[60]

 

(5)

القضاة

السلطة القضائية من أعظم سلطات الدولة، بها يفرق بين الحق والباطل، وبها ينتصف للمظلوم من الظالم.

 وحين تجنح الظروف بهذه السلطة إلى الاسفاف فإنها لا تنزل إلى الحضيض وحدها وإنما تجر معها المجتمع كله أو بعضه.

 حين تسف تصير في عون الظالم وتعضد المجرم، وحيث أنها تنطق باسم العدالة فإنها تسكت كل فم، وتطفئ جذوة الحياة في كل انسان يتصدى لها.

 وماذا يحدث حينئذ ؟.

 يحدث أن يستشري الفساد، ويعظم الجور، وتعم الفتنة، ويكون المظلوم في الخيار بين أن يرفع أمره إلى هذه السلطة فيسلب حقه باسم العدل بعد أن سلبته إياه القوة، وبين أن يسكت حتى تحين الفرصة فيستعيد حقه عن طريق العنف، وفي بعض هذا شر عظيم.

 وإن الامام عليه السلام ليقدر هذه السلطة حق قدرها، فيختم وصاياه إلى عامله فيما يتعلق بها بقوله:

(.. فانظر في ذلك نظرا بليغا، فان هذا الدين قد


[61]

كان أسيرا في أيدي الاشرار، يعمل فيه بالهوى، وتطلب به الدنيا).

 عهد الاشتر

وهذا ما لم نشاهده منه في غير هذه الطبقة من الطبقات التي يتألف منها جهاز الحكم، مما يدل على انه كان يعي كيف ان القضاء حين يصير إلى غير أهله ينقلب إلى اداة للظلم: ظلم الضعفاء، ويصير مؤسسة ترعى مصالح الاقوياء فحسب.

 وقد تحدث كثيرا عن هؤلاء الذين يتسنمون مناصب القضاء وليسوا لها بأهل، فيتحولون بهذا المنصب إلى أداة للشر والافساد.

 قال عليه السلام:

(.. وآخر قد تسمى عالما وليس به، فاقتبس جهائل من جهال، وأضاليل من ضلال، ونصب للناس شركا من حبائل غرور وقول زور، قد حمل الكتاب على آرائه، وعطف الحق على أهوائه، يؤمن من العظائم ويهون كبير الجرائم، يقول: أقف عند الشبهات وفيها وقع. ويقول: وأعتزل البدع وبينها اضطجع، فالصورة صورة انسان، والقلب قلب حيوان) (1).

 وقال عليه السلام:

(.. ورجل قمش جهلا، موضع في جهال الامة، عاد في أغباش الفتنة، عم بما في عقد الهدنة، قد سماه أشباه الناس عالما وليس به، فاستكثر من جمع ما قل منه خير مما كثر، حتى إذا ارتوى من ماء آجن، واكتنز من غير طائل، جلس بين الناس قاضيا ضامنا تخليص


(1) نهج البلاغة - رقم الخطبة: 85


[62]

ما التبس على غيره، فان نزلت به احدى المبهمات هيأ حشوا رثا من رأيه ثم قطع به، فهو من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت، لا يدري أصاب أم أخطأ ؟ فإن أصاب خاف ان يكون قد أخطأ، وان أخطأ رجا ان يكون قد أصاب، جاهل خباط جهالات، عاش ركاب عشوات، لم يعض على العلم بضرس قاطع..) (1).

 ولا جل تفادي هذا المصير السئ لسلطة القضاء، وضع عليه السلام نظاما يجب أن يتبع في تأليف هذه الفئة، يضمن أن تكون على مستوى عال من الكفاءة للمهمات المناطة بها.

 

 * * *

تؤتى السلطة القضائية من ناحيتين.

 الاولى: ناحية القاضي نفسه فإذا كان غير كفء لمنصبه أسف بهذا المنصب، ولم يؤد حقه المفروض.

 الثانية: ناحية المنصب نفسه، فما لم يكن القاضي مستقلا في حكمه لا يخضع لتأثير هذا وإرادة ذلك، لم تكن هناك سلطة قضائية بالمعنى الصحيح، وانما تكون السلطة القضائية حينئذ أداة لا لباس رأي فلان ثوب الحق وإسباغ مسحة الباطل على دعوى فلان.

 ولا تؤتى السلطة القضائية من غير هاتين الناحيتين.

 وقد رسم الامام في عهده إلى الاشتر ثلاثة أمور ينبغي أن تتبع في انتقاء أفراد هذه الطبقة ومعاملتهم، واتباع هذه الامور يكفل لهم أن يمارسوا مهمتهم بحرية، وأن يؤدوا هذه المهمة باخلاص.

 


(1) نهج البلاغة - رقم النص 17


[63]

هل يكفي في صلاحية الرحل للقضاء أن يكون على معرفة بمواد القانون الذي يقضي به دون اعتبار لتوفر ميزات أخرى فيه ؟ إن الجواب السديد على هذا السؤال هو النفي، فلا يكفي في القاضي ان يكون على علم بمواد القانون فحسب، لانه إذا لم تتوفر فيه غير هذه الصفة يكون عالما بالقانون، ولا يصلح أن يكون قاضيا، لان منصب القضاء يتطلب من شاغله إلى جانب علمه بالشريعة، صفات أخرى فصلها الامام في عهده، وأناط اختيار طبقة القضاة بتوفرها، وهذا يعني ان فاقدها ليس جديرا بهذا المنصب الخطير.

 يجب أن يكون القاضي واسع الصدر كريم الخلق، وذلك لان منصبه يقتضيه أن يخالط صنوفا من الناس، والوانا من الخلق، ولا يستقيم له أن يؤدي مهمته على وجهها إلا إذا كان على مستوى أخلاقي عال يمسكه عن التورط فيما لا تحمد عقباه.

 ويجب أن يكون من الورع، وثبات الدين، وتأصل العقيدة، والوعي لخطورة مهمته وقيمة كلمته، بحيث يرجع عن الباطل إذا تبين له انه حاد عن شريعة العدل في حكمه، ولم يصبها اجتهاده ولم يؤده إليها نظره، فلا يمضي حكما تبين له خطأه خشية قالة الناس.

 ويجب أن يكون من شرف النفس، ونقاء الجيب، وطهر الضمير، بحيث (لا تشرف نفسه على طمع) في حظوة أو كرامة أو مال وفضلا عن أن يتأصل فيه الطمع ويدفعه إلى تحقيق موضوعه، وذلك لان القاضي يجب أن يجلس للحكم ضميرا نقيا، وروحا طاهرا، وعقلا صافيا، ونفسا متعالية عن مساف الاغراض، وألا يشغل نفسه بعرض من أعراض الدنيا، لان ذلك ربما انحرف به من حيث لا يدري فأدان من له الحق، وبرأ من عليه الحق.

 لتأثره بهاجس نفسه، وهاتف قلبه، ومطمح هواه.

 ويجب أن يكون من الوعي لمهمته بحيث لا يعجل في الحكم، ولا يسرع في إبرامه، وإنما عليه أن يمضي في دراسة القضية ويقتلها بحثا ويستعرض وجوهها


[64]

المختلفة، فإن ذلك أحرى أن يهديه إلى وجهة الحق وسنة الصواب، فإذا ما استغلق الامر واشتبه عليه فلا يجوز له أن يلفق للقضية حكما من عند نفسه، وإنما عليه أن يقف حتى ينكشف له ما غمض عنه، وينجلي له ما اشتبه عليه.

 هذه الصفات يجب أن تتوفر في القاضي، ويجب أن يناط اختيار الرجل لمنصب القضاء بما إذا توفرت فيه، وبذلك يضمن الحاكم ألا يشغل منصب القضاء إلا الاكفاء في عملهم، ودينهم، وبصرهم بالامور.

 قال عليه السلام:

(ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك: ممن لا تضيق به الامور، ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الزله، ولا يحصر من الفئ إلى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه، وأوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج، وأقلهم تبرما بمراجعة الخصوم، وأصبرهم على تكشف الامور، وأصرمهم عند اتضاح الحكم، ممن لا يزدهيه إطراء، ولا يستميله إغراء).

 عهد الاشتر

 * * *

وهنا، كما في كل موطن، يضع الامام بين عينيه التأمين الاقتصادي ليضمن الاستقامة والعدل وحسن السيرة.

 فالقاضي مهما كان من سمو الخلق، وعلو النفس، وطهارة الضمير، إنسان من الناس يجوز عليه أن يطمع في المزيد من المال، والمزيد من الرفاهية، وإذا جاز عليه هذا جاز عليه أن ينحرف في ساعة من ساعات الضعف الانساني، فتدفعه الحاجة إلى قبول الرشوة، ويدفعه العدم إلى الضعف أمام الاغراء، وإذا جاز عليه ذلك أصبحت حقوق الناس في خطر، فلا سبيل للمظلوم إلى


[65]

الانتصاف من الظالم وتغدو الحكومة حكومة الاقوياء والاغنياء.

 هذه امور قدرها الامام حق قدرها، وأدرك مدى خطرها، فوضع الضمانات لتلافيها.

 وذلك يكون: أولا: بأن يتعاهد الحاكم قضاء قاضيه، وينظر فيما أصدره من الاحكام، فان ذلك كفيل بأن يمسك القاضي عن الانحراف، ويستقيم به على السنن الواضح لانه حينئذ يعلم ان المراقبة ستكشف أمر الحكم الجائر، ووراء ذلك ما وراءه من عار الدنيا وعذاب الآخره.

 وثانيا: بأن يعطى المزيد من المال لينقطع داعي الطمع من نفسه، فيجلس للقضاء وليس في ذهنه شئ من أحلام الثروة والمال.

 قال عليه السلام:

(.. ثم أكثر تعاهد قضائه، وأفسح له في البذل ما يزيل علته، وتقل معه حاجته إلى الناس).

 عهد الاشتر

* * *

والقاضي، بعد، إنسان يخاف: يخاف على ماله أن ينهب، ويخاف على مكانته أن تذهب، ويخاف على كرامته أن تنال، ويخاف على حياته أن يعتدي عليها بعض من حكم عليهم من الاقوياء، فإذا لم تكن لديه ضمانات تؤمنه من كل ذلك اضطره الخوف إلى أن يصانع القوي لقوته، والشرير لشره، وحينئذ يطبق القانون من جهة واحدة.

 يطبق على الفقراء والضعفاء الذين يؤمن جانبهم.

 هذا الخوف ينشأ من عدم تأمين مركز القضاء وصيانته ضد الشفاعات، وينشأ من زجه في المساومات السياسية وغيرها، وحينئذ تكفي كلمة من قوي أو غني ليسلب القاضي مركزه ومكانته.

 هذه الناحية وعاها الامام عليه السلام وأعد لها علاجها، فيجب أن


[66]

يكون القاضي، لكي يأمن ذلك كله، من الحاكم بمكانة لا يطمع فيها أحد غيره، ولا تتاح لاحد سواه، وبذلك يأمن دس الرجال له عند الحاكم، ويثق بمركزه وبنفسه، وتكسبه منزلته هذه رهبة في قلوب الاشرار يقوى بها على حملهم على الحق، وردهم إليه حين ينحرفون عنه ويتمردون عليه.

 قال عليه السلام:

(.. وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك، ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك. فانظر في ذلك نظرا بليغا، فان هذا الدين قد كان أسيرا في أيدي الاشرار، يعمل فيه بالهوى، وتطلب به الدنيا).

 عهد الاشتر

هذه هي الضمانات الثلاث التي وضعها الامام عليه السلام، مبينا فيها النهج الذي يحسن أن يتبع في انتخاب أفراد هذه الطبقة، وشارحا كيفية معاملتهم ليؤدوا مهمتهم على نحو نموذجي.

 * * *

وقد سجل الامام بما شرعه هنا سبقا عظيما على إنسان اليوم، وذلك لان استقلال مركز القضاء وعدم تأثره باي سلطة أخرى، وتأمين الناحية الاقتصادية للقاضي، ونظام التفتيش القضائي، جهات تنبه لها الامام وجعلها واقعا يخلف في حياة المجتمع آثاره الخيرة، في عصر كانت سلطة القضاء أداة يديرها الحاكمون والمتسلطون كما يحبون.

* * *

ولا شئ ادعى إلى ثقة الناس بالقضاء من نفوذ حكم القاضي على جميع الناس، حتى على من تربطهم بالحاكم الاعلى قرابة قريبة أو صداقة حميمة، فان


[67]

ذلك خليق بأن يطمئن الرجل العادي، ويدخل في روعه انه حينما يدخل مجلس القضاء لا يواجه بنظرة احتقار.

 وان الحاكم الاعلى لاحرى الناس بالمحافظة على ذلك والحرص عليه، فإذا ما اعتدى بعض خاصته على بعض الناس وجب عليه أن يرده إلى الحق حين يروغ عنه، ويرده إلى الجادة حين يؤثر العصيان.

 قال عليه السلام:

(وألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد، وكن في ذلك صابرا محتسبا، واقعا ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع، وابتغ عاقبة ذلك بما يثقل عليك منه، فإن مغبة ذلك محمودة).

 * * *

راجع عهد الاشتر: وراجع كلاما له (ع) في صفة من يتصدى للحكم بين الامة وليس لذلك باهل رقم النص: 16 - وبعض خطبة له في صفات الفساق: رقم النص: 83.

 


[68]

 

(6)

الولاة

إنهم رجال الادارة، وأيدي الحاكم التي تمتد في أطراف بلاده، والاداة التي يستعين بها على تنفيذ أمره، وامضاء ما يريد امضاءه من الشؤون.

 وهم المرآة التي ينظر بها الرعية إليه، وأعمالهم تنسب إليه وتحمل عليه، ويناله خيرها وشرها.

 والوجدان الطبقي لهذه الطبقة ينزع بها نحو التسلط الناشي من تصورات القوة والهيبة والنفوذ، ويصبح هذا الوجدان خطرا وبيلا إذا عبر عن نفسه في غير موضعه، وجرى في غير أقنيته.

 لهذا وذاك: لمكان الخطر فيهم، ومبلغ الفائدة منهم، احتاط لهم الامام واحتاط منهم، فوضع الشروط التي ينتخبون على أساسها، والطريقة التي يعاملون بها، و (الكوابح) التي تزعهم عن أن يسيئوا سلطانهم وأن يخرجوا به عما انشئ لاجله من منفعة الرعية إلى استغلاله في سبيل المنافع الخاصة، والمصالح الشخصية.

 * * *

لايدخل في هذه الطبقة كل من شاء له الحاكم أن يدخل، وإنما يدخل فيها من خبر المجتمع عن كثب، فعرف حاجاته، وتبين نقائصه، فإنسان


[69]

كهذا إذا ولي عملا مضى فيه على بصيرة، فلا يرتجل الخطط ارتجالا دون أن يعي حاجات المجتمع، ويلبي في خططه ومناهجه هذه الحاجات.

 وإلى جانب التجربة والخبرة العملية يجب أن يتوفر له مستوى عال من الاخلاق، فهو كما قلنا، المرآة التي ينظر بها الشعب إلى الحاكم، ولذلك فينبغي أن يكون على خلق رفيع يمسكه عن الشطط ومجانبة العدل، ويستقيم به على الجادة، ويؤم به قصد السبيل.

 فالحياء خلق يجب ان يتوفر فيه، والحياء هنا ليس على معناه المبتذل، وإنما هو الحياء من النفس..

من تلويثها بالظلم والعدوان والتهاون في القيام بالواجب، وهذا الخلق يدفع بصاحبه دائما إلى التعالي والتسامي.

 ويجب أن تتوفر فيه صفة القناعة، بان لا يلوث نفسه برذيلة الطمع التي توشك أن تنقلب إلى حقيقة خارجية حين تجد لها محلا في نفس الانسان، وصدى في تصوراته.

 وإلى جانب هذه الميزات يجب ان يجمع بعد النظر، واصالة الفكر، وجودة الفهم، فهذه الصفات ضرورية لمن انيط به أمر جماعة من الناس واعتبر مسؤولا عن أمنهم ونشاطهم الاجتماعي.

ولم يكن في زمن الامام عليه السلام مدارس تعد الموظفين الاداريين، وتلقنهم الثقافة الادارية، لذلك أرشد الامام الحاكم إلى اختيار هؤلاء من بين أبناء الاسر المحافظة على التقاليد، الآخذة أبنائها بطراز عال من التربية، العاملة على تنشئتهم تنشئة نموذجية.

 قال عليه السلام:

(.. وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة، والقدم في الاسلام المتقدمة، فانهم أكرم أخلاقا، وأصح أعراضا، وأقل في المطامع


[70]

إسرافا، وأبلغ في عواقب الامور نظرا).

 عهد الاشتر

 * * *

ويخضع هؤلاء الولاة في ولايتهم للاختبار، فحين ينتقيهم الحاكم ممن توفرت فيهم الشروط السابقة يجب عليه أن يوليهم اختبارا، فيرى، وقد عرف نظريا مدى كفاءاتهم، إلى كفاءاتهم في المجال العملي، فإذا اثبتوا انهم أكفاء حقا، وانهم يعون مسؤوليات عملهم وآلياته ثبتوا وإلا عزلوا، واستبدل بهم غيرهم.

 لهذا المبدأ، مبدأ الاختبار، يجب أن يخضع اختيار الولاة، أما أن يوليهم الاعمال تحببا إليهم، ودون أن يستشير في أمرهم، ودون أن يعرف مدى كفاءاتهم، فذلك جور عن الحق، وانحراف عن الجادة، وخيانة للامة في مصالحها، فان مصالح الامة أمانة في يد الحاكم يجب أن يسلمها إلى أكفأ ولاته.

 ومن هنا نعلم ان القوانين الحديثة التي تنص على وجوب خضوع الموظف الاداري الحديث العهد بالوظيفة لفترة اختبار تطول وتقصر، لم تأت بجديد، فقد أدرك الامام قبلها بقرون وقرون هذه الحقيقة وسجلها في قانونه العظيم.

 قال عليه السلام:

(ثم انظر في أمور عمالك فولهم اختبارا، ولا تولهم محاباة وأثره، فانهما جماع من شعب الجو والخيانة).

 عهد الاشتر

* * *

وليس يكفي في حسن الظن بهم والركون إليهم مراعاة الدقة في انتخابهم،


[71]

فان الوجدان الطبقي لهؤلاء ينزع بهم نحو التسلط وإظهار القوة، وحين يجري هذا الوجدان في غير أقنيته يصير خطرا على الرعية، لانه يدفع صاحبه حينئذ إلى الانحراف والزيغ.

 لاجل هذا يقرر الامام ان على الحاكم ألا يغفل عن تعقب هذه الطبقة ومراقبتها، فيلزمه بانتخاب رقباء من أهل الدين والمعرفة والامانة يبثهم في أطراف البلاد، ويجعلهم عيونا له على عماله، يراقبونهم في أعمالهم، ويرصدون مبلغ ما يتمتع به هؤلاء الولاة من خبرة في الادارة، وقدرة على التنظيم، ومعرفة بوجوه الاصلاح، ثم يرفعون ذلك كله إلى الحاكم فينكل بالمنحرف الذي خان أمانته، ويستأديه ما حاز لنفسه من أموال المسلمين، ويجعله عبرة لغيره.

 ويشجع الصالح في نفسه، الصالح في عمله.

 ويرشد المخطئ إلى وجه الصواب.

 إن هذا التدبير يمسك الوالي عن الاسراف، ويحمله على العدل في الرعية، لانه حين يعلم أن ثمة عينا ترقب أفعاله يحذر من الخروج عن الجادة، ويحرص على اتباع ما يصلح بلاده.

 وهذا التدبير الذي نهجه الامام هو نظام التفتيش المعمول به الآن في الدول المعاصرة.

 قال عليه السلام:

(.. ثم تفقد أعمالهم، وابعث العيون من أهل الصدق والامانة عليهم، فان تعاهدك في السر لامورهم حدوة لهم على استعمال الامانة، ولرفق بالرعية. وتحفظ من الاعوان، فان أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك اخبار عيونك، اكتفيت بذلك شاهدا. فبسطت عليه العقوبة في بدنه، وأخذته بما أصاب من عمله، ثم نصبته بمقام المذلة، ووسمته بالخيانة، وقلدته عار التهمة).

 عهد الاشتر


[72]

ولقد كان الامام (عليه السلام) يحرص أشد الحرص على اتباع هذا الاسلوب مع ولاته، ففي نهج البلاغة طائفة كبيرة من كتبه إلى عماله تدور كلها حول هذا المعنى، فيها تنديد بخيانة، وعزل عن ولاية، وزجر عن ظلم الرعية، وفيها توجيه وإرشاد ونصيحة.

 قال عليه السلام:

(.. وإن عملك ليس لك بطعمة، ولكنه في عنقك امانة، وأنت مسترعى لمن فوقك، ليس لك أن تفتات في رعية، ولا تخاطر إلا بوثيقة، وفي يديك مال من مال الله عزوجل، وأنت من خزانه حتى تسلمه الي)(1).

وقال:

(.. إن دهاقين أهل بلدك شكوا منك غلظة وقسوة واحتقارا وجفوة. ونظرت فلم أرهم أهلا لان يدنوا لشركهم، ولا أن يقصوا ويجفوا العهدهم، فالبس لهم جلبابا من اللين تشوبه بطرف من الشدة، وداول لهم بين القسوة والرأفة) (2).

 وقال:

(بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت ربك وعصيت أمامك، وأخزيت امانتك. بلغني أنك جردت الارض فأخذت ما تحت قدميك، وأكلت


1 - نهج البلاغة (من كتاب له إلى الاشعث بن قيس عامله على اذربيجان رقم النص: 5 في المختار من كتب أمير المؤمنين،

2 - نهج البلاغة - المختار من الكتب - رقم النص: 19


[73]

ما تحت يديك، فارفع إلي حسابك) (3).

 وقال:

(بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت إلهك، وأغضبت إمامك: انك تقسم فئ المسلمين الذي حازته رماحهم وخيولهم، واريقت عليه دماؤهم، فيمن اعتامك من أعراب قومك، فو الذى فلق الحبة وبرأ النسمة لئن كان ذلك حقا لتجدن بك علي هوانا، ولتخفن عندي ميزانا) (2).

وقد كانت شرور هذه الطبقة هي التي سببت الثورة على عثمان، فقد ولى على البلاد الاحداث من ذوي قرابته، ممن لا خبرة لهم في الحكم، ولا عاصم لهم من دين، ولا ورع لهم عن المحارم، فظلموا الرعية، وامتصوا دمائها، وكانت عاقبة ذلك وبالا.

وعلى النقيض من هذا كانت سياسة الامام مع ولاته، فهو ينتخبهم انتخابا، ثم يوليهم اختبارا، ثم يراقبهم ويحملهم على الاصلاح ما وجد إلى ذلك سبيلا.

 

 * * *

والعامل الاقتصادي أداة يستخدمها الامام هنا - كما في كل موطن - لاجل ضمان استقامة الولاة على ما سنه لهم من شرائع العدل.

 ولذلك لم يغفل الامام عليه السلام ما للعامل الاقتصادي من عظيم الاثر في إصلاح هذه الطبقة وإفسادها، فقد تدفع الحاجة أحدهم إلى الخيانة والظلم، وهم - كما عبر عنهم الامام في بعض كتبه -: (خزان الرعية، ووكلاء الامة، وسفراء الائمة (3).

 


3 - نهج البلاغة المختار من الكتب - رقم النص: 40.

 2 - نهج البلاغة المختار من الكتب - رقم النص: 43.

 3 - نهج البلاغة المختار من الكتب - رقم النص: 51.

 


[74]

فلو ضيق عليهم الحاكم في الرزق، ولم يرفه عليهم في النعمة، كان حرمانهم مدعاة إلى أن تطمح أعينهم إلى ما ائتمنوا عليه من مال، وذلك داعية إلى الرغبة في الخيانة، واختلاس شئ من أموال الامة.

 لهذا أشار الامام على حاكم مصر بأن يوسع على الولاة في الرزق، لئلا يتخذوا الحاجة مبررا للخيانة.

 قال عليه السلام:

(ثم أسبغ عليهم الارزاق، فان ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم وحجة عليهم ان خالفوك، وثلموا أمانتك).

 عهد الاشتر

 * * *

راجع في باب الكتب عهد الاشتر: وكتابا منه إلى الاشعث ابن قيس عامل اذربايجان: رقم: 5. وكتابا منه إلى عبد الله بن عباس عامل البصرة: رقم: 18. وكتابا منه إلى بعض عماله: رقم: 19. وكتابين منه إلى زياد بن أبيه رقم: 20 و 21. وكتابين منه إلى بعض عماله: رقم: 40 و 41. وكتابا منه إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني عامل أردشير خرة رقم: 43. وكتابا منه إلى عثمان بن حنيف الانصاري عامل البصرة رقم 45. وكتابا منه إلى عماله على الخراج رقم: 51. وكتابا منه إلى الاسود بن قحطبة صاحب جند حلوان رقم: 59. وكتابا منه إلى كميل بن زياد عامل هيت رقم: 61. وكتابا منه إلى قثم بن العباس عامل مكة رقم: 67. وكتابا منه إلى المنذر بن الجارود العبدي رقم: 71.

 


[75]

 

(7)

الكتّاب

الكتاّب وأعوانهم هم الهيئة الوزارية، ووكلاؤها، ومديروها.

 وإلى هذه الطائفة يرجع أمر الدولة كله: سلمها، وحربها، واقتصادها، وكل ما يلم بها من خير أو شر.

 فهي الجهاز الاعلى الذي ينظم نشاط الدولة، ويشرف على توجيهه.

 وعلى قدر ما تكون عليه هذه الطائفة من الصلاح والاستقامة، تصلح الدولة، وتستقيم ويعظم شأنها.

 وقد نص الامام (عليه السلام) في عهده على من يصلح أن يلحق بهذه الطائفة ومن لا يصلح لذلك، وأفاض في ذكر الصفات التي يجب أن تتوفر في الوزير، وبين الاسلوب الذي يحسن بالحاكم ان يتبعه في الاخذ منه والسماع عنه.

* * *

من جملة ما قدمناه بين يدي هذا البحث ملاحظة ذكرنا فيها أن الامام كتب هذا العهد وهو يطمح إلى انشاء جهاز جديد للحكم في مصر، جهاز واع لمسؤولياته، تقدمي في برامجه ومشروعاته، ليستجيب للحاجات التي يفتقر إليها المجتمع.

 وقد رأيناه في البحوث المتقدمة محافظا على هذه السمة في عهده، فهو دائما يؤكد ان جهاز الحكم يجب أن يكون سليما، واعيا، تقدميا، عاملا لمصلحة المجتمع.

 


[76]

وها هو، بالنسية إلى طائفة الوزراء ومن يتعلق بهم، ينص على هذا المعنى ويؤكده تأكيدا وافيا.

 فلا يجوز أن يدخل في هذه الطبقة رجال كانوا وزراء للظلمة والاشرار.

 وذلك لان تأليف هذه الطبقة من هؤلاء يستتبع عواقب وخيمة تعود بالضرر على الدولة.

 فهم، وقد استمرءوا فعل الظلم وتعودوا على مقارفته لا يعفون عن العودة إليه والارتكاس فيه.

 وإذا كانوا ذوي أنفس شريرة مست أعمالهم المجتمع كله نظرا إلى سعة سلطانهم، وعظيم قدرتهم، لان ملاك القوى كلها مجتمع عندهم.

 وضرر آخر ينجم عن دخولهم في هذه الطبقة، فالشعب الذي عرفهم بالجور، وذاق منهم مر الظلم تذهب ثقته بالحكم المهيمن عليه حين يراهم قد عادوا إلى مراكزهم، ويعتبره حكما أقيم لمصلحة طبقة خاصة، ومتى ذهب ايمان الشعب بحاكمية أهمل من حقوق الحاكمين عليه ما يجب ان يؤديه، لاعتقاده أنه حين يلبيهم فيما يطلبون لا يقوم بعمل يعود بالنفع عليه.

 وقد أصبح من المعطيات البديهية في علم الاجتماع ان ما يثير الشعوب ليس الظلم نفسه وانما الشعور بالظلم، وسيطرة أشخاص مثل هؤلاء على دفة الحكم يوقظ في الشعب تصورات الظلم الذي ذاقه على أيديهم في عهودهم السابقة، وهذا كاف لان يولد في نفسه الشعور بالظلم وان لم يكونوا ظالمين.

 وهكذا تحدث بين الحاكم والمحكوم هوة تبعد أحدهما عن الآخر، وتسلب ثقة كل منهما بالآخر، وفي بعض ذلك ما يجر الدولة إلى مصير وبيل.

 قال عليه السلام:

(إن شر وزرائك من كان للاشرار قبلك وزيرا، ومن شركهم في الآثام، فلا يكونن لك بطانة، فانهم أعون الائمة، وأخوان الظلمة).

 عهد الاشتر


[77]

ولا يجوز أن يناط اختيار أفراد هذه الطبقة بالفراسة وحسن الظن، فان الرجال يتصنعون الصلاح، ويتظاهرون بالمقدرة والامانة، ليظفروا بمثل هذا المنصب، فيخدعون الفراسة، وينتزعون حسن الظن بتصنعهم، دون أن يكونوا على شئ من الصلاح والكفاءة.

 إن اختيار أفراد هذه الطبقة يجب ان تلاحظ فيه اعتبارات متعددة.

 يجب أن يكونوا على معرفة تامة بمحيطهم وبحاجاته، ليصدروا في إدارته عن وعي.

 ويجب أن يكونوا إلى جانب المعرفة أكفاء، ذوي مقدرة على تصريف ما أنيط بهم من امور.

 ويجب أن يكونوا - إلى جانب هذا وذاك - ممن يعرفهم الشعب بالحب له، والحدب عليه، ورعاية مصالحه وتيسير حاجاته، والسهر على رفاهيته وسعادته، فان هذه الطبقة حين تتألف من مثل هؤلاء يطمئن الشعب إلى الحكم، ويستريح إلى أعمال الحاكم.

 ويعرف ذلك كله بالنظر إلى سابق ما ولوه من أعمال الصالحين من الحكام، هل أحسنوا إدارته ؟ وهل برهنوا فيه على دراية بأساليب الاصلاح ؟ وهل كانت للشعب فيهم ثقة ؟ فإذا اجتمعت فيهم هذه الصفات: من قدرتهم وكفائتهم إلى معرفتهم بمحيطهم، إلى حب الشعب لهم، وإيمانه بهم، حق لهم ان يدخلوا في هذه الطائفة، وحق على الحاكم ان يؤلفها منهم.

 قال عليه السلام:

(.. ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك واستنامتك، وحسن الظن منك، فان الرجال


[78]

يتعرفون لفراسات الولاة بتصنعهم، وحسن خدمتهم وليس وراء ذلك من النصيحة والامانة شئ، ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك: فاعمد لاحسنهم كان في العامة أثرا، وأعرفهم بالامانة وجها، فان ذلك دليل على نصيحتك لله ولمن وليت أمره).

 عهد الاشتر

 * * *

لقد نظر ان الامام فرأى ان طائفة الوزراء هي أعظم أجهزة الدولة أهمية، لان جميع الشؤون تناط بها، وترجع إليها، وتصدر عنها، في السياسة والادارة والحرب.

 ولا يصح ان تناط هذه المهام بشخص واحد أو بمجموعة من الاشخاص، فان الاحاطة بدقائق كل هذه المهام ومعرفة أسرارها لا تتاح في العادة للشخص الواحد، ولو اتيحت لواحد فانيط به أمرها لما أحسن التصرف، ولوقع في الخطأ وسوء التدبير، لان اضطلاعه بها يرهقه ويبهظه، فاما أن يصرفها كلها فيقع في الخطأ، وينأى عنه بعد النظر، واصالة الرأي، وسلامة التدبير.

 وإما أن يهمل بعضها ويصرف بعضها الآخر فيقع الاضطراب في أعمال الدولة بسبب إهماله.

 وان انيطت المهام بجماعة من الناس دون تحديد المهمة الملقاة على عاتق كل منهم وقعت البلبلة وشاع الاهمال، فينقض أحدهم ما أبرمه الآخر، ويصرف أحدهم ما أمسكه صاحبه، ويمضي اثنان أمرين متضادين، ويهمل كل واحد منهم بعض المهمات اتكالا على رفاقه.

 فأحسن الوسائل لضمان سير أعمال الدولة على مستوى عال من حسن التدبير، وإصابة الهدف هو ما قرره الامام عليه السلام، وهو أن يناط بكل واحد من


[79]

هؤلاء الوزراء بعض مهمات الدولة، ويراعى في إلحاق من اختير للوزارة لعمل من الاعمال ان يكون ذا اختصاص بذلك العمل وذا خبرة بدقائقه واسراره ليؤدي ما استعصى منه على خير وجه.

 وبهذا يكون الامام قد قرر مبدأ الاختصاص وتوزيع الاعمال في الادارة الحكومية: ويكون بذلك قد تجاوز مفاهيم عصره الذي لم يكن يعرف هذا المبدأ العظيم الاهمية في مهمة الحكم والادارة.

 قال عليه السلام:

(واجعل لرأس كل أمر من امورك رأسا منهم، لا يقهره كبيرها ولا يتشتت عليه كثيرها. ومهما كان في كتابك من عيب فتغابيت عنه ألزمته).

 عهد الاشتر

وفي هذه الفقرة الاخيرة (ومهما يكن..) قرر الامام ان الحاكم مسؤول عما يكون في وزرائه من العيوب، وذلك لانه - وقد اختار - يجب ان يتحمل مسؤولية اختياره.

* * *

وعلى رأس هؤلاء جميعا رئيسهم، وهو من يقال له (كاتب الكتاب).

 ومهمة هذا الوزير هي الاشراف على من دونه من الوزراء، ومراقبة أعمالهم.

 ومهمته أيضا هي تولي السياسة العليا للدولة مع الحاكم، فهو عضد الحاكم في رسم الخطط السياسية، وإعلان الحرب، وعقد معاهدات الصلح، والتعرف على نيات من يخاف منهم على أمن الدولة وكيانها، فهو مع الحاكم الاعلى، العقلان اللذان يديران عميلة الحكم كلها.

 هذا الوزير يشترط فيه الامام شروطا لا يصلح بدونها:


[80]

فيجب أن يمتاز عن بقية الوزراء بأن يكون خيرهم، وذلك بأن يكون أكثر منهم إلماما بشؤون الدولة وإمكاناتها، ليتسنى له أن يوجه كلا منهم إذا انحرف، ويفهم عنه إذا قال.

 ويحب ان يكون عارفا بمركزه وأنه لا يخرج عن كونه وزيرا يستمد الصلاحية ممن استوزره، فلا تبطره الكرامة التي حصل عليها، فتدفعه إلى اشاعة خلافه مع الحاكم بين الناس، لان ذلك يشعر الناس بأن في جهاز الحكم خللا، وربما سبب شيوع ذلك تحفز المشاغب إلى إظهار شغبه اغتناما لفرصة الانشقاق.

 ان الامام: لا يطلب من الوزير ان يسلم بوجهة نظر الحاكم في كل ما يقول، لانه حينئذ يكون ببغاء لا وزيرا، ان عليه ان يجاهر برأيه حين يرى الحق في جانبه، ولكن ذلك يجب أن يبقى سرا بينه وبين الحاكم، ولا يجوز ان يذاع في الناس.

 ويجب أن يكون على وعي بحقيقة السياسة التي تسير عليها الدولة فيتبع في أوامره التي يصدرها إلى الولاة وفي مباحثاته السياسية هدى سياسة الدولة، ولا يغفل عنها فيلزم نفسه بما يتنافى وسياسة دولته التي يمثلها.

 ويجب أن يكون عارفا بأحابيل السياسة وألاعيبها، فيحافظ على التزامات الدولة السياسية التي تعود عليها بالنفع والقوة، ويعرف وجه الحيلة في اخراج الدولة من المآزق السياسية التي يكيدها بها أعداؤها.

 ويجب أن يكون، إلى جانب هذه جميعا، أجمع وزرائه لوجوه صالح الاخلاق، لان المهام التي تناط به تتطلب قوة في الدين تمسكه على الجادة، وشعورا بالمسؤولية يحمله على الاخلاص والاتقان، وعفة تعصمه من الاغراء.

 قال عليه السلام:

(ثم انظر في حال كتابك، فول على أمورك خيرهم، واخصص رسائلك التي تدخل فيها مكائدك وأسرارك


[81]

بأجمعهم لوجوه صالح الاخلاق ممن لا تبطره الكرامة فيجترئ بها عليك في حضرة ملا، ولا تقصر به الغفلة عن إيراد مكاتبات عمالك عليك، واصدار جواباتها على الصواب عنك، فيما يأخذ لك ويعطي عنك، ولا يضعف عقدا اعتقده لك، ولا يعجز عن اطلاق ما عقد عليك، ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الامور، فان الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل)

عهد الاشتر

وفي هذه الفقرة الاخيرة: (ولا يجهل..) يشترط الامام في الوزير أن يكون واقعيا، ينظر إلى الامور نظرة جدية، ويعرف واقعة تمام المعرفة، فإذا كان مركزه ضعيفا احتاط لنفسه بما يحتاط به الضعيف، ولا يهمل الاحتياط غرورا منه واستعلاء، وإذا كان قوي المركز وجب عليه ان يمثل دور القوي ولايهن امام خصومه فيعطيهم من نفسه ما لو شاء لمنعه، ثم لا يلحقه من وراء ذلك شئ.

 * * *

قلنا ان الوزير الذي يصوب كل ما يقوله الحاكم حتى إذا كان مخطئا فيه ليس وزيرا وإنما هو ببغاء تقمصت اهاب وزير.

 وظيفة الوزير هي ان يتعاون مع الحاكم الاعلى على ادارة جهاز الحكم ادارة صحيحة، وعليه إذا أخطأ الحاكم في الرأي ان يرده إلى الصواب.

 وعليها أن يتعاونا على معرفة أصلح الوجوه فيما يأخذان ويدعان من الامور لذلك يجب أن يعطى الوزير حرية الرأي بحيث لا يقيده في هذا المجال شئ، لانه بقدر ما يكون متمتعا بالحرية يكون عظيم الفائدة.

 ويجب ان ينال الوزير من الحضوة بمقدار ما يكون صريحا في رأيه، معالنا


[82]

الحاكم بالحق رادا له إلى الصواب، فكلما ازداد قولا بالحق وايثارا للصدق ازداد كرامة ورفعة.

 وأما حين يتبين الوزير في الحاكم أنه لا يطلب النصح وإنما يطلب الموافقة على رأيه فقط فانه ينقلب إلى ببغاء، وحينئذ يسير الحاكم بالدولة معصوب العينين لان أحدا لا يجرؤ أن يقول في وجهه كلمة الحق.

 قال عليه السلام:

(وليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق لك، وأقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله لاوليائه، واقعا ذلك من هواك حيث وقع. ثم رضهم (1) على ألا يطروك، ولا يبجحوك (2) بباطل لم تفعله، فان كثرة الاطراء تحدث الزهو (3) وتدني (4) من العزة).

 عهد الاشتر


1 - عودهم على ألا يمدحوك .

2 - يحح: فرح. عودهم على ألا يتقربوا إليك بنسبة إعمال إليك، ولم تكن قد فعلتها .

3 - الزهو: الاعجاب بالنفس .

4 - تدني: تقرب


[83]

 

(8)

الزراع

هذه الطبقة من أعظم الطبقات الاجتماعية، وأبلغها أثرا في حياة المجتمع ففى زمان الامام عليه السلام كانت هذه الطبقة أضخم الطبقات الاجتماعية، وكانت مركز الكثافة في المجتمع، كما أن مركز الكثافة فيه هي طبقة العمال في العصر الحديث.

 وكانت المجتمعات القديمة مجتمعات زراعية في الدرجة الاولى، فكان كيان الامة الاقتصادي يقوم على الارض ومنتجاتها، لان الصناعة لم تكن إذ ذاك على حال تسمح بان يقوم عليها الصرح الاقتصادي للامة، لضعفها وضيق نطاقها.

 ولم تكن التجارة وحدها كذلك لتسمح باقامة هذا الصرح في كثير من البلدان، لعدم انتظام التجارة العالمية إذ ذاك، ولضعف المواصلات، ولعدم وجود طرق تجارية كافية ومامونة في جميع الاوقات.

 وإذن فقد كان الكيان الاقتصادي يقوم في الدرجة الاولى على الارض ومنتجاتها، والرفاهية الاقتصادية منوطة بأن تتاح للارض أفضل الفرص التي تمكنها من أن تعطي عطاء كثيرا، ومنوطة بان تتاح (؟) للزارع أفضل الوسائل التي تعينه على صيانة أرضه، وخدمتها، والحصول منها على نتاج وفير.

 وقد برهن الامام عليه السلام في عهده إلى الاشتر أنه على وعي تام لمدي


[84]

أهمية هذه الطبقة في الكيان الاجتماعي، ثم للعمليات التي يعتبر نشاط هذه الطبقة ضروريا لاستمرارها.

 * * *

يقرر الامام عليه السلام أن النشاط الاقتصادي كله يتوقف على ما يدفعه أهل الخراج من الاموال.

 فسكان المدن على أقسام: الجنود المقاتلة، وأصحاب الحرف والصناع، وأصحاب التجارات، والذين لا يستطيعون عملا يرتزقون منه، أو لديهم أعمال لا يكفيهم ريعها.

 ويوزع قسم كبير من اموال الخراج على الجنود، وعلى الفقراء، وعلى من لا يكفيه عمله من ذوي الاعمال.

 وبهذه القوة الشرائية التي يحدثها هذا المال تستمر الحركة الاقتصادية، فتنشط حركة التجارة والصناعة، لان في أهل المدن حاجة إلى الطعام، والكساء، والآنية والوقود وغيرها، يحصلون عليها من التجار والصناع والعمال، وبهؤلاء حاجة إلى الزراع فيشترون منهم المواد الحيوانية والنباتية وغيرها، لاجل أن يلبوا حاجات المدن المتجددة، وبالزراع حاجة إلى الكساء والآنية والسلاح وما إليها: فيحصلون بهذا المال الذي يصير إليهم على ما يريدون.

 هكذا يتوقف ازدهار النشاط الاقتصادي على طبقة الزراع، واذن فاضطراب امور هذه الطبقة لن يعود بالضرر عليها وحدها وإنما يمتد بآثاره الضارة إلى المجتمع كله، فيشل نشاطه، ويؤدي به إلى ازمات اقتصادية حادة ينجم منها التفسخ الاجتماعي.

 قال عليه السلام:

(وتفقد امر الخراج بما يصلح اهله، فان في صلاحه


[85]

وصلاحهم صلاحا لمن سواهم ولاصلاح لمن سواهم إلا بهم، لان الناس كلهم عيال على الخراج واهله).

 عهد الاشتر

 * * *

وتعتمد هذه الطبقة اعتمادا مطلقا على الارض، وعلى العناصر الطبيعية، وعلى سواعدها.

 فيجب ان تصان الارض لتبقى في حالة جيدة، ولتستفيد من العناصر الطبيعية إلى أقصى مقدار ممكن، فيجب أن تشق الترع، وتبنى القناطر والسدود، وتحفر الابار، لتتوفر للارض حاجاتها من المياه وينتظم الري، ويجب شق الطرق الزراعية التي تمكن هذه الطبقة من الاتصال ببعضها، وتسهل قضاء المهام الزراعية والاستعانة بالعمال الزراعيين.

 وصيانة الارض ليست أمرا يعود بالنفع على هذه الطبقة وحدها، وانما يعود بالنفع على الدولة كلها، فقد رأينا ما لنشاط طبقة الفلاحين من تغلغل حيوي في العمليات الاجتماعية، فصيانة الارض والحال هذه من المصالح العامة، فيجب الانفاق عليها من الاموال العامة.

 فأما حين تهتم الحكومة بالجباية فقط وتهمل أمر الاصلاح والعمارة، حين تتجه هذا المتجه يصير بها الامر إلى ان تخرب البلاد وتهلك العباد، ثم لا تجد موردا تجبي منه المال، لعدم وجود انتاج وفير لان الخراج كثرة وقلة متصل بحالة الارض، فعلى مقدار ما تأخذ (؟) الارض تعطي، وعلى مقدار ما تعطي تكون قدرة أهلها على إجابة الحاكم إلى أداء ما يفرضه عليهم من خراج.

 قال عليه السلام:

(.. وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله فان في صلاحه وصلاحهم صلاحا لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم الا


[86]

بهم: لان الناس كلهم عيال الخراج واهله.. وليكن نظرك في عمارة الارض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لان ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ولم يستقم أمره إلا قليلا).

 عهد الاشتر

 * * *

وطبقة الفلاحين اكثر الطبقات كدحا، وأشقها عملا.

 فعند من عداهم من الطبقات والطوائف وقت مخصص من اليوم للعمل، وأوقات أخرى للراحة والتسلية، بخلاف الفلاحين فان عملهم يمتد طول اليوم، وعلى مدار العام.

 وهذا العمل اما في مركز الانتاج وهو الحقل، واما في بيوتهم باعداد البذار والآلات وما إليها.

 وحتى في الاوقات التي ينقطعون فيها عن العمل هنا وهناك لا ينقطعون عنه في أحاديثهم وتصوراتهم.

 وطبيعة عملهم تفرض عليهم هذا اللون من الحياة، وهذا المقدار من الجهد فغيرهم من الناس يستطيع أن يتحكم بعمله فيختار الوقت الملائم لادائه ثم ينقطع عنه، أما الفلاح فعمله ينحصر في مساعدة العناصر الطبيعية على أن تؤدي وظيفتها على الوجه الاكمل، فهو أسير لهذه العناصر، وعليه أن يكون يقظا دائما ليعمل ما يجب عمله، ولما كان عمله متصلا بهذه العناصر فان أي تقصير منه يعود عليه بضرر كبير، لانه لا يستطيع أن يتحكم في الظواهر الطبيعية ويسخرها حسب هواه.

 هذا العمل المرهق يجب أن يقابله مستوى من المعيشة، ومقدار من الدخل يشعر ان هذه الطبقة بأنها حين تعمل لا تستغل لصالح الآخرين وإنما تعمل لنفسها في الدرجة الاولى.

 


[87]

ويجب أن يشعر الفلاح بأنه سيد أرضه وأن لا أحد يمكن أن ينازعه في هذه السيادة.

 وحيث كان من اللازم مراعاة حال الفلاح وتمكينه من أن يحيا على مستوى لا يشعر معه بالاضطهاد والاستغلال.

 وحيث كان من اللازم إشعاره بأنه سيد أرضه. لهذا وذاك يجب أن يكون مسموع الكلمة فيما يتصل بأرضه وبقدرتها على الانتاج، فإذا اشتكى ثقل الخراج لعدم تناسبه مع انتاج الارض، أو شكى آفة ألمت بالارض فأثرت على انتاجها، أو ذهبت به فلذلك لا يستطيع دفع ما فرض عليه من المال، إذا شكى شيئا من هذا كان من اللازم ان يسمع كلامه فيوضع عنه من المال مقدار ما يصلحه.

 وقد يذهب الظن بالبعض إلى ان هذه المعاملة تؤثر على مالية الدولة وتضعفها ولكن هذا الظن بعيد عن الصواب، لان هذه الوضيعة التي يحصل عليها الفلاح تعود على الدولة نفسها بفوائد عظيمة تزيد في ازدهارها ورفاهيتها.

 وذلك لان هذا المال يصرف في إصلاح الارض وعمارتها، ويصرف في سد حاجات الفلاح نفسه من مسكنه وملبسه ومرافق حياته الاخرى، فيكون في ذلك تزيين للبلاد بما أتاح لها هذا المال من العمران ويكون في ذلك شعور هذه الطبقة بالطمأنينة والرضى مما يدفعها وهي أكثر طبقات المجتمع عددا وأعظمها انتاجا، إلى المحافظة على الحكم القائم، والدفاع عنه لانه يحفظ لها مصالحها.

 ولدينا شاهد من التاريخ على هذا، فقد كان نابليون الثالث (امبراطور فرنسا) ممن حدبوا على هذه الطبقة ورعوا مصالحها، وحموها من عتاة الظلمة، وأشعروا الفلاح الفرنسي انه سيد أرضه وان أمرها منوط به وحده، وقد كان موقفه هذا مما دفع بالفلاحين إلى أن يخصوه بتأييدهم دائما لما لمسوه من رعايته لمصالحهم وفهمه لموقفهم.

 


[88]

وهذه النتيجة (عطفهم على الحكم القائم) مع عمران أرضهم تجعلهم على استعداد للمعونة حين تطلب منهم، لحسن ظنهم بالحكم القائم ورغبتهم في استمراره من جهة، ولان حالهم المالية تسمح لهم بالمساعدة لوفرة الانتاج.

 فهذا المال الذي وضع زاد في عمران البلاد، ومن ثم زاد في ايرادها، ومن ثم جعلها تحتمل من الضرائب فوق ما كانت تحتمل وهي أقل عمرانا، وحمل الفلاحين على حب الحكم القائم وبذل المعونة له حين يشكو العجز وتأييده حين يشكو الخذلان.

 قال عليه السلام:

(فان شكوا ثقلا أو علة (1)، أو انقطاع شرب أو بالة (2) أو احالة أرض اغتمرتها غرق، أو أجحف بها عطش، (3) خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم).

 (ولا يثقلن عليك شئ خففت به المؤونة (4) عنهم، فانه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك، وتزيين ولايتك، مع استجلابك حسن ثنائهم، وتبجحك (5) باستفاضة (6) العدل فيهم، معتمدا فضل قوتهم بما


1 - ثقلا - شكوا من ثقل الضريبة عليهم (علة) شكو من مرض زراعي اتلف محاصيلهم.

2 - الشرب بكسر السين: ماء الري في المناطق الزراعية التي تعتمد على الانهار وما إليهم (بالة) بتشديد اللام وفتحها: ماء المطر في المناطق التي تعتمد في الري على الامطار.

3 - إحالة أرض - فساد البذور فيها، (اغتمرها غرق) غمرها الماء وطاف عليها فغرقت به (وأجحف بها عطش) لم تأخذ ما يلزمها من الماء للري - يعني أن الزراع إذا شكوا من فساد موسمهم الزراعي بسبب طوفان الماء على الارض المزروعة أو بسبب قلة الماء وعطش الارض، فينبغي أن تأخذ شكواهم بنظر الاعتبار.

4 - المؤونة: النفقة.

5 - تبجحك... سرورك بمعاملتك العادلة لهم.

6 - الاستفاضة: الانتشار والشيوع.

 


[89]

ذخرت عندهم من إجمامك (1) لهم، والثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم، ورفقك بهم، فربما حدث من الامور ما إذا عولت فيه عليهم من بعد احتملوه طييه (؟) أنفسهم به، فان العمران محتمل ما حملته).

 عهد الاشتر

 * * *

ولهذه الفقرات وجوه أخرى من الدلالة، عظيمة القيمة، بالغة الاهمية.

 فمن الشروط الاساسية لنجاح العمل وازدهاره أن يقبل العامل عليه بهمة ونشاط، وأن يشعر نحوه بالحب والرغبة.

 وأن يحس حين يزاوله أنه ينمي به شخصيته الانسانية، ويؤكد قدرتها على الابداع - إذا كان هذا هو موقف العامل النفسي من عمله ازدهر العمل وتقدم، ولا يمكن أن يقف العامل من عمله هذا الموقف إلا إذا شعر بأن عمله له، وبأنه يعود عليه بالنفع والفائدة.

 ومن هنا اعتبرت الملكية الخاصة من أعظم الاسباب الدافعة إلى ازدهار العمل، لان هذا اللون من الملكية يدفع العامل إلى بذل طاقته كلها مع شعوره بالسرور لانه يعمل لنفسه.

 ويتغير هذا الموقف حين يكون العمل للغير ولا يرجع إلى العامل من ثمراته شئ يذكر، فانه حين ذاك يشعر بالكراهية نحو عمله، ويتهاون فيه ولا يتحرى كماله واتقانه ويتحرى الفرض للتهرب منه، وهذا يضعف سير العمل، ويهبط به، ويسري هذا الموقف النفسي إلى صاحب العمل نفسه فيتمنى العامل هلاكه، ليتخلص منه.

 هذه الملاحظات تفيدنا هنا.

 


1 - الاجمام: الترفيه والاراحة.

 


[90]

فحينما توضع على الفلاحين الضرائب الفادحة التي لا تتناسب مع دخلهم، مع إهمال عمارة الارض وصيانتها يشعر هؤلاء الفلاحون أنهم لا يعملون لانفسهم، ولا يجنون من وراء كدحهم المرهق شيئا ذا قيمة، وانما يعملون لغيرهم، ويستغلون لهذا الغير استغلالا بشعا وذلك يخلق في نفوسهم كراهية عملهم والتذمر منه.

 إن هذه المعاملة التي تحدث هذا الشعور وتدفع إلى هذا الموقف تخلف في المجتمع آثارا ضارة قد تقوض المجتمع من أساسه.

 هذه المعاملة تدفع بأضخم طبقة في الامة إلى انحلال أخلاقي فظيع، فهذا الفلاح الذي يستغل الحاكم جهده دون أن يعوضه عليه شيئا يريد أن يعيش، وهو يتوصل إلى غايته هذه بالكذب والغش والتهريب والسرقة فبدلا من أن يعيش من أرضه بجهده يضطر إلى العيش من جيوب الآخرين بسلاحه، وينقلب قاطع طريق، مجرما، عدوا للمجتمع، بعد أن كان المفروض فيه أن يكون لبنة تزيد صرح المجتمع قوة ومناعة.

 ومن جملة آثارها أن تنتقل الايدى الفتية الشابة إلى بلاد اخرى هربا من الظلم، وطلبا للقمة العيش.

 فمن لا يصبر على الظلم إما أن يتحول إلى قاطع طريق وإما أن يهاجر، وهذا يسلب من البلاد زهرة شبابها، فان الذين يهاجرون هم الاقوياء المغامرون، ذوي المستوى الاخلاقي العالي الذي يمنعهم من الاجرام.

 وإلام يؤدي هذا ؟ انه يؤدي إلى هبوط الانتاج، فهذه الايدي الفتية هي التي تدير عمليته، وحين تنقطع عن العمل فلابد أن يصاب الانتاج بالشلل.

 ومن جملة آثارها أن تنتقل رؤوس الاموال الكبيرة إلى خارج البلاد، فان أصحاب الثروات يستغلون أموالهم عن طريق الزراعة في المجتمات الزراعية، فيعمرون الارض، ويحيون مواتها، ويصلحون نظام الري، ويوجدون عملا للكثيرين ولكن غاية هؤلاء هي الربح، فإذا ما رأوا ان الضرائب والمظالم تذهب بثرواتهم


[91]

فظلا عن ارباحهم آثروا تجميد اموالهم أو نقلها إلى بلد آخر يأمنون فيه العدوان وينجم عن هذا تعطيل شبان كثيرين يتجهون إلى الهجرة أو إلى الاجرام، وتزيد البلاد خرابا، ويزيد الكيان الاقتصادي ضعفا.

 ومن جملة آثارها ان تتحد الامة على بغض الحكم القائم، ثم لا تلبث أن تثور عليه وتجعله أثرا بعد عين.

 هذه الكوارث الاجتماعية تنشأ من عدم التبصر في إمكانات الانتاج وحالة المنتجين.

 وقد وضع الامام عليه السلام من المبادئ ما يعصم إتباعه من التردي، فبين ان على الحاكم قبل ان يفكر في وضع الضريبة ان يلاحظ حالة الارض فيعمرها ويصلحها، وأن يراعي حالة العامل النفسية والمعيشية فيضمن له العيش في مستوى لائق لئلا يشعر بالاضطهاد، وعندما يفرغ من ذلك كله يحق له ان يضع الضريبة التي تتناسب مع مستوى الانتاج ومقدرة المنتجين.

 قال عليه السلام:

(وانما يؤتي خراب الارض من إعواز (1) اهلها، وإنما يعوز اهلها لاشراف (2) انفس الولاة على الجمع، وسوء ظنهم بالبقاء، وقلة انتفاعهم بالعبر).

 عهد الاشتر

 * * *

ولا يكفي هذا وحده في ازدهار هذه الطبقة وتقدمها، فقد يكون الحاكم محسنا إليها رؤوفا بها، ومع ذلك ينالها الظلم، ويلحق بها الحيف.

 إن هذه الطبقة بحاجة إلى الحماية من طبقة الخاصة والنبلاء.

 


1 - الاعواز: الحاجة.

 2 - اشراف أنفس الولاة: الاشراف: التطلع، أي ان الولاة يتطلعون إلى جمع المال لانفسهم، لعدم ثقتهم بالاستمرار في الحكم.

 


[92]

فهؤلاء يظلمون، ولايتناهون عن منكر فعلوه، ولا يفيئون إلى حق، اعتزازا بقوتهم وغناهم وصلتهم بالحاكمين، ولذلك فيجب ان تحمى هذه الطبقة منهم بقطعهم عنها، ويكون ذلك بألا يجعل الحاكم لهم سبيلا عليها ولا صلة بها فلا يقطعهم الحاكم أرضا تتصل بأرض من هم دونهم قوة وقدرا لانهم يستغلو المرافق العامة في سبيل منافعهم الخاصه، ويعتدون على ارض غيرهم فيلحقونها (؟) بارضهم، ويعفيهم الجباة من الضرائب مراعاة لمننزلتهم، ويضعون ما رفعوه عنهم على أعناق غيرهم ممن ليس له مثل منزلتهم، وذلك أفدح الظلم وأقبحه.

 فإذا ما حدث شئ من ذلك وتعدى أحد هؤلاء على بعض الناس فظلمه بأن وضع عليه خراجه، أو سلبه ارضه، أو حرمه الانتفاع بالمرافق العامة، وجب على الحاكم ان يؤد به ويرده إلى العدل كائنا من كان.

 قال عليه السلام:

(ثم ان للوالي خاصة وبطانة، (1) فيهم استئثار وتطاول، وقلة انصاف في معاملة، فاحسم مادة أولئك بقطع مادة تلك الاحوال. ولا تقطعن لاحد من حاشيتك وحامتك (2) قطيعة ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة (3) تضر بمن يليها (؟) (4) من الناس في شرب (5) أو عمل مشترك يحملون مؤنته على غيرهم،


1 - الخاصة والبطانة، رجال الحاشية المقربون من الحاكم.

 (البطانة) من بطانة الثوب لانها أقرب إلى جلد الانسان، فاستعيرت الكلمة للتعبير عن الناس المقربين إلى الحاكم.

 2 - الحامة - المقربون جدا من الحاكم وأقاربه.

3 - قطيعة - عقدة: الضيعة، المزرعة، الارض الزراعية، (اعتقاد عقدة) اقتناء مزرعة.

 4 - يلي: يقرب، أي لا تجعل أحدا من حاشيتك يقتني مزرعة إذا كان يخشى منه أن يظلم جيرانه من المزارعين ويضرهم بأخذ أكثر من حصته المقروة له من الماء، أو بتكليفهم بأعمال زراعية مشتركة بينه وبينهم دون أن يتحمل ما يترتب عليه من النفقات.

 5 - الشرب - بكسر الشين - ما، الري


[93]

فيكون مهنأ (1) ذلك لهم دونك وعيبه عليك في الدنيا والآخرة.

وألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد وكن في ذلك صابرا محتسبا واقعا ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع، وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه فان مغبة (2) ذلك محمودة).

 عهد الاشتر

راجع: عهد الاشتر وراجع كتابا منه إلى عماله على الخراج رقم النص: 51


1 - المهنأ - المنفعة الهنيئة.

 2 - المغبة: العاقبة.