[94]

 

(9)

التجار والصناع

 

إذا كانت الزراعة هي ينبوع النشاط الاقتصادي في العصور القديمة، فان التجارة هي المظهر الاكمل لهذا النشاط في جميع العصور.

 وإذن فطبقة التجار تشكل وحدة اجتماعية عظيمة القيمة، بعيدة الاثر في الكيان الاجتماعي.

 ولو ان اضطرابا ألم بنشاط هذه الطبقة لاضطرب المجتمع كله، فتحدث المجاعات في بعض الاطراف بينما تتكدس المواد الغذائية في أطراف اخرى، وبينما توجد في بعض المناطق سلع كثيرة للاستهلاك، توجد مناطق أخرى نقصا في سلع الاستهلاك.

 وهؤلاء التجار - في كلام الامام على قسمين: منهم المقيم المستقر بماله وتجارته.

 ومنهم المتجول المضطرب بماله بين البلدان يرصد حاجة كل بلد فيتجر فيه بالسلعة التي يفتقر إليها.

 وأما الصناع فيجب ان ندخلهم في طبقة التجار ونفهمهم على أنهم منها هنا، وذلك لامرين.

 الاول: أن لكل من هؤلاء الصناع عملا خاصا مستقلا يتجر به وحده أو يشاركه فيه غيره فهو يتمتع بنتيجة عمله وليس مستخدما عند غيره كما هو حال العامل الآن.

 


[95]

الثاني: ان الوجدان الطبقي عند التجار والصناع واحد كما سنرى.

 والميزان في عد طائفتين من الناس طبقة واحدة هو وحدة الوجدان الطبقي فيهما

 * * *

هناك تلازم وثيق بين الازدهار الاقتصادي وبين التجارة، فكلما نشطت حركة التجارة ارتفعت نسبة الانتاج، وكلما ضعف امر التجارة هبطت هذه النسبة، وتبعتها في الهبوط المكانة الاقتصادية للامة.

 نضرب لهذا مثلا بحالة المقاطعات الفرنسية في عصر الاقطاع، ثم بحالة هذه المقاطعات بعد ضعف امر الاقطاع ونشوء البرجوازية.

 ففي عهد الاقطاع الذي ساد اوربا منذ انهيار امبراطورية شرلمان إلى ما بعد الحركة الاولى للحروب الصليبية ضعفت الحركة التجارية في اوربا ضعفا عظيما فتبعها الانتاج في الهبوط، واكتفى سكان كل اقطاعية بانتاج ما يلزمهم ويكفيهم من المواد الغذائية واقتصروا منها على انواع خاصة تسد حاجتهم.

 ولا تستدعيهم بذل جهد كبير فلم يكن شئ سوي سد الحاجة مطلبا لهم.

 نعم كانت ثمة استثناءات خاصة في السلاح والثياب والاثاث للزعيم، وكانت هذه تنقل من اقاليم بعيدة نسبيا.

 وهكذا كانت المقاطعات الفرنسية كلها، تجنح في الاقتصاد نحو سياسة الاكتفاء الذاتي، وعدم انتاج ما يزيد على الحاجة.

 ولكن ما ان التهبت شرارة الحروب الصليبية التي ذهبت بكثير من النبلاء والاقطاعيين، وما ان حدثت تطورات اجتماعية أخرى كالنزوح من الريف إلى المدينة، وتأييد الملك، واختراع المدفع الذي ذهب بقيمه الحصون..

 ما ان حدث هذا حتى عادت التجارة فنشطت نشاطا عظيما، ونشأت طبقة البرجوازيين التجارية التى يتنقل افرادها بين البلدان، واستتبع ذلك ارتفاع مستوي الانتاج، فزرع الزراع انواعا جديدة لم يكن ليزرعها لولا طلب التجار لها، واشترى


[96]

اشياء جديدة (ملابس وأسلحة، وآنية، وادوات زينة) لم يكن ليقدر على شرائها لولا نشاطه الجديد، وتفنن الصانع في صنعه، فلم يعد يصنع ما يسد الحاجة فقط، وانما أخذ يصنع ما يرضي حاسة الجمال أيضا.

 وقامت المشاريع الصناعيه الكبرى فنشأت البرجوازية المالية والبرجوازية الصناعية.

 وهكذا ارتفع مستوى الانتاج بسبب نشاط الحركة التجارية.

 وعندما نبحث عن أسباب التدهور الذى حل بفرنسا وغيرها من دول اوربا في عصر الاقطاع نجد أسبابا مختلفة.

 منها عدم وجود الطرق التجارية الصالحة في جميع الاوقات بين مختلف أنحاء البلاد ومنها قطاع الطرق، وعصابات اللصوص والقتلة التي تترصد القوافل التجارية.

 ومنها عدم وجود سلطة مركزية تبث الامن، وتضرب على أيدي المفسدين في الارض، لان السلطة المركزية في عصر الاقطاع كانت واهنة وكان السلطان الفعلي بأيدي الاقطاعيين وكان هؤلاء في حالة حرب دائمة فيما بينهم في شغل عن تأمين السبل والضرب على أيدي المفسدين.

 ومنها الرسوم الكمركية الفاحشة، والضرائب الباهظة التي تفرض على البضاعة عند حدود كل مقاطعة، وعند كل جسر ومعبر مما يرتفع بثمن السلعة إلى مبلغ كبير لا يقوى عليه الفرد المحدود الدخل.

 هذه الامور أضعفت الحركة التجارية وحصرتها في نطاق شديد الضيق.

 ولكن الوضع تغير عندما حدثت التطورات الاجتماعية التي أشرنا إليها.

 فلقد استتبع ضعف شأن الاقطاعيين تحول الشعب إلى تأييد الملك فاشتد ساعد السلطة المركزية، وعند ذلك ضربت هذه السلطة على أيدي اللصوص وقطاع الطرق ومهدت السبل التجارية وأمنتها، ووحدت الضرائب فاتسع مجال التجارة، ونجم عنها الازدهار الاقتصادي الذي أشرنا إليه.

 


[97]

وما نشك في أن الامام كان على وعي لهذا كله يوم كتب للاشتر عهده الذي عهد إليه.

 فقد استوصاه بالتجار خيرا، وأمره بأن يوصي بذلك ولاته وعماله.

 وما هذا الخير الذي أراده لهم إلا تسهيل مهمتهم، ليؤدوا خدماتهم للمجتمع على الوجه الاكمل، فلا يجوز أن تكون المكوس والضرائب باهظة تستصفي الربح كله، أو تبقى منه شيئا لا يسد الحاجة، ولا يحمل صاحبه على المخاطرة، لان ذلك يلجئه إلى أن يجمد ماله فلا ينميه بالتجارة، ويلحق بالمجتمع من ذلك ضرر كبير ينشأ من توقف حركة العرض والطلب التي ينجم عنها هبوط المستوى الاقتصادي.

 ويجب أن تكون الطرق التجارية صالحة في جميع الأوقات ليتيسر للتجار التنقل بين أطراف البلاد، وليتمكنوا من تلبية الرغبات في جميع الانحاء، وليستطيعوا نقل فائض الانتاج من منطقه فيسدوا به حاجة منطقة أخرى تعاني نقصا فيه.

 ويجب أن يستتب الامن، لئلا يمسك الخوف التاجر عن التنقل، ويقعد به الفرق من أن يذهب ضحية العدوان.

 قال عليه السلام:

(ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات وأوص بهم خيرا، المقيم منهم، والمضطرب بماله (1)، والمترفق ببدنه (2)، فانهم مواد المنافع، وأسباب المرافق (3)، وجلا بها من المباعد والمطارح (4)، في برك وبحرك،


(1) المضطرب بماله: التاجر المتنقل بين البلاد.

 (2) العامل اليدوي.

 (3) المرافق: الادوات والآلات، وما إليها.

 (4) المطارح: الاماكن البعيدة.


[98]

وسهلك وجبلك، لا يلتئم (1) الناس لمواضعها، ولا يجترؤن عليها، فانهم سلم لا تخاف بائقته (2)، وصلح لا تخشى غائلته، وتفقد أمورهم بحضرتك، وفي حواشي بلادك).

 عهد الاشتر

 * * *

ذهب (سان سيمون) إلى أن الوجدان الطبقي الذي يميز طبقة الصناع والتجار هو الانتاج، وإنماء بالثروة الفردية عن طريق تشكيل المادة على نحو ينتفع به الانسان، أو عن طريق الاتجار بهذه المادة.

 وهم، بهذا، يخالفون طبقة الحاكمين لان هؤلاء يجعلون مظهر سلطانهم على الانسان (كان سيمون يكتب هذا في سنة 1818) أما التجار والصناع فقد جعلوا سلطانهم على المادة، ولذلك فهم طبقة مسالمة لا يخشى منها شر، بخلاف من كان سلطانهم على الانسان، فانهم ينزعون إلى الشر والتسلط.

 وهو يرى أن البرجوازية الصناعية والتجارية قد حققتا انقلابا هائلا في نظرة الانسان إلى وسيلة جمع المال، وبدلتا المفاهيم الاقتصادية التي سيطرت على العقل الانساني آلاف السنين.

 فبينما كانت هذه المفاهيم تقتضي بأن أحسن الوسائل لجمع المال هي السيطرة على طائفة من الناس واستخدامها، نرى هذه الطبقة الناشئة تؤكد أن السبيل الافضل لذلك هو السيطرة على المادة وتسخيرها لحاجات الانسان بواسطة قوى العلم.

 ويرى سيمون أن من الضروري للتقدم الانساني أن تتاح لهذه الطبقة جميع


(1) يلتئم: يجتمع الناس.

(2) البائقة: الداهية، والخطر، اي ان التجار والصناع مسالمون.

 


[99]

فرص النمو، لتعم ثروتها المباركة على النظرة التقليدية لوسائل جمع المال (1) وهذه الفكرة بديهية.

 وقد أكدت جميع التجارب صحتها.

 ولا يصعب علينا أن نتبين روح هذه الفكرة في عهد الامام، فقد رأيت أنه قد أوصى الحاكم بالتجار والصناع، وأمره أن يرعى شؤونهم ويتفقد أحوالهم، ويفسح لهم في المجالات ليتسنى لهم أن يساهموا مساهمة خصبة في رفع مستوى الانتاج وانماء الحياة الاقتصادية.

 وتأمل في قوله: (... فانهم سلم لا تخاف بائقته وصلح لا تخشى غائلته) فانه يؤكد فيه وجوب العناية بهم والرعاية لهم، لانهم لا يخشى منهم شر، فطبيعة عملهم، والوجدان الذي يدفعهم إلى هذا العمل فيهما خير المجتمع ورفاهه.

 وأما قوله: (وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك) بعد أن أمره وأمر عماله برعايتهم، فانه يشبه أن يكون أمرا بانشاء دائرة خاصة تعنى بشؤون التجار.

* * *

قلت: اننا لا يصعب علينا أن نتبين روح هذه النظرية في عهد الامام ولكن في هذا العهد ملاحظة عميقة واعية غفل عنها سان سيمون، وأولتها الابحاث الاجتماعية الحديثة عناية كبيرة.

 وذلك انه إذا كان من الحق أن نعترف بأن طبقة التجار والصناع طبقة محبة للسلم، طبقة يعود نشاطها على المجتمع بالخير، فان من الحق أن نعترف أيضا انها تصير في بعض الاحيان ذات نشاط عدواني مضر بالمجتمع فعندما تستحكم (العقلية التجارية) في التاجر والصانع إلى حد أنها تدفع بهما إلى التماس الثروة من أقرب الطرق - عندما يحدث هذا تجنح هذه الطبقة إلى التسلط والسيطرة


(1) دكتور محمد ثابت الفندي: الطبقات الاجتماعية ص: 47 - 51.

 


[100]

على الانسان بصورة غير مباشرة، ولكنها بالغة الضرر، وذلك بالاحتكار والتوسل به إلى السيطرة على الاسواق والتحكم بالاسعار، وبالتطفيف في الموازين، وبالغش وبيع الاصناف الرديئة، وبكل طريق يضمن ربحا وفيرا في مقابل رأسمال قليل.

 عندما يحدث هذا الانحراف في عمل هذه الطبقة تصير خطرا.

 واذن فكما تجب معونتها، تجب مراقبتها أيضا لئلا تنحرف انحرافا يضر بالشعب، ويحرم الفقير من بلغة عيشه، فحينما ترتفع الاسعار وتبقى الاجور كما هي تحدث أزمة عند من لا تفي أجورهم بالاسعار الجديدة.

 هذه الظاهرة، ظاهرة انقلاب هذه الطبقة إلى خطر، لاحظها الامام، وتقدم إلى عامله بأن يلاحظها، وبين له العلاج.

 فعندما يحدث الانحراف يتعين على الحاكم بأن يقوم بتدبير زجري يرجع الامور إلى نصابها، وذلك إما بمنع المحتكر من الاحتكار، وإجباره على البيع بالسعر المعقول، وإما بتعميم المادة المحتكرة على تجار عديدين يبيعونها بالسعر العادل بالنسبة إلى الفريقين: البائع والمستهلك، فإذا ما احتكر تاجر بعد النهى عوقب ليرتدع.

 وأمر عامله أن يجعل الاسعار على مستوى لا يعجز عنه أوساط الناس، ولا يخسر به التاجر.

 وأمره أن يضبط المكاييل والموازين لئلا يبخس البائع المبتاع.

 قال عليه السلام:

(واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقا (1) فاحشا، وشحا (2)، قبيحا، واحتكارا للمنافع: وتحكما في


(1) سوء الخلق في المعاملة (2) الشح: البخل


[101]

البياعات، وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة. فامنع من الاحتكار فان رسول الله صلى الله عليه وآله منع منه، وليكن البيع بيعا سمحا بموازين عدل وأسعار لا تجحف (1) بالفريقين من البائع والمبتاع، فمن قارف (2) حكرة من بعد نهيك إياه فنكل (3) به وعاقبه من غير إسراف).

 عهد الاشتر


(1) الاجحاف: الظلم، يعني ان تكون الاسعار عادلة بالنسبة إلى: التاجر والمستهلك.

 (2) قارف: ارتكب وفعل.

 (3) النكال: العقاب اي عاقب التاجر إذا احتكر بعد نهيك له


[102]

 

(10)

العمال ومن لا يستطيعون عملاً

هذه الطبقة، طبقة الفقراء تتألف ممن لا يستطيعون عملا، لعاهة فيهم لا يقدرون معها على العمل، أو لا يستطيعونه لكبر السن وضعف البنية، أو لا يستطيعونه لصغر السن كالايتام الذين لا كافل لهم، أو يستطيعون ويعملون، ولكن عملهم لا يمدهم بالكفاية، ولا ييسر لهم مستوى لائقا من العيش.

 هذه الطبقة تتألف من هذه الطوائف، وإذا لم تلاق عناية من المجتمع ينحرف قويها إلى طريق الجريمة، ويموت ضعيفها جوعا، وهي في الحالين سبة وخطر على المجتمع.

 واذن فلا بد من تدبير يدفع البؤس عن أفرادها، ويحول قويهم إلى خلية انسانية عاملة وينهض بهم إلى مستوى الحياة الحرة الكريمة.

 وقد سن الامام عليه السلام قانونا تعامل به هذه الطبقة استجاب فيه إلى أحكام الاسلام.

 وفي كلام الامام عن هذه الطبقة نرى تشريعا عماليا ناضجا إلى أبعد الحدود، ومستوعبا تمام الاستيعاب، وهو على نضجه الكامل واستيعابه التام، سابق للتشريعات العمالية الحديثة بأكثر من الف ومائتي عام.

 

 * * *

ففي النصف الثاني من القرن الثامن عشر ظهرت طلائع الثورة الصناعية في


[103]

انكلترا، وهي أول بلد أو ربي شهد الانقلاب الصناعي الحديث.

 وقد تمت للثورة الصناعية عناصرها المكونة حين اخترع البخار كقوة محركة، وعمم في صناعة المحركات.

 واستتبع ذلك اتساع نطاق الصناعة وتركزها في المدن، وحينئذ حدثت الهجرة من الريف إلى المدينة، فقد باع الفلاحون أرضهم من كبار الملاك، وانتقلوا إلى المصانع الجديدة كعمال، وعند ذلك ظهرت طبقة العمال إلى الوجود على نحو فعال، وانتقلت مراكز الكثافة في المجتمع من الفلاحين إليها.

 ومن هذا الحين بدأت هذه الطبقة تستشعر الظلم أفدح وأقسى ما يكون، فلم يكن لمطامع أصحاب المصانع حد ولا غاية، وكان العامل يعمل أكثر ساعات نهاره بأجر زهيد، فإذا ما استغنى عنه صاحب العمل، أو حلت به آفة، أو اعتراه وهن، أو بلغ سنا لا يقوى فيها على العمل، طرد من عمله.

 وبدا كأن هذا الوضع الشائن سيستمر إلى الابد.

 وبدا كأن الكيان الاقتصادي القائم على هذا الاستغلال سيبقى منيعا.

 وبدا كأن واقع العمال التعس أمر لا مفر منه ولا معدى عنه.

 ولكن شيئا من هذا لم يستمر، فقد نبهت هذه المظالم الوعي العمالي، ودفعتهم إلى تحسين مستواهم الاقتصادي عن طريق الصراع.

 وقد عملوا كثيرا، وقد أخفقوا كثيرا، ولكنهم وفقوا أخيرا إلى تخفيض ساعات العمل ورفع الاجور، والتعويض عند الصرف من العمل، والضمان الاجتماعي باعانة مالية تدفع للعامل المتعطل من صندوق الدولة.

 ونقدم هنا ملاحظات: الاولى: ان هذا لم يتم إلا بجهود العمال أنفسهم، فلا المجالس التشريعية ولا


[104]

أصحاب العمل انتبهوا إلى حالة العمال واهتموا بتحسينها، ولم يستجب أصحاب العمل لمطالب العمال، ولم تسن التشريعات الملائمة إلا بعد صراع دام عقودا من السنين.

 الثانية: إن هذه الاعانة التي تعطى للعامل المتعطل إنما تعطى له بشكل إحسان وصدقة، ولا باعتبار ها حقا له.

 الثالثة: ان هذه التشريعات لا تشمل بعض الحالات، فمن يعمل ولا يكفيه عمله لا يدخل فيها، ومن يعمل ويحصل على أجر مناسب ولكن عرض له ما جعله مفتقرا إلى المزيد من المال لا يدخل فيها، وكذلك لا يدخل فيها الايتام، ومن لا كافل لهم ولا يستطيعون العمل لصغر السن أي لا تعتبر الدولة نفسها مسؤولة عنهم.

 وإذا رجعنا إلى عهد الامام لنقارن بينه وبين النتائج التي خرجنا بها ؟ فماذا نجد ؟ نلاحظ اولا: ان التشريعات الكافلة للطبقة العاملة ومطلق من لا يستطيع العمل للمرض أو لكبر السن أو لصغره - هذه التشريعات صدرت من فوق، من طبقة الحاكمين، ومغزى أن تكون التشريعات الحامية لطبقة العمال قد صدرت من فوق من دون أن يحدث من هذه الطبقة تحسس يلجئ إلى هذا، كبير القيمة، فهو يدل على أن الامام كان يفكر في هذه الطبقة ويعمل لخيرها.

 وثانيا: ان ما تدفعه الدولة إلى هؤلاء ليس احسانا منها إليهم، وانما هو حق لهم عليها، يجب أن تؤديه.

 وعهد الامام صريح في هذا كما سترى.

 ومغزى هذه الملاحظة عظيم، فعندما يأخذ المعوز ما يأخذه على انه (احسان) يشعر بالدونية، اما حين يأخذه على انه (حق) فانه يشعر بشئ من هذا.

 وثالثا: ان التشريع الذي سنه الاسلام وذكره الامام يشمل كل حالة عجز،


[105]

فمن لا يستطيعون عملا لمرض أو هرم أو صغر سن، أو يعملون ولكن أجرهم لا يكفيهم - هؤلاء جميعا تكفلهم الدولة، وتعتبر نفسها مسؤولة عنهم.

 وعهد الامام صريح في أن على الحاكم أن ينشئ لهذه الطبقة دائرة خاصة ترعى شؤونها، فهو يقول: (ففرغ لاولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع، فليرفع اليك أمورهم).

 وقد جرى عليه السلام على هذا فيما نقل ابن أبي الحديد إذ قال: (وكان لامير المؤمنين علي عليه السلام بيت سماه بيت القصص يلقي الناس فيه رقاعهم).

 واذن، فبالرغم من سبق عهد الامام على التشريعات العمالية الحديثة بأكثر من الف ومائتي عام نلاحظ أنه أوعى لحاجات هذه الطبقة وأرعى لشؤونها، وأشمل لطوائفها من هذه التشريعات.

 نعم تمتاز هذه التشريعات بأنها أكثر تفصيلا من عهد الامام، وبأنها تشتمل على ملاحظات لم ترد في هذا العهد، ولكن ذلك لا يكسبها ميزة حقيقية، فالعبرة بروح التشريع وبشموله، ولا شك، بعدما عرفت، في أن عهد الامام أشمل.

 قال عليه السلام:

(ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين، وأهل البؤسى (1) والزمنى (2) فان في هذه الطبقة قانعا ومعترا (3).

 


(1) البؤس: جمع بائس، الذين يعانون من الفقر الشديد (2) الزمنى: جمع زمين - والزمانة العاهة (3) القانع: السائل - المعتر: المتعرض لاخذ العطاء دون سؤال وطلب


[106]

واحفظ لله ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قسما من بيت مالك، وقسما من غلات (1) صوافي (2) الاسلام في كل بلد، فان الذي للاقصى (3) منهم مثل الذي للادنى وكل قد استرعيت حقه (4).

ولا يشغلنك عنهم بطر (5) فانك لا تعذر بتضييعك التافه لاحكامك الكثير المهم، فلا تشخص همك عنهم (6)، ولا تصعر (7) خدك لهم، وتفقد أمور من لا يصل اليك منهم ممن تقتحمه العيون (8) وتحتقره الرجال، ففرغ لاولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع فليرفع اليك أمورهم ثم اعمل فيهم بالاعذار إلى الله سبحانه يوم تلقاه (9)، فان هؤلاء من الرعية أحوج إلى الانصاف من غيرهم.

 وكل فاعذر إلى الله في تأدية حقه إليه. وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن (10) ممن لا


(1) الغلات: المحاصيل الزراعية .

(2) الصوافي: الارض المفتوحة عنوة (بالقوة)، فانها ملك لجميع المسلمين، ويعود ريعها إلى بيت مال المسلمين.

 (3) الاقصى: الابعد في القرابة أو في المكان. والادنى: الاقرب، أي انه لا فرق في لزوم الرعاية لهؤلاء بين القريب والبعيد.

 (4) وجبت عليك رعاية حقه .

(5) البطر: الطغيان بالنعمة

(6) لا تشخص همك: لا تصرف عنايتك واهتمامك عن هؤلاء الفقراء .

(7) لا تتكبر عليهم.

 (8) تقتحمه العيون: تحتقره، فلا تنظر إليه .

(9) ليكن عملك بالنسبة إلى هؤلاء الفقراء عذرا لك عند الله تعالى.

(10) ذوي الرقة في السن: الذين بلغوا مرحلة الشيخوخة


[107]

حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه.

 وذلك على الولاة ثقيل والحق كله ثقيل، وقد يخففه الله على أقوام طلبوا العافية، فصبروا أنفسهم ووثقوا بصدق موعود الله لهم).

 عهد الاشتر

ونستطيع أن نتصور عظيم اهتمامه عليه السلام بهذه الطبقة حين نتأمل قوله (ثم الله الله..) وقوله: (فلا تشخص همك عنهم، ولا تصعر خدك لهم) يأمر واليه بأن يتواضع لهم لئلا يشعروا بالذل من جهة، وليضرب لاغنياء رعيته مثلا من نفسه في معاملته لهذه الطبقة.

 وقوله: (فان هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الانصاف من غيرهم).

 وأما قوله: (فان في هذه الطبقة قانعا ومعترا) وقوله: (وتفقد أمور من لا يصل اليك منهم) وقوله: (وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن، ممن لا حيلة له، ولا ينصب للمسألة نفسه) فانها تنطوي على مضمون عظيم القيمة، فهؤلاء الذين يمنعهم الحياء وشرف النفس من إظهار فقرهم ومن نصب أنفسهم للمسألة يموتون جوعا إذا لم يبحث عنهم الحاكم ويرعى أمورهم، ولذلك أمر الامام واليه بأن يتفقد هؤلاء وأمثالهم، ويوكل بهم من يتفقدهم.

 ولا أظن أن حكومة من الحكومات الحديثة بلغ فيها التشريع العمالي، والتأمين الاجتماعي من النضوج والوعي للمسؤولية الاجتماعية إلى حد أن تؤلف هيئة تبحث عن ذوي الحاجة والفاقة فترفع حاجتهم بأموال الدولة، كما نرى ذلك في عهد الامام ولا أظن أن قلوب المشرعين وعقولهم اجتمعت على أن تخرج للدنيا تشريعا عماليا فافلحت في أن تخرجه أنبض من تشريع الامام بالشعور الانساني العميق.

 راجع عهد الآشتر


[108]

 

(11)

كنا فيما نتحدث عن آراء الامام في المجتمع باعتبار تركيبه الداخلي، أعني الطبقات الاجتماعية.

 والآن نريد أن نتحدث عن رأي الامام في المجتمع كوحدة عامة، فلا ننظر إليه من داخل كما صنعنا في بحث الطبقات، وانما ننظر إليه من خارج باعتباره وحدة إنسانية عامة لا نلحظ فيها الفروق.

 وكنا نتحدث عن آراء الامام في اصلاح المجتمع على هدي الاسلام عن طريق التأمين الاقتصادي واصلاح جهاز الحكم، ونتحدث الآن عن آراءه في إصلاح المجتمع عن طريق العوامل النفسية ذات الاثر في الجماعة الانسانية.

 للاجتماع الانساني مظهران: مظهر حقيقي، ومظهر مزيف.

 أما المظهر الحقيقي للاجتماع الانساني فهو ذلك الذي يبدو الناس فيه وقد شاعت بينهم الالفة، وجمعتهم المحبة، وقاربت ما بينهم وحدة الوسائل والغايات.

 وهو ذلك الذي يعي فيه الافراد المسؤولية، ويشعرون ان القانون الذي يجب ان يسود هو قانون.

 حقي وواجبي.

 وهو الذي يعي فيه الافراد أن الغاية من الاجتماع الانساني هي التعاون على


[109]

إيجاد الفرص المناسبة التي تمكن كل فرد من إظهار قدرته، وتحقيق ذاته على نحو فعال مجد، وليس عملا يراد منه إيجاد الفرص المناسبة لطائفة من الناس على حساب آخرين.

 وأما المظهر المزيف للاجتماع الانساني فهو ذلك الذي يبدو فيه الافراد (مجتمعين) فحسب، فلا توحد بينهم الفة، ولا تلم شتاتهم محبة، ولا يلتقون على هدف صحيح.

 وهو ذلك الذي يسعى فيه كل فرد أو كل جماعة إلى امتلاك كل ما يستطيع دون وعي لحاجات الآخرين ودون اهتمام لمصائرهم.

 وهو ذلك الذي يسود فيه قانون الكلمة الواحدة، قانون: حقي، فقط.

 ان هذا الطراز من الاجتماع أحق بأن يسمى (تجمعا) ذئبيا من أن يسمى اجتماعا: إنسانيا.

 هذان مظهران للاجتماعي الانساني ويحسن بنا أن نلتمس الاسباب التي تسوق إلى هذا وذاك.

 

 * * *

روح العدوان غريزة أصيلة في نفس الانسان.

 وإنما كانت أصيلة فيه لانها ضرورية لحياته، فلولاها لما كان في الانسان ما يحفزه إلى حماية نفسه من كواسر السباع، وفواتك الهوام، ولما كانت له القدرة على الصيد، ولا على أي عمل يتطلب صراعا مع كائن حي آخر في سبيل حفظ الحياة.

 وأوقات الحاجة إلى هذه الغريزة هي حين تتعرض الحياة الانسانية لخطر فاتك سواء كان من الانسان أو الحيوان.

 وليس في النفس الانسانية جهاز يولد هذه الغريزة في أوقات الخطر ويعدمها


[110]

في أوقات الامان.

 ولذا فان هذه الغريزة موجودة في جميع الاوقات.

 وهي في أوقات الخطر تعمل عملها الذي يسرت له وأودعت في الانسان لاجله.

 وأما في أوقات الامان فان وجودها يصبح مشكلة خطيرة قد تمتد بآثارها إلى الآخرين من أفراد وجماعات.

 ففي المجتمعات التي تدين بحضارة لا تجعل للانسان هدفا ساميا في الحياة، ولا تعلمه إلا أن يبالغ في إرواء شهواته ونزعاته، تعبر هذه الغريزة عن نفسها في عدوان بعض الافراد على بعض أو عدوان بعض الجماعات على بعض، لانها - كغريزة - لابد لها من التعبير عن نفسها، وحيث لا تقدم لها الحضارة موضوعا للتعبير يصرفها ويحولها عن الافراد، لابد أن تعبر عن نفسها في هؤلاء الافراد، وحينئذ ينقلب المجتمع الانساني إلى مجتمع ذئبي تناحري، ذي غرائز عدوانية ضارية، تعبر عن نفسها باستمرار.

 هذه هي الاسباب التي تذهب بروح الاجتماع الانساني وتسبغ عليه مظهرا اجتماعيا مزيفا.

 وجاء الاسلام والمجتمع الانساني كله في واقع تعس نشأ من أن الحضارات التي كان يدين بها كانت في الغالب حضارات لا تتجاوز بالانسان مدى الحس.

 وكان المجتمع العربي يعاني الازمة في أحد مظاهرها، فقد كان يقوم إلى جانب ما يعانيه من جدب روحي على أساس قبلي.

 وكان هذان العاملان: الجدب الروحي والروح القبلية يثيران غريزة العدوان أعتى وأضرى ما تكون.

 وقد عالج الاسلام هذه المشكلة.

 اولا، بأن حارب عناصر الفساد والانحلال في الارث الثقافي المهلهل الذي دعت إليه تلك الحضارات، وجاء بثقافة جديدة حرية بأن تعيد تكوين الانسان الروحي من جديد، وجعل للحياة الانسانية هدفا أعلى من إرواء الحس باللذة، جعل لها الفضيلة هدفا، وأمر الانسان بالمسير إليه.

 


[111]

وثانيا، بأن وجه غريزة المقاتلة إلى موضوعين: احدهما أعداء الاسلام الذين يكيدون له، ويبغون عليه، ويريدون اطفاء نور الله فيه.

 والثاني هو الشيطان، هذا الكائن الذي هو أعدى أعداء الانسان: يزين له الظلال، ويحبب إليه الانحراف، ويدفعه عن طريق الاغواء والاغراء إلى تشويه شخصية الانسانية وتلويثها.

 وقد أكد الاسلام عداوة الشيطان للانسان تأكيدا مطلقا، وأكد وجوب الاحتراز منه، والحذر من مكائده، والتحصن من شباكه، تأكيدا مطلقا وبذلك وجه غريزة القتال والعدوان إلى موضوع يستفيد منه المجتمع أعظم الفائدة، فالانسان، منذ اليوم، يكافح الشيطان من أجل أن يسمو..

 من أجل أن يحقق الانسان.

 وقد أحرز النبي صلى الله عليه وآله نصرا باهرا حين استطاع، عن طريق الاسلام، أن يجمع العرب على عقيدة توحد بينهم في الوسائل والغايات، وأن يكون من الشراذم العربية أمة عربية.

 ولكن الظرف الزماني لم يسعفه على استئصال الروح القبلية من نفس العربي، فما أن قبضه الله إليه حتى حدث ما بعث هذه الروح من جديد..

 حتى ولي الخلافة عثمان فعبرت عن نفسها بسبب سياسات معينة تعبيرات شديدة، فلما ولي الامام الحكم جوبه بهذا الواقع، واقع المجتمع العربي المسلم الذي ساقته الروح القبلية إلى مصير وبيل.

 فنصب نفسه لمحاربة هذه الروح.

* * *

وقد كانت طريقته في العلاج فذة رائعة، سنقف في فصل آت على جانب منها يتناول التثقيف الفردي، وتعليم أصحابه روح الاسلام أما هنا فنتحدث عن كفاحه للروح القبلية باعتبارها نزعة هدامة ولابد انه عليه السلام تكلم كثيرا في هذا الموضوع، لان واقعه كان يدعوه


[112]

إلى ذلك، ولئن لم يصل الينا كل ما قال أو اكثره فان ما في نهج البلاغة يغني في مقام التعرف على آراءه في هذه المسألة، وثمه خطبة من طوال خطبه خصصها لمحاربة هذه النزعة في مجتمعه، وقد ذكر الشريف مختارا منها، ونحن ذاكرون طرفا مما اختار نستشهد به على ان الامام كان يعي العمليات الاجتماعية، وكان يعي ما وراء هذه العمليات من دوافع نفسية تحمل عليها وتدفع إليها.

 

 * * *

تكرر ذكر الشيطان في نهج البلاغة كثيرا: 1 - قصة آدم (ع) وإغراء الشيطان له.

 2 - الشيطان أخطر عدو للانسان، يزين له المعصية، ويحمله على تسويف التوبة، ويدفعه إلى مقارفه الاثم، حتى إذا حق الحق تبرأ منه وتركه بين يدي عذاب غليظ.

 3 - من جملة مهام الانبياء الكبرى ان يحذروا الناس من إغواء الشيطان.

 وقد كان الامام يهدف من كل ذلك إلى تأكيد عداوة الشيطان في النفوس لتنصرف إليه غريزة العدوان.

 وأعظم خطبة تضمنت ذلك، وتجلى فيها غرض الامام الاجتماعي هي خطبته المسماه (القاصعة).

 ففيها صرح الامام بأن الاجتماع الانساني الحق لا يمكن أن يجتمع مع النزعة القبلية.

 وفيها يصرح بأن النزعة القبلية ان هي إلا ارث شيطاني يزينه الشيطان لاوليائه.

 وفيها يبين أن الشيطان احق بالمحاربة من هؤلاء الضعفاء الذين يقع عليهم الظلم ويلحقهم الحيف بسبب النزعة القبلية


[113]

وفيها يضرب الامثال التي تشهد لدعاواه والتي تدل على أن النزعة القبلية، بما لها من آثار سيئة، هي التي محقت المجتمعات القديمة.

 قال عليه السلام:

(الحمد لله الذي لبس العز والكبرياء، واختارهما لنفسه دون خلقه، وجعلهما حمى وحرما على غيره، واصطفاهما لجلاله، وجعل اللعنة على من نازعه فيهما من عباده.

 (ثم اختبر بذلك ملائكته المقربين، ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين، فقال سبحانه، وهو العالم بمضمرات القلوب ومحجوبات الغيوب: إني خالق بشرا من طين.

 فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس (1).

 اعترضته الحمية، فافتخر على آدم بخلقه، وتعصب عليه لاصله، فعدو الله إمام المتعصبين. وسلف المستكبرين، الذي وضع أساس العصبية.).

 - الخطبة القاصعة - رقم النص: 190


(1) سورة ص، آية 71 - 74.


[114]

وبعد أن بين أن الله ابتلى خلقه بهذا لينفي عنهم التكبر والخيلاء، وبعد أن أمرهم أن يعتبروا بما صار إليه إبليس حين تكبر، قال:

(فاحذروا عباد الله أن يعديكم بدائه، وأن يستفزكم بندائه، وأن يجلب عليكم بخيله ورجله (1)، فلعمري لقد فوق لكم سهم الوعيد (2)، وأغرق لكم بالنزع الشديد (3)، ورماكم من مكان قريب، وقال: (رب بما أغويتني لازينن لهم في الارض ولاغوينهم أجمعين) (4) قذفا بغيب بعيد، ورجما بظن غير مصيب، صدقه أبناء الحمية وإخوان العصبية، وفرسان الكبر والجاهلية، حتى إذا انقادت له الجامحة منكم (5)، واستحكمت الطماعية منه فيكم، فنجمت الحال من السر الخفي إلى الامر الجلي (6)، استفحل سلطانه


(1) أجلب بخيله، يعني استعان بفرسانه. وأجلب برجله، يعني استعان بمشاته.

 (2) فوق السهم: أعده للرمي.

 (3) أغرق بالنزع: شد وتر قوسه إلى أقصاه ليصيب الهدف إصابة مهلكة.

 (4) سورة الحجر، آية 39.

 (5) الجامحة: من جمح الفرس، إذا فر وشرد، يريد الامام بذلك من عصاه من أصحابه الذين تأثروا بالروح القبلية.

 (6) نجم: ظهر، يريد أن العصبية القبلية كانت في أول الامر مجرد فكرة، ولكنها بعد أن أثر الشيطان أثره، تحولت العصبية من مجرد فكرة خفية إلى حقيقية خارجية ظاهرة جلية.

 


[115]

عليكم، ودلف (1) بجنودة نحوكم، فأقحموكم ولجات الذل (2)، وأحلوكم ورطات القتل، وأوطؤوكم إثخان الجراحة (3).. فأصبح أعظم في دينكم جرحا، وأورى (4) في دنياكم قدحا من الذين أصبحتم لهم مناصبين، وعليهم متألبين، فاجعلوا عليه حدكم وله جدكم (5)، فلعمر الله لقد فخر على أصلكم، ووقع في حسبكم، ودفع في نسبكم، وأجلب بخيله عليكم.

 فاطفئوا ما كمن في قلوبكم من نيران العصبية، وأحقاد الجاهلية، فإنما تلك الحمية تكون في المسلم من خطرات الشيطان ونخواته، ونزغاته (6) ونفثاته (7)، واعتمدوا وضع التذلل على رؤوسكم، وإلقاء التعزز تحت أقدامكم، وخلع التكبر من أعناقكم، واتخذوا التواضع مسلحة (8) بينكم وبين عدوكم إبليس وجنوده،


(1) دلف: تقدم.

 (2) ولجات: مفرده: ولجة، المأوى في الطريق، يلجأ إليه الناس.

 (3) أوطأ: أركب، (اثخان الجراحة) يقال: أثخن في العدو: أي أوقع فيه إصابات شديدة، فيكون معنى قوله (ع) (أوطؤكم اثخان الجراحة) انهم أشعلوا نار الفتنة بينكم، ففتك بعضكم بالبعض الآخر فتكا شديدا.

 (4) أورى النار: جعلها تشتعل بشدة وقوة.

 (5) الحد: هنا الغضب. والجد هنا القطع. يريد: صبوا عليه غضبكم، واقطعوا الصلة بينكم وبينه.

 (6) النزغ: الافساد.

 (7) النفث: النفخ. كأن الشيطان ينفخ الشر والفساد في عقول الناس وقلوبهم.

 (8) المسلحة: مكان تجمع الجنود المسلمين على الحدود لدفع العدو. يريد: اجعلوا التواضع سلاحكم في حد ابليس الذي يدعوكم إلى التكبر


[116]

فإن له من كل أمة جنودا وأعوانا ورجلا وفرسانا، ولا تكونوا كالمتكبر على ابن أمه من غير ما فضل جعله الله فيه سوى ما ألحقت العصبية بنفسه من عداوة الحسد).

 - الخطبة القاصعة - رقم النص: 190 -

 * * *

ثم يضرب لهم الشواهد، ويبصرهم عبر التاريخ.

 فهذا الواقع الاجتماعي المزري جر أمما قبلهم إلى الانهيار، وجدير بهم أن يعتبروا بمن قبلهم ممن غفلوا عن عدوهم الكامن في أعماقهم، وصرفوا - بإغرائه وإيحائه - عدوانهم إلى إخوانهم في الدين والانسانية:

(فاعتبروا بما أصاب الامم المستكبرين من قبلكم من بأس الله وصولاته ووقائعه ومثلاته (1)، واتعضوا بمثاوي خدودهم (2) ومصارع جنوبهم واستعيذوا بالله من لواقح الكبر (3)، كما تستعيذوه من طوارق الدهر (4).

 


(1) المثلات: العقوبات الشديدة.

 (2) المثوى: المنزل - مثاوي الخدود: موضع الخد على التراب بعد الموت. كناية عن أن المصير الاخير هو الموت، فلماذا الاحقاد والصراعات. وهذا المعنى هو المراد من الفقرة التاليه (ومصارع جنوبهم).

 (3) لواقح: من اللقاح، ومعناه معروف. أي أن الكبر يلقح النفس بالشر فاستعيذوا بالله من ذلك.

 (4) طوارق الدهر: مصائبه.

 


[117]

واحذروا ما نزل بالامم قبلكم من المثلات بسوء الافعال، وذميم الاعمال، فتذكروا في الخير والشر أحوالهم، واحذروا أن تكونوا أمثالهم.

 فإذا تفكرتم في تفاوت حاليهم، فالزموا كل أمر لزمت العزة به شأنهم، وزاحت الاعداء له عنهم، ومدت العافية به عليهم، وانقادت النعمة له معهم، ووصلت الكرامة عليه حبلهم: من الاجتناب للفرقة، واللزوم للالفة، والتحاض عليها والتواصي بها.

 واجتنبوا كل أمر كسر فقرتهم (1)، وأوهن منتهم (2): من تضاغن القلوب، وتشاحن الصدور، وتدابر النفوس، وتخاذل الايدي).

 - الخطبة القاصعة - رقم النص: 190 -

ثم يضرب لهم الامثال بحال بني إسرائيل كيف جمعتهم الدعوة الواحدة، ولم شعثهم الهوى الجميع، فعظم أمرهم، ثم اختلفوا فذهب ريحم ووهنوا وذلوا.

 وضرب لهم الامثال بحال العرب قبل الاسلام كيف كانوا، ثم كيف اتحدوا بالاسلام فأصبحوا يطاعون في بلاد كانوا فيها أذلة ضعفاء.

 


(1) كسر فقرتهم: كسر ظهورهم، لان الفقار في ظهر الانسان يقوم عليها كيانه فإذا كسرت عجز عن الوقوف والعمل.

 (2) أوهن منتهم: أضعف قوتهم.

 


[118]

ثم ذكر أن أعظم ما امتن الله به عليهم هو أنه جمعهم، وألف بين قلوبهم، وجعلهم إخوانا، قال:

(فإن الله سبحانه قد امتن على جماعة هذه الامة فيما عقد بينهم من حبل هذه الالفة التي ينتقلون في ظلها، ويأوون إلى كنفها، بنعمة لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة، لانها أرجح من كل ثمن وأجل من كل خطر).

 - الخطبة القاصعة - رقم النص: 190 -

 * * *

ورؤساء القبائل هم أصحاب المصلحة في استشراء العصبية القبلية والتفكك الاجتماعي، فلو وعى الناس الحياة الاجتماعية الصحيحة وراعوا المصلحة العامة وحدها، لما بقيت لهؤلاء الرؤساء قيمة، لان وجودهم منوط بهذه العصبية.

 وقد عرف الامام عليه السلام ذلك، فوجه إليهم صفعة مدوية حين صرخ بالناس:

(ألا فالحذر الحذر من طاعة ساداتكم وكبرائكم الذي تكبروا عن حسبهم، وترفعوا فوق نسبهم وألقوا الهجينة (1) على ربهم، وجاحدوا الله على ما صنع بهم، مكابرة لقضائه ومغالبة لآلائه (2)،


(1) الهجينة: الفعلة القبيحة.

 (2) آلاء الله: نعمة وإحسانه.

 


[119]

فإنهم قواعد أساس العصبية، ودعائم أركان الفتنة، وسيوف اعتزاء الجاهلية (1)، فاتقوا الله.. ولا تطيعوا الادعياء (2) الذين شربتم بصفوكم كدرهم وخلطتم بصحتكم مرضهم، وأدخلتم في حقكم باطلهم، وهم أساس الفسوق وأحلاس العقوق (3) اتخذهم إبليس مطايا ظلال وجندا بهم يصول على الناس، وتراجمة ينطق على ألسنتهم، استراقا لعقولكم، ودخولا في عيونكم، ونفثا في أسماعكم فجعلكم مرمى نبله، وموطئ قدمه، ومأخذ يده).

 - الخطبة القاصعة - رقم النص: 190 -

وعلى هذا النسق العالي من البيان الشامخ يمضي الامام صلوات الله عليه في بيان أمراض المجتمع.

 ويكشف عن أسبابها النفسية، ويبرهن بذلك على وعي خارق للعمليات الاجتماعية وأسباب انحرافها، وطرق اصلاحها.

 وننصح بالرجوع إلى الخطبة القاصعة وقراءتها بامعان، فقد لا يعطي ما قدمناه فكرة تامة عن جميع الافكار التي تحتويها.

 


(1) الاعتزاء: الانتساب، إعتزاء الجاهلية: العادات الجاهلية في المفاخرة بالسلالة والنسب.

 (2) الدعي هو الذي ينتسب إلى غير أصله. يريد هنا أن رؤساء القبائل أدعياء على أهل الخير وأهل الصلاح، وهم في الحقيقة أشرار.

 (3) الحلس كساء يكون على ظهر البعير ملازم له، واستعير للتعبير عن كل ملازم لشئ. فيقال حلس بالمكان: لزمه: وحلس بفلان: لم يفارقه. ويريد الامام هنا أن هؤلاء الزعماء ملازمون للعقوق، عقوق الله وعقوق إمامهم.