[1]

دراسات

في

نهج البلاغة


[2]

الطبعة الاولى:

طبعت في النجف - العراق 1376 ه‍ - 1956 م

الطبعة الثانية: طبعت في بيروت - لبنان 1392 ه‍ - 1972 م


[3]

 

محمد مهدي شمس الدين

دراسات في نهج البلاغة

دار الزهراء (ع)

للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان


[5]

 

مقدمة الطبعة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

والحمد لله رب العالمين،  والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين.

 ذكرت في مقدمة الطبعة الاولى لهذا الكتاب (دراسات في نهج البلاغة) أنه أثر إنساني خالد لا يحده مكان، ولا تنتهي الحاجة إليه في زمان، لانه من الاثار الانسانية التي (لم توضع لفريق دون فريق، ولم يراع فيها شعب دون شعب، وانما خوطب بها الانسان أني وجد وكان.

ولانها تلامس كل قلب، وتضمد كل جرح، وتكفكف كل دمعة، كانت ملكا أجمعين، وكانت خالدة عند الناس أجمعين).

وآمل أن يلبي الكتاب حاجة يحس بها كثير من المثقفين الذين يحملون في قلوبهم هموم الحاضر في العالمين العربي والاسلامي.

فعلى صعيد الشخصية نواجه غزوا فكريا وحضاريا يهدف إلى تهديم شخصيتنا، وذلك بتدمير مقوماتها من العقيدة، والحضارة والتاريخ.

وعلى صعيد المجتمع نعاني من تمزقات وصراعات تستنزف قوى الامة، وتجعلها عاجزة عن التصدي لعدوها الصهيوني، والهجوم عليه بغير الكلمات والشعارات


[6]

والشكاوى إلى مجلس الامن وما إليه من منظمات الاقوياء التي تخدم مصالحهم والتي تضفي صفة الشرعية على الظلم الذي ليس له مثيل في التاريخ.

 وهو الظلم الذي حل بالعرب والمسلمين في فلسطين بطرد شعبها وتوطين الصهاينة فيها.

 وعلى صعيد المفاهيم الاسلامية يعاني المسلم المتعلم وغير المتعلم، المثقف، وغير المثقف، من الالتباس وسوء الفهم، بحيث أن (الزهد) و (القناعة) و (التوكل) و (القضاء والقدر) وغيرها غدت تعني في ذهن كثير من المسلمين معاني السلبية أمام تحديات الحياة وحركة التاريخ، والاستسلام للآخرين ولما يريده الآخرون.

 وماذا بعد ؟ ثمة غير هذا كثير مما نعاني منه على كل صعيد.

 وفي نهج البلاغة الذي يمثل الاسلام في صفاته ونقائه كما فهمه الامام علي عليه السلام، وعاشه، وطبقه - في نهج البلاغة أجوبة مبدئية على كل هذه الامور التي نعاني منها وغيرها.

 ولذا فإني آمل - كما قلت انفا - أن يلبي هذا الكتاب حاجة يحس بها الكثيرون منا.

 وقد دفع بي هذا الامل إلى الاستجابة للطلبات الكثيرة التي تلح منذ سنين على أن يعاد طبع الكتاب بعد أن نفد تماما، فاستجبت إلى ذلك راجيا من تعالى شأنه أن يجعله نافعا للناس وأن ينفعني به يوم ألقاه سبحانه وتعالى.

 وتمتاز هذه الطبعة عن سابقتها باضافة بعض ما خطر في البال من الافكار أثناء المراجعة السريعة له تمهيدا لطبعه.

 كما تمتاز بالتنظيم والترتيب، وطريقة يسهل على الباحث أن يرجع إلى نصوص من نهج البلاغة بسرعة، لاني اعتمدت - فيما اثبته من النصوص، وما لم أثبته -


[7]

على ذكر أرقام النصوص، كما وردت في طبعات نهج البلاغة وأكثر الطبعات الحديثة لنهج البلاغة تحمل أرقاما متسلسلة لنصوص الامام علي عليه السلام.

 سواء في ذلك الخطب، أو الكتب، أو الكلمات القصار.

 أسأل الله تعالى أن يعلمنا ما نجهل من الحق، وأن يوفقنا للعمل بما نعلم من الحق، وأن يتقبل هذا العمل بأحسن قبوله، ويجعله خالصا لوجهه الكريم والحمد لله رب العالمين.

 محمد مهدي شمس الدين

بيروت: الخميس 13 شعبان 1392 ه‍

الموافق: 21 أيلول 1972 م


[8]


[9]

 

مقدمة الطبعة الاولى

الارث الثقافي، وليس الحضارة المادية، هو أثمن ما خلفه الانسان للانسان. فبالثقافة يستكمل الانسان وجوده الحق، لانها تمده بالمعنى الذي لا يكون لولاه سوى وجود تافه في ميزان القيم والاقدار.

وليست الحضارة المادية، مهما عظمت سوى حسنة صغيرة من حسنات الثقافة الانسانية إذا قيست بالآثار المعنوية لهذه الثقافة.

 ولا تفوتنا ملاحظة أن أغلب الآثار الثقافية وقتية وليست خالدة، وتخص بعض الشعوب دون أن تكون للانسانية كلها، وذلك لانها تصدر بتأثير عوامل اجتماعية معينة فتلبي حاجات عقلية واجتماعية معينة، ثم تفقد قيمتها عندما ينتفي العامل الذي أثارها، ولا يكون لها من الاصالة والعمق والعمومية ما يهئ لها أن تتعدى محيطها الخاص إلى محيط أوسع.

 وإلى جانب هذا الارث الثقافي الموضعي الوقتي تختص كل امة من الامم بآثار قليلة تعتبرها خالدة عندها، لا ينال من جدتها الزمان مهما طال، لان البحث فيها يتصل بما يدخل في الكيان الصميمي لتلك الامة، فهي لذلك تعتبر عند هذه الامة خالدة مادام لها كيان.

 وأقل منها تلك الآثار التي تعتبر ملكا للانسانية كلها في كل زمان.

 فلئن كان القسم الاعظم من الثقافة الانسانية محدودا بحدود الزمان والمكان.

 


[10]

ولئن كان القسم القليل منها محدودا بالمكان وحده.

 فإن القسم الاقل، والاعظم قيمة، من الثقافة الانسانية لا يحده زمان ولا مكان.

 هذه الآثار خالدة عند الناس كلهم لانها لم توضع لفريق دون فريق، ولم يراع فيها شعب دون شعب، وانما خوطب بها الانسان أنى وجد وكان.

 ولانها تلامس كل قلب، وتضمد كل جرح، وتكفكف كل دمعة، كانت ملكا للناس أجمعين، وكانت خالدة عند الناس أجمعين.

 وهي قليلة، ولكنها لا تزال، على قلتها، تثير في الناس الدوافع الطيبة النبيلة، وتسمو بهم إلى أعلى، إلى ملاعب النور، كلما شدتهم عوامل الشر إلى التراب.

* * *

ونهج البلاغة من هذه الآثار.

 وسواء أنظرت إليه من ناحية الشكل أو من ناحية المضمون وجدته من الآثار التي تقل نظائرها في التراث الانساني على ضخامة هذا التراث.

 فقد قيل في بيان صاحبه انه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق.

 بيان معجز البلاغة، تتحول الافكار فيه إلى أنغام، وتتحول الانغام فيه إلى أفكار، ويلتقي عليه العقل والقلب، والعاطفة والفكرة، فإذا أنت من الفكرة أمام كائن حي، متحرك، ينبض بالحياة، ويمور بالحركة.

 وتلك هي آية الاعجاز في كل بيان.

 ولم يكرس هذا البيان المعجز لمديح سلطان، أو لاستجلاب نفع، أو للتعبير


[11]

عن عاطفة تافهة مما اعتاد التافهون من الناس أن يكرسوا له البيان..

 أن البيان في نهج البلاغة قد كرس لخدمة الانسان.

 فلم يمجد الامام الاعظم في نهج البلاغة قوة الاقوياء، وانما مجد نضال الضعفاء، ولم يمجد غنى الاغنياء، وانما أعلن حقوق الفقراء، ولم يمجد الظالمين العتاة، وانما مجد الاتقياء والصلحاء.

 إن الحرية والعبودية، والغنى والفقر، والعدل والظلم، والجهل والعلم، والحرب والسلم، والنضال الازلي في سبيل عالم أفضل لانسان أفضل، هو مدار الحديث في نهج البلاغة.

 فنهج البلاغة كتاب انساني بكل ما لهذه الكلمة من مدلول: إنساني باحترامه للانسان وللحياة الانسانية، وانساني بما فيه من الاعتراف للانسان بحقوقه في عصر كان الفرد الانساني فيه عند الحاكمين هباءة حقيرة لا قيمة لها ولا قدر، إنساني بما يثيره في الانسان من حب الحياة والعمل لها في حدود تضمن لها سموها ونقاءها.

 لهذا ولغيره كان نهج البلاغة، وسيبقى على الدهر أثرا من جملة ما يحويه التراث الانساني من الآثار القليلة التي تعشو إليها البصائر حين تكتنفها الظلمات.

 وحق له أن يكون كذلك وهو عطاء انسان كان كونا من البطولات، ودنيا من الفضائل، ومثلا أعلى في كل ما يشرف الانسان.

 

* * *

وهذه دراسات في نهج البلاغة قصدت من وضعها إلى ان أكشف عن ناحية ما فطن لها من كتبوا عن الامام علي عليه السلام، وهي آراؤه في الاجتماع والاقتصاد والسياسة.

 فإن آراء الامام الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لم تلاق من الكتاب العناية التي تستحقها، وكأن البحث في نشاطه السياسي قد


[12]

صرفهم عن البحث في نشاطه العلمي، مع ان نشاطه السياسي لا يمكن أن يفهم حق الفهم إلا إذا درس على ضوء آرائه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

 وشئ آخر حفزني إلى وضع هذه الدراسات، وهو ان قسما كبيرا من الوعاظ يقدمون نهج البلاغة إلى الجماهير على انه كتاب وعظي يشل في الانسان إرادة الحياة، على ما هو المعروف من أساليب كثير من وعاظ هذه الايام، فأردت أن اكشف في هذه الدراسات عن أن نهج البلاغة ليس كتابا وعظيا بقدر ما هو كتاب يعني بمشاكل الانسان الروحية والاجتماعية والاقتصادية ويضع لها الحلول، وحتى القسم الوعظي منه ينكشف، إذا رد إلى أصوله الاجتماعية، عن مفاهيم لاتمت إلى ما يقوله هؤلاء الوعاظ بصلة، ولا تلتقي معه على صعيد (1).

 محمد مهدي شمس الدين

النجف الاشرف في شعبان 1375 ه‍

المصادف آذار 1956 م


1 - في هذا الكتاب فصل بعنوان (الوعظ) درسنا فيه القسم الوعظي من نهج البلاغة على أساس اجتماعي.

 


[13]

 

المجتمع والطبقات الاجتماعية


[14]


[15]

لعل فكرة المجتمع من اقدم الفكر التي اهتدى إليها الانسان - الفكر التي لعبت دورا خطيرا في تطوير الحياة الانسانية، ودفعت بالانسان إلى القيام بتجارب كثيرة كانت، على ما فيها من أخطاء وحماقات، تربة خصبة لتجارب أعظم اصالة، وأشد إحكاما، وأقرب إلى شريعة الصواب من سابقتها.

 وكانت أيضا حافزا إلى القيام بمحاولات جديدة تهدف إلى تطوير الحياة الاجتماعية وارسائها على ركائز تضمن لها استقرارها ونموها.

 ودخلت هذه الفكرة دورها الذهبي - ولا تزال فيه حتى اليوم - يوم جعلها العقل العلمي ميدانا لبحثه، فخرجت، بهذا، عن أن تكون ميدانا لتجارب عشواء، أو ميدانا لتطبيقات السياسيين الضيقي الافق، الناظرين إلى قريب، المبتغين النفع العاجل من جل ما يصنعون - خرجت عن أن تكون ميدانا لمثل هذه التجارب الفجة لتصير ميدانا للنظر العلمي المتزن الرصين.

 وصار من هم الفيلسوف - وهو رجل المعرفة الاول الذي عرفته البشرية بعد النبي - ان يتعرف على آليات الحياة الاجتماعية وقوانينها، ويدرس اتجاهاتها، ويصنف هذه القوانين والاتجاهات.

 خصها بمزيد من العناية سقراط وأرسطو وافلاطون، هذه القمم الشامخة في الفكر الفلسفي، وتعاقب بعدهم فلاسفة كثيرون لم يغفلوا هذه الفكرة ولم


[16]

يبخسوها حقها من البحث والتفكير..

 حتى جاء ابن خلدون فسجل في (مقدمته) حدثا علميا عظيما بالنسبة إلى هذه الفكرة حين خطا الخطوة الاخيرة، فجعل منها علما قائما بنفسه يفترق عن الفلسفة في مادته وهي الحياة الاجتماعية، ويفترق عنها في منهجه وهو الملاحظة، ويفترق عنها في غايته وهي التعرف على أحسن الوسائل لتنمية الحياة الاجتماعية.

 وجاء العصر الحديث، عصر الجماهير، فزادت أهمية هذه الفكرة، وحصلت على هبتها العظمى من أوغست كنت في الفلسفة الوضعية، وأصبح لها دوائر معارف خاصة هي دوائر المعارف الاجتماعية، وأصبح لها معاهد علمية خاصة لا تخلو منها جامعة تشرف عليها هيئات علمية تخصصت في هذا العلم: علم الاجتماع.

 هذا عرض خاطف، وأرجو ألا يكون مقتضبا جدا، لمراحل تكون فكرة المجتمع وتبلورها.

 وهنا تجئ لحظه التساؤل عن صلة نهج البلاغة بهذا كله ؟ والجواب عن ذلك اننا أردنا ان نكشف عن ان نهج البلاغة لم يحظ بالالتفات الجدير به من هذه الناحية (1).

 وسنرى بعد أن نعرف ما لفكرة المجتمع في نهج البلاغة من مكان مرموق بين ما اشتمل عليه من بحوث.

 وبعد أن نعرف ان الامام قد تمرس بهذه الفكرة وعاناها كما لم يتمرس بها ولم يعانها حاكم في زمانه على الاطلاق.

 


1 - اللهم إلا ما كان مؤخرا من المحاولة الموفقة التي قام بها الاستاذ الكبير جورج جرداق في كتابه القيم (الامام علي: صوت العدالة الانسانية) ففي هذا الكتاب الذي يعتبر فتحا جديدا في عالم التأليف يبرهن الاستاذ جرداق عن وعي صحيح لآراء الامام في الاجتماع الانساني وسياسة الجماعات.

 والكتاب، بعد، نصر لحرية الفكر، وللبحث النزيه، وبرهان حي على ان المؤلف إنسان واع لهمته (؟) كأديب قائد.

 


[17]

وبعد أن نعرف أن معاناته لها قد انتهت به إلى نتائج باهرة - بعد أن نعرف هذا كله يتبين لنا أن نهج البلاغة كان يجب ان ينال حظا من الالتفات إليه من الاجتماعيين، لانه يسجل حدثا مهما في فكرة المجتمع.

 لا نريد أن نقول إن الامام قد اخترع علم الاجتماع لنرتفع بنسب هذا العلم من ابن خلدون إلى علي بن أبي طالب عليه السلام، بعد أن تبين للدوائر الاجتماعية ان الاب الشرعي لهذا العلم ليس أو غست كنت.

 لا نريد أن نقول هذا، فلم يكرس الامام نفسه لاختراع العلوم، وان كان قد شارك في هذا المجال الابداعي فاخترع وحده العلم الذي حفظ للعربية أصولها وضمن لها الخلود ذلك علم النحو.

 لقد كانت محاولة تطبيق الصيغة الاسلامية الصحيحة للحياة الانسانية على المجتمع في سبيل بناء الانسان المتكامل - كانت هذه المحاولة هي همه الكبير كقائد رسالي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله.

 ولقد كانت مشاكل السياسة والادارة والحرب هي شاغله الاول وهي ميدانه الاصيل كحاكم.

 إن الذي نريد أن نقوله هو انه - كحاكم عادل - قد فكر في المجتمعات التي حكمها.

 وفكر في أفضل الطرق والوسائل التي تنمي حياتها الاجتماعية وترتفع بها إلى الذروة من الرفاهية والقوة والامن، مع ملاحظة انها تدين بالاسلام وان شؤون اقتصادها، وحربها، وسلمها، وعلائقها الاجتماعية، تخضع لقوانين الاسلام، وانها يجب ان تأخذ سبيلها إلى النمو في اطار إسلامي بحت.

 وقد هداه تفكيره إلى نتائج باهرة في التنظيم الاجتماعي: فالحكم دراسات في نهج البلاغة (2)


[18]

وضرورته، والنزعة القبلية وعقابيلها، وشغب الغوغاء ونتائجه، ودعامات المجتمع ومقوماته، والطبقات الاجتماعية وآليتها - كل ذلك خصه الامام بمزيد من البحث والتفكير، وطبق النتائج التي اهتدى إليها على المجتمعات الاسلامية، ولولا ان اعداءه الاشرار شغلوه عن أن يفرغ لمهام العمل السلمي لبادهنا من أعماله شئ عظيم.

 وإن ما بين أيدينا من كلامه عليه السلام في المجتمع ليدل دلالة واضحة على انه راصد اجتماعي من الطراز الاول، وإن تقسيمة للطبقات الاجتماعية وتعريفه بآلياتها ليدخل في باب الحدس العبقري والالهام.

 ويقينا لو ان الشريف الرضي رحمه الله حفظ لنا كل ما وقع إليه من كلام أمير المؤمنين، ولم يؤثر الفصحيح الباذخ وحده لانتهى الينا من ذلك شئ عظيم.

 ولو ضم ما ضاع من كلامه إلى ما حفظ إلى زمان الشريف لانتهى الينا من ذلك شئ أجل وأعظم خطرا وقدرا (1).

 وسيكون مركز البحث في حديثنا هذا هو الطبقات الاجتماعية في نهج البلاغة.

 وقبل أن نأخذ سبيلنا إليه يحسن بنا أن ندخل في حسابنا أمرا بالغ الاهمية بالنسبة إلى بحثنا هذا، فلقد قلنا آنفا إن الامام لم يقصد إلى وضع أصول علم جديد، وانما فكر - كحاكم عادل - في شؤون المجتمع وخرج من تفكيره


1 - صرح الشريف الرضي رحمه الله في مقدمة (نهج البلاغة) بأنه استجاب لرغبة الاصدقاء والاخوان في تأليف (كتاب يحتوي على مختار كلام مولانا امير المؤمنين عليه السلام.. فاجبتهم إلى ذلك.. فاجمعت بتوفيق الله تعالى على الابتداء باختيار محاسن الخطب، ثم محاسن الكتب، ثم محاسن الحكم والادب).

 


[19]

بنتائج طبقها أو أراد تطبيقها على المجتمع، فلذلك لم يفرغ آراءه الاجتماعية كلها في قالب علمي مجرد، وانما قدم بعضها مفرغا في التجربة العملية، ولا يسلبها قيمتها كحقيقة موضوعية أنها مفرغة في قالب تجريبي اجتماعي يسبغ عليها، بدل جمود الحقيقة العلمية المجردة، حيوية وحركية تنشأن من حيوية الجماعات وحركيتها.


[21]

 

(1)

لا نعرف متى دخلت فكرة الطبقة، كوحدة اجتماعية كبيرة وذات مدى رحب، في تركيب المجتمع الانساني.

 ففي تاريخ الانسان المكتوب لا نجد حضارة تألقت ثم انطفأت إلا وكانت تعرف فكرة الطبقات، وكان لهذه الفكرة واقع عياني يضرب بجذوره عميقا في تنظيماتها الاجتماعية.

 كل المجتمعات التي وجدت وبادت والتي لا تزال مستمرة الوجود تقوم على النظام الطبقي.

 وهذا يعني، في ظاهر الحال، أنه لم يمر على البشرية وقت طويل لم تعرف فيه فكرة الطبقات.

 وربما كان هذا حقا بالنظر إلى ما نرجحه في تعليل نشوء المجتمع الانساني.

 فالمجتمع الانساني، فيما نرجح، يخضع في نشوءه لعاملين: عامل الغريزة (بمعناها الواسع الذى يشمل عاطفة الابوة والد وافع النفسية إلى تكوين العائلة) وعامل الثقافة بمعناها الواسع أيضا.

 وهذا يعني ان المجتمع الانساني وجد منذ اللحظة التي تعدد فيها أفراد النوع، فلم يمر على الانسان أمد طويل كان فيه حيوانا غير اجتماعي.

 ومنذ أخذ المجتمع الانساني في الاتساع وجدت فكرة الطبقة سبيلها إلى العقل.

 فالافراد يختلفون في مقدار ما يأتونه من أعمال البر والخير، ويختلفون في المواهب وفي القدرة البدنية، ويختلفون تبعا لهذا في القدرة على الصيد


[22]

وحيازته..

 هذه الامتيازات وأخرى غيرها وجدت سبيلها إلى الوعي الانساني في تصورات طبقية استتبعت فكرة الطبقات.

 هذا، ولكننا حين نريد أن نتناول الطبقات بالبحث لا يمكن أن نتناولها على هذا المستوى الساذج البسيط، فقد اصبحت الطبقة مؤسسة اجتماعية ضخمة تمدها بالغذاء تقاليد عريقة، وتقوم على جذور موغلة في أعماق الماضي.

* * *

ما المبدأ الذي يقوم عليه الانقسام الطبقي ؟ لقد اختلفت آراء الاجتماعيين في هذا المبدأ، فبعضهم يرى أنه المهنه، وثان يرى انه الدخل أو الثروة، وثالث يرى انه الدخل والمهنة معا.

 ولاجل الحصول على جواب صحيح لهذا السؤال نلاحظ ان هذا المبدأ يختلف باختلاف النظر إلى الطبقة كمؤسسة اجتماعية.

 فتارة ينظر إلى الطبقة باعتبارها تقوم بدور معين في العمليات الاجتماعية، وتقدم خدمات معينة إلى المجتمع.

 وأخرى ينظر إليها باعتبارها كتلة بشرية ذات مستوى (مادي) اقتصادي واحد وذات مزاج نفسي وعقلي خاص يوحد بين مفاهيم أفرادها في الاسرة وغيرها من المؤسسات الاجتماعية، ومختلف الاذواق والطباع والعادات.

 لابد من اعتبار المهنة وحدها مبدأ للانقسام الطبقي إذا نظرنا إلى الطبقة من زاوية الدور الذي تقوم به في العمليات الاجتماعية، وذلك لان هذا الدور يشتق من المهنة التي تمارسها الطبقة.

 أما حين ننظر إلى الطبقة من زاوية مستوى الحياة المادي والمعنوي الذي تتمتع به فلا بد من اعتبار مبدأ الانقسام الطبقي المهنة والدخل معا، فالمهنة بما تخلفه في صاحبها من آثار نفسية معينة، والدخل


[23]

بما يتيحه لصاحبه من مستوى معيشي معين يشتركان في صياغة الحياة المادية والنفسية للانسان.

 ويختلف مبدأ الانقسام الطبقي عن هذا وذاك حين ننظر إلى الطبقة الاجتماعية من زاوية المركز الاقتصادي الذي تتمتع به في المجتمع حسب نظام الانتاج والتوزيع، ففي هذا الحال لابد من جعل مبدأ الانقسام الطبقي الدخل وحده، لان مجموع دخل الطبقة يعبر عن المركز الاقتصادي الذي تحتله بين الطبقات الاخرى.

 والدخل ينظر إليه هنا باعتباره ثروة متكدسة قارة ذات امكانات اقتصادية، لا باعتباره وسيلة إلى بلوغ مستوى معيشي معين (1).

 هذه مبادئ مختلفة للانقسام الطبقي، وهي تختلف باختلاف زاوية النظر إلى الطبقة كما رأينا.

 ولكننا نلاحظ ان هذه المبادئ كلها انما تعتبر مبادئ انقسام طبقي فقط، ولا تستتبع حكما تقويميا للطبقات.

 فمبادئ المهنة أو الدخل أو الدخل والمهنة معا تشير إلى سبب الانقسام وحده أما أن هذه الطبقة ذات قدر معين تحتله في سلم القيم والاقدار فذلك شئ لا يتضمنه مبدأ من هذه المبادئ على الاطلاق.

 وهنا نتسأل: ما هو المبدأ الذي يستتبع الحكم التقويمي للطبقات ؟ وبعبارة اخرى: نحن لا نتمثل المجتمع في أذهاننا سطحا مستويا تتساوى فيه الرؤوس، وانما نتمثله هرمي الشكل، فبينما توجد طائفة من الناس تحتل قمة الهرم توجد طائفة أخرى تحتل قاعدته: وتوجد بينهما طوائف تختلف


1 - دكتور محمد ثابت الفندي: الطبقات الاجتماعية: ص 64 - 80 وثمة خلاف في وجهة النظر إلى مبادئ الانقسام الطبقي فقد ذكرنا هنا أنها لا تستتبع أحكاما تقويمية ولا تسلسلا طبقيا بخلاف ما ذهب إليه أصحابها.

 


[24]

بالرفعة والانحطاط على حسب قربها أو بعدها عن القمة والحضيض.

 واذن، فإذا كان لكل طبقة من الناس قيمة معينة في التصنيف الهرمي الاجتماعي، فمن أين جاء هذا التصنيف الذي يستتبع احكاما تقويمية لمختلف الطبقات ؟ اننا، فيما أحسب، لا نستطيع أن نضع أيدينا على ضابط حقيقي لهذا التصنيف الاجتماعي إلا إذا درسناه من زاوية القيمة العليا للحياة.

 وذلك لان أي حكم تقويمي إنما حدث بسبب هذه القيمة العليا، فترى انه كلما قرب المرء من هذه القيمة وشارك فيها وزاد في تأكيدها واكتسب خصائصها، ارتفعت قيمته وعلت منزلته، وبالعكس نراه كلما بعد عنها ولم يساهم إلا بقسط ضئيل فيها أو لم يساهم فيها على الاطلاق هبط في المنزلة الاجتماعية.

 والقيمة العليا للحياة قد تكون المال والثروة، أو الفضيلة، أو السياسة، أو الحرب.

 وقد تكون هذه القيمة العليا عبارة عن المبدأ الذي استدعى التشعب الطبقي، وذلك كما في المجتمعات التي يكون الاقتصاد هو القيمة العليا فيها، فقد رأينا ان الاقتصاد وحده أو منضما إلى المهنة يكون مبدأ للانقسام الطبقي فإذا ما كان بالاضافة إلى هذا قيمة عليا أيضا استتبع حينئذ أحكاما تقويمية تتفاوت بتفاوت القدرة الاقتصادية التي تملكها كل طبقة من الطبقات.

 وقد تكون القيمة العليا شيئا آخر غير المبدأ الذي سبب الانقسام الطبقي وحينئذ تحدث هذه القيمة انقساما في داخل كل طبقة من الطبقات، وذلك كما لو كانت القيمة العليا للحياة عبارة عن الفضيلة، فإن هذه القيمة تستتبع أحكاما تقويمية تحدث انقساما في داخل الطبقات نفسها، فقد يكون الفرد منتسبا من حيث المهنة أو المهنة والدخل أو القوة الاقتصادية إلى طبقة ضعيفة ومنحطة


[25]

المستوى المعيشي ولكنه يكون بسبب قربه من القيمة العليا التي هي الفضيلة في ذروة الهرم الاجتماعي (1).

 ومهما يكن من أمر فإن هذه القيم التي ذكرنا تستتبع أحكاما تقويمية تختلف باختلافها، ويتشكل وضع المجتمع صحة وفسادا بسبب ما تخلفه فيه هذه القيم من آثار، وهذا ما نلمسه حين ندرس الطبقات على أساس ان المثل الاعلى للحياة هو الفضيلة أو الاقتصاد. فتارة تكون القيمة العليا للحياة هي الفضيلة..

 هي ان يكون الانسان فاضلا رحيما بالضعفاء، باذلا لهم المعونة دون أمل في تلقي الجزاء، ساعيا في خدمة النوع مؤثرا لذلك على مصالحة الخاصة وأطماعه، مستعدا للتعاون مع الغير في سبيل المنفعة العامة، منافحا عن الحق أيا كان موطنه ومستقره، محاربا الباطل في جميع أشكاله وألوانه، شاعرا بمسؤوليته كانسان، عاملا على ضوء هذه المسؤولية بحرارة وإيمان.

 تارة تكون القيمة العليا للحياة عبارة عن هذا، وحينئذ تتحدد المراتب الاجتماعية على أساس هذه المفاهيم، فيرقى إلى القمة كل من استطاع ان يجعل من نفسه مثلا أعلى للفضيلة، ويحتل المرتبة السفلى من المجتمع اولئك الذين لا فضيلة لهم أو الذين يستمسكون بالفضيلة استمساكا واهيا، وما بينهما تتفاوت المراتب الاجتماعية على أساس الحصيلة الاخلاقية التي يحويها الانسان ويعمل عليها.

 في مجتمع كهذا توجد طبقات، وقد رأيت الاساس الذي أدى إلى انقسامها، ولكن هذا التفاوت الطبقي الناشئ عن تفاوت المستوى الاقتصادي والمعيشي عند هذه الطبقات من الناس لا يأخذ صفة الصراع المتمثل في استغلال الطبقات العليا للسفلى ومحاولة هذه الاخيرة التفلت من أسر هذا الاستغلال بالثورة أو


1 - المصدر السابق: ص 36 - 44.

 


[26]

بغيرها من أساليب الصراع، وانما تنظر الطبقات السفلى إلى العليا نظر حب ورحمة واكبار، لانها لا ترى في الطبقات العليا مستغلين يريدون امتصاص دمائها وجهدها، وانما ترى فيهم رسل إصلاح ضحوا بمصالحهم في سبيل مصالح الجميع، وتنكروا لانفسهم وشهواتهم في سبيل الآخرين، فهم ليسوا مستغلين لان أكفهم لم تتعود غير العطاء.

 وفي مجتمع كهذا تنظر الطبقات العليا إلى السفلى نظرة رحمة وإشفاق وتحاول جهدها أن تنشلها من الوهدة التي قبعت فيها إلى الافق العالي حيث يقبل جبينها نور الشمس.

 لاصراع ولا تناحر لان الطبقات هنا لم تنحط عن القمة لانها منعت من الصعود.

 لاصراع ولا تناحر لان الاجنحة التي يحلق بها الانسان هنا ليست شئ خارجا عن النفس يملكه فريق ولا يجده الآخرون، وانما هي شئ ينبع من النفس..

 هي أنت بما أودع الله فيك من إمكانات الصعود، ولم تبق حيث أنت لانك لا تملك هذه الامكانات، وانما لانك فضلت واقعك اللاذ على الافق العالي حيث الثمن هو التضحية وانكار الذات.

 في مجتمع كهذا يحتل الاقتصاد مرتبة ثانوية من حيث التقويم، فإذا اتخذه الانسان وسيلة لنشر الفضيلة كان مزية يحمد عليها، وإلا كان رذيلة لا تهبه قيمة ولا تسبغ عليه قدرا. واخرى تكون القيمة العليا للحياة هي الاقتصاد..

 النجاح المادي الخارق القائم على تكديس الاموال وتراكم العقارات، حينئذ تتحدد المراتب الاجتماعية على هذا الاساس، فيرتفع إلى القمة أولئك الاغنياء الكبار ملوك المال والاعمال، ويقبع في الحضيض أولئك الذين لا يملكون شيئا أو يملكون شيئا قليلا، وتتفاوت مراتب الناس بين هاتين الطبقتين على مقدار ما يملكون.

 في مجتمع كهذا توجد طبقات كما رأيت، ولكن التفاوت الطبقي يأخذ صفة الصراع، لان ما سبب الانقسام الطبقي هو مصدر القيمة في المجتمع، ولان


[27]

القيمة العليا هنا شئ خارج عن النفس فلا يكون للطبقات السفلى حينئذ أمل بالارتفاع.

 ومن هنا ينشأ عند الطبقات السفلى شعور بالاستغلال، ويواكب هذا الشعور شعور آخر، فالطبقات العليا عند هؤلاء تعني - بالنسبة إليهم - المزاحم على متع الحياة والسعادة والقوة، ويولد هذا الشعور في أنفسهم مشاعر الحقد والبغضاء، ويدفع بهم إلى الخيانة والاجرام.

 وهذا التخطيط الذي ذكرناه يصح بالنسبة إلى كل المجتمعات التي تجعل الاقتصاد مثلا أعلى لها، سواء منها ما يرفع إلى القمة الرأسماليين، أو ما يرفع إليها العمال والفلاحين، لان الصراع في هذه الاخيرة هو الصراع في المجتمعات الرأسمالية ومنابعه هنا هي منابعه هناك، فالاحقاد، والمطامع، والنيات السيئة، والمكر الخبيث هي المد النفسي الذي يطغى على الكتلة الاجتماعية في هذه الحالة وينسج مصيرها.

 غاية ما في الباب ان قمة الهرم الاجتماعي وقاعدته متعاكستان فنينما يحتل الرأسماليون القمة في المجتمعات الرأسمالية يحتلها - نظريا - العمال في المجتمعات الشيوعية القائمة اليوم.

 على أننا لا نستطيع أن نعقل ما يقال من أن الطبقة العاملة في المجتمعات الشيوعية هي التي تحتل قمة الهرم الاجتماعي.

 ان العلماء والاطباء والمهندسين والكتاب والممثلين ورؤساء المصانع ورؤساء الهيئات العمالية والمزارع التعاونية يتمتعون بميزات اجتماعية واقتصادية لاتتاح لسائر العمال.

 وإذن لا فرق بين المجتمعات الرأسمالية والشيوعية في العقابيل التي تنشأ من جعل الاقتصاد قيمة عليا، ولئن كان ثمة فرق فإنما هو في السطح والشكل، أما الاعماق. وأما ينابيع الصراع فهي واحدة في كل هذه المجتمعات. وهكذا ترى كيف أن جعل الاقتصاد قيمة عليا للحياة يسوق إلى التفسخ


[28]

الاجتماعي.

 ولا أتصور جريمة أكبر من جريمة الماديين الذين ينادون بان الاقتصاد هو القيمة العليا في الحياة، إنهم بخرافتهم هذه يجرون المجتمع إلى شر عظيم، ويشوهون المثل الانسانية العليا.

 * * *

من هذين المثلين تعرف أن الطبقات الاجتماعية لا يمكن أن تدرس دراسة موضوعية صحيحة تؤدي إلى فهمها حقا، وإلى وعي مستلزماتها القريبة والبعيدة إلا إذا تناولها الباحث على صعيد المثل الاعلى في الحياة للمجتمع الذي يدرس الطبقات فيه.

 ولابد لنا، إذا رمنا وعيا حقيقيا لرأي الامام في هذه المسألة، أن نتناول مسألة الطبقات الاجتماعية على هذا الصعيد


[29]

 

(2)

إن الفقر الذي هو عجز إنسان أو جماعة من الناس في المجتمع عن وجدان ما يوفر مستوى الكفاية في العيش - ان الفقر بهذا المعنى ظاهرة حاربها الاسلام في تشريعه ووصاياه كما سنرى ذلك فيما يأتي من ابحاث - واعتبرها شرا إنسانيا باعتباره يسبب حرمان الانسان من أحد حقوقه الذي هو الكفاية في العيش، وشرا اجتماعيا باعتباره يعوق المجتمع عن التقدم المادي والمعنوي، واعتبر الاسلام ان المجتمع الامثل الذي يسعى إلى تكوينه هو المجتمع الذي لا فقر فيه ولا فقراء.

 ومن هنا فاننا حين نستعمل كلمة (طبقات) في سياق الحديث عن الاسلام فإنما نقصد بذلك الفئات الاجتماعية، وليس الطبقات بالمعنى الذي شاع استعماله في الادب السياسي في العصر الحاضر، وإنما حرصنا على استعمال كلمة طبقات لانها وردت في كلام الامام علي بمعنى فئات اجتماعية، ولم تكن في ذلك الحين قد تضمنت معناها الذي تعنيه الآن.

 

 * * *

لقد اعترف الاسلام كما اعترف الامام بالطبقات الاجتماعية (الفئات) القائمة على أساس اقتصادي أو مهني أو عليهما معا، وذلك لان وجود هذه الطبقات (الفئات) ضرورة لا غنى عنها ولا مفر منها في المجتمع، فلا بد أن يوجد تصنيف مهني يقوم بسد حاجات المجتمع المتجددة، ولابد أن يوجد اناس


[30]

لديهم مال كثير وآخرون لا يملكون من المال إلا قليلا لان التحكم التام في توزيع الثروات على نحو متساو أمر مستحيل إطلاقا.

 وإذا اختلفت المهن وتفاوتت الثروات فلابد أن يختلف مستوى المعيشة ويتفاوت طراز الحياة المادي والنفسي وحينئذ توجد الطبقات.

 وقد رأينا أن التفاوت الطبقي يصير منبعا للصراع الطبقي إذا جعل الاقتصاد مثلا أعلى للحياة.

 وإذن، فالتفاوت الطبقي الناشئ عن التفاوت الاقتصادي خطر بقدر ما هو ضروري، وإذا لم يوضع للمجتمع نظام يذهب بالخطر من هذا التفاوت ويستبقي جانب الخير فيه فانه خليق بأن يسبب للمجتمع بلبلة تقوده إلى الدمار.

 وهنا تتجلى عبقرية الاسلام وعبقرية الامام.

 فقد تدارك الاسلام هذه الثغرة فسدها بنظام من القوانين عظيم، وجاء الامام فوضع قيودا اخرى تحول بين التفاوت في مستوى الدخل وبين ان يحلف في المجتمع عقابيله الضارة، وآثاره الوبيلة.

 وعند الحديث عن التدابير الحكيمة التي وضعها الاسلام لوقاية المجتمع من شرور التفاوت في المستوى الاقتصادي يجئ الحديث عن المثل الاعلى للحياة في الاسلام قبل كل حديث.

 وحديثنا عن المثل الاعلى للحياة في الاسلام يسوقنا إلى الحديث عن المثل الاعلى للحياة عند الامام.

 وما نهج البلاغة إلا انعكاس الاسلام في نفس الامام.

 ومن هنا كان الحديث عن أحدهما يلزمه الحديث عن الآخر كما تستهدى العين بخيوط الشعاع على مركز الاشراق.

 

 * * *

 


[31]

إن المثل الاعلى للحياة في الاسلام وعند الامام هو التقوى. فقل أن ترد سورة في القرآن لم يرد فيها الامر بالتقوى، تقوى الله. وقل أن ترد خطبة أو كلام في نهج البلاغة لم يرد فيه الامر بالتقوى، تقوى الله. فالقرآن أمر بالتقوى، وفصلها، ومدح المتقين، والامام أمر بالتقوى، ووصفها، ومدح المتقين.

قال عليه السلام: (أوصيكم عباد الله بتقوى الله، فإنها حق الله عليكم، والموجبة على الله حقكم، وأن تستعينوا عليها بالله، وتستعينوا بها على الله، فإن التقوى في اليوم الحرز والجنة (1) وفي غد الطريق إلى الجنة. مسلكها واضح، وسالكها رابح، ومستودعها حافظ، لم تبرح عارضة نفسها على الامم الماضين والغابرين، لحاجتهم إليها غدا..فاهطعوا باسماعكم إليها، وكظوا بجدكم عليها، واعتاضوها من كل سلف خلفا) (2).

 وقال عليه السلام: (أما بعد فاني أوصيكم بتقوى الله.

 فان تقوى الله دواء داء قلوبكم، وبصر عمى أفئدتكم، وشفاء مرض أجسادكم، وصلاح فساد صدوركم، وطهور دنس أنفسكم، وجلاء عشا أبصاركم، وأمن فزع جأشكم، وضياء سواء ظلمتكم.

 فمن أخذ بالتقوى عزبت عنه الشدائد بعدد، نوها، واحلولت له الامور بعد مرارتها، وانفرجت عنه الامواج بعد تراكمها،


1 - الجنة الدرع الواقية.

 2 - نهج البلاغة - رقم الخطبة: 186.

 


[32]

وسهلت له الصعاب بعد إنصابها، وهطلت عليه الكرامة بعد قحوطها، وتحدبت عليه الرحمة بعد نفورها، وتفجرت عليه النعم بعد نضوبها، ووبلت عليه الكرامة بعد إرذاذها) (1).

 وقال عليه السلام: (فإن تقوى الله مفتاح سداد، وذخيرة معاد، وعتق من كل ملكة، ونجاة من كل هلكة، بها ينجح الطالب، وينجو الهارب، وتنال الرغائب (2).

 ولكن ما هي التقوى ؟ إن الامام عليه السلام لم يتعرض لوصف التقوى من داخل إذا صح التعبير.

 انه اكتفى - على كثرة ما قاله فيها - بوصفها من خارج: ميزاتها، وفضلها، وثمرتها، وأصحابها، أما هي بذاتها: مقوماتها، طبيعتها، فأمر لم يتعرض له له الامام عليه السلام وانما تعرض له القرآن.

 ولعل الامام ترك الكلام في هذه الجهة اعتمادا على ما جاء في القرآن، واعتمادا على ان المسلمين إذ ذاك كانوا ولا شك يعون ما هي التقوى، فاكتفى بتشويقهم إلى الاخذ بها والاعتصام بحبلها.

 أو ان الامام قد تكلم في هذا الموضوع وأعطاه حقه من البيان ولكن الشريف رحمه الله لم يقع على شئ منه، أو وقع عليه ولم يكن بين ما اختاره.

 وعلى أي حال ففيما قدمه لنا القرآن غنى وكفاية.


1 - المصدر السابق - رقم الخطبة: 193.

 2 – المصدر السابق ـ رقم الخطبة: 225.

 


[33]

قال الله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * والذين يؤمنون بما أنزل اليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون * أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون)(1).

وقال تعالى: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) (2).

 وقال تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات


1 - سورة البقرة: 2 - 5.

 2 - سورة البقرة: 177.


[34]

والارض أعدت للمتقين * الذين ينفقون في السراء والضراء، والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) (1).

 وقال الله تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) (1).

 وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: جماع التقوى في قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والاحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون) (3).

 من هذه النصوص الالهية، وغيرها أكثر منها، نعرف طبيعة التقوى: إنها الفضيلة في أرفع معانيها وأجل صورها.

 إنها الايمان بالله في أطهر حالاته وأسمى معانيه.

 وبذل المال لمن أعوزه المال...

 ولكن كيف.. ؟ إنها بذل المال على حبه.

 


1 - آل عمران: 133 - 134.

 2 - المائدة: 8.

 3 - مجمع البيان في تفسير القرآن 1 - 37، والآية في سورة النحل: 90.

 


[35]

حب الله تعالى، فلا امتنان على المعطى ولا إفضال، ومتى ؟ إنها بذله في السراء والضراء.

 وهي الصبر في جميع المواطن وجميع الاحوال.

 وهي كظم الغيظ، وهي العفو عن الناس، وهي العدل فيهم والاحسان إليهم إلى غير ذلك من حميد الاخلاق وجميل الخصال.

 هذه هي التقوى.

 فإذا حققت التقوى في نفسك: وعيت وجود الله وأمره ونهيه في كل ما تلم به من فعل أو قول، وتحريت الفضيلة أنى كانت فأخذت بها وأخضعت نفسك لها، وجعلت من نفسك وجميع إمكاناتك خلية إنسانية حية، تعمل بحرارة وإخلاص على رفع مستوى الكيان الاجتماعي الذي تضطرب فيه، وصدرت في ذلك كله عن إرادة الله المتجليه فيما شرع من أحكام، تكون قد حققت في نفسك المثل الاعلى الذي نصبه الاسلام.

 فالمال لا يكسب قيمة إلا إذا بذل حيث أجاز الله أن يبذل، وإلا إذا اتخذ وسيلة إلى رضوان الله.

 أما أولئك الذين لا يبذلون أموالهم فلا جدوى منهم للجماعة، ولذلك فلا مزية لهم على غيرهم من الناس الذين لا مال لهم.

 والسلالة لا قيمة لها حين لا يكون صاحبها متقيا لله.

 والقوة لا قيمة لها حين لا يستخدمها صاحبها في مرضاة الله.

 والسلطان ؟ انه لا يكسب صاحبة قيمة إلا إذا كان ذا تقوى.

 هناك أغنياء وفقراء، وحاكمون ومحكومون، وأقوياء وضعفاء، وأناس تحدروا من سلالات لها ماض عريق وآخرون ليس لهم ماض مذكور، ولكن كل هذا لا يرفع من صاحبه ولا يضع الا إذا اقترن بالتقوى أو عري عنها.

 وتعاليم الاسلام صريحة في ذلك لا لبس فيها ولا غموض، فهي تنص على أن القطب الذي يدور عليه التفاضل ليس شيئا غير التقوى.

 


[36]

قال الله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (1).

 وقال النبي ص: (لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى).

 وقال الامام ع: (لا تضعوا من رفعته التقوى، ولا ترفعوا من رفعته الدنيا) (2).

 وإذن، فالقيم الاجتماعية تتفرع عن هذا الاصل، وتنبثق من هذا الينبوع.

 وهكذا تكون الرغبة في الخير، ورضوان الله، ومساعدة الضعفاء، وتكريس المواهب في سبيل الجماعة تقربا إلى الله، هي رائد كل إنسان وعى مبادئ الاسلام.

 وهكذا يكون المجتمع متحابا متراحما متآزرا متعاونا على البر والتقوى، بدل أن يكون في صراع يؤدي به إلى التفسخ والانحلال.

 هذا هو المثل الاعلى للحياة في الاسلام وعند الامام.

 * * *

ولكن الاسلام حين جعل الفضيلة مصدر القيمة الاجتماعية، وأراد أتباعه أن يحملوا أنفسهم على هذا المركب، صونا للمجتمع من أخطار التفاوت الطبقي لم يغفل أمر الواقع النفسي والشعوري للانسان.

 فإن القوي الغني يتغنى بالفضيلة في كل آن، ولكنه عندما تستيقظ فيه نوازع العدوان يمضي في سبيل الشر دون أن يصغي إلى نداء فضيلة أو تقريع


1 - سورة الحجرات: الآية، 13.

 2 - نهج البلاغة - رقم الخطبة: 189.

 


[37]

ضمير. وعندئذ تغدو الفضيلة ضلا لا أثر له في صيانة المجتمع من أخطار التفاوت الطبقي.

 لذلك لم يكل أمر تحقيق القيمة العليا إلى الانسان وحده، وإنما جعل لها سندا من القانون، ليكون لها من القوة ما يحمل الاغنياء الاقوياء، وغير الاغنياء على التمسك بها.

 وكان من ذلك أن ساوى بين جميع الطبقات في الحقوق والواجبات، فالجميع سواء أمام الله، والجميع سواء أمام القانون، وجريمة الغني هي جريمة الفقير، وجريمة الرفيع هي جريمة الصعلوك، لا يمتهن هؤلاء لضعفهم ولا يحابى أولئك لشرفهم.

 وبهذا حال بين الطبقات العليا وبين أن تطعى وتعتز، لانه أثبت لها أن الغنى والسلالة والماضي العريق لن تجدي شيئا أمام القانون.

 وحال بين الطبقات السفلى وبين أن تشعر بالحيف والضعة والاستغلال، لانه أثبت لها أن عدم الغنى وأن ضعة النسب لا تجعل من القانون لها عدوا، وإنما هي أدعى لان تجعله أرفق بها، وأحنى عليها، وأرعى لشؤونها في السراء والضراء.

* * *

وحين تحتد الفروق الاقتصادية، فتتسع وتعمق، تغيض منابع الفضيلة من المجتمع وتسوده نوازع الحيوان.

 فأنت لا تستطيع أن تطلب من جائع لا يجد القوت أن يصير فاضلا، لان الحرمان لا يدفع إلى الفضيلة وإنما يخلق تصورات الحرمان التي تدفع إلى التمرد والاجرام حين لا يجد المحروم اليد البارة الوصول.

 إن الجائع الذي لا يجد ما يسد جوعته وإن خشن وهان، والعاري الذي يجد للريح مثل لسع السياط، وللشمس مثل مس الحميم، والمريض الذي لا يجد ثمن الدواء ولا الخلاص من اللاواء - هؤلاء لا يستطيعون أن يتغنوا بالفضيلة حين يرون الغني الكاسي الصحيح الذي لايعرف معنى للجوع، فالفضيلة ليست


[38]

طعاما ولا كساء ولا دواء، إن هؤلاء ينقلبون إلى قتلة ومجرمين ولصوص حين لا يجدون ما يسدون به حاجاتهم الاولية من طريق مشروع.

 وهكذا يظهر إلى العيان الصراع الطبقي بالرغم من أن المثل الاعلى هو الفضيلة ومكارم الاخلاق.

 وعى الاسلام هذا الواقع فلم يكل أمر صيانة المجتمع من أخطار التفاوت الطبقي إلى المثل الاعلى وحده، وانما أولى الاقتصاد ماله من الاهمية في أمر الصيانة والعلاج.

 فشرع الله تعالى أحكاما تحول دون تكون الثروات بطريق غير عادل وغير مشروع - وتحول بين أصحاب الثروات بعد أن تتكون لديهم الثروة بطريق مشروع وبين أن يستخدموها في استغلال الآخرين.

 وشرع نظاما للضرائب (الزكاة، الخمس) والمواريث يفتت هذه الثروات تدريجيا، ويحول بينها وبين التراكم والتعاظم، وأعطى للحاكم حق وضع اليد على ما تقضي به المصلحة العامة من أموال الاغنياء إذا قضت بذلك حاجة طارئة تعجز عن الوفاء بها المصادر التقليدية لتمويل النفقات العامة.

 وشرع نظاما للاموال العامة يغذي من الضرائب ومصادر الثروة العامة، يضمن مستوى الكفاية في العيش لجميع الناس.

 وبذلك يحول بين المجتمع الاسلامي وبين أن توجد فيه ظاهرة الفقر بالمعنى الاقتصادي الاجتماعي المعروف، وإن كان هذا لا يعني أن يتساوى الناس في دخلهم وفيما يملكون، لان هذا أمر مستحيل في أي مجتمع يتخيله الانسان على الاطلاق.

 ويدخل في باب الاحلام والتصورات الطوباوية التي تاباها واقعية الاسلام.

 وبذلك يشعر الفقراء أنهم ليسوا مهملين: لاعين ترعاهم، ولا يد تأسو جراحهم، وتقيلهم عثرات الزمان..

 بل يشعرون أنهم ملء سمع المجتمع وبصره، فتختفي دوافع الاجرام من أنفسهم، وحينذاك يقول لهم الاسلام: إن المثل الاعلى هو الفضيلة، ويطلب إليهم أن


[39]

يكونوا فضلاء.. وأن يجعلوا الارض اختا للسماء.

 

 * * *

فقد وعى الامام ان الانسان الجائع، المستغل، المحروم، المصفد بالاغلال لا يستطيع أن يكون فاضلا، وأن من اللغو أن يوعظ بالوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، وإن إنسانا كهذا ينقلب كافرا: كافرا بالقيم، والفضائل والانسان.

 إن معدته الخاوية، وجسده المعذب، ومجتمه الكافر بانسانيته، المتنكر له، وشعوره بالاستغلال، وميسم الضعة الذي يلاحقه أنى كان - هذه كلها تجعله لصا، وسفاحا، وعدوا اللانسانية التي لم تعترف له بحقه في الحياة الكريمة.

 ووعى ان المجتمع القائم على سيادة فريق وعبودية فريق، وعلى استغلال الاسياد للعبيد، والاحرار للمصفدين بالاغلال، مجتمع لا يمكن أن توجد فيه فضيلة ولا يمكن أن يوجد فيه فضلاء.

 إنه ليس إلا مجتمع لصوص ومجرمين وعبيد، تسير أفراده الاحقاد والمكر والاستغلال، وما كانت اللصوصية والعبودية وما إليها يوما فضائل تشرف الانسان.

 على أساس من هذا الوعي جعل الامام الاصلاح الاقتصادي أساسا للاصلاح الاجتماعي.

 ولقد كان من الطبيعي جدا - حتى عند المفكرين والمصلحين - في عصر الامام وقبله أن يوجد أناس جائعون فقراء، وان يوجد أغنياء يحارون كيف ينفقون أموالهم، فلم يكن الفقر بذاته والغنى بذاته مشكلة اجتماعية تطلب حلا، لانها في نظرهم أمر طبيعي لا محيد عنه.

 إنما المشكلة هي: كيف السبيل إلى اسكات الفقراء وحماية الاغنياء ؟ فكان الامام - بعد النبي الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم هو أول من كشف أن الفقر والغنى مشكلة اجتماعية خطيرة، ونظر إليها على أساس أفاعيلها الاجتماعية.

 


[40]

إن فلسفة الفقر عنده تجتمع في هاتين الكلمتين: (إن الله سبحانه فرض في أموال الاغنياء أقوات الفقراء فما جاع فقير إلا بما متع به غني) (1).

 و (ما رأيت نعمة موفورة إلا وإلى جانبها حق مضيع).

 ومن هنا أصبح من أبرز المشاكل التي حفل بها منهجه الاصلاحي يوم ولي الحكم، مشكلة الفقر والغنى.

 ولقد كان مجتمعه إذ ذاك يعاني جراحا عميقة بسبب هذه المشكلة، فقد ولي الامام الحكم والتفاوت الطبقي في المجتمع الاسلامي على أشد ما يكون عمقا واتساعا.

 ففي العهد السابق على ولاية الامام عليه السلام للحكم كانت الطريقة المنبعة في التقدير وإظهار الكرامة هي التفضيل في العطاء.

 وقد اتبعت هذه الطريقة في بعض الحالات بصورة خارجة عن حدود المعقول والمقبول، ففضل من لا سابقة له في الدين ولا قدم له في الاسلام على ذوي السوابق والاقدار.

 وقد أوجد هذا اللون من السياسة المالية طبقة من الاشراف لا تستمد قيمتها من المثل الاعلى للاسلام، وإنما تستمدها من السلالة والغنى والامتيازات التي ولا ماض عريق، وكان من عقابيل ذلك أن أحس الفقراء الضعفاء بالدونية واستشعر الاشراف الاستعلاء، وحرم الفقراء المال الذي تدفق إلى جيوب الاغنياء.

 فلما ولى الامام الحكم الفى بين يديه هذا الارث المخيف الذي يهدد باستئصال ما غرسه النبي في نفوس المسلمين.

 


1 - نهج البلاغة - باب المختار من حكم أمير المؤمنين - رقم: 328.

 


[41]

وقد عالج هذا الواقع الذي سيق (؟) إليه بالتسوية بين الناس في العطاء، فالشريف والوضيع، والكبير والصغير، والعربي والعجمي، كلهم في العطاء سواء.

 فلم يجعل العطاء مظهرا للتفاضل بين الافراد والافراد والطبقات والطبقات.

 وبهذا أظهر للناس أن القيمة ليست بالمال، وحال بين الفقراء والضعفاء وبين الشعور بالدونية، وبين الاشراف والاقوياء وبين أن يشعروا بالاستعلاء.

 وأهاب بالناس أن يثوبوا إلى الله فيجعلوا التقوى مناط التفاضل ومقياس التقويم.

 وقد ثارت الطبقة الارستقراطية لسياسة المساواة المالية التي قام بها الامام فأشاروا عليه أن يصطنع الرجال بالاموال، فقال: (أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه ؟ والله ما أطور به ما سمر سمير، وما أم نجم في السماء نجما، لو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف وإنما المال مال الله.

 ألا وأن اعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف..) (1) ولم يكن هذا كل ما ينتظر الطبقة الارستقراطية على يديه يوم أمسك بالزمام، لقد كانت أموال الامة تتدفق - تحت عينيه - قبل أن يتولى الحكم إلى جيوب فريق من الناس، فأخذ على نفسه عهدا بمصادرتها، بردها إلى أهلها، وكان أن أعلن للناس يوم ولي الحكم مبدأ من جملة المبادئ التي أعدها لمحاربة الفقر الكافر في مجتمعه الموشك على الانهيار، فقال: (ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله، فهو مردود في بيت المال.

 فإن الحق لا يبطله شئ. ولو وجدته قد تزوج به النساء،


1 - نهج البلاغة - رقم النص: 124.

 


[42]

وفرق في البلدان لرددته، فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه الحق فالجور عليه أضيق) (1).

 وكم كان يقض مضجعه عدم التوازن في توزيع الثروات في زمانه عليه السلام، فتراه يصرخ أكثر من مرة، من على منبر الكوفة، بمثل هذا القول: (.. وقد أصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه إلا إدبارا، والشر فيه إلا إقبالا، والشيطان في هلاك الناس إلا طمعا.. إضرب بطرفك حيث شئت من الناس: هل تبصر إلا فقيرا يكابد فقرا ؟ أو غنيا بدل نعمة الله كفرا ؟ أو بخيلا اتخذ البخل بحق الله وفرا ؟ أو متمردا كأن بأذنه عن سمع المواعظ وقرا، أين خياركم وصلحاؤكم، وأحراركم وسمحاؤكم ؟ وأين المتورعون في مكاسبهم، والمتنزهون في مذاهبهم ؟) (2).

 ولا يعالج الفقر عند الامام بالمواعظ والخطب، وإنما يعالج بحماية مال الامة من اللصوص والمستغلين، ثم بصرفه في موارده.

 وبهذا عالجه الامام، فكان عينا لا تنام عن مراقبة ولاته على الامصار: وعن التعرف على أموال الامة وطرق جبايتها وتوزيعها.

 وكم من وال عزل وحوسب حسابا عسيرا لانه خان أو ظلم أو استغل.

 وكم من كتاب كتبه عليه السلام إلى ولاته يأمرهم أن يلزموا جادة العدل فيمن ولوا عليهم من الناس (2).


1 - نهج البلاغة - رقم الخطبة: 15، وهذا الكلام جزء من خطبة خطبها في اليوم الثاني من بيعة للناس له بالخلافة، ولم يذكر الرضي رحمه الله النص بكامله.

 2 - نهج البلاغة - رقم الخطبة: 127.

 3 - نهج البلاغة - راجع مثلا كتابه إلى الاشعث بن قيس عامل اذربيجان، رقم النص: -


[43]

وبينما هو يأمرهم بهذا يضع عليهم العيون والرقباء ليرى مدى طاعتهم وتنفيذهم لاوامره.

 لقد كان عليه السلام، بهذا، أول من اخترع نظام التفتيش.

 ولقد كان يكتب إلى ولاته: (إن أعظم الخيانة خيانة الامة (1)) وليس الولاة أعضاء في شركة مساهمة هدفها أن تستغل الامة وإنما هم كما كان يكتب إليهم (خزان الرعية، ووكلاء الامة، وسفراء الائمة) (2).

 وكون الاموال العامة هي أموال الامة مفهوم لم يأخذ صيغته الحقة إلا على لسان الامام عليه السلام وفي أعماله.

 لقد جاءه أخوه عقيل يطلب زيادة عن حقه فرده محتجا بأن المال ليس له وإنما هو مال الامة (3)، وجاءه ثان يطلب إليه أن يعطيه مالا، مدلا بما بينهما من رابطة الحب فرده قائلا: (إن هذا المال ليس لي ولا لك وإنما هو فئ للمسلمين) (4).

 

 * * *

بهذا كله لم يكل الاسلام ولا الامام أمر إلتزام الفضيلة في السلوك إلى الضمير وحده وإنما جعلا لها سندا من القانون يكفل لها أن تصير واقعا اجتماعيا تنبني عليه العلاقات الاجتماعية والسلوك الانساني.

 ولكنهما لم يجعلا القانون كل شئ في حياة الانسان لئلا يكون آلة مسيرة لا تملك اختيار ما تريد، وإنما أناطا جانبا من سلوكه بملزمات الضمير بعد أن أيقضا هذا الضمير.

 ولم يكلا أمر


5، وكتابه إلى زياد بن سمية وهو متول على البصرة، رقم النص: 20 - 21، وكتابه إلى بعض عماله، رقم النص: 46، وغير ذلك كثير نجده في باب المختار من كتب أمير المؤمنين في القسم الاخير من نهج البلاغة.

 1 - نهج البلاغة - من عهد له إلى بعض عماله على الخراج، رقم النص: 26.

 2 - نهج البلاغة - من كتاب له إلى عماله على الخراج: 51.

 3 - نهج البلاغة - رقم النص. 222.

 4 - نهج البلاغة - من كلام له مع عبد الله بن زمعه، رقم النص: 230.

 


[44]

صيانة المجتمع من أخطار التفاوت الطبقي إلى الفضيلة وحدها، لانها لا تسد حاجات الانسان التي لا يقوى بدونها على التزام الفضيلة ومكارم الاخلاق، وإنما أناطا جانبا من مهمة الصيانة بالاقتصاد لانه هو الذي يسد حاجات الانسان.

 وهكذا، بين الضمير اليقظ والقانون الواعي لحاجات الفرد والمجتمع ينمو الانسان المسلم، ويأخذ سبيله إلى الكمال النسبي الذي يتاح للانسان.

 * * *

وحيث قد تبين لنا موقف الاسلام وموقف الامام من الطبقات الاجتماعية والتفاوت الطبقي، فلنسلك سبيلنا إلى دراسة الطبقات الاجتماعية في نهج البلاغة.

 

 * * *

راجع الاوامر بالتقوى، ووصفها، ووصف المتقين في نهج البلاغة في النصوص التالية: رقم - 15، و 62 و 81 و 82 و 112 و 130 و 155 و 159 و 165 و 171 و 180 و 181 و 186 و و 189 و 190 (القاصعة) و 191 و 192 و 193 و 194 و 196 و 228، وفي باب الكتب رقم 12 و 25 و 26 و 27 و 30 و 31، (وصية لابنه الامام الحسن) و 45 و 47 و 53 (عهد الاشتر) و 46 وفي المختار من حكمه وكلماته القصار - رقم 95 و 203 و 210 و 242 و 344 و 388 و 410.

 


[45]

 

(3)

مصدرنا الكبير والاساس من نهج البلاغة، في دراسة الطبقات الاجتماعية عند الامام هو كتابه إلى مالك بن الحارث الاشتر النخعي حين ولاه مصر وعزل به محمد بن أبي بكر عنها يوم شغب الحزب الاموي على هذا الاخير، وضعف أمره.

 ولكن لم يطبق في مصر شئ من هذا القانون الذي كتبه الامام.

 فقد دس معاوية من قضى على الاشتر وهو في أعتاب مصر (القلزم - منطقة السويس حاليا) بسم دس في كأس من عسل، وذلك في سنة 38 هجرية، وبعد ذلك قتل محمد بن أبي بكر، وتمت لمعاوية الغلبة على مصر فنزل عنها لعمرو بن العاص وفاء بالعهد الذي بينهما (1).

 


1 - لم يوافق عمرو بن العاص على الاشتراك مع معاوية في العمل السياسي والعسكري ضد أمير المؤمنين علي عليه السلام إلا بعد أن تعهد معاوية بأن يولي عمرو ابن العاص على مصر ولاية مطلقة.

 وقد جاء في صك الولاية المذكورة (.. ان معاوية أعطى عمروا ابن العاص مصر وأهلها هبة يتصرف كيف يشاء).

 وقد وردت بعض الاشارات في نهج البلاغة إلى هذه الاتفاقية بين معاوية وعمرو بن العاص منها قوله: (.. ولم يبايع حتى شرط أن يؤتيه على البيعة ثمنا فلا ظفرت يد البائع، وخزيت أمانة المتباع..) رقم النص: 26.

 ومنها (.. إنه لم يبايع معاوية حتى شرط ان يؤتيه أتية، ويرضخ له على ترك الدين رضيخة) رقم النص: 82.

 


[46]

وما بين أيدينا من هذا العهد ليس تمامه.

 لا، إنما قطع منه اختارها الشريف الرضي رحمه الله.

 وليته أثبته كله، إذن لزدنا بصرا بآراء الامام في هذا الموضوع، ولكن ماذا نصنع والشريف لم يختر إلا البليغ من كلامه عليه السلام.

 ويحسن بنا أن ننوه، ونحن على أعتاب البحث عن الطبقات الاجتماعية في نهج البلاغة، بان التقسيم الطبقي الذي ذكره الامام يقوم بالدرجة الاولى على الوظيفة الاجتماعية التي تؤديها كل طبقة، وهناك تقسيم آخر يتم في داخل الطبقات هو التقسيم على أساس المثل الاعلى، والتقسيم الاول لا يستتبع حكما تقويميا على الشخص المنتسب إلى طبقة ما يجعله في القمة أو ينحدر به إلى الحضيض.

 ان التقسيم الذي يستتبع الحكم التقويمي، أعني الذي يحدد قيمة الشخص، إنما هو التقسيم الثاني، فالانسان الذي يستغل إمكاناته في سبيل خير المجتمع هو في القمة أما الانسان الذي يتخذ هذه الامكانات سبيلا إلى العيث والافساد وإضرار المجتمع فذلك شخص يحتل مركزه في الطبقات السفلى.

 وإذن فترتيب الطبقات في التقسيم لا يعني ترتيبها في القيمة، فيكون الجنود هم الطبقة العليا ويكون المعدمون هم الطبقة السفلى، وتكون قيمة ما بينهما على هذا الترتيب قربا من الجنود وبعدا عنهم.

 لا، فقد عرفت ان الامام لم يراع قيمة كل طبقة حين قدمها واخرها، وإنما راعى الخدمات الاجتماعية التي تقوم بها، أما القيمة فلا تقاس إلا بالتقوى.

 ونقدم بين يدي بحثنا هذا ملاحظة لها خطرها، وهى: ان هناك طبقات (فئات) افترض الامام وجودها وتحدث عنها كأهل الخراج، والتجار والصناع، والمعدمين، وهناك طبقات لم يفترض وجودها، وإنما تكلم رأسا في كيفية إنشائها وتكوينها، فإلام تشير هذه الملاحظة ؟ ان ما تشير إليه هذه الملاحظة، فيما أرى، أمر طريف جدا ومعجب حقا،


[47]

فالطبقات التي تكلم الامام في كيفية إنشائها وتكوينها هي: طبقات (فئات) العسكريين، والوزراء، والولاة، والقضاة.

 وهذه الهيئات هي التي تشرف على تنظيم المجتمع وسير الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدفاعية، وبها يتعلق مصير المجتمع النير أو الوبيل، وقد كانت هذه الاجهزة قبل عهد الامام فاسدة ومتهرئة فاراد الامام أن ينشئها من جديد.

 ومن هذه الملاحظة نستكشف مدى عظمة الامام في المسائل الاجتماعية.

 فالمجتمع، خيره وشره، نحن نصنعه بأيدينا، وليس ضربة لازمة لنا أن نعيش في مجتمع متذائب متداع لا يوفر لافراده فرصا حسنة، وانما بامكاننا أن نعيش في مجتمع حسن التنظيم يجد فيه كل فرد من الافراد المجال الرحب لتحقيق مطامحه التي يريد، ولا يتم ذلك إلا إذا أصلحنا الاجهزة التي تدير آلة الحكم أو بدلناها بأخرى أجدى منها.

 بهذه العقلية العظيمة الواعية نظر الامام عليه السلام إلى المجتمع الاسلامي في أيامه، وبهذه العقلية العظيمة الواعية وضع له هذا النهج وسن له هذا القانون، ولكن مجتمع مصر لم يسعد بتطبيق هذا النظام.

 

 * * *

قسم الامام الرعية إلى طبقات (فئات) سبع.

 1 - الجنود .

2 - كتاب العامة والخاصة، وهم بمنزلة الهيئة الوزارية ومساعديها.

 3 - القضاة .

4 - الولاة .

5 - الزراع .

6 - التجار .

7 - الطبقة السفلى.

 


[48]

ولكنه في مورد ثان جعل القضاة والولاه والكتاب طبقة واحدة، وان كان فيما بعد قد جري في الكلام عن الطبقات على تقسيمه الاول.

 ومع أنه يمكن إدراج الكتاب والولاة في طبقة واحدة باعتبارهم إداريين من حيث الوظيفة، وباعتبار ان (نوع الحياة) الذي يحيونه واحد أيضا، فان مستوى الدخل والانفاق والتصورات الاجتماعية عندهم واحدة أو متقاربة تقاربا شديدا - أقول مع أنه يمكن إدراج هاتين الطائفتين في طبقة واحدة جعلهما الامام طبقتين متمايزتين.

 وأحسب أن الذي دفعه إلى ذلك رغبته الاكيدة في التنصيص التام على كيفية تأليف كل جهاز من أجهزة الحكم في الدولة لئلا يقع اللبس والابهام من اشتراك طائفتين مختلفتي مجال النشاط في حديث واحد.

 ونحن، محافظة منا على إبراز جميع خصائص العهد، سنجري في كلامنا عن الطبقات حسب تقسيمه عليه السلام وإن لم تكن ثم ضرورة، بلحاظ الطبقات ذاتها، تدعو إلى اتباع هذا النهج.

 * * *

وبعد أن قسم الامام الطبقات على النحو الذي رأيت، تقدم بملاحظة ذات مغزى، وهي أن كل واحدة من هذه الطبقات، عدا الطبقة التي لا تستطيع عملا، ضرورية للمجتمع، والعمل الذي تقوم به ضروري الوجود، وكما انه يعتعد في وجوده على جهود الآخرين كذلك جهود الآخرين لم تكن لتوجد لولاه.

 ولذلك قال عليه السلام.

(الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض ولا غنى لبعضها عن بعض).

لولا الجنود لانعدم الامن، وحينئذ تنعدم التجارة ويختل نظام الزراعة، وإذا اختل هذان انهار الكيان الاجتماعي.

 ولولا التجارة والزراعة لما وجدت الضرائب التي تمد الجنود بالمال والسلاح.

 


[49]

ولولا التجارة لحدثت أزمات إجتماعية تنشأ من تكدس الانتاج في غير مكان الحاجة إليه، وعدم وجوده في مكان الحاجة إليه.

 والعمال (الولاة) والكتاب يشرفون على تنظيم هذا النشاط ولولاهم لتسيب واتجه اتجاهات غير صالحة.

 ولولا القضاة للجأ الناس إلى تسوية مشاكلهم بالعنف، وذلك يؤدي إلى بلبلة الاجتماع.

 وإذن، فالنشاطات الاجتماعية متشابكة ومتداخلة، وليس فيها لاحد على أحد فضل، فكل واحد من الناس يؤدي عملا يأخذ في مقابله من المجتمع أعمالا كثيرة، ولو كف المجتمع عن تقديم المعونة له لما أمكنه أن يقوم بشي.

 قال عليه السلام:

(.. فالجنود باذن الله حصون الرعية، وزين الولاة، وعز الدين، وسبل الامن، وليست تقوم الرعية إلا بهم. (ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به على جهاد عدوهم، ويعتمدون عليه فيما يصلحهم ويكون من وراء حاجتهم.

 (ثم لا قوام لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب لما يحكمون من المعاقد ويجمعون من المنافع، ويؤتمنون عليه من خواص الامور وعوامها.

 (ولا قوام لهم جميعا إلا بالتجار وذوي الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم، ويقيمونه من أسواقهم، ويكفونهم من الترفق بأيديهم مالا يبلغه رفق غيرهم)

عهد الاشتر


[50]

وحيث كان النشاط الاجتماعي متشابكا على هذا النحو، متداخلا على هذه الشاكلة، فيجب أن تشق له القنوات التي يجري فيها على نحو لا يختل ولا يتدافع، ولا يطغى لون منه على لون، وأمر هذا موكول إلى الحاكم.

 قال عليه السلام:

(وفي الله لكل سعة، ولكل على الوالي بقدر ما يصلحه، وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله من ذلك إلا بالاهتمام والاستعانة بالله وتوطين نفسه على لزوم الحق والصبر عليه فيما خف عليه أو ثقل).

عهد الاشتر


[51]

 

(4)

 

العسكريون

العسكريون خطر وضرورة في آن.

هم خطر لان الطبقة التي ينتمون إليها هي أقوى طبقات الامة كلها، فالجيش طوع أمرهم، والسلاح تحت أيديهم، ولا قوة تمنعهم من الثورة إذا ما أرادوا، ولا حاجز يحول بينهم وبين ظلم الرعية إذا تمكن ذلك من أنفسهم، ووجد هوى في صدورهم.

 والوجدان الذي ينتظم أفراد هذه الطبقة يقتضيهم ذلك وينزع بهم نحوه، فإن التصورات التي يتكون منها هذا الوجدان هي تصورات القوة والغلبة والفتك، وما يتبع هذه من تصورات الخيلاء والاستعلاء.

 وطبيعة عملهم العسكري تقتضيهم أن يواجهوا مشاكلهم من طريق العنف والقسر وتحملهم على أن يحلوها من هذا الطريق.

 وطبيعة عملهم أيضا تجعلهم ينظرون إلى المجموعات الانسانية (كوحدات عددية) تقوم بعمل معين لا أكثر ولا أقل وذلك لانهم لا ينظرون من الجندي الذي يدين لهم بالطاعة إلى أكثر من أنه آلة تجيد استعمال السلاح، أما ما وراء ذلك من صفات نفسية وسمات ذاتية فلا ينظرون إلى شئ منها، لان هذه كلها تنطمس في التجمع البشري الضخم المسمى بالجيش، ولانها لا تغني كثيرا في أداء المهمة المطلوبة من الجندي.

 وإذا كانوا ينظرون إلى الجماعة الانسانية على هذا النحو فلا يؤمنون من


[52]

الانحراف عن جادة الصواب في معاملتهم مع الناس، لان الصفات النفسية هي التي يجب أن تلحظ في هذه المعاملة، وهم يغفلونها لان طبيعة عملهم تقتضي ذلك كما رأيت.

 هذا الوجدان الطبقي (وهو ضروري إذ لولاه لما كانوا عسكريين) خطر إذا احتد، وعبر عن نفسه في غير أوانه وجرى في غير أقنيته الحقيقية.

 هذا هو وجه الخطر فيهم.

 وهم ضرورة لان وجودهم يحفظ الامن ويصون الدولة، ويردع السفيه ويضرب على يد المعتدي.

 وحيث كانوا ضرورة فلا بد من وجودهم، وحيث كانوا خطرا فلا بد من تفاديه.

 واذ قد لزم هذا وذاك فقد شرع الامام عليه السلام للحاكم نظاما يستهدي به في تأليف هذه الطبقة من جديد، وشريعة يجري عليها في انتخاب من يريد ضمه إليها من رعيته، وسنة يأخذ بها في معاملتها.

 وقصد من ذلك كله إلى أن يؤمن من هذه الطبقة جانب الضرورة، وينأى بها عن أن تكون مصدر خطر وإرهاب.

 * * *

الشخصية العسكرية ضرورة لازمة للقائد العسكري لزوم الهواء لكل كائن حي.

 وهذه الشخصية عبارة عن طائفة من الصفات تلتقي في القائد فتكون له شخصيته.

 فيجب أن يكون القائد العسكري متصفا بصفة النفوذ والهيبة التي تجعله نافذ الامر، وذلك لان الصفة الاولى المطلوبة من الجندي هي الطاعة وبدونها لا يمكن أن ينجح جيش على الاطلاق، وما لم يكن للقائد العسكري صفة


[53]

النفوذ والهيبة بعدت الطاعة عن منال يديه، وحينئذ لا ينجح في عمله العسكري.

 ويجب أن يكون واجدا لصفة الخبرة بمن يعمل تحت يديه من مرؤوسيه، عارفا بامكاناتهم وكفاءاتهم، ليضع كلا منهم في موضعه اللائق به، لان خطأ بسيطا في تعيين قائد ربما أدى إلى كارثة قومية.

 ويجب أن يكون واجدا للثقافة العسكرية: عارفا باساليب قيادة الجيش وحركاته، والاستراتيجية العسكرية.

 ولما كان القائد هو المثل الاعلى للجندي وجب أن يكون هذا القائد مثلا يحتذي لجنوده في الصبر على المكاره، والتفاني في القيام بالواجب، وهما من ألزم الصفات العسكرية في الجنود والقادة على السواء.

 ولا توجد هذه الصفات في عامة الناس، وهي ليست صفات تنحدر بالوراثة من جيل إلى جيل، بل لابد فيها من التربية المنهجية الواعية.

 ولم تكن في زمن الامام عليه السلام مدارس وكليات عسكرية تقدم مثل هؤلاء القادة في كل وقت.

 هذه الملاحظات دفعت بالامام إلى تعيين العناصر التي يؤخذ منها هؤلاء.

 هذه العناصر هي البيوتات الشريفة ذات الاحساب والتقاليد المتوارثة، فقد كانت هذه البيوتات تأخذ أبناءها بتربية قاسية واعية توفر لهؤلاء الابناء الثقافة العسكرية، وهي من أهم ما كان يأخذ به العرب ويعنون باتقانه، وتغرس في أنفسهم الشعور بالمسؤولية والتحمل والصبر على المكاره.

 وقد كانت هذه البيوتات تحتل في نفوس أبناء الشعب، وهم الذين يؤخذ منهم عامة الجند، مركزا ساميا حصلت عليه بسبب الخدمات التي تقدمها هذه البيوت للامة في الحرب والسلم على السواء، وهذا يوفر للقائد صفة الهيبة، ويضمن له نفوذ الامر وحصول الطاعة.

 


[54]

قال عليه السلام:

(ثم ألصق بذوي المروءات والاحساب، وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة، ثم أهل النجدة والشجاعة، والسخاء والسماحة، فإنهم جماع من الكرم، وشعب من العرف).

 عهد الاشتر

 * * *

ولكن هؤلاء القادة يستمدون من وسطهم العائلي تصورات القوة والاستعلاء لمكان ما لهم من مركز مرموق في المجتمع، ويستمدون من وظيفتهم الجديدة ما يعزز هذه التصورات ويمدها بالحرارة والفعالية، وينزع بها إلى التحقيق نظرا إلى ما توفر لهم من الهيمنة على الجيوش والسلاح، ويستمدون من ثقافتهم ما يزين لهم الفعل ويبرر لهم العمل - هذه الينابيع الثلاثة للوجدان الطبقي عند العسكريين تعمل دائما على إثارة هذا الوجدان وبعثه.

 وهنا يظهر وجه الخطر فيهم، وقد وضع الامام العلاج الواقي من هذا الخطر.

 فإلى جانب الصفات السابقة يجب أن تتوفر في القائد صفات أخرى.

 منها الثقافة الدينية، وهذه الثقافة لا يكفي فيها أن تكون (علما) بالواجبات الدينية فقط وإنما يجب أن تكون (وعيا) لهذه الواجبات بحيث تكون في جهاز القائد النفسي قوة دافعة تحمله على أن يسير على هديها في حياته العملية، ولا تبلغ هذه الثقافة هذا المدى في تأثيرها إلا إذا استحالت في القائد إلى (طاقة شعورية) محركة.

 ومنها أن يكون أمينا لا تمتد يده إلى ما ليس له، حليما لا يحمله الغضب على فعل ما لا تحمد عقباه، واسع الصدر يجد العذر موقعا في نفسه، رحيما بالضعيف لا يتخذه موضعا لاظهار مدى سلطته.

.

 وهكذا، فإلى جانب الثقافة الدينية التي يجب أن تبلغ من نفس القائد مرتبة الطاقة الشعورية يجب


[55]

أن يكون على مستوى أخلاقي عال يصده عن الافساد، ويمسكه على الجادة، ويأخذ بعنقه إلى الهدى.

 قال عليه السلام:

(.. فول من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولامامك، وأنقاهم جيبا، وأفضلهم حلما، ممن يبطئ عند الغضب، ويستريح إلى العذر ويرأف بالضعفاء، وينبو على الاقوياء، وممن لا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف).

 عهد الاشتر

 * * *

وبعد أن نهج الامام القواعد التي يجب أن تتبع في اختيار أفراد هذه الطبقة أخذ في بيان الاسلوب الذي يجب أن تعامل به.

 يرى الامام أنه لا يجوز للحاكم أن يعتمد على التربية وحدها، وعلى الخلق الشخصي وحده فيما يرجع إلى ضمان اخلاص هذه الطبقة.

فهو بقدر ما يحرص على أن يكون القادة العسكريون ذوي تربية عالية وخلق متين يحرص كذلك على توفير ما يتوقون إليه من الناحيتين: المادية والمعنوية.

فهولاء القادة يتوقون إلى أن يروا أعمالهم التي يقومون بها تلاقي التقدير الذي تستحقه عند الحاكم، ويتوقون إلى أن يروا أن عين من فوقهم ترعاهم وتتعاهد أعمالهم وتوفيها ما تستحق من جزاء.

وهؤلاء القادة، كغيرهم من الناس، خاضعون للضرورات الاقتصادية، وربما كانت حاجتهم إلى المال أكثر من حاجة غيرهم إليه، وإذ كانوا كذلك فلا بد للحاكم من مراعاة حالتهم الاقتصادية.

ولايجوز له أن يعتمد على الخلق والتربية في ضمان اخلاصهم وتمسكهم


[56]

بمثلهم العليا، فإن الحاجة تدفع إلى الاجرام أو الانحراف.

 ولا بد له من تتبع مآثرهم والاشادة بها، ومدحهم، والثناء عليهم بما أبلوا من بلاء حسن، وأتوا من فعل عظيم.

 فأما حين تغفل عنهم عينه: فلا يتفقد أحوالهم، ولا يوليهم منه جانب اللين والرأفة - حين يجدون هذا منه يشعرون بأن أعمالهم لا تجد ثوابها وان جهدهم يذهب أدراج الرياح، ويعظم في أعينهم الصغير ويصغر العظيم، وتنعدم ثقتهم بالحاكم، ويذهب وده من قلوبهم، فلا يمحضونه النصح، ولا يخدمونه بصدق، لانهم لا يجدون في أنفسهم ما يدفعهم إلى خدمته وهو متخاذل عنهم مقصر معهم، ويدفعهم هذا الموقف النفسي إلى استثقال دولته، واستطالة مدته، والتبرم بحكمه، فماذا يمنعهم، وهذا موقفهم منه، عن أن ينتقضوا عليه ويكيدوا له ويواجهوه بما لو أحسن السياسة لاتقاه.

 قال عليه السلام:

(ثم تفقد من أمورهم ما يتفقد الوالدان من ولدهما، ولا يتفاقمن في نفسك شئ قويتهم به. ولا تحقرن لطفا تعاهدتهم به، وإن قل، فإنه داعية لهم إلى بذل النصيحة لك وحسن الظن بك.

(ولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالا على جسيمها فإن لليسير من لطفك موضعا ينتفعون به، وللجسيم موقعا لا يستغنون عنه.. فان عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك.

(وان أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد، وظهور مودة الرعية، وانه لا تظهر مودتهم إلا بسلامة صدورهم، ولا تصح نصيحتهم إلا


[57]

بحيطتهم على ولاة الامور وقلة استثقال دولهم، وترك استبطاء انقطاع مدتهم، فأفسح لهم في آمالهم، وواصل في حسن الثناء عليهم، وتعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم، فإن كثرة الذكر لحسن أفعالهم تهز الشجاع وتحرض الناكل إن شاء الله).

 عهد الاشتر

وتأمل الفقرة الاخيرة: (. فإن كثرة الذكر لحسن أفعالهم تهز الشجاع وتحرض الناكل..) فإنها تتضمن مغزى عميقا، فبدلا من أن يوجه اللوم إلى الناكل لنكولة مما قد يولد في قلبه الضغن والنية السيئة - بدلا من هذا يبعث إلى العمل عن طريق المنافسة، فحين يسمع الثناء على ذوي البلاء الحسن من أقرانه، وحين يرى أن العمل يجد صدى مستحبا عند الرئيس يعبر عنه بالتقدير، يندفع إلى العمل بباعث نفسي فيجد فيه متعة ولذة يدفعانه إلى اتقانه، بدل أن يزاوله مكرها، لو دفع إليه عن طريق اللوم فلا يجد فيه لذة، ولا يشعر نحوه بأي سرور نفسي يدفعه إلى التجويد والاتقان.

 وعلى الحاكم أن يكون يقظا في تتبع أفعالهم، فينسب الفعل إلى صاحبه، ولا يتجاوز به إلى غيره، ولا يقصر في جزائه، فإن غفلته عنهم تشعرهم بأن أعمالهم لا تجد ثوابها الحق، ولا تلقى التقدير الذي تستحق.

 قال عليه السلام:

(ثم أعرف لكل أمرئ منهم ما أبلى، ولا تضيفن بلاء امرئ إلى غيره، ولا تقصر به دون غاية بلائه).

 عهد الاشتر

والمقياس في الجزاء والثواب وحسن الاحدوثة نفس العمل، لا السلالة ولا الغنى ولا أي شئ آخر.

 


[58]

قال عليه السلام: (ولا يدعونك شرف امرى إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيرا ولا ضعة امرئ إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيما) عهد الاشتر

 * * *

والمشاركة الوجدانية من الامور التي يجب توفرها بين القائد وجنوده.

 فحينما تتوفر المشاركة الوجدانية بين القائد وجنوده، ويشعرون بأنهم ليسوا تحت سلطان جبار يسومهم العذاب، ويتخذهم سبلا إلى إظهار سلطانه، ووسائل لخدمة مآربه، وإنما هم تحت رعاية أب بار يعمل لخيرهم، ويسعى لاسعادهم، ويحدب عليهم، ويرأف بهم، ويوجههم نحو ما فيهم صلاحهم..

حينما يستقر في أعماقهم هذا الشعور يعملون بإخلاص وإتقان وحرارة وإيمان، ويقبلون على عملهم بشوق رغبة منهم في إبهاج قائدهم وإشاعة الزهو (؟) والفرح في قلبه، فإن القائد بجنوده، وكلما كان عملهم رائعا ومتقنا دل ذلك على حسن توجيهه وواسع خبرته وعظيم معرفته. وليس بخاف ما يعود به هذا على الدولة من القوة والتماسك.

وكما أن المحبة والعطف والخلق الحسن شروط لازمة في حصول هذا الشعور عند الجنود فإن تأمين الناحية الاقتصادية شرط لازم أيضا.

 فلا يسع جنديا أن يخلص لعمله وهو يسمع، بقلبه، صراخ زوجته وأطفاله من الجوع أو العري أو المرض، لذلك أرشد الامام الحاكم إلى أن طبقة العسكريين يجب أن تتألف ممن يولون كلا الناحيتين: الاقتصادية والمعنوية عظيم اهتمامهم، وان خير قواده خيرهم لجنوده، وأحد بهم عليهم، وأرفقهم بهم، وأرعاهم لشؤونهم في السراء والضراء، فإن هذا هو السبيل الوحيد إلى توليد هذه المشاركة الوجدانية التي تعود على الدولة بأجل الفوائد وأعظم الخيرات.

 


[59]

قال عليه السلام:

(وليكن آثر رؤوس جندك عندك من واساهم في معونته، وأفضل عليهم من جدته بما يسعهم ويسع من وراءهم من خلوف أهليهم حتى يكون همهم هما واحدا في جهاد العدو).

 عهد الاشتر

ولاجل التوسع في معرفة موقفه من الجيش وقادته راجع قسما من كتاب له إلى أمرائه على الجيش - رقم النص: 50.

 ووصيته لشريح بن هانئ عندما وجهه على مقدمته إلى الشام - رقم النص: 56.

 وكتابه إلى العمال الذين يطأ الجيش عملهم - رقم النص: 60. وفقرات من كتابه إلى أمراء الاجناد لما استخلف - رقم النص: 79 هذه النصوص في (باب المختار من كتب مولانا أمير المؤمنين).