الحاكم

صفاته - حقوقه - واجباته - طبيعة الحكم


[122]


[123]

(هل الامامة أمر محتم، فلا يجوز أن يمضي على المسلمين وقت دون إمام يسير بهم على كتاب الله وسنة الرسول ؟ أم أنها أمر جائز وليس فرضا، فإذا شاء المسلمون أقاموا إماما، وإذا لم يريدوا فليس في الشريعة ما يلزمهم بذلك، بل الامر في ذلك منوط بهم وموكل إليهم ؟ (اختلفت الفرق الاسلامية بين هذين المبدأين، فذهبت الكثرة العظمى من المسلمين إلى أن الامامة أمر محتم، فهو مذهب أهل السنة جميعا، ومذهب الشيعه جميعا، ومذهب الكثرة الغالبة من المعتزلة والكثرة الغالبة من الخوارج.

 أما الجواز فقد ذهب إليه (الهشامية) من المعتزلة أصحاب هشام بن عمرو الفوطي، فهم يقولون: (يجوز عقدها في أيام الاتفاق والسلامة أما في أيام الفتنة فلا) وهو كذلك مذهب (المحكمة الاولى من الخوارج) فإنهم أجازوا ألا يكون في العالم إمام أصلا..

 وكذلك (النجدات).. و (العجاردة) من الخوارج أيضا) (1).

 وإذن فالمسلمون جميعا مجمعون على وجوب نصب الحاكم، ومن رأيت خلافه فهو شاذ لا يعتنى به، وتشهد للوجوب النصوص الكثيرة الصريحة فيه.

 وبعد، فلو لم تكن ثمة نصوص تقضي بوجوبه لكفى العقل في الالزام به،


(1) راجع كتابنا: نظام الحكم والادارة في الاسلام ص 70 - 71.

 


[124]

فالحكم من ضرورات الاجتماع، لان النشاط الانساني - وقد تشابك بفعل الحياة الاجتماعية - لابد له من هيئة تشرف عليه وتنظمه، وتشق له القنوات، وتوجهه الوجهة الصحيحة المستقيمة، وبدون هذه الهيئة يتسيب هذا النشاط فيطغى لون منه على لون، ويتجه اتجاهات غير محمودة تؤول به في النهاية إلى الضمور، ومن ثم تنتهي بالمجتمع إلى الانحلال.

 والحكومة في الاصل مؤسسة اجتماعية، لان طبيعة الاجتماع تقتضيها كما رأينا، ولكنها في الاسلام، تتخذ بالاضافة إلى صفتها الاجتماعية، طابعا دينيا أيضا وذلك لان المجتمع الاسلامي مجتمع ديني في الدرجة الاولى، أي أن الذي يستلهم في التنظيم: الاقتصادي والسياسي والعسكري هو الدين وحده.

 وها هو الامام عليه السلام يقرر هذه الحقيقة، رادا على الخوارج يوم نادوا (لا حكم إلا الله) قائلا:

(كلمة حق يراد بها باطل، نعم إنه لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله، وإنه لابد للناس من أمير بر أو فاجر، يعمل في امرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الاجل ويجمع به الفئ، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح بر ويستراح من فاجر) (1).

 فقوله (انه لابد للناس من إمام..) تقرير لهذه الضرورة، التي يفرضها واقع الاجتماع الانساني، ولا معدى عنها بحال من الاحوال، ولئن كانت إمرة


(1) نهج البلاغة، رقم النص: 40.

 


[125]

الامام الفاجر - حين لا يوجد العادل - شرا -، فهي على ما فيها من شر خير من الفوضى التي تمزق أواصر الاجتماع.

 وغير خفي ان الامام لم يقصد في كلمته الآنفة إلى بيان طبيعة الحكم الاسلامي، وإنما قصد فيها إلى بيان ضرورة الحكم في قبال دعوى الخوارج الفوضويين.

 


[126]

 

(1)

وإذا كانت الامامة أمرا لازما فهل يصح أن يتولاها كل من قدر على بلوغها دون نظر إلى صفاته الشخصية وكفاءاته أم أن من يصح له أن يلي منصب الامامة يجب أن تتوفر فيه شروط خاصة يمتاز بها عن غيره من الناس ؟ المسلمون على اتفاق فيما بينهم على أن منصب الامامة لا يليه إلا من توفرت فيه شروط مميزة، واختلفوا في أمور أخرى فذهب بعض إلى اشتراطها وذهب آخرون إلى عدمه.

 ولسنا هنا في مقام استعراض شروط الامام الحاكم عند مختلف الفرق الاسلامية.

 وقد عالجنا هذا الموضوع علاجا وافيا في كتابنا (نظام الحكم والادارة في الاسلام).

 فإذا رجعنا إلى نهج البلاغة لم نجد فيه تفصيلا دقيقا لهذه الشروط، فليس فيما بين أيدينا من كلام أمير المؤمنين عليه السلام قسم مستقل تعرض فيه لبيانها وإنما ذكر منها، في عرض كلامه، طائفة وأهمل طائفة.

 فاشترط في الامام أن يكون كريم النفس لئلا تدفعه الطماعية وشدة الحرص إلى العدوان على أموال المسلمين.

 واشترط فيه أن يكون عالما لانه قائد المسلمين الاعلى فيجب أن يهديهم ولو كان جاهلا لاضلهم.

 


[127]

واشترط فيه أن يكون لين العريكة، رحب الصدر.

 واشترط فيه أن يكون عادلا في إعطاء الاموال فيسوي بين الناس في العطاء ولا يفضل قوما على حساب آخرين استجابة لشهوات نفسه وميول قلبه.

 واشترط فيه أن يكون نزيها في القضاء فلا يرتشي لان ذلك مؤذن بذهاب العدل في الاحكام.

 واشترط فيه أن يكون عاملا بالسنة فيجري الحدود ولو على أقرب الناس إليه، ويعطي الحق من نفسه كما يطلبه من غيره.

 قال عليه السلام:

(.. وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج، والدماء، والمغانم، والاحكام وإمامة المسلمين البخيل، فتكون في أموالهم نهمته (1)، ولا الجاهل فيضلهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول فيتخذ قوما دون قوم (2)، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع (3)، ولا المعطل للسنة فيهلك الامة) (4).

 


(1) النهمة: الافراط في الشهوة.

(2) الحائف للدول - الحائف: الظالم، والحيف: الظلم، والدول: المال لانه يتداول أي ينتقل من يد إلى يد. مراده: الانسان الظالم في تقسيم الاموال فيفضل قوما على قوم بغير موجب للتفضيل.

(3) المقاطع: حدود الله.

(4) نهج البلاغة، رقم النص: 129.

 


[128]

وقال عليه السلام:

(لا يقيم أمر الله سبحانه إلا من لا يصانع (1) ولا يضارع (2) ولا يتبع المطامع) (3).

 وقال متحدثا عن الامام.

(من نصب نفسه للناس إماما فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالاجلال من معلم الناس ومؤدبهم) (4).

 وهذه الكلمات تقوم على فلسفة للحكم عند الامام عليه السلام تتلخص في أن الحكم، وهو ضرورة اجتماعية، أقيم لصالح المجتمع، ولا يمكن أن يعمل الحكم لصالح المجتمع إلا إذا كان على رأسه إنسان كامل الصفات، واع لمهمته، أما حين يكون الحاكم إنسانا غير واع للمسؤولية وغير عامل على إصلاح المجتمع ورفع شأنة، فإن الحكم ينقلب إلى وسيلة للظلم، وستتضح لنا الخطوط الكبرى لهذه الفلسفة فيما يأتي.

 


(1) يصانع: يداري، أي أن الذي يقيم أمر الله هو الذي لا يداري أحدا في إحقاق الحق.

(2) يضارع: المضارعة المشابهة، أي لا يتشبه في عمله بالمبطلين.

(3) نهج البلاغة، باب المختار من كلام أمير المؤمنين، رقم النص: 110.

(4) نهج البلاغة، نفس الباب، رقم النص: 73.

 


[129]

 

(2)

حقوق الرعية على الحاكم تستمد معناها من طبيعة الحكم الذي يمارسه الحاكم.

 فهناك حكم يقوم لاجل عائلة من العائلات الكبيرة وحينئذ يعمل الحاكم لاجل هذه العائلة، ويسخر جميع مرافق الدولة لها ولمن يقوم عليه سلطانها.

 وهناك حكم يقوم لصالح طبقة من الطبقات وحينئذ يعمل الحاكم لاجل هذه الطبقة، ولا ينيل الرعية شيئا إلا إذا كان فيه ما يعود بالخير على هاتيك الطبقة التي يقوم من أجلها الحكم.

 ومرة يقوم الحكم من أجل الرعية وحدها، وحينئذ يعمل الحاكم للرعية وحدها.

 وفي هذا اللون من الحكم توجد للرعية على الحاكم حقوق يصح أن نتحدث عنها.

 فأي لون من ألوان الحكم بشر به نهج البلاغة، ووضع قواعده الامام ؟ إذا رجعنا إلى نهج البلاغة وجدنا ان الحكم الذي كان يمارسه الامام عليه السلام والذي كان يحمل عماله على أن يمارسوه هو هذا الحكم الذي يقوم من أجل الرعية وحدها.


[130]

وقد تقدم منا في حديثنا عن المجتمع والطبقات الاجتماعية في نهج البلاغة أن عرضنا إلى طرف من ذلك، فرأينا كيف أن الامام في عهده العظيم إلى مالك الاشتر قد وضع الاسس المتينة لانشاء جهاز حكم يعمل للشعب وللشعب فقط، غير ملق بالا إلى منافع طبقة خاصة تسعد على حساب الشعب وتنعم بجهوده.

 وسنعرض في حديثنا هذا طرفا من الشواهد التي تدل على أن الحكم الذي مارسه الامام عليه السلام ودعا إلى ممارسته هو الحكم من أجل الشعب، وما تقدم في بحث الطبقات الاجتماعية، وما سيمر هنا يؤلف هيكلا يكاد أن يكون كاملا لفلسفة الحكم عند الامام عليه السلام.

* * *

من ضرورات الحكم الصالح المشاركة الوجدانية بين الراعي والرعية، إذ بها يستطيع الحاكم أن يتعرف على آمال المحكومين وآلامهم ومطامحهم، وأن يعي حاجاتهم ومخاوفهم، فيعمل لخيرهم ويضع كل شئ مما يصلحهم موضعه.

 ويشعرهم ذلك برعايته لهم، وحياطته لامورهم، وعمله لصالحهم، فيدعمون حكمه بحبهم وإيثارهم له، ويؤازرونه في السراء والضراء على السواء.

 ولا يحصل شئ من هذا إذا ما أغلق الحاكم دونهم قلبه وأغمض عنهم عينه.

 إنه حينذاك لا يعرف شيئا من أمورهم ليعمل على الاصلاح، وتكون عاقبة ذلك أن يفقد حبه في قلوبهم، ويشعرون بأنه شئ غريب عنهم مفروض عليهم، كالحشرة الطفيلية التي تعيش على دماء الحيوان الذي تلتصق به.

 قال عليه السلام:

(.. وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا


[131]

تغتنم أكلهم. فإنهم صنفان: اما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل (1)، وتعرض لهم العلل ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه).

 عهد الاشتر

ولكي تحصل هذه المشاركة الوجدانية ولكي تؤتي أكلها يجب على الوالي أن يخالط الرعية، وأن يمكنهم من مخالطته ومطالعته بما يريدون، لان احتجابه عنهم سبب لجهله بأحوالهم، وسبب لانصراف قلوبهم عنه وتفاقم موجدتهم عليه.

 قال عليه السلام:

(.. فلا تطولن احتجابك عن رعيتك، فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق، وقلة علم بالامور.

 والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير ويعظم الصغير، ويقبح الحسن ويحسن القبيح، ويشاب الحق بالباطل.

 وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الامور، وليست على الحق سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب) (2).

 عهد الاشتر


(1) يفرط منهم الزلل: يفرط: يسبق، الزلل: الخطأ.

(2) سمات: جمع سمة، وهي العلامة، أي ليس للحق علامات ظاهرة يتميز بها الصدق من الكذب، وإنما يعرف ذلك بالامتحان والتجربة.

 


[132]

ولكي يبقى ما بين الوالي ورعيته من وشائج الود، ويبقى ما للوالي في قلوب الرعية من جميل الاثر وحسن الظن، يجب عليه أن يبدد من أذهانهم كل ما يتوهمون فيه الظلم والحيف، فيبين لهم خطته ويشرح لهم نهجه ليؤيدوا سياسته عن قناعة بها وإيمان بصلاحها وجدواها.

 ويجب عليه ألا يمن على رعيته بما يفعل، فإن منصبه يفرض عليه أن يخدمهم، ولو من عليهم لذهب جميل أثره من قلوبهم.

 وعليه أن يتجنب الكذب فيما يعطي من عهد، والتزيد فيما يصف من عمل، فإن الكذب داعية المقت، والتزيد أخو الكذب.

 قال عليه السلام:

(وإن ظنت الرعية بك حيفا (1) فأصحر (2) لهم بعذرك، واعدل (3) عنك ظنونهم بإصحارك، فإن في ذلك رياضة (4) منك لنفسك، ورفقا برعيتك، وإعذارا (5) تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحق).

 عهد الاشتر


(1) الحيف: الظلم.

 (2) أصحر: أظهر، والاصحار: الاظهار. يعني إذا ظنت الرعية أنك كنت ظالما في تصرف من التصرفات فاكشف عذرك لهم، وبين الاسباب الموجبة التي دعتك إلى اتخاذ ذلك الاجراء.

 (3) اعدل، هنا، معناها: حول. أي ان إعلانك لتفسير موقفك يجعلهم يحولون ظنونهم واتهاماتهم لك بالظلم، عنك.

(4) رياضة: تعويدا لنفسك على أن تكون عادلا، وصريحا.

(5) الاعذار: هو إعلان العذر والحجة.

 


[133]

وقال عليه السلام:

(وإياك والمن على رعيتك بإحسانك، أو التزيد (1) فيما كان من فعلك، أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك، فإن المن يبطل الاحسان، والتزيد يذهب بنور الحق، والخلف يوجب المقت (2) عند الله والناس، قال الله تعالى: (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) (3)).

 عهد الاشتر

والسبيل الاقوم الذي يؤدي إلى تأكيد حب الحكم في نفوس الرعية ويحملها على عضد والدفاع عنه هو ما أشار عليه السلام بقوله:

(واعلم أنه ليس شئ بأدعى إلى حسن ظن راع برعيته من إحسانه إليهم، وتخفيفه المؤونات عنهم، وترك استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم (4)، فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن ويقطع نصبا (5) طويلا، وأن أحق من


(1) التزيد - كالتقيد إظهار الزيادة في الاعمال، وإظهارها بأكبر من حقيقتها في الواقع، فيكون من المفاخرة بالباطل والكذب.

 (2) المقت: البغض.

 (3) سورة الصف، الآية: 3، وقبلها (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون).

 (4) قبلهم: عندهم.

 (5) النصب: التعب.

 


[134]

حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده، وإن أحق من ساء ظنك لمن ساء بلاؤك عنده) (1).

 عهد الاشتر

ولم كل هذا ؟

لان الحكم إنما أقيم لصالح الشعب، ولذلك فيجب أن يرعى مصالح الشعب، ويجب أن يستلهم في أعماله حاجات هذا الشعب.

 أما هذه الطبقة، طبقة الخاصة والنبلاء، التي تحسب أن كل شئ مسخر لها وما عليها إلا أن تدعو فتجاب وتأمر فتطاع، هذه الطبقة ليس لها في حكومة الامام امتيازات، فهي وسائر الناس سواء، وعلى الحاكم، حين تتعدى حدودها وتطلب ما ليس لها، أن يردها إلى قصد السبيل.

 قال عليه السلام:

(أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوى من رعيتك (2)، فإنك إلا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته (3) وكان لله حربا حتى ينزع (4) أو يتوب،


(1) البلاء، هنا، الصنع مطلقا، حسنا كان أو سيئا. أي ان من صنعت معه صنيعا حسنا يكون موضعا لحسن ظنك به. ومن صنعت معه صنيعا سيئا يكون موضعا لسوء ظنك به.

 (2) من لك فيه هوى: تميل إليه أكثر من غيره من الناس.

 (3) أدحض حجته: أبطل حجته.

 (4) ينزع: يكف عن ظلمه.

 


[135]

وليس شئ أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم (1) فإن الله سميع دعوة المضطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد).

 (وليكن أحب الامور اليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل، وأجمعها لرضا الرعية، فإن سخط العامة يجحف (2) برضا الخاصة وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة.

 وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء وأقل معونة له في البلاء، وأكره للانصاف، وأسأل بالالحاف (3)، وأقل شكرا عند الاعطاء وأبطأ عذرا عند المنع، وأضعف صبرا عند ملمات الدهر من أهل الخاصة.

 وإنما عماد الدين وجماع (4) المسلمين، والعدة للاعداء العامة من الامة، فليكن صغوك (5) لهم وميلك معهم).

 عهد الاشتر

وهكذا حكم الامام عليه السلام بأن الحكم إنما أقيم من أجل الشعب فيجب أن يبقى خالصا للشعب وللشعب وحده.

 


(1) الاقامة على الظلم: الاصرار عليه، وعدم الرجوع عنه.

 (2) يجحف: يذهب. أي أن سخط عامة الشعب لا ينفع معه رضا طبقة المترفين الاريستوقراطية. أما إذا رضيت عامة الشعب وسخط المترفون فلا يضر سخطهم مع رضى عامة الشعب.

 (3) الالحاف: الالحاح والشدة في السؤال.

 (4) أي جماعة الاسلام.

 (5) صغوك: ميلك، فليكن ميلك إلى عامة الشعب لا إلى الخاصة المترفين.

 


[136]

وإذا كان الحكم قد أقيم من أجل الشعب، فهذه الاموال التي تجبى منه لم تجب لتنفق على إرواء شهوات طائفة من الناس يومها دهرها، وبغيتها لذتها، وهي تتمتع بحياة فارغة لاهية، إنما جبي هذا المال من الشعب ليرد عليه في صورة خدمات عامة، ومؤسسات عامة، هذا هو مصرف أموال الدولة.

 وأمير المؤمنين عليه السلام صريح في هذا فقد تكرر منه أمره إلى عماله بصيانة مال الامة، وصرفه في موارده وعدم التفريط به.

 قال عليه السلام:

(.. فانظر إلى ما اجتمع عندك من مال الله فاصرفه إلى من قبلك (1) من ذوي العيال والمجاعة مصيبا به مواضع الفاقة (2) والخلات (3)، وما فضل عن ذلك فاحمله الينا لنقسمه فيمن قبلنا) (4).

 * * *

راجع في باب الكتب: كتابه إلى أشعث بن قيس عامل أذربيجان / رقم النص 5 / وكتابه إلى زياد بن أبيه / رقم النص 20 /، ووصيته لمن كان يستعمله على الصدقات / رقم النص 25 / والنص رقم 26 / والنص رقم 41 /، وكتابه إلى مصقلة بن هبيرة / رقم النص 43 / وكتابه إلى عثمان بن حنيف عامله على البصرة / رقم النص 45 / وكتابه إلى عماله على الخراج / رقم النص 51 / وعهد الاشتر / رقم النص 53 / وكتابه إلى قثم بن العباس عامله على مكة / رقم النص 67 /.

 


(1) قبلك: عندك.

(2) الفاقة: الفقر.

(3) الخلات: الحاجات.

(4) نهج البلاغة، باب الكتب، رقم النص 67.

 


[137]

 

(3)

وإذا كان الامام عليه السلام قد وضع أسس هذا اللون من الحكم ومارسه، ودعا إلى ممارسته، فللحديث عن حقوق الرعية محل في هذا البحث كما أسلفنا.

 ولم يغفل الامام الحديث عن هذه الحقوق بل عرض لها بالذكر في مواطن كثيرة فما هي حقوق الرعية على الوالي ؟ لقد تحدث مرة عن هذه الحقوق فقال: (ويجمع به الفئ (1)، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي، حتى يستريح بر ويستراح من فاجر) (2).

 وقال:

(.. فأما حقكم علي فالنصيحة لكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا) (3).

 


(1) الفئ: الخراج وما يحويه بيت المال.

 (2) نهج البلاغة: رقم النص: 40 (3) نهج البلاغة: رقم النص: 34


[138]

وقال:

(.. انه ليس على الامام إلا ما حمل من أمر ربه الا بلاغ في الموعظة، والاجتهاد في النصيحة، والاحياء للسنة، واقامة الحدود على مستحقيها، واصدار السهمان (1) على أهلها) (2).

 وفي هذه النصوص أجمل الامام حقوق الرعية على الراعي في توفير الامن في الداخل والخارج، وتأمين الحياة الاقتصادية، والتعليم والتوجيه الاجتماعي، واقامة العدل.

 ولا يضرنا اجمال هذه النصوص بعد أن عرفنا أن أطول وثيقة كتبها عليه السلام وأجمعها لحقوق الرعية هي عهده إلى الاشتر، ففي صدر هذا العهد أجمل هذه الحقوق اجمالا ثم فصلها بعد ذلك تفصيلا.

 أجملها فقال:

(هذا ما أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين مالك بن الحارث الاشتر في عهده إليه حين ولاه مصر: جباية خراجها، وجهاد عدوها، واستصلاح أهلها، وعمارة بلادها).

 عهد الاشتر

ثم فصلها بعد ذلك.

 فأفاض أولا في بيان وظيفة العسكريين وواجباتهم والسبيل الذي يحسن بالحاكم أن يتبعه للاستفادة منهم.

 


(1) إصدار السهمان: السهمان - بالضم - جمع سهم، بمعنى الحظ والنصيب. وإصدار السهمان: إعادتها إلى أهلها المستحقين لها بدون انقاص شئ منها.

(2) نهج البلاغة، رقم النص: 103.

 


[139]

ثم فصل الكلام في جهاز الحكم: الولاة والوزراء والقضاة، فوضع أسس الحكم العادل التقدمي الواعي.

 وتكلم بعد ذلك على الزراع والتجار والصناع والفقراء، فبين حقوقهم على الحاكم من توفير المجالات لهم، وإعداد أحسن الفرص لنجاحهم في أعمالهم.

 ثم تحدث عن حالة البلاد العمرانية فأفاض في الحديث وبين خطورة هذه الناحية في أمن الرعية ورفاهها واطراد تقدمها.

 في هذا العهد نظر الامام عليه السلام إلى المجتمع كله بما فيه من طوائف وطبقات، وبين فيه حقوق هذا المجتمع كلها، ولا نرى ما يدعونا إلى تفصيل الكلام في ذلك هنا بعد أن تبين من خلال حديثنا عن الطبقات الاجتماعية، لانه حينما تحدث عن الطبقات لم يتناولها على نحو تجريدي، وإنما تناولها بالحديث باعتبار ما لها من حقوق، وقد قدمنا ملاحظة بين يدي ذلك الحديث قلنا فيها: (.. لم يفرغ آراءه الاجتماعية كلها في قالب علمي مجرد، وإنما قدم بعضها مفرغا في التجربة العملية التي قام بها، ولا يسلبها قيمتها، كحقيقة موضوعية، أنها مفرغة في قالب تجريبي اجتماعي يسبغ عليها بدل جمود الحقيقة العلمية المجردة، حيوية وحركية تنشأن من حيوية الجماعات وحركتيها).

 


[140]

 

(4)

تحدث الامام عليه السلام عن طبيعة الحق فلاحظ أنه لا يمكن أن يكون لاحد حق على غيره إلا ويكون عليه لغيره واجب، وهناك تقابل دائم بين الحق والواجب فحيثما يكون الحق يتبعه الواجب.

 ولكن الناس - غالبا - يريدون استيفاء حقوقهم دون أن يؤدوا ما عليهم من واجبات غير عالمين انه حينما يتمرد الانسان على واجبه فلا يأتي به يسقط حقه الذي يدعيه.

 قال عليه السلام:

(.. فالحق أوسع الاشياء في التواصف (1)، وأضيقها في التناصف، لا يجري لاحد إلا جرى عليه ولا يجري عليه إلا جرى له، ولو كان لاحد أن يجري له ولا يجري عليه لكان ذلك خالصا لله سبحانه دون خلقه لقدرته على عباده،


(1) يتسع القول في وصف الحق، حتى إذا حان وقت العمل والتنفيذ على الانسان الذي يصف الحق يفر من أداء الحق ولم ينصف.

 


[141]

ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه، ولكنه جعل حقه على العباد أن يطيعوه، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلا منه وتوسعا بما هو من المزيد أهله) (1).

 وقال عليه السلام:

(.. ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقا لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافأ (2) في وجوهها ويوجب افتراضها بعضها بعضا، ولا يستوجب بعضها إلا ببعض) (3).

 وننبه هنا إلى أن هذه الحقوق، حقوق الامام، ليست امتيازات على سائر الناس يحصل عليها الامام بسبب الحكم، وذلك لان الحكم، عند الامام، لا يسبب للحاكم أي امتياز شخصي أبدا.

 وها هو يخاطب الاشتر، عامله على مصر، بقوله:

(إياك والاستئثار (4) بما الناس فيه أسوة (5)، والتغابي عما تعنى به مما قد وضح للعيون، فإنه مأخوذ منك لغيرك، وعما قليل تنكشف عنك أغطية الامور، وينتصف منك للمظلوم).

 عهد الاشتر


(1) نهج البلاغة، رقم النص: 214.

 (2) تتكافأ: تتساوى.

 (3) نهج البلاغة، نفس النص السابق.

 (4) الاستئثار: تخصيص النفس بزيادة في الحصة عن الآخرين.

 (5) أسوة: متساوون.

 والتغابي: التغافل.

 


[142]

وقال عليه السلام مخاطبا أصحابه في صفين (1):

(.. وإن من أسخف (2) حالات الولاة عند صالح الناس أن يظن بهم حب الفخر، ويوضع أمرهم على الكبر، وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم اني أحب الاطراء واستماع الثناء، ولست - بحمد الله - كذلك ولو كنت أحب أن يقال ذلك، لتركته انحطاطا لله سبحانه عن تناول ما هو أحق به من العظمة والكبرياء وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء (3) فلا تثنوا علي بجميل بلاء لاخراجي نفسي إلى الله واليكم من التقية (4) في حقوق لم أفرغ بعد من أدائها، وفرائض لابد من إمضائها، فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة ولا تتحفظوا في بما يتحفظ به عند أهل البادرة (5)، ولا تخالطوني بالمصانعة) (6) - (7).

 عهد الاشتر

 


(1) صفين كسجين - موقع عده الجغرافيون من بلاد الجزيرة (ما بين الفرات ودجلة) والمؤرخون العرب عدوه من أرض سوريا. وهو اليوم في محافظة حلب.

 (2) وان من أسخف..: أصل السخف رقة العقل وغيره، والمراد: ان أدنى حالات الولاة أن يظن بهم الصالحون أنهم يحبون الفخو، ويبنون أمورهم على أساس الكبر.

 (3) البلاء: إجهاد النفس في اتقان العمل واحسانه.

 (4) التقية: الخوف، والمراد هنا بها العقاب، ومعنى الجملة: أي لا أستحق الثناء لاني قمت باداء حقوق واجبة علي خوفا من عقاب الله إذا تركت أداءها.

 (5) أهل البادرة: سريعو الغضب. ينهاهم أن يكلموه بألقاب العظمة التي اعتاد الناس أن يخاطبوا بها الجبارين، وينهاهم عن أن يقابلوه بالتحفظ والرهبة خشية غضبه.

 (6) ولا تخالطوني بالمصانعة: يعني لا تصانعوني فتتظاهرون بطاعتي دون أن تكونوا راغبين في ذلك.

 (7) نهج البلاغة: رقم النص: 214.

 


[143]

وإذا لم تكن حقوق الحاكم من هذا الباب فما هي طبيعتها إذن ؟ حقوق الحاكم كما يجملها الامام في نهج البلاغة هي أمور يعطاها لانها ضرورية لاستمرار الحكم وصلاحه فهذه الحقوق هي: (.

 وأما حقي عليكم: فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب، والاجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم) (1).

 وهي:

(.. ولي عليكم حق الطاعة وألا تنكصوا عن دعوة (2)، ولا تفرطوا في صلاح، وأن تخوضوا الغمرات (3) إلى الحق) (4).

 وهي:

(.. فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل) (5).

 وتكاد ترجع كل هذه الحقوق إلى الوفاء بالبيعة، فإن الامام يبايع على السمع والطاعة.

 وإذا لم يسمع المحكومون حين يدعوهم ولم يطيعوا حين يأمرهم، ولم ينصحوا له ولم يثبتوا على ولائه لم يستطع الامام أن يسير أداة الحكم على نحو صالح.

 


(1) نهج البلاغة، رقم النص: 34.

 (2) نكص: تأخر ورجع: يعني لا تتأخروا عن إجابتي إذا دعوتكم.

 (3) الغمرات: الشدائد.

 (4) نهج البلاغة، باب الكتب، رقم النص: 50.

 (5) نهج البلاغة، رقم النص: 214.

 


[144]

 

(5)

ولا يمكن أن يصلح شئ من أمور الدولة إلا إذا وجد جو صالح للعمل، ويوجد هذا الجو بتحقق الرغبة المشتركة بين الحاكم والمحكومين في إصلاح ما يفتقر إلى الاصلاح وتقويم ما يحتاج إلى التقويم من شؤون الناس وشؤون البلاد.

 والذي يعبر عن هذه الرغبة المشتركة هو تعاون الوالي مع الرعية على القيام بذلك كله، ويتحقق التعاون بينهما بأن يقوم كل منهما بما عليه من واجبات بعد أن يتلقى كل منهما ما له من حقوق.

 فعلى الرعية أن تعطي الوالي ما له عليها من حقوق، فتطيعه إذا أمر، وتجيبه إذا دعا، وتتصحه إذا كان في حاجة إلى ذلك.

 وعلى الوالي إذا حصل على ذلك كله أن يستغله في إصلاح شؤون رعيته.

 أما حين لا تبذل الرعية للوالي طاعتها ولا تمحضه نصيحتها، ولا تلبي دعوته إذا دعا، وأما حين تفعل ذلك كله ولكن الوالي يستغله في رعاية مصالح نفسه، ويهمل مصالح رعيته فإن ذلك مؤذن بشيوع الظلم، وسيطرة الظلمة، وفساد الدولة.

 


[145]

قال عليه السلام:

(.. وأعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية وحق الرعية على الوالي، فريضة فرضها الله سبحانه لكل على كل، فجعلها نظاما لالفتهم، وعزا لدينهم، فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة، ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية، فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه وأدى الوالي إليها حقها عز الحق بينهم، وقامت مناهج الدين واعتدلت معالم العدل، وجرت على أذلالها السنن (1)، فصلح - بذلك - الزمان، وطمع في بقاء الدولة، ويئست مطامع الاعداء.

 وإذا غلبت الرعية واليها أو أجحف الوالي برعيته (2)، اختلفت هنالك الكلمة، وظهرت معالم الجور وكثر الادغال في الدين (3) وتركت محاج السنن (4)، فعمل بالهوى وعطلت الاحكام، وكثرت علل النفوس، فلا يستوحش لعظيم حق عطل (5) ولعظيم باطل فعل، فهناك


(1) ذل الطريق - بكسر الذال - وسطه. والسنن: جمع سنة، هي أوامر الله ونواهيه، وهي طريق المؤمن في حياته، معنى الجملة: إن أحكام الله حينئذ تطبق بدقة واحكام.

 (2) أجحف الوالي، الاجحاف: الظلم، يعني ظلم الوالي رعيته.

 (3) الادغال في الشئ: ادخال ما يفسده فيه، والادغال في الدين: إفساده.

 (4) محاج السنن: جمع محجة، وجمع سنة: تركت طرق الله وأحكامه الواضحة وانحرف الناس عنها.

 (5) لا يستوحش الناس ولا يستغربون من تعطيل الحق لتعودهم على تعطيل الحقوق وأفعال الباطل.


[146]

تذل الابرار وتعز الاشرار وتعظم تبعات الله عند العباد، فعليكم بالتناصح في ذلك وحسن التعاون عليه) (1).

 وقال في التعاون بين الراعي والرعية:

(.. ولكن من واجب حقوق الله على العباد: النصيحة بمبلغ جهدهم، والتعاون على إقامة الحق بينهم، وليس امرؤ - وان عظمت في الحق منزلته وتقدمت في الدين فضيلته - بفوق أن يعان (2) على ما حمله الله من حقه.

 ولا امرؤ - وان صغرته النفوس واقتحمته العيون (3) - بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه) (4).

 


(1) نهج البلاغة، رقم الخطبة: 214.

 (2) أي بأعلى من أن يحتاج إلى المساعدة والاعانة.

 (3) اقتحمته العيون: احتقرته (بدون أن يعين) أي بأعجز من أن يساعد غيره.

 (4) نهج البلاغة، رقم الخطبة: 214.