِي الْأَيْتَامِ فَلَا تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ وَلَا يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ نهج‏البلاغة وَاللَّهَ اللَّهَ فِي جِيرَانِكُمْ فَإِنَّهُمْ وَصِيَّةُ نَبِيِّكُمْ مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُمْ وَاللَّهَ اللَّهَ فِي الْقُرْآنِ لا يَسْبِقُكُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ وَاللَّهَ اللَّهَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا عَمُودُ دِينِكُمْ وَاللَّهَ اللَّهَ فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ لا تُخَلُّوهُ مَا بَقِيتُمْ فَإِنَّهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ تُنَاظَرُوا وَاللَّهَ اللَّهَ فِي الْجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَعَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصُلِ وَالتَّبَاذُلِ وَإِيَّاكُمْ وَالتَّدَابُرَ وَالتَّقَاطُعَ لا تَتْرُكُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ ثُمَّ تَدْعُونَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ.

ثُمَّ قَالَ‏ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُلْفِيَنَّكُمْ تَخُوضُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ خَوْضاً تَقُولُونَ قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَلَا لا تَقْتُلُنَّ بِي إِلَّا قَاتِلِي انْظُرُوا إِذَا أَنَا مِتُّ مِنْ ضَرْبَتِهِ هَذِهِ فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً بِضَرْبَةٍ وَلَا تُمَثِّلُوا بِالرَّجُلِ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) يَقُولُ إِيَّاكُمْ وَالْمُثْلَةَ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ».

(شرح ابن أبي الحديد مج 4، ص 111، ط 1)

* * *

الشرح:

هذه وصيّة عامة لأهل بيته وغيرهم من المسلمين، نظمها في اثنتي عشرة مادّة، وقدّم عليها وصيّة خاصّة لولديه الحسن والحسين (عليهما السلام) في ست مواد تالية:

1 ـ ملازمة التقوى 2 ـ ترك طلب الدنيا وإن أقبلت 3 ـ ترك التأسّف على فوت أمور الدنيا مهما كانت 4 ـ ملازمة القول بالحقّ 5_ العمل للثواب وإدراك أجر الآخرة 6 ـ الخصومة مع الظالم وعون المظلوم للدفاع عنه.

 

وأمّا وصاياه العامّة:

[التقوى]:

1 ـ ملازمة التقوى: وهي فضيلة أراد بها القرآن إحكام ما بين الإنسان والخلق، وإحكام ما بين الإنسان وخالقه، ولذلك تدور هذه الكلمة ومشتقّاتها في أكثر آيات القرآن الأخلاقيّة والاجتماعيّة، والمراد بها أن يتّقي الإنسان ما يُغضب ربّه وما فيه ضرر لنفسه أو ضرار لغيره. فالتقوى في أصل معناها جعل النفس في وقاية، ولا تجعل النفس في وقاية إلاّ بالنسبة لما يُخاف، فخوف الله أصلها، والخوف يستدعي العِلم بالمخوف، ومن هنا كان الذي يعلم بالله هو الذي يخشاه، وكان الذي يخشاه هو الذي يتّقيه.

فالمتّقون هم الذي يقون أنفسهم عذاب الله وسخطه في الدنيا والآخرة، وذلك بالوقوف عند حدوده وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وهو لا يأمر إلاّ بما فيه خير للإنسانيّة، ولا ينهى إلاّ عمّا يضرّها.

عني القرآن بالتقوى عناية كبرى، وأكثر من الأمر وتوجيه النفوس إليها، وكانت له في ذلك أساليب مختلفة.

أمر بتقوى الله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ».(12)

وذلك يكون بالتوجيه إلى الله وحده في العبادة، واجتناب ما يأباه من الشرك ودعوى النبوّة له والخروج عن شرائعه وأحكامه العادلة.

ووصف القرآن التقوى بأنّها صيانة النفس عن كلّ ما يضرّ ويؤذي، سواء كان متّصلاً بها أم بجميع الخلق، والابتعاد عن كلّ ما يحول بين الإنسان والغايات النبيلة التي بها كماله في جسمه وروحه، ولهذا وصف الله المتّقين بأنهم من تحلّوا بالفضائل الانسانيّة الحقّة، قال الله تعالى: «لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ».(13) فالمتّصفون بهذه الصفات السامية هم الذين وصفهم الله بصفة التقوى. ولا تقتصر التقوى في القرآن على هذه الصفات، بل يضاف إليها الصفات التالية:

فالعدل من التقوى، قال الله تعالى: «اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى».(14)

والعفو من التقوى أيضاً، قال الله تعلى: «وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى».(15)

والاستقامة مع الأعداء هي من التقوى «فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ».(16)

 

[ثمرات التقوى]:

ذكر القرآن أنّ التقوى تجعل الإنسان في أمن من الخوف والحزن يوم القيامة، والنصر والتوفيق في هذه الحياة «أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الآْخِرَةِ».(17)

ومن ثمراتها الثواب العظيم والنعيم في الآخرة «لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَْنْهارُ».(18)

ومن ثمراتها أيضاً نيل رحمة الله، قال الله تعالى: «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ».(19)

ويذكرها القرآن في معرض تفريج الأزمات وحلّ المشكلات «وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ».(20) ويقول سبحانه: «وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً».(21)

وفي معرض النصر والتأييد «إِنَّ الأَْرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ».(22)

وفي معرض تنوير البصيرة «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً».(23) فالفرقان ما يفرق به بين شيئين ملتبسين أو أشياء مشتبهة، فثمرة التقوى هي نور البصيرة الذي يفرق بين الحقّ والباطل، واختيار طريقة النجاة.

هذه هي التقوى وصفات المتقّين وثمرتها في الأفراد والجماعات، لهذا ليس بمستغرب أن يوليها القرآن عناية فائقة ويدعو إليها كما جاء في هذه الآية البليغة والتي تدّل على عمق الروحيّة الإسلاميّة، «وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى».(24)

ولو أنّ العالم عرف التقوى وقام بواجبها لا نطفأت ثورة الشرّ، وساد السلام في ربوعه.

2 ـ من وصاياه العامّة صلوات الله عليه:

التزام النظم في كلّ الأمور، فإنّ عدم رعاية النظم يوجب عدم الوصول إلى المآرب والحوائج.

 

[إصلاح ذات البين]:

3 ـ إصلاح ذات البين، وترك الخصومة والنـزاع والنفاق.

فالاصلاح بين الناس صفة من أرفع الخصال في النفس الإنسانيّة التي لا تصدر إلاّ من قلوب نبيلة أحبّت الغير وسعت إلى الدفاع عنه. وهل مثل الاصلاح بين الناس يؤتي من خير ونفع للمجتمع، والذي يجعل الناس وحدة تسعى لبعضها البعض، لهذا أمر الله به بعد أن وصف الرباط بين المؤمنين وهو الأخوّة الدينية بقوله: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ».(25)

ودعا إلى الاصلاح بين طوائف المؤمنين «وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما».(26) ودعا إلى الاصلاح بين الزوجين «وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما».(27)

وبيّن الله ثواب الاصلاح بين الناس بهذه الآية البليغة «لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً».(28)

والمعنى: أنّ كثيراً من التناجي بين الناس لا خير فيه لما يحصل به كثير من الاثم، مما يُغتاب به الغير والطعن فيه، أو ممّا يُحاك به من المؤامرات ضدّ أفراد معيّنين يسبقونهم في السلطة والنفوذ بقصد الاستعلاء عليهم، ثمّ حدّد القرآن السبيل الذي يجب أن يسلكه الناس في تناجيهم، وهو تأمين حاجات الطبقة الفقيرة والأمر بالخير والاحسان والاصلاح بين الناس، ومن يفعل هذه الأعمال لوجه الله وطلب مرضاته فإنّ الله سيؤتيه الثواب العظيم والأجر الجزيل.

هذا النصّ القرآنّي يحمل أروع معاني السمّو الخلقيّ الذي تفتقر إليه الجماعة للحصول على الاستقرار الذي تنشده.

وإنّ الانسانية اليوم لم تكثر فيها البلبلة والتنازع إلاّ بإغفالها العمل بهذه التعاليم السامية.

وبالتالي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصيام»،(29) ووجه الأفضليّة هنا واضح، فإنّ أهمّ المطالب للشارع (صلى الله عليه وآله) جمع الخلق على سلوك سبيل الله وانتظامهم في سلك دينه، ولن يتمّ ذلك مع تنازعهم وتنافر طباعهم وثوران الفتنة بينهم، فكان صلاح ذات البين ممّا لا يتمّ أهّم مطالب الشارع إلاّ به، وهذا المعنى غير موجود في الصلاة والصيام لإمكان المطلوب المذكور بدونهما، فتحقّقت أفضليّته من هذه الجهة.

 

[رعاية الأيتام]:

4 ـ في حفظ مالهم وتربيتهم في قوله صلوات الله عليه: «الله الله في الأيتام فلا تغبّوا أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم».

قال ابن أبي الحديد: والظاهر أنّه لا يعني بالأيتام الذين لهم مال تحت أيدي أوصيائهم، لأنّ الأوصياء أولئك محرّم عليهم أن يُصيبوا من أموال اليتامى إلاّ القدر النـزر جدّاً عند الضرورة، ثمّ يقضونه مع التمكّن، ومن هذه حاله لا يحسن أن يَقال له لا تغبّوا أفواه أيتامكم، وإنّما الأظهر أنّه يعني الذين مات آباؤهم وهم فقراء، يتعيّن مواساتهم ويقبح القعود عنهم كما قال تعالى: «وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً»(30) واليتيم في الناس من قِبل الأب، وفي البهائم من قبل الأم؛ لأنّ الآباء من البهائم لا عناية لهم بالأولاد بل العناية للأم لأنها الرحيمة المشفقة، وأمّا الناس فإنّ الأب هو الكافل القيّم بنفقة الولد، فإذا مات وصل الضرر إليه لفقد كافله، والأمّ بمعزل عن ذلك،(31) وما يُنسب لأمير المؤمنين صلوات الله عليه:

ما إن تأوّهت من شيء رُزئت به
قد مات والدُهم من كان يكفلهم

 

كما تأوّهت للأيتام في الصغر
في النائبات وفي الأسفار والحضر(32)

ولا يسمّى الصبيّ يتيماً إلاّ إذا كان دون البلوغ، فإذا بلغ زال اسم اليتيم عنه، واليتامى أحد الأصناف الذين عينّوا في الخمس بنصّ الكتاب العزيز.

 

[رعاية الجيران]:

5 ـ رعاية الجيران في قوله صلوات الله عليه: «والله الله في جيرانكم فإنّهم وصيّة نبيّكم، ما زال يُوصي بهم حتّى ظننّا أنّه سيورّثهم».

فإنّ الجار بمنـزلة الملتجأ المأمون بالنسبة إلى جاره، ومن حقّه كفّ السوء عنه والاحسان إليه والاعانة بالنسبة إليه.

وحقّ الجوار قريب من حقّ الرحم، إذ الجوار يقتضي حقّاً وراء ما تقتضيه أُخوّة الإسلام، فيستحقّ الجار المسلم ما يستحقه كلّ مسلم وزيادة، فمن قصّر في حقّه عداوة أو بخلاً فهو آثم، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «الجيران ثلاثة: فمنهم من له ثلاثة حقوق: حقّ الجوار وحقّ الإسلام وحقّ القرابة، ومنهم من له حقّان: حقّ الإسلام وحقّ الجوار، ومنهم من له حقّ واحد: الكافر له حقّ الجوار»(33) فانظر كيف أثبت للكافر حقّ الجوار. وقال (صلى الله عليه وآله): «لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه»(34) وقيل له: فلانة تصوم الناهر وتقوم الليل وتتصدّق وتؤذي جارها بلسانها، فقال (صلى الله عليه وآله): «لا خير فيها، هي من أهل النار».(35)

وعن علي صلوات الله عليه أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتب بين المهاجرين والأنصار ومن لحق بهم من أهل يثرب «أنّ الجار كالنفس غير مضارّ ولا آثم»(36) وحرمة الجار على الجار كحرمة أمّه، وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «حسن الجوار زيادة في الأعمار وعمارة في الديار»(37) وقال: «ليس منّا مَن لم يحسن مجاورة من جاوره»(38) وقال: (عليه السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «ما آمن بي مَن بات شبعاناً وجاره جائع»(39) وقال: إنّ يعقوب (عليه السلام) لما ذهب عنه بنيامين نادى: يا ربّ أما ترحمني، أذهبتَ عيني وأذهبت ابني؟ فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: لو أمتُّهما لأحييتُهما لك حتّى أجمع بينك وبينهما، ولكن تذكر الشاة التي ذبحتَها وشويتها وأكلت، وفلان إلى جانبك صائم لم تُنِله منها شيئاً.(40) وفي رواية أخرى: «فكان بعد ذلك يعقوب ينادي مناديه كلّ غداة ومساء من منـزله على فرسخ: ألا من أراد الغداء أو العشاء فليأت إلى يعقوب»(41) وفي بعض الأخبار: أنّ الجار الفقير يتعلّق بجاره الغني يوم القيامة ويقول: سل يا ربّ هذا لِم منعني معروفه وسدّ بابه دوني؟ (42)

وقال (صلى الله عليه وآله): «جار السوء في دار المقامة قاصمة الظهر» وعنه (صلى الله عليه وآله): «من جهد البلاء جار سوءٍ معك في دار مقامة، إن رأى حسنة دفنها، وإن رأى سيئة أذاعها وأفشاها»(43) ومن أدعيتهم: اللهمّ إنّي أعوذ بك من مال يكون عليّ فتنة، ومن ولد يكون علّي كَلاًّّ، ومن حليلة تقرّب الشيب، ومن جار تراني عيناه وترعاني أذناه، إن رأى خيراً دفنه، وإن سمع شراً طار به.(44)

 

حدود الجوار وحقّه:

معرفة الجوار موكولة إلى العرف، فأيّ دار يطلق عليها الجار عرفاً يلزم مراعاة حقوق أهلها، والمستفاد من بعض الأخبار أنّ كلّ أربعين داراً من كلّ واحد من الجوانب الأربعة جيران، ثمّ لا ينحصر حقّ الجار في مجرّد كفّ الأذى، إذ ذلك يستحقّه كلّ أحد، بل لا بدّ من الرفق وإهداء الخير والمعروف وتشريكه فيما يملكه ويحتاج له من المطاعم، وينبغي أن يبدأه بالسلام، ويعوده في المرض، ويعزّيه في المصيبة، ويقوم معه في العزاء، ويهنّئه في الفرح، ويصفح عن زلاّته، ويستر ما اطلّع عليه من عوراته، ولا يضايقه في وضع الجذع على جداره، ويغضّ بصره عن حرمه، ولا يغفل عن ملاحظة داره عند غيبته، إلى غير ذلك ممّا ندبت إليه الشريعة الغرّاء.

 

[الاهتمام بالقرآن]:

6 ـ وصيّته بملازمة القرآن تعليماً وتعلّماً، وملازمة العمل به وبأحكامه، كما في قوله صلوات الله عليه:

«والله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم» وقد حذّر من المسامحة في ذلك إلى حيث يسبق غير المسلمين بأحكام العامّة من الصدق والتعاون والجدّ في العمل، حتّى تقدّموا على المسلمين في كثير من الأمور.

 

[الاهتمام بالصلاة]:

7 ـ الوصيّة بملازمة الصلاة في قوله صلوات الله عليه: «والله الله في الصلاة فإنّها عمود دينكم».

ذلك أنّ الصلاة عمود الدين وملاك تربية المسلمين وجمعهم وتأليف قلوبهم ووحدتهم، وأنّها بتمام شروطها سبب لحصول أنوار في القلب، تكون الأنوار مفاتيح للعلوم الباطنة، وإنّما يفيض منها على كلّ مُصلٍّ على قدر صفائه من كدورات الدنيا، ويختلف ذلك بالقلّة والكثرة والقوّة والضعف والجلاء والخفاء، ويختلف أيضاً بما ينكشف من العلوم، فينكشف لبعضهم من صفات الله وجلاله، ولبعضهم من عجائب أفعاله، ولبعضهم دقائق علوم المعاملة، ولبعضهم غير ذلك، وأولى بالظهور والافاضة لكلّ شخص ما يهمّه ويكون في طلبه، وإلى ما ذكرنا من ترتّب الافاضات العلوية على الصلاة الخالصة لوجه الله المؤداّة بالشروط المذكورة أشار النبي (صلى الله عليه وآله) بقوله: «إنّ العبد إذا قام في الصلاة رفع الله الحجاب بينه وبين عبده، وواجهه بوجهه، وقامت الملائكة من لدن منكبيه إلى الهواء، يصلّون بصلاته، ويؤمّنون على دعائه، وإنّ المصلّي لينشر عليه البرّ من أعنان السماء إلى مفرق رأسه، ويناديه منادٍ: لو علم المصلّي مَن يناجي ما التفت، وإنّ أبواب السماء تُفتح للمصلّين، وإنّ الله يباهي ملائكته بصدق المصلّي».(45)

فإنّ رفع الحجاب وفتح أبواب السماء كناية عن إفاضة العلوم الباطنة عليه.

 

وورد في التَوراة:

يا ابن آدم لا تعجز أن تقوم بين يديّ مصلّياً باكياً، فأنا الله الذي اقتربت من قلبك، وبالغيب رأيت نوري».(46)

وورد أنّ العبد إذا صلّى ركعتين عجبت منه عشرة صفوف من الملائكة، كلّ صف منهم عشرة آلاف، وباهى الله به مائة ألف.(47)

وذلك لأنّ العبد جمع في الصلاة بين القيام والقعود والركوع والسجود والذكر باللسان وغير ذلك، وليس لملك من الملائكة هذا النوع من العبادة الجامعة بين الكلّ، بل هذه الأفعال موزّعة عليهم، فبعضهم قائمون لا يركعون إلى يوم القيامة، وبعضهم ساجدون لا يرفعون إلى يوم القيامة، وهكذا الراكعون والقاعدون، فإنّ ما أُعطي الملائكة من القرب والرتبة لازم لهم، مستمرّ على حالة واحدة لا تزيد ولا تنقص، وليس لهم مرتبة الترقّي من درجة إلى أخرى، وباب المزيد مسدود عليهم، ولذلك قالوا: «وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ»(48) بخلاف الإنسان فإنّ له الترقّي في الدرجات والتقلّب في أطوار الكمالات، ومفتاح مزيد الدرجات هي الصلاة، قال الله سبحانه: «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ»(49) فمدحهم بعد الإيمان بصلاة مخصوصة وهي المقرونة بالخشوع، ثمّ ختم أوصاف المفلحين بالصلاة أيضاً فقال في آخرها: «وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ»(50) ثم قال في ثمرة تلك الصفات: «أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ»(51) فوصفهم بالفلاح أولاً، وبوراثة الفردوس آخراً، فالمصلّون هم ورثة الفردوس، وورثة الفردوس هم المشاهدون لنور الله بقربه ودنوّه بالقلب، وكلّ عاقل يعلم أنّ مجرّد حركة اللسان والجوارح مع غفلة القلب لا تنتهي درجته إلى هذا الحدّ.

 

[شعيرة الحج]:

8 ـ الوصيّة بملازمة إقامة شعائر الحجّ في قوله صلوات الله عليه: «والله الله في بيت ربّكم لا تخلّوه ما بقيتم، فإنّه إن تُرك لم تُناظروا».

ذلك ليجتمع جميع المسلمين في هذا المعبد الإسلاميّ العامّ، فيتعارفون ويتعاونون ويشدّ بعضهم أزر بعض، فإنّ الحجّ عمود الاجتماع الإسلاميّ، فلو ترك تنثلم الوحدة الإسلاميّة ولا يناظر المسلمون.

الحجّ في الشرع الإسلاميّ قصد البيت الحرام بمكّة للعبادة، والحجّ من الشئون الدينيّة التي كانت تُعرف من لدن أقدم العصور عند جميع الأمم.

وكان العرب قبل الإسلام ـ كسائر الأمم ـ يحجّون إلى البيت الحرام الذي بناه إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل (عليهما السلام) في مكّة.

فلمّا جاء الإسلام أقرّ الحجّ، ولكنّه لم يدعه على ما كان عليه في عهد الجاهليّة، فإنّ العرب كانوا يطوفون بالبيت الحرام عراة الأجساد مشبّكين بين أصابعهم يصفرون ويصفّقون، وقد سجّل الله عليهم هذه الحالة، فقال مستهزئاً بهم: «وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً»(52) كما أنّه لمّا قوى الإسلام أمر الرسول (صلى الله عليه وآله) أن لا يدخل البيت الحرام عريان.

 

قصة بناء الكعبة:

الكعبة هي الموطن الأساسيّ لأداء فريضة الحجّ، لذا يجدر بنا أن نلمّ بقصّة بنائها:

إنّ بناء الكعبة يرجع إلى عصر إبراهيم الخليل (عليه السلام)، فقد فشت عبادة الأصنام في ذلك الزمن وهجر الناس عبادة الله، فهاجر إبراهيم من بلاد الشام موطن آبائه وأجداده ومعه زوجه هاجر وولده إسماعيل، واتجّه جنوباً حتّى حطّ رحله في بادية الحجاز بعيداً عن الناس، ليكوّن أسرة تعبد الله وحده.

وعندما شبّ إسماعيل وبلغ أشدّه أمر الله تعالى إبراهيم أن يُقيم مصلّى لتجتمع حوله الناس لعبادة الله ولذكره وشكره على ما أنعم عليهم، وقد ذكر الله ذلك الحادث بقوله: «وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»(53).

فلمّا أتمّ إبراهيم البناء مع ابنه إسماعيل أمرهما الله أن يحافظا عليه ويُبعدا عنه كلّ رجس، سواء كان مادّياً ـ كالأقذار ـ أم معنويّاً كالاشراك بالله، قال الله تعالى: «وَعَهِدْنا إلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ»(54) فالكعبة هي أوّل بيت وُضع للناس لعبادة الله وحده، كما يقول الله تعالى: «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً».(55)

مات إبراهيم وتبعه إسماعيل (عليها السلام)، وطال الزمن فأدخل الناس في أمور الحجّ أشياء منكرة من الشرك وعبادة الأصنام، لهذا بعث الله محمّداً (صلى الله عليه وآله) للقضاء على الشرك، وللرجوع إلى توحيد الله كما دعا إليه إبراهيم (عليه السلام)، قال الله تعالى مخاطباً أمّة محمّد (صلى الله عليه وآله): «هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ»(56) فالإسلام يعتبر الحجّ وسيلة لا غاية لتحقيق الفوائد الروحيّة والأدبيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، وتنطق بذلك هذه الآية «وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَْنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ».(57)

تأمّل قوله تعالى: «لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ» وقد فسّر العلماء المنافع بأنّها دينيّة ودنيويّة معاً، والدين والدنيا في نظر القرآن مترابطان ترابط الروح بالجسد، فإذا كان الدين يمدّ الروح بالإيمان الصحيح والآداب، فإنّ أمور الدنيا تمدّه بأسباب البقاء ودواعي الارتقاء. فلو أردنا أن نستقصي ما يمكن أن يُثمره الحجّ للمسلمين كافّة من وجوه المنافع الأدبيّة والماديّة لضاق بنا المجال، فإن لم يكن فيه إلّا تعارف الشعوب الإسلاميّة وإلمام بعضها بحاجات بعض لكفاها ذلك للوصول إلى مستوى رفيع بين شعوب العالم، ولكن ويا للأسف! لا تزال الأمم الإسلاميّة تجهل أو تهمل هذه النواحي العظيمة الجديرة بالالتفات والاهتمام.

فالحجّ مؤتمر عام لتوحيد غايات المسلمين وتوجيههم إلى مصادر الحياة الصحيحة، بما يقتبسه بعض شعوبهم من ثقافات البعض الآخر، ممّا يكونون قد هدوا إليه دون غيرهم، سواء كان ذلك في عالم العلم أو العمل.

شهادة الدكتور فيليب حتى في الحجّ في كتابه «تاريخ العرب» عند كلامه عن الحجّ عند المسلمين:

«ولا يزال الحجّ على كرّ العصور نظاماً لا يبارى في تشديد عُرى التفاهم الإسلاميّ، والتأليف بين مختلف طبقات المسلمين، وبفضله يتسنّى لكلّ مسلم أن يكون رحّالة مرّة في حياته على الأقلّ، وأن يجتمع مع غيره من المؤمنين اجتماعاً أخويّاً، ويوحّد شعوره مع شعور سواه من القادمين من أطراف الأرض، وبفضل هذا النظام يتيسّر للزنوج والبربر والصينيّين والفرس والترك والعرب وغيرهم، أغنياء كانوا أو فقراء، عظماء أو صعاليك، أن يتآلفوا لغة وإيماناً وعقيدة، وقد أدرك الإسلام نجاحاً لم يتّفق لدين آخر من أديان العالم في القضاء على فوارق الجنس واللون والقوميّة خاصّة بين أبنائه، فهو لا يعترف بفاصل بين أفراد البشر إلاّ الذي يقوم بين المؤمنين وبين غير المؤمنين، ولا شكّ أنّ الاجتماع في مراسم الحجّ أدّى خدمة كبرى في هذا السبيل».

 

[أسرار الحج]:

ولنختم الكلام بما ورد عن مولانا الصادق (عليه السلام) في أسرار الحجّ ودقائقه تبرّكاً بكلامه وتشريفاً للختام:

روي في مصباح الشريعة(58) عنه (عليه السلام) وعلى آبائه وأولاده الطاهرين أنّه قال: «إذا أردت الحجّ فجرّد قلبك لله تعالى من شغل كلّ شاغل وحجاب كلّ حاجب، وفوّض أمورك كلّها إلى خالقك، وتوكّل عليه في جميع ما تظهر من حركاتك وسكناتك، وسلّم لقضائه وحكمه وقدره، ودع الدنيا والراحة والخلق، واخرج من حقوق تلزمك من جهة المخلوقين، ولا تعتمد على زادك وراحلتك وأصحابك وقوّتك وشبابك ومالك، مخافة أن يصير ذلك عدواً ووبالاً، فإنّ من ادّعى رضا الله واعتمد على من سواه صيّره عليه وبالاً وعدوّاً ليعلم أنّه ليس له قوّة وحيلة ولا حدّ إلاّ بعصمة الله وتوفيقه، فاستعدّ استعداد مَن لا يرجو الرجوع، وأحسن الصحبة، وراعِ أوقات فرائض الله وسُنن نبيّه (صلى الله عليه وآله) وما يجب عليك من الأدب والاحتمال والصبر والشكر والشفقة والسخاوة وإيثار الزاد على دوام الأوقات، ثمّ اغسل بماء التوبة الخالصة ذنوبك، والبس كسوة الصدق والصفاء والخضوع والخشوع، وأحرِم من كلّ شيء يمنعك عن ذكر الله ويحجبك عن طاعته، ولبِّ بمعنى إجابة صادقة صافية خالصة زاكية لله تعالى في دعوتك متمسّكاً بالعروة الوثقى، وطف بقلبك مع الملائكة حول العرش كطوافك مع المسلمين بنفسك حول البيت، وهرول هرولة من هواك، وتبرَّ من حولك وقوّتك، واخرُج من غفلتك وزلاّتك بخروجك إلى منى، ولا تتمنّ ما لا يحلّ لك ولا تستحقّه، واعترف بالخطايا بعرفات، وجدّد عهدك عند الله تعالى بوحدانيّته، وتقرّب إليه واتّقه بمزدلفة، واصعد بروحك إلى الملأ الأعلى بصعودك على الجبل، واذبح حنجرة الهوى والطمع عند الذبيحة، وارمِ الشهوات والخساسة والدناءة والأفعال الذميمة عند رمي الجمرات، واحلق العيوب الظاهرة والباطنة بحلق شعرك، وادخُل في أمان الله وكنفه وستره وكلائته من متابعة مرادك بدخولك الحرم، ودر حول البيت متحقّقاً لتعظيم صاحبه ومعرفة جلاله وسلطانه، واستلم الحجر رضاً بقسمته وخضوعاً لعزته، وودّع ما سواه بطواف الوداع، وصفِّ روحك وسرّك للقائه يوم تلقاه بوقوفك على الصفا والمروة، وكن بمرأى من الله، نقيّاً أوصافك عند المروة، واستقم على شرط حجّتك هذه ووفاء عهدك الذي عاهدت به مع ربّك وأوجبته له إلى يوم القيامة، واعلم بأنّ الله تعالى لم يفرض الحجّ ولم يخصّه من جميع الطاعات بالاضافة إلى نفسه بقوله تعالى: «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً» ولا شرّع نبيّه سنّته في خلال المناسك على ترتيب ما شرّعه إلاّ للاستعداد والاشارة إلى الموت والقبر والبعث والقيامة وفضل بيان السبق من الدخول في الجنّة أهلها ودخول النار أهلها بمشاهدة مناسك الحجّ من أوّلها إلى آخرها لأُولي الألباب وأُولي النهى «انتهى كلامه (عليه السلام)»(59).

9 ـ الوصيّة بالجهاد بالمال والنفس واللسان بقوله صلوات الله عليه:

«والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله».

الأمّة الإسلاميّة مكلّفة بتحقيق العدالة في الأرض، وهذا التكليف يقتضي من المسلمين أن يكافحوا الظلم والبغي حيث كان ويزيلوا أسبابه، لا ليملكوا الأرض ويستولوا على المرافق ويستذلّوا الأنفس؛ بل لتحقيق كلمة الله في الأرض خالصة من كلّ غرض، وهذا ما يُطلق عليه في الإسلام (الجهاد في سبيل الله) و(القتال في سبيل الله).

وسبيل الله هو سبيل الحقّ، فكلّ قتال لأجل الدين والدفاع عنه فهو في سبيل الله، وكلّ قتال لدفع الظلم ومعاونة المظلومين ضدّ الظالمين ونصرة الحقّ فهو من القتال في سبيل الله، وكلّ طريق للوصول إلى الحقّ أو حمايته أو الدفاع عنه فهو من سُبل الله سبحانه وتعالى.

والقرآن يدعو في كثير من الآيات للقتال في سبيل الله خالصاً من أيّ غرض دنيويّ. أنظر إلى هذه الآيات التي نزلت على الرسول وهو في المدينة المنوّرة والتي تبين أهداف القتال:

«فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالآْخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً».(60)

ففي هاتين الآيتين لفت لطيف إلى أنّ الحرب في الإسلام ليست للتحكّم في الرقاب ولإذلال العباد، بل هي في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين من المؤمنين الساكنين في مكّة الذين استذّلهم أهل مكّة الكفّار، وآذوهم أشد الإيذاء ليمنعوهم من الهجرة، وليفتنوهم عن دينهم، هؤلاء المستضعفون الذين فقدوا النصير واستغاثوا بالله، فعليكم أيّها المؤمنون أن تنصروهم وترفعوا عنهم الظلم.

ثمّ قال تعالى بعد ذلك عقب الآيتين اللتين ذكرناهما: «الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً»(61) والطغيان حسب ما نصّت عليه معاجم اللغة هو مجاوزة الحدّ، وكلّ شيء جاوز المقدار والحدّ في العصيان فهو طاغ، يقال: طغى السيل: ارتفع حتّى جاوز الحدّ في الكثرة، وكذلك إذا تجاوز الإنسان الحدّ وعلا في الأرض يُفسد فيها ويستعبد الناس ويسلبهم حقوقهم ويحرمهم ثمرات الأرض وخيراتها، فذلك هو «القتال في سبيل الطاغوت» الذي ندّد به الله وجعله شعار الكفار.

أمّا القتال في سبيل الله فهو الذي غايته أن يرفرف القانون الإلهيّ العادل على العالمين، دون أن يكون هناك غاية شخصيّة أو علوّ في الأرض كما أمر به تعالى «تِلْكَ الدَّارُ الآْخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَْرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ».(62)

وقد ورد في الحديث أنّه قال أعرابيّ للنّبي (صلى الله عليه وآله): الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذِّكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال (صلى الله عليه وآله): «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله».(63)

فالإسلام في جهاد دائم لا ينقطع أبداً لتحقيق كلمة الله في الأرض، أي لتحقيق النظام الصالح الذي يُسعد البشريّة، والأمّة الإسلاميّة مُنتدبة لرفع الظلم عن الأفراد والجماعات في أقطار الأرض كافّة، بقطع النظر عن ألوانهم وأجناسهم وأديانهم، قال الله تعالى مخاطباً أمّة محمّد (صلى الله عليه وآله): «وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً».(64)

أي لتكونوا شهداء على الناس في تقصيرهم وغلوّهم، فتقوموا بإصلاح عوجهم.

وليس في هذا الأمر إظهار فضل أمّة على أمّة أخرى أوجرح كبرياء أمّة من الأمم، لأنّ الله الذي وضع هذا الانتداب لم يجعله ميزة لشعب من الشعوب ولا وقفاً على جنس من الأجناس، ولكنّه جعله للجماعة التي تدين بأصوله مهما كان لون هذه الجماعة أو جنسيّتها، ولهذا كانت دعوة الإسلام في سبيل الاصلاح عامّة لكافّة الجنس البشريّ لا تختصّ بأمّة دون أمّة، ولا بطائفة دون طائفة، ونصوص القرآن واضحة في أنّ الإسلام دين عامّ للناس كافّة، قال الله تعالى مخاطباً رسوله محمّداً: «قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالأَْرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُْمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ».(65) وقال سبحانه: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ».(66)

 

الاستعداد للحرب:

ومن مزايا الشريعة الإسلاميّة أنّها شريعة عمليّة تواجه الحقائق البشريّة بالحلّ العمليّ، فما دامت الموعظة الحسنة لا تردّ الظلم والاعتداء، وما دام أعداء الإسلام لا يرضون حسن الجوار والعهد القائم على الانصاف وحريّة العقيدة، فإنّ الحرب واقعة بين الناس؛ ولهذا أمر الإسلام بالاستعداد لها، وأخذ الأهبة للحرب، قال الله تعالى: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْ‏ءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ».(67)

أمر الله المسلمين في هذه الآية بأن يستعدّوا لأعدائهم بكلّ ما يستطيعون من قوّة، وهو أمر لا يختصّ بزمان ولا بفريق من الناس، ولفظ القوّة عامّ في كلّ ما يُتقوّى به على حرب العدوّ، وكلّ ما هو آلة للحرب من الحصون وأسلحة البر والبحر والهواء على اختلاف أنواعها وأشكالها بحسب الأزمنة والأمكنة المختلفة، ومصانع الذخيرة وكلّ ما يفيد في صلاحيّة الأمّة للحرب، كإنشاء معاهد لتعليم فنون الحرب، وغير ذلك مما يجعل الأمّة قويّة مرهوبة الجانب.

ومعنى قوله تعالى: «وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ» يعني حبسها واقتناءها، وقد أمر الله بإعداد رباط الخيل لأنّ الخيل كانت مركب الحرب في زمن الرسول، فإذا تغيّر الزمان وصار مركب الحرب سفناً حربيّة وطائرات وسيّارات مصفّحة، وجب على المسلمين أن يعدّوا ذلك، لأنّ الأمر بإعداد رباط الخيل ليس لذات الخيل، بل لأنّها مركب الحرب، فإذا صار مركب الحرب شيئاً غيرها أقوى منها انتقل الأمر إليه.

والقصد من إعداد هذه القوى إرهاب الأعداء وإخافتهم من عاقبة التعدّي على بلاد الأمّة الإسلاميّة ومصالحها، ولأجل أن تكون آمنة في عقر دارها، وهذا ما يسمّى في عُرف هذا العصر بالسلم المسلّح، وقد أوجبه الإسلام قبل أن يعرفه أهل أوروبا بزمن طويل، وهذا معنى قوله تعالى: «تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ».

 

وصايا عامّة أثناء الحرب:

وعند اندلاع الحرب تتجلّى لنا ناحية رائعة في تعاليم الإسلام التي يفرضها على أتباعه، والتي هي عماد النصر للشعوب الآخذة به، قال الله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ».(68)

اشتملت هاتان الآيتان على خمس وصايا، وهي:

أولاً: الثبات عند لقاء العدو وعدم الفرار من المعركة؛ والنظام الحربي المعاصر يقضي بقتل الجنديّ الفارّ من القتال حال فراره، وذلك خشية أن تنتقل عدوى فراره إلى غيره، فتحدث البلبلة والجزع في صفوف المقاتلين، فيكون داعياً لهم على الهزيمة.

ثانياً: ذكر الله في حالة الحرب؛ فذكر الله في حالة الحرب له تأثير فعّال في النصر، لأنّ الإيمان يمدّ المحارب بقوّة معنويّة هائلة تسند القوّة الماديّة فتدعمها ويكون لها الحكم الفصل في المعركة.

ثالثاً: الطاعة؛ طاعة الله أولاً، وذلك ما أمرهم به من الوصايا التي تنهض بحالهم، وعدم معصيته. وإطاعة الرسول فيما يأمر به من شؤون القتال، فقد كان الرسول هو قائدهم في أغلب المعارك التي خاضوها ضدّ الكفار.

رابعاً: عدم التنازع، فالنـزاع في حال القتال مدعاة للفشل وتغلّب الأعداء عليهم.

خامساً: الصبر على ما يكرهون من شدّة، وما يلاقون من بأس العدو وكثرة عدده، فإنّ الله مع الصابرين بالمعرفة والتأييد، والصبر في الحرب من أعظم الوسائل لنيل النصر.

10 ـ التواصل وحفظ الرابطة مع الإخوان المسلمين في شتّى البلاد الإسلاميّة، وبذل العون بالمال والحال بعضهم مع بعض في قوله صلوات الله عليه: «وعليكم بالتواصل والتباذل».

التواصل والتزاور من ثمرات النصيحة والمحبّة، وثوابه أكثر من أن يُحصى، فعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «حدّثني جبرئيل (عليه السلام) أنّ الله (عز وجل) أهبط إلى الأرض ملكاً، فأقبل ذلك الملك يمشي حتّى وقع إلى باب عليه رجل يستأذن على رب الدار، فقال له الملك: ما حاجتك إلى ربّ هذه الدار؟ قال: أخ لي مسلم زُرته في الله تبارك وتعالى، فقال له الملك: ما جاء بك إلاّ ذاك؟ فقال: ما جاء بي إلاّ ذاك، قال: فإنّي رسول الله إليك، وهو يقرئك السلام ويقول: وجبت لك الجنة. وقال الملك: إنّ الله (عز وجل) يقول: يقول: أيّما مسلم زار مسلماً فليس إيّاه زار؛ بل إيّاي زار، وثوابه علّي الجنة».(69)

وقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «لقاء الاخوان مغنم جسيم وإن قلّوا».(70)

وقال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): إنّ لله (عز وجل) جنّة لا يدخلها إلاّ ثلاثة: رجل حكم على نفسه بالحقّ، ورجل زار أخاه المؤمن في الله، ورجل آثر أخاه المؤمن في الله».(71)

وقال(عليه السلام): «أيّما مؤمن خرج إلى أخيه يزوره عارفاً بحقّه كتب الله له بكلّ خطوة حسنة، ومُحيت عنه سيئة، ورُفعت له درجة؛ (72) والأخبار الواردة بهذا المضامين كثيرة.

11 ـ ترك التدابر والهجر والقطيعة، فإنه يوجب المقت والعداوة وسوء الظنّ والتخاذل، في قوله صلوات الله عليه: «وإيّاكم والتدابر والتقاطع».

ذلك أن التدابر والتقاطع من رذائل الأعمال وذمائم الأفعال، ومن نتائجهما العداوة والحقد، أو الحسد أو البُخل.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «أيّما مسلمَين تهاجرا، فمكثا ثلاثاً لا يصطلحان إلاّ كانا خارجين من الإسلام ولم يكن بينهما ولاية، فأيّهما سبق الكلام لأخيه كان السابق إلى الجنة يوم الحساب».(73)

وقال (صلى الله عليه وآله): «لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث».(74)

وقال الصادق (عليه السلام): «لا يفترق رجلان على الهجران إلاّ استوجب أحدهما البراءة واللعنة، وربما استحقّ ذلك كلاهما» فقال له معتب: جعلني الله فداك هذا للظالم، فما بال المظلوم؟ قال: «لأنّه لا يدعو أخاه إلى صلته، ولا يتعامس(75) له عن كلامه، سمعت أبي (عليه السلام) يقول: إذا تنازع اثنان فعاد أحدهما الآخر فليرجع المظلوم إلى صاحبه، حتّى يقول لصاحبه «أي أخي أنا الظالم» حتى يقطع الهجران بينه وبين صاحبه، فإنّ الله تبارك وتعالى حكمٌ عدل يأخذ للمظلوم من الظالم».(76)

وقال (عليه السلام): «لا يزال إبليس فرحاً ما اهتجر المسلمان، فإذا التقيا اصطكّت ركبتاه وتخلّعت أوصاله ونادى: يا ويله ما لقي من الثبور».(77)

وقال الإمام الباقر (عليه السلام): «إنّ الشيطان يُغري بين المؤمنين ما لم يرجع أحدهم عن دينه، فإذا فعلوا ذلك استلقى على قفاه وتمدّد ثمّ قال: فزت، فرحم الله امرءاً ألّف بين وليّين لنا، يا معشر المؤمنين تآلفوا وتعاطفوا».(78) والأخبار الواردة في ذم الهجران والتباعد كثيرة.

12 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

في قوله صلوات الله عليه: «لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيُولّى عليكم أشراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم».

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهمّ الذي ابتعث الله له النبيّين أجمعين، ولو طوي بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطّلت النبوّة واضمحلّت الديانة، وعمّت الفترة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتّسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلى يوم التناد.

والأدلّة على لزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة في الشريعة الإسلاميّة، حتّى لقد عُدّت بحقّ شريعة الأمر بالتواصي بالحقّ والتناهي عن المنكر، فقد قال الله تعالى:

«وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ».(79)

وقال تعالى في سورة آل عمران: «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»(80) وقال تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ».(81)

وقد روي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال: «ما أعمال البرّ عند الجهاد في سبيل الله إلاّ كنفثة في بحرٍ لجيٍّ، وما جميع أعمال البرّ والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلاّ كنفثةٍ في بحرٍ لجيٍّ».(82)

وقال (صلى الله عليه وآله): «إنّ أفضل الجهاد كلمة حقٍّ عند سلطان جائر».(83)

والأخبار متضافرة بما كان عليه سلف هذه الأمة من القيام بذلك الحقّ، لا يهابون في ذلك سلطان ذي سلطان، ولا تأخذهم رأفة في دين الله ولا هوادة في إقامة حقّه والأخذ بناصر دينه. وكلّ شيء هيّن في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكلّ عذاب سهل مقبول إذا كان من كلمة حقّ قالوها، لا يمنعهم من أن يصدموا بها أقوى الحكّام عتوّاً وأشدّهم قسوة، وأبعدهم في الأذى منالاً.

وما أخبار وعّاظ التابعين مع الحجّاج وأشباهه من حكّام بين أميّة ببعيدة عن الأذهان: كانوا لا يتّخذون فيما يفعلون تقيّة، ولا يرضون في دينهم بالدنيّة:

 

[الحسن البصري يمدح علياً (عليه السلام)]:

يروى أنّ الحجّاج جمع بعض علماء العراق وفيهم الحسن البصريّ والشعبيّ، وأخذ يحادثهم، فذكر علي بن أبي طالب صلوات الله عليه فنال منه وجاراه من معه تقريباً له، وأمناً من شرّه، إلاّ الحسن البصري فصمت على مضض وعضّ على إبهامه إذ غلى مرجل غضبه، فالتفت إليه الحجّاج وقال: يا أبا سعيد ما لي أراك ساكتاً؟ قال: ما عسيت أن أقول؟ قال: أخبرني عن رأيك في أبي تراب، قال: سمعت الله جلّ ذِكره يقول: «وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ»(84) فعليٌّ ممن هدى الله من أهل الإيمان، فأقول: ابن عم النبي (صلى الله عليه وآله) وختنه على ابنته، وأحبّ الناس إليه، وصاحب سوابق مباركات سبقت له من الله، لن تستطيع أنت ولا أحد من الناس أن يحظرها عليه، ولا يحول بينه وبينها، وأقول: إن كانت لعليّ هنات فالله حسبه، والله ما أجد فيه قولاً أعدل من هذا.

فبسر وجه الحجاج وتغيّر وقام عن السرير مغضباً فدخل بيتاً خلفه وخرج الجمع، فقال عامر الشعبيّ: أغضبتَ الأمير وأوغرت صدره، فقال: إليك عنّي يا عامر، يقول الناس: عامر الشعبي عالم أهل الكوفة أتى شيطاناً من شياطين الإنس فكلّمه بهواه وقاربه في رأيه، ويحك يا عامر! هل اتّقيت إن سُئلت فصدقت أو سكتّ فسلمت!! قال الشعبيّ: يا أبا سعيد قد قلتها وأنا أعلم ما فيها، قال الحسن: فذاك أعظم في الحجّة عليك وأشدّ في التبعة.

وبعث الحجّاج إلى الحسن، فلما دخل عليه قال: أنت الذي تقول: قاتلهم الله قتلوا عباد الله على الدينار والدرهم. قال: نعم، قال: ما حملك على هذا؟ قال: ما أخذه الله على العلماء من المواثيق ليُبينّنه للناس ولا يكتمونه. قال: يا حسن أمسك عليك لسانك، وإيّاك أن يبلغني عنك ما أكره فأفرّق بين رأسك وجسدك.(85)

هكذا فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تلك الفريضة التي لو أخذنا بها كما أخذ ذلك السلف الصالح لارتبط حاضر الأمة بماضيها، ولاتّصلت نفوس الحاضرين بنفوس السابقين بتلك الأمراس النورانية.

 

ومن خطبة له (عليه السلام): [ يوصي فيها بتقوى الله والتذكير بالموت]

«فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ مِفْتَاحُ سَدَادٍ وَذَخِيرَةُ مَعَادٍ وَعِتْقٌ مِنْ كُلِّ مَلَكَةٍ وَنَجَاةٌ مِنْ كُلِّ هَلَكَةٍ بِهَا يَنْجَحُ الطَّالِبُ وَيَنْجُو الْهَارِبُ وَتُنَالُ الرَّغَائِبُ فَاعْمَلُوا وَالْعَمَلُ يُرْفَعُ وَالتَّوْبَةُ تَنْفَعُ وَالدُّعَاءُ يُسْمَعُ وَالْحَالُ هَادِئَةٌ وَالْأَقْلَامُ جَارِيَةٌ وَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ عُمُراً نَاكِساً أَوْ مَرَضاً حَابِساً أَوْ مَوْتاً خَالِساً فَإِنَّ الْمَوْتَ هَادِمُ لَذَّاتِكُمْ وَمُكَدِّرُ شَهَوَاتِكُمْ وَمُبَاعِدُ طِيَّاتِكُمْ زَائِرٌ غَيْرُ مَحْبُوبٍ وَقِرْنٌ غَيْرُ مَغْلُوبٍ وَوَاتِرٌ غَيْرُ مَطْلُوبٍ قَدْ أَعْلَقَتْكُمْ حَبَائِلُهُ وَتَكَنَّفَتْكُمْ غَوَائِلُهُ وَأَقْصَدَتْكُمْ مَعَابِلُهُ وَعَظُمَتْ فِيكُمْ سَطْوَتُهُ وَتَتَابَعَتْ عَلَيْكُمْ عَدْوَتُهُ َ قَلَّتْ عَنْكُمْ نَبْوَتُهُ فَيُوشِكُ أَنْ تَغْشَاكُمْ دَوَاجِي ظُلَلِهِ وَاحْتِدَامُ عِلَلِهِ وَحَنَادِسُ غَمَرَاتِهِ وَغَوَاشِي سَكَرَاتِهِ وَأَلِيمُ إِرْهَاقِهِ وَدُجُوُّ أَطْبَاقِهِ وَجُشُوبَةُ مَذَاقِهِ».

(شرح ابن أبي الحديد مج 3، ص 181، ط الأولى).

* * *

الشرح:

هذه الخطبة الشريفة من محاسن خطبه صلوات الله عليه وفيها من نكات البلاغة وفنون البديع ما لا يخفى على المصقع البارع.

حثّ فيها على التقوى، ومن البديهي أنّ المثل الأعلى للحياة الانسانيّة في الإسلام وعند الإمام هو التقوى، فقلّ أن ترد سورة في القرآن لم يرد فيها الأمر بالتقوى ـ تقوى الله ـ وقلّ أن ترد خطبة أو كلمة في نهج البلاغة لم يرد فيها الأمر بالتقوى، تقوى الله. فالقرآن أمرنا بالتقوى وفصّلها، ومدح المتّقين، والإمام أمر بالتقوى ووصفها ومدح المتّقين:

ولم يهتّم (عليه السلام) بشيء من الفضائل كاهتمامه بالتقوى، لأنّ تقوى الله تعالى أصل الانسانيّة الكاملة والسعادة الأبديّة، وبها يتمّ نظام الدنيا والآخرة.

في أصل الأصول ومحور الأخلاق الفاضلة.

 

[التقوى أصل جميع الفضائل]:

وتعتبر التقوى هي الوسط في جميع الفضائل، وهي المدينة الفاضلة التي وعد بهما الأنبياء والمرسلون.

ولها درجات لا تتناهى، وفي بعض الدرجات يصل العبد إلى مرتبة تجلّي الحقّ تعالى في مشاعر العبد وقواه، وذلك التجلّي يبقى ويدوم ولا يفنى وإن تبدّلت العوالم وتغيرّت.

وقال صلوات الله عليه:

«عِبَادَ اللَّهِ أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهَا حَقُّ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَالْمُوجِبَةُ عَلَى اللَّهِ حَقَّكُمْ وَأَنْ تَسْتَعِينُوا عَلَيْهَا بِاللَّهِ وَتَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ التَّقْوَى فِي الْيَوْمِ الْحِرْزُ وَالْجُنَّةُ وَفِي غَدٍ الطَّرِيقُ إِلَى الْجَنَّةِ مَسْلَكُهَا وَاضِحٌ وَسَالِكُهَا رَابِحٌ وَمُسْتَوْدَعُهَا حَافِظٌ لَمْ تَبْرَحْ عَارِضَةً نَفْسَهَا عَلَى الْأُمَمِ الْمَاضِينَ مِنْكُمْ وَالْغَابِرِينَ لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا غَداً إِذَا أَعَادَ اللَّهُ مَا أَبْدَى وَأَخَذَ مَا أَعْطَى وَسَأَلَ عَمَّا أَسْدَى فَمَا أَقَلَّ مَنْ قَبِلَهَا وَحَمَلَهَا حَقَّ حَمْلِهَا أُولَئِكَ الْأَقَلُّونَ عَدَداً وَهُمْ أَهْلُ صِفَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إِذْ يَقُولُ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ فَأَهْطِعُوا بِأَسْمَاعِكُمْ إِلَيْهَا وَأَلِظُّوا بِجِدِّكُمْ عَلَيْهَا وَاعْتَاضُوهَا مِنْ كُلِّ سَلَفٍ خَلَفاً».(86)

وقال صلوات الله عليه:

«أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي ابْتَدَأَ خَلْقَكُمْ وَإِلَيْهِ يَكُونُ مَعَادُكُمْ وَبِهِ نَجَاحُ طَلِبَتِكُمْ وَإِلَيْهِ مُنْتَهَى رَغْبَتِكُمْ وَنَحْوَهُ قَصْدُ سَبِيلِكُمْ وَإِلَيْهِ مَرَامِي مَفْزَعِكُمْ فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ وَبَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِكُمْ وَشِفَاءُ مَرَضِ أَجْسَادِكُمْ وَصَلَاحُ فَسَادِ صُدُورِكُمْ وَطُهُورُ دَنَسِ أَنْفُسِكُمْ وَجِلَاءُ عَشَا أَبْصَارِكُمْ وَأَمْنُ فَزَعِ جَأْشِكُمْ وَضِيَاءُ سَوَادِ ظُلْمَتِكُمْ فَاجْعَلُوا طَاعَةَ اللَّهِ شِعَاراً دُونَ دِثَارِكُمْ وَدَخِيلًا دُونَ شِعَارِكُمْ وَلَطِيفاً بَيْنَ أَضْلَاعِكُمْ وَأَمِيراً فَوْقَ أُمُورِكُمْ وَمَنْهَلًا لِحِينِ وُرُودِكُمْ وَشَفِيعاً لِدَرَكِ طَلِبَتِكُمْ وَجُنَّةً لِيَوْمِ فَزَعِكُمْ وَمَصَابِيحَ لِبُطُونِ قُبُورِكُمْ وَسَكَناً لِطُولِ وَحْشَتِكُمْ وَنَفَساً لِكَرْبِ مَوَاطِنِكُمْ فَإِنَّ طَاعَةَ اللَّهِ حِرْزٌ مِنْ مَتَالِفَ مُكْتَنِفَةٍ وَمَخَاوِفَ مُتَوَقَّعَةٍ وَأُوَارِ نِيرَانٍ مُوقَدَةٍ فَمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَى عَزَبَتْ عَنْهُ الشَّدَائِدُ بَعْدَ دُنُوِّهَا وَاحْلَوْلَتْ لَهُ الْأُمُورُ بَعْدَ مَرَارَتِهَا وَانْفَرَجَتْ عَنْهُ الْأَمْوَاجُ بَعْدَ تَرَاكُمِهَا وَأَسْهَلَتْ لَهُ الصِّعَابُ بَعْدَ إِنْصَابِهَا وَهَطَلَتْ عَلَيْهِ الْكَرَامَةُ بَعْدَ قُحُوطِهَا. وَتَحَدَّبَتْ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بَعْدَ نُفُورِهَا وَتَفَجَّرَتْ عَلَيْهِ النِّعَمُ بَعْدَ نُضُوبِهَا وَوَبَلَتْ عَلَيْهِ الْبَرَكَةُ بَعْدَ إِرْذَاذِهَا».(87)

 

ولكن ما هي التقوى:

إنّ الإمام صلوات الله عليه لم يتعرّض لوصف التقوى من داخل إذا صحّ التعبير، بل اكتفى ـ على كثرة ما قاله فيها ـ بوصفها من خارج: ميزاتها وفضلها وثمرتها، وأصحابها، أمّا هي بذاتها: مقوّماتها، طبيعتها، فأمر لم يتعرّض له الإمام صلوات الله عليه، وإنّما تعرّض له القرآن. ولعلّ الإمام ترك الكلام في هذه الجهة اعتماداً على ما جاء في القرآن، واعتماداً على أنّ المسلمين إذ ذاك كانوا ـ ولا شكّ ـ يعون ما هي التقوى، فاكتفى بتشويقهم إلى الأخذ بها والاعتصام بحبلها، أو أنّ الإمام قد تكلّم في هذا الموضوع وأعطاه حقّه من البيان، ولكنّ الشريف الرضي (رحمه الله) لم يقع على شيء منه، أو وقع عليه ولم يكن بين ما اختاره. وعلى أيّ حال ففيما قدّمه لنا القرآن غنى وكفاية.

 

[آيات في التقوى]:

قال الله تعالى: «ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ».(88)

وقال تعالى:«لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ».(89)

وقال تعالى: «وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالأَْرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ».(90)

وقال تعالى: «وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى».(91)

ورُوي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «جِماع التقوى في قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِْحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ».(92) (93)

وقال (صلى الله عليه وآله): «من اتّقى الله عاش قويّاً، وصار في بلاد عدوّه آمناً».(94)

وقال (صلى الله عليه وآله): «خصلة من لزمها أطاعته الدنيا والآخرة، وربح الفوز بالجنة، قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: التقوى، من أراد أن يكون أعزّ الناس فليتّقِ الله (عز وجل)، ثمّ تلا «وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً»(95) الآية.(96)

من هذه النصوص الإلهيّة، وغيرها أكثر منها، تعرف طبيعة التقوى أنّها الفضيلة في أرفع معانيها وأجلّ صورها، أنّها الايمان بالله في أظهر حالاته وأسمى معانيه، وبذل المال لمن أعوزه المال، ولكن كيف؟ بذل المال على حبّه... حبّ الله تعالى، فلا امتنان على المعطي ولا إفضال. ومتى؟ إنّها بذله في السرّاء والضرّاء، وهي الصبر في جميع المواطن وفي جميع الأحوال، وهي كظم الغيظ، وهي العفو عن الناس، وهي العدل فيهم والاحسان إليهم، وهي... وهي...

هذه هي التقوى، فإذا حقّقت التقوى في نفسك وعيت وجودَ الله وأمره ونهيه في كلّ ما تلمّ به من فعل أو قول، وتحرّيت الفضيلة أنّى كانت، فأخذت بها وأخضعت نفسك لها، وجعلت من نفسك وجميع إمكاناتك خليّة إنسانيّة حيّة تعمل بحرارة وإخلاص على رفع مستوى الكيان الإجتماعيّ الذي تضطرب فيه، وصدرتَ في ذلك كلّه عن إرادة الله المتجلّية فيما شرع من أحكام، وتكون قد حقّقت في نفسك المثل الأعلى الذي نصبه الإسلام.

 

[التفاضل بالتقوى لا بكثرة المال]:

فالمال لا يُكسب قيمة إلاّ إذا بُذل حيث أجاز الله أن يُبذل، وإلاّ إذا اتُّخذ وسيلةً إلى رضوان الله.

أمّا أولئك الذين لا يبذلون أموالهم فلا جدوى منهم للجماعة، ولذلك فلا مزيّة لهم على غيرهم من الناس الذين لا مال لهم. والسلامة لا قيمة لها حين لا يكون صاحبها متّقياً لله. والقوّة لا قيمة لها حين لا يستخدمها صاحبها في مرضاة الله، والسلطان لا يكسب صاحبه قيمة إلاّ إذا كان ذا تقوى.

هناك أغنياء وفقراء، وحاكمون ومحكومون، وأقوياء وضعفاء، وأناس تحدّروا من سلالات لها ماضٍ عريق، وآخرون ليس لهم ماضٍ مذكور، ولكن كلّ هذا لا يرفع من صاحبه ولا يضع إلاّ إذا اقترن بالتقوى أو عري عنها. وتعاليم الإسلام صريحة في ذلك لا لبس فيها ولا غموض، فهي تنصّ على أنّ القطب الذي يدور عليه التفاضل ليس شيئاً غير التقوى.

قال الله تعالى: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ».(97)

وقال النبي (صلى الله عليه وآله): «لا فضل لعربيّ على عجميّ إلاّ بالتقوى».(98)

وقال الإمام علي صلوات الله عليه: «لا تضعوا من رفعته التقوى، ولا ترفعوا من رفعته الدنيا».(99)

وإذن فالقيم الاجتماعيّة تتفرّع عن هذا الأصل، وتنبثق من هذا الينبوع.

وهكذا تكون الرغبة في الخير ورضوان الله، ومساعدة الضعفاء وتكريس المواهب في سبيل الجماعة تقرّباً إلى الله هي رائد كلّ إنسان وعى مبادئ الإسلام.

وهكذا تكون الطبقات مظهر حبٍّ ورحمة وتآزر وإيثار وتعاون على البرّ والتقوى، بدل أن تعبّر عن تفسّخ وانحلال.

هذا هو المثل الأعلى للحياة في الإسلام وعند الإمام.

 

مراتب التقوى ثلاث:

الأولى: التوقّي عن العذاب المخلّد بالتبرّئ عن الشرك، وعليه قوله تعالى: «وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى».(100)

الثانية: التجنّب عن المآثم كلّها كبيرها وصغيرها، وهو المتعارف في الشرع، وعليه قوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا».(101)

الثالثة: هي التنـزّه عمّا يُشغل عن الحقّ تعالى بالكليّة، وهي التقوى الحقيقيّة المطلوبة بقوله تعالى: «اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ».(102)

وكانت الدعوة إلى التقوى من أهمّ ما دعا إليه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) بعد الدعوة إلى الإيمان والإسلام، وقضى كلّ أيّامه وهو ينصح المؤمنين بالتزامها والتزوّد منها؛ لأنّها أساس التعبّد وأصل الطاعة، وبها تؤتى الأعمال على أتمّ الوجوه، حيث يقول الله تعالى: «وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الأَْلْبابِ».(103)

وأخبر جلّ وعلا بأنّ جميع الأعمال التعبديّة لم تشرع إلاّ لتكون وسائل إلى التقوى بما تطبعه في النفس من ملكة مراقبة الله، فتكون تقيّة نقيّة راضية مرضيّة.

ولقد حسبها بعض الناس درجة من الصلاح لا تُنال إلاّ بالتفرّغ للصلوات وملازمة المساجد والانقطاع عن الدنيا والزهد في كلّ ما فيها من الملذّات، ممّا يكون دليله في الظاهر الفقر والمسكنة ولبس مرقوع الثياب. وهذا خطأ لا يقرّه الإسلام. فالتقوى في اللغة مشتقّة من اتّقى فلاناً أي حذره وخافه؛ فتقوى الله مخافته وتجنّب كلّ ما يُغضبه.

وهي أثر الايمان الكامل بالله، وهي النتيجة الطبيعيّة التي يصل إليها كلّ من يؤمن بأنّ الله الذي خلقه وأبدع كلّ دقيق في جسمه قادر على تعذيبه عاجلاً وآجلاً إذا هو أقدم على معصيته واستهان بأوامره، كما يوقن بعلمه تعالى بكلّ شيء يصدر منه، بحيث يتصوّره مشرفاً عليه حتّى في خلواته، ورقيباً على جميع حركاته وسكناته، فيحمله هذا على محاسبة نفسه عن كلّ فعل، فلا يقدم على أيّ أمر فيه معصية خالقه أو الاضرار بمصالح عباده، وفي هذا يقول تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ»(104) وذكر العصاة بعلمه بكل ما يصدر منهم، وتوعّدهم بعذابه، حيث قال: «أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ».(105)

وأمرنا أن نتخيّر في أعمالنا ما ينفعنا في الحياة الأخرى، حيث قال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ».(106)

وأخبرنا بأنّه قد أعدّ الجنة في الآخرة للمتّقين، ووصفهم لنا بأعمالهم المنبعثة عن قوّة إيمانهم بقلوبهم، إشارة إلى أنّ التقوى هي في الأمور التي يشعر بها الإنسان في نفسه، فيدرك مبلغ قُربه من ربّه ورضائه عنه، ولو لم تدل على ذلك مظاهره، حيث يقول تعالى: «وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالأَْرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَْنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ».(107)

 

كيف تحقق التقوى:

وهذا صريح في أنّ التقوى ليست بكثرة الصلاة والصوم وأمثالهما من العبادات الظاهرة، وليست هي بالتقشّف والدروشة، وإنّما تتحقّق بخمس خصال هي:

1 ـ حبّ البذل والانفاق في سبيل الله في حالتي الشدة والرخاء.

2 ـ ضبط النفس ومقاومة هواها فيما يُغضب موالاها.

3 ـ الأخذ بمبدأ التسامح والعفو عند المقدرة.

4 ـ الإحسان إلى المسيء.

5 ـ مراقبة الله ودوام الخوف منه، والرجوع إليه من أثر المعاصي بالندم والإستغفار، وعدم الإصرار على فعل السيّئآت.

فالتقوى ـ بهذا الاعتبار ـ من الأمور التي لا تمنع المسلم في هذه الحياة من العمل للدنيا، ولا تحرمه من التمتّع بملذّاتها المشروعة، بل إنّما تدعوه فقط إلى مراقبة الله والخوف منه والثقة به والرجوع إليه بطلب الرحمة والغفران في كلّ وقت، لا سيّما عند كلّ زلّة ومعصية، ومن أجل هذا حرص الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) على أن يمكّن في قلوب أتباعه خوف الله واليقين بقدرته على كلّ شيء إلى حدّ ينتفي معه الخوف من غيره، وحصر الأمل فيه جلّ وعلا دون سواه، باعتباره هو وحده صاحب السلطان المطلق القادر على وقاية كلّ من يريد وقايته في كلّ مكروه، ونُصرة من يريد نصرته بما يملك من قوى خفيّة وظاهرة، حيث يقول تعالى:

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ».(108) وحقّ التقوى هو خوف الله أكثر من كلّ ما سواه، وإلى هذا أشار تعالى بقوله: «أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ».(109) وحقّ التقوى هو أن يُؤثر الإنسان عفو الله وغفرانه وثوابه في الآخرة عن كلّ شيء في الدنيا؛ بل يتحمّل في سبيل ذلك مُرّ العذاب، ولذلك امتدح الله في كتابه أولئك السحرة الذين آمنوا بالله إيماناً لم يُبالوا معه بالجهر بعقيدتهم برغم ما توعّدهم به فرعون من ألوان العذاب، حيث قالوا: «آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأَُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأَُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى».(110)

ولقد أشار سبحانه وتعالى إلى ما يترتّب على التقوى وخوف الله من مجانبة النفس للشهوات الممقوتة، وما يكون جزاؤها على ذلك في الآخرة بقوله: «وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى».(111) «وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ».(112)

ولم يكتفِ الله بهذا في حضّ الناس على التقوى، بل إنّه تعالى أكّد لهم تخليص المتّقين في الدنيا من كلّ ما يعترضهم من مشاكل الحياة، وتيسير سبيل الرزق لهم من حيث لا يأملون، حيث يقول: «وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدْراً».(113)

ذلك لأنّ التقوى معناه دوام ذكر الله تعالى ومراقبته في جميع الأحوال وحصر الأمل فيه، وهذا من شأنه أن يمنع الإنسان عن الاقدام على كلّ أمر يعصي الله به ويضرّ أحداً من خلقه، ويجعله كريم الخلق والعادات، وكلّ هذا ممّا يسبب عون الله للانسان وتأييده في كلّ موقف، وشموله برحمته وحسن رعايته، وخوف الله يقتضي تجريد قلب الإنسان من خوف غيره، ويعود هذا عليه بأعظم الفوائد في هذه الحياة.

قرأت في كتاب الرعاية لحقوق الله:

قد روي في الحديث: إنّ المنادي ينادي يوم القيامة: «يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ»(114) فترفع الخلائق رؤوسهم يقولون: نحن عباد الله (عز وجل)، ثم ينادي الثانية: «الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ»(115) فينكّس الكفار رؤوسهم ويبقى الموحّدون رافعي رؤوسهم، ثم ينادي الثالثة: «الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ»(116) فينكّس أهل الكبائر رؤوسهم ويبقى أهل التقوى رافعي رؤوسهم، قد أزال الكريم عنهم الخوف والحزن كما وعدهم، لأنه أكرم الأكرمين لا يخذل وليّه ولا يُسلمه عند الهلكة.(117)

* * *

(1) نهج البلاغة 3: 37، رقم 31.

(2) النساء: 65.

(3) الأنعام: 22 و23.

(4) الأنبياء: 22.

(5) تفسير البيضاوي 4: 88.

(6) مجمع البيان للطبرسي 7: 80.

(7) الأنفال: 42.

(8) البحار للمجلسي 67: 71/ ح21، نقلاً عن جامع الأخبار: 118.

(9) الحجرات: 10.

(10) سنن الترمذي 3: 218/ ح1992، سنن ابن ماجة 1: 685/ ح22119.

(11) الكافي للكليني 1: 402/ ح1 و2.

(12) آل عمران: 102.

(13) البقرة: 177.

(14) المائدة: 8.

(15) البقرة: 237.

(16) التوبة: 7.

(17) يونس: 62 - 64.

(18) آل عمران: 15.

(19) الأعراف: 156.

(20) الطلاق: 2 و3.

(21) الطلاق: 4.

(22) الأعراف: 128.

(23) الأنفال: 29.

(24) البقرة: 197.

(25) الحجرات: 10.

(26) الحجرات: 9.

(27) النساء: 35.

(28) النساء: 114.

(29) نهج البلاغة 2: 76، الرقم 47، أمالي الطوسي: 522/ ح1153.

(30) الإنسان: 8.

(31) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 17: 7.

(32) مناقب ابن شهر آشوب 2: 159.

(33) روضة الواعظين للفتال النيسابوري: 389.

(34) الكافي للكليني 2: 668/ ح1.

(35) مشكاة الأنوار للطبرسي: 375.

(36) الكافي للكليني 2: 666/ ح2.

(37) المصدر السابق: ح7.

(38) المصدر السابق: ح11.

(39) المصدر السابق: ح14.

(40) المصدر السابق: ح4.

(41) المصدر السابق: ح5.

(42) كنـز العمال 9: 57/ ح24930، الدر المنثور للسيوطي 5: 248.

(43) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 17: 8.

(44) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 17: 8.

(45) جامع السعادات للنراقي 3: 287.

(46) المصدر السابق.

(47) المصدر السابق.

(48) الصافات: 164.

(49) المؤمنون: 1 و2.

(50) المؤمنون: 9 - 11.

(51) المؤمنون: 9 - 11.

(52) الأنفال: 35.

(53) البقرة: 127.

(54) البقرة: 127.

(55) آل عمران: 96 و97.

(56) الحج: 78.

(57) الحج: 27 و28.

(58) مصباح الشريعة: 142، باب 21.

(59) مصباح الشريعة: 47 - 50؛ بحار الأنوار 96: 124 و125.

(60) النساء: 74 و75.

(61) النساء: 76.

(62) القصص: 83.

(63) الجامع الصغير للسيوطي 2: 627/ الرقم 8891.

(64) البقرة: 143.

(65) الأعراف: 158.

(66) سبأ: 28.

(67) الأنفال: 60.

(68) الأنفال: 45 و46.

(69) الكافي 2: 176/ ح3.

(70) الكافي 2: 179/ ح16.

(71) الكافى 2: 178/ ح11.

(72) الكافي 2: 184/ ح184.

(73) الكافي 2: 345/ ح5.

(74) من لا يحضره الفقيه 4: 380/ ح5809.

(75) تعامس: تغافل.

(76) الكافي 2: 344/ ح1.

(77) الكافي 2: 346/ ح7.

(78) الكافي 2: 345/ ح6.:

(79) العصر: 1 - 3.

(80) آل عمران: 104.

(81) آل عمران: 110.

(82) وردت الفقرة الثانية من الحديث في بحار الأنوار 97: 89 منسوبة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام).

(83) الخصال للصدوق: 6/ ح16.

(84) البقرة: 143.

(85) إحياء علوم الدين 2: 346؛ نقلاً عن نفحات الأزهار 14: 276.

(86) شرح نهج البلاغة 13: 115.

(87) شرح نهج البلاغة 10: 188 و189.

(88) البقرة: 2 - 5.

(89) البقرة: 177.

(90) آل عمران: 133 و134.

(91) المائدة: 8.

(92) النحل: 90.

(93) روضة الواعظين: 437.

(94) بحار الأنوار 67: 283.

(95) الطلاق: 2.

(96) بحار الأنوار 67: 283.

(97) الحجرات: 13.

(98) مسند أحمد 5: 411؛ تفسير القرطبي 16: 342.

(99) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 13: 116.

(100) الفتح: 26.

(101) الأعراف: 96.

(102) آل عمران: 102.

(103) البقرة: 197.

(104) الأعراف: 201.

(105) العلق: 13 - 15.

(106) الحشر: 18.

(107) آل عمران: 133 - 136.

(108) آل عمران: 102.

(109) التوبة: 13.

(110) طه: 70 - 73.

(111) النازعات: 40 و41.

(112) ق: 31 - 33.

(113) الطلاق: 2 و3.

(114) الزخرف: 68.

(115) الزخرف: 69.

(116) يونس: 63.

(117) تفسير القرطبي 16: 110.