المغيبات


[148]


[149]

في ناس هذا العصر من إذا وقعت أبصارهم على هذا العنوان طاف على ثغورهم شبح ابتسامة، ولاح في أعينهم بريق الهزء، واتسمت معالم وجوههم بامارات الاستنكار. ولم كل هذا. ؟ لاننا في هذا العصر الآلي لا نستطيع - إذا أردنا أن نحترم أنفسنا وعقولنا - أن نؤمن بوجود إنسان يعلم الغيب، إنسان تنقشع من أمام عينيه حجب القرون وتنطوي المسافات فيقرأ المستقبل البعيد أو الخاطر المحجوب كما يقرأ في كتاب مفتوح، ويعي حوادثه كأنها بنت الساعة التي هو فيها.

وكل إنسان يقول هذا فلابد أن يكون واحدا من إثنين: اما مجنونا، وإما جاهلا بما قدر للعقل الانساني أن يعيه من نظام الكون.وقد لا يقولون هذا بألسنتهم ولكنهم يقولونه بوجوههم وأيديهم.

 


[150]

 

(1)

في ناس هذا العصر من يقول هذا.

 وطبيعة الثقافة المنحرفة التي يلقاها إنسان هذا العصر في كل مكان هي التي تدفع بهؤلاء إلى أن يقفوا هذا الموقف ويتجهوا هذا المتجه في إنكار كل دعوى تذهب إلى أن في الانسان شيئا آخر وراء غدده وخلاياه.

 الثقافة الحديثة هي التي تفرض على الانسان مثل هذا الموقف فهذه الثقافة تعتبر الانسان - آلة - آلة دقيقة الصنع فقط، وهي تخضع في عملياتها لقانون الآلة وحده، فلا شئ وراء الغدد والاعصاب يمكن أن يعتبر موجها للنشاط الانساني وباعثا له.

 هذه النظرية، نظرية الانسان الآلة، وجدت أول تعبير لها على لسان ديكارت في فلسفته حينما اعتبر الانسان آلة، وأنشأ ثنائية النفس والجسد، ثم وجدت تعبيرا أشد صراحة على لسان توماس هوبس في فلسفته الميكانيكية، والذي جرد الكائن الانساني من كل قوة غير مدركة.

 وبينما كان ديكارت يعترف بنشاط داخلي سماه (الافكار الباطنية) نرى هوبس قد تنكر لهذا وأرجع مضمون الفكرة إلى الخبرة الحسية وحدها.

 


[151]

وبين القرنين - الثامن عشر والتاسع عشر - ساهمت علوم أخرى غير الفلسفة في تأكيد هذه النظرية.

 ومهما تكن حظوظ هذه العلوم من قوة التأثير وضعفها في صياغة هذه النظرية وإقرارها فلا مراء في أن علم النفس المعاصر من أعظم العلوم أثرا في تأكيدها.

 فقد بدأ علم النفس عهده التجريبي في أواخر القرن التاسع عشر (1879) على يد فلهلهم فونت الذي أسس سيكولوجيا الاستبطان، والذي حاولت مدرسته إحلال كلمة (شعور) المرادفة للحس في العمليات النفسية محل كلمة (روح) التي هي إرث ديني وغير مدرك.

 وبعدها تتابعت المدارس النفسية: السلوكية، التحليل النفسي، علم النفس التحليلي، علم النفس الفردي، الجشطلت، القصد.

 وكلها تتنكر للروح، ولاي قوة غيبية أخرى، وترد السلوك الانساني إلى إفرازات الغدد، وعمليات الجهازين الحشوي والعصبي، واللاوعي، والغرائز.

 وقد بلغ التعصب لهذه العلوم ذروته في القرن التاسع عشر، ففيه استحوذ الغرور على العلماء المحدثين، وظنوا أنهم قد تمكنوا من اكتشاف جميع القوانين الميكانيكية التي تسير الكون، وذهبوا إلى أن كل دعوى يراد منها اثبات أن ثمة قوى غير مدركة تهيمن علينا، وتتحكم فينا هي دعوى خرافة ذهب زمنها - خرافة صنعها الانسان يوم كان أفق تفكيره غائما وضبابيا إلى حد يثير الاشفاق.

 ولعل من الخير لنا أن نتبين الاساس الذي يقوم عليه إنكار الروح في الثقافة الحديثة.

* * *

الميزة الكبرى للحضارة الحديثة التي هي معطى للثقافة الحديثة أنها حضارة


[152]

التجريب، فكل شئ يجب أن يخضع للتجربة المعملية ليصح أن يؤمن به، فإذا لم يخضع للتجربة لم يصح أن يؤمن به كما لو خضع لها وكشفت زيفه.

 وقد عاد هذا الاتجاه التجريبي على الحضارة بما لا يتصور مدى خصبه من النتائج، ولكن الخطأ وقع حين داخلت العلم العزة بنفسه فادعى أن بوسعه أن يدخل الانسان إلى المعمل ويجعله موضوعا للتجريب.

 وليس الانسان موضوع التجريب هنا هو هذه الكتلة من اللحم والعظم المشدودة إلى بعضها بجهاز من العصب، وإنما هو النفس الانسانية.

 فقد ادعى العلم الحديث أن بإمكانه أن يفحص صحة الدعوى الكبرى القائلة بوجود الروح والنفس ليثبت صحتها أو بطلانها عن طريق التجربة المعملية.

 وقد اضطلع بهذه المهمة علمان تجريبيان، هما الفيزيولوجيا والسيكولوجيا، هذان العلمان أدخلا الانسان إلى المعمل ليريا أحق ما يقال من أن وراء هذه التشكيلة الدقيقة من الغدد والخلايا والاجهزة العصبية والحشوية شيئا يسمى نفسا وروحا، أو ان هذه خرافة من جملة الخرافات ؟ ولقد كانت النتيجة بطبيعة الحال - وهذا شئ كان من الممكن أن نجزم به سلفا - هي أن لا روح ولا نفس ولا شئ وراء جسم الانسان.

 وأذيعت هذه النتائج على أنها (حقائق) أثبتها العلم التجريبي وآمن بها الناس، لان العلم التجريبي والتطبيقي، الذي أخضع الامراض لسلطانه، وكشف عللها ووضع أدويتها، والذي لا يزال يفجؤنا كل يوم بجديد لا يمكن أن يستعصي عليه هذا الموضوع.

 وعلى هذا النحو المسرحي حلت المشكلة - أعقد وأعضل مشكلة واجهت العقل الانساني منذ القدم - واعتبر أمر الروح الانسانية قد انقضى.

 


[153]

وهنا نقول كلمتنا في المسألة.

 نحن نؤمن بالعلم قوة في يد الانسان وسبيلا إلى إنماء الحياة الانسانية وإغنائها.

 ونحن نؤمن بالتجربة منهجا للبحث أفضل من جميع المناهج الاخرى.

 ولكننا نؤمن بالعلم إلى حد محدود، ونؤمن بالتجربة منهجا للبحث فيما هو قابل للتجربة.

 إن الميدان الاصيل للعلم التجريبي هو الموضوع القابل لان يقع تحت أدوات التجريب: يد الانسان وعينه وحاسة الشم فيه وموازين الحرارة والضغط والمشارط وأنابيب الاختبار وما إليها.

 فكل موضوع خارجي يصلح أن يقع تحت أداة التجريب يصلح أن يكون ميدانا للعلم الذي يستخدم هذه الاداة، ويمكن أن يتوصل فيه بواسطتها إلى نتائج معتمدة نسبيا.

 ونتسأل: هل الروح من هذا القبيل ؟ وهل يمكن أن تقع موضوعا صالحا لاداة التجربة المعملية ؟ اللهم لا.

 فالباحثون عنها لا يجرؤن على القول بأنها شئ ذو كيان يمكن أن يصل إليه الحس أو ما يصطنعه الانسان من أدوات.

 ونتسأل كرة أخرى: إذا كانت الروح شيئا لا يمكن أن يقع موضوعا لاداة التجربة فكيف يصح أن تتخذ هذه الاداة سبيلا إلى البت في أمرها ؟ نعم، إن (أساطين) السيكولوجيا - وخاصة السلوكيون - والفيزيولوجيا يقولون لنا إن باستطاعتهم أن (يختبروا) وجود الروح عن طريق مراقبة


[154]

الانفعالات التي تطرأ على مختلف أجهزة الانسان بفعل السوائل الكيماوية المختلفة.

 ونتسأل ثالثة: هل عواطف الانسان ومطامحه وأفكاره تتجمع كلها في بضعة من عصب، تنفعل بالسوائل الكيمائية التي تراق عليها لنحكم بأن لا روح ولا شئ سوى هذه البضعة الخاضعة للفعل الكيماوي ؟ وهل يمكن أن يعتمد على نتيجة هذه مقدماتها في تقرير موقفنا من الحياة والكون، وفي تحديد مصيرنا الذي نريد ؟ إن العلم التجريبي نفسه يأبى علينا الاخذ بنتيجة هذه مقدماتها، فنتيجة كهذه لا يمكن أن تسمى نتيجة علمية بحال.

 وإذن، فلا دليل يمكن أن ينهض على أن الروح الانسانية لا واقع لها، وأكثر من دليل يدل على أن الروح الانسانية، أعظم واقعية من بعض الاشياء التي نحسبها واقعية.

 ما هو الواقعي ؟ أهو الشئ الذي تدركه حواسنا ؟ لا، لقد أصبح هذا التفسير الساذج (للواقعي) شيئا بعيدا عن المفهوم العلمي الحديث، ولو شئنا أن نفسر الواقعي بهذا التفسير لوجب علينا أن نكفر بأشيع الحقائق في حياتنا الحاضرة وأعني بها الكهرباء.

 (فالكهرباء - كما يقول يعقوب فام في البراجماتزم - لا صورة ذهنية لها عندنا ولا شكل نستطيع أن نراه بعين العقل أو نتخيله، ومع ذلك فمدلوله له وجود ذاتي مستقل في هذا النظام الموضوعي للكون.

 وبعبارة أخرى: الكهرباء


[155]

موجود حقيقي وان كان الذهن لا يستطيع أن يتخيلها لاننا نشاهد آثارها وعملها في الحياة اليومية).

 واذن، فليس الواقع هو ما نحسه، وإنما الواقع هو ما يعمل على صياغة حياتنا بآثاره وإن لم يبلغ علمنا مدى كنهه.

 وإذا كان هذا هو الواقع فما الذي يمنع أن تكون الروح حقيقة من الحقائق الجمة التي تصنع حياتنا بآثارها ؟ إن جهلنا بحقيقتها لا يبرر نكران وجودها.

 وقد عرفت ان الذين ينكرونها يبنون نكراهم على ما لا يصلح أن يكون أساسا للموقف العقلي الذي التزموه تجاه الروح فالاداة التي اصطنعوها لمعرفة الروح قاصرة عن أن تنيلهم ما أرادوا.

 لقد حدس القدماء فلم يهدهم حدسهم إلى شئ، ولقد جرب المحدثون فلم تهدهم تجربتهم إلى شئ، ويقف الانسان مكتوف اليدين أمام غياهب الاسرار، ويردد حكم القرآن في اعتراف بالعجز: (ويسئلونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) (1).

 ونخلص من هذا كله إلى القول بأن منكري (المغيبات) ليسوا سوى طائفة من الناس تنظر إلى الانسان من أحد جوانبه وتبني أحكامها على ما ترى غير حاسبة أن ثمة غير هذا الجانب، وأن حكمها على الانسان قبل الاحاطة به من أقطاره - في الحدود التي تبلغها المعرفة - ضرب من الخبط العشوائي الذي لا يليق بمن يدعي العلم ويستهديه فيما يفعل أو يقول، وهؤلاء أشبه بمن يحكم بأن لون الهرم أحمر لمجرد أنه رأى ضلعا واحدا من أضلاعه بهذا اللون قبل أن يرى بقية الاضلاع.

 


(1) سورة الاسراء: آية 86.

 


[156]

وحيث قد عرفنا أن في الانسان قوى وراء جهازه العصبي والحشوي ووراء غدده وخلاياه لا ندركها بما لدينا من وسائل المعرفة، فلا مبرر لانكار (إمكان) أن يكون لدى إنسان من الناس، بسبب ما يتمتع به من سمو روحي ونقاء داخلي - وهذه صفات قابلة للتفاوت - قدرة على معرفة ما يخبئه الغد وتضطم عليه أحشاء المستقبل.

 وإذا كان (يمكن) أن يوجد إنسان كهذا فلنقم بنقلة تثبت أن إنسانا كهذا (موجود بالفعل).

 


[157]

 

(2)

منذ القدم لاحظ الناس في بعض الافراد شيئا خارقا للعادة، وكان ذلك الشئ هو الاطلاع على حادث وقع في مكان يبعد عن مكان الرائي بمئات الاميال، أو قراءة أفكار الآخرين الخفية، أو التنبؤ بما سيقع لبعض الناس في الغد القريب أو البعيد.

 وقد اعتبر القدماء هذه الظواهر شيئا صادقا ولكن لا سبيل إلى تعليله، وانتهت المسألة عند هذا الحد.

 وغبرت القرون والناس يؤمنون بهذا حتى نجمت طلائع الثقافة الحديثة، فجرفت فيما جرفته من مخلفات القرون هذه الفكرة، استنادا إلى أن الروح لا واقع لها، فلا شئ من هذا يمكن أن يكون موضع إيمان وإذعان.

 ولكن ظاهرة كهذه لا يمكن أن تذهب وتنسى بمثل هذه السهولة، فليس أمرا عاديا أن يتمتع إنسان من الناس بقوى خارقة تتجاوز كل قانون علمي معروف.

 وهكذا عادت هذه الظاهرة ففرضت نفسها على العلماء من جديد، وغدت موضوعا للبحث العلمي عند علماء مشهورين مشهود لهم بدقة النظر، أمثال:


[158]

سير اوليفر لودج، ووليم كروكس، وألفرد رسل ولاس، وهؤلاء الثلاثة من أعضاء الجمعية العلمية الملكية.

 ووليم جيمس، وشارل ريشيه، وهنري سدجوك، وهانز دريش، وهنري برجسون، والدكتور ميرس، ورتشارد هودسون، وتشارلس اليوث نورثون أستاذ بجامعة هارفارد، ووليم ر.

 ليوبولد أستاذ علم النفس والفلسفة في جامعة بنسلفانيا، والفلكي الفرنسي المشهور كاميل فلامريون، وتوماس هكسلي..

 وغيرهم، وهذا العدد في تعاظم يوما بعد يوم.

 وكانت أول خطوة جدية في سبيل التثبت من صدق هذه الظاهرة هي تأليف جمعية المباحث النفسية في بريطانيا سنة 1882، وقد اشترك فيها عدد جم من العلماء والفلاسفة، فأصدرت مجلة تنطق بلسانها.

 وكان أول رئيس انتخب لها هو البروفيسور هنري سدجوك.

 وقد انتهجت هذه الجمعية في بحثها طريقة جمع الوثائق وفحصها، فإذا سمع الباحثون بشخص ما يمتلك موهبة خارقة أرسلوا إليه ملاحظين معتمدين يقومون بدراسة ما يقوم به ذلك الشخص ويضعونه تحت المراقبة الدقيقة، ثم يقدمون عنه تقريرا بما شاهدوه.

 وقد كان لنجاح هذه الجمعية صداه في أنحاء العالم، فأسست لها فروع في أقطار أخرى كفرنسا وأمريكا وهولندا والدانمارك والنرويج وغيرها.

 وقد اكتشف الباحثون الذين اشتملت عليهم هذه الجمعيات وغيرهم أن في الانسان ملكات نفسية خارقة أهمها ثلاث: تناقل الافكار، ورؤية الاشياء من وراء حاجز أو عن بعد، والتنبؤ.

 وقد تعزى إصابة الانسان في التنبؤ إلى الصدفة، ولكن جمعيات المباحث النفسية أثبتت كذب هذه الدعوى بصورة قاطعة، فقد أثبت السير أو ليفر لودج عضو جمعية المباحث النفسية البريطانية والعالم الطبيعي المشهور، أن قدرة الانسان على التنبؤ أعلى جدا من مستوى الصدفة حسب قانون الاحتمالات.

 


[159]

وعلى أثر اطلاع البروفيسور راين على حلم عجيب ذي تفاصيل عجيبة دقيقة تحقق في الخارج بحذافيره، أسس في سنة 1930 فرعا في جامعة ديوك في ولاية كارولينا الشمالية في أمريكا لدراسة القوى النفسية دراسة مختبرية.

 وقد أيده وساعده في عمله وليم مكدوجل الباحث النفساني المشهور.

 وقد اتخذ راين في بحثه طريقا غير طريق جمعيات المباحث النفسية، فبينما كانت تلك الجمعيات تهتم بذوي المواهب الخارقة وحدهم اهتم هو بفحص الفرد العادي لمعرفة مقدار ما لديه من قوى خارقة.

 وقد أثبتت التجارب المتعددة التي أجراها راين وغيره، أن الانسان يملك في الغالب قدرة على الحدس بمعدل يفوق معدل الصدفة قليلا أو كثيرا.

 وذلك هو ما أثبته اختبار جامعة (كولورادو) الذي أجري على ثلاثمئة شخص.

 وقد أثارت تجارب راين ضجة كبرى في الاوساط العلمية، حتى لقد حاول بعض الباحثين أن يجري تجاربه سرا مخافة أن ينفضح أمره بين زملائه فيكون موضع السخرية منهم.

 ويروي راين أن أحد الباحثين في أمريكا توصل في تجاربه إلى نتائج هامة، ولكنه امتنع عن نشرها وقال: إن عائلتي تريد طعاما.

 أي أنه يخشى نشر أبحاثه فتعزله الجامعة التي يعمل فيها وتبقى عائلته بغير طعام.

 وقد كان من آثار هذه الضجة أن اجتمع مؤتمر الاحصاء الرياضي في أمريكا وناقش الناحية الاحصائية من أبحاث راين، ثم أذاع البلاغ التالي: (إن أبحاث راين لها ناحيتان: تجريبية وإحصائية.

 والرياضيون لا يستطيعون أن يقولوا شيئا عن الجانب التجريبي منها.

 أما الناحية الاحصائية، فقد أظهرت


[160]

الابحاث الرياضية الحديثة أن التحليل الاحصائي فيها صحيح.

 وإذا كان من الممكن أن تهاجم أبحاث راين فإنها ينبغي أن تهاجم من ناحية اخرى غير الناحية الرياضية).

 ويظهر أن الرأي العلمي أخذ يتجه حديثا إلى الاعتراف بحقيقة هذه القوى الخارقة، وقد أدلى البروفيسور ثولس أستاذ علم النفس بجامعة كمبردج ببيان في هذا الصدد قال فيه: (إن هذه الظاهرة يجب أن تعتبر حقيقة ثابتة كأية حقيقة أخرى توصل إليها البحث العلمي، فلنترك إذن أمر البرهنة على وجودها في سبيل إقناع المرتابين، ولنتوجه عوض ذلك نحو الاستمرار على دراستها بقدر الامكان، فإننا باطلاعنا على طبيعتها اطلاعا أوفى نجد الصعوبات التي تكتنف التصديق بوجودها قد قلت إلى حد بعيد) (1).

 


(1) هذا البحث مقتبس من الدكتور علي الوردي: خوارق اللاشعور، ص 165 - 176. ولاجل التوسع في الموضوع يحسن بالراغب مراجعة: على أطلال المذهب المادي بأجزائه الاربعة للباحث محمد فريد وجدي، فقد أفاض إفاضة طيبة في الناحية الوصفية للمسألة.

 


[161]

 

(3)

وإذ قد اعتبرت هذه الظاهرة شيئا واقعا لا سبيل إلى نكرانه فقد اتجه العلماء إلى تبين القانون العلمي الذي يمكن إدراجها فيه، وإلى معرفة ماهية هذه القوى ومصادرها في الانسان.

 وقد وضعت لاجل هذا فرضيات كثيرة تعتمد كل واحدة منها وجهة نظر معينة في المسائل الطبيعية، ولكن لفرضية سينل من بين هذه الفرضيات مؤيدين كثيرين، ويبدو أن عددا كبيرا من العلماء الطبيعيين يميلون إليها، وذلك لما فيها من بساطة وملاءمة للنظريات الفيزيائية الحديثة.

 فالرأي السائد بين الفيزيائيين يتجه إلى اعتبار الكون كله مؤلفا من أمواج كهربائية، وما المادة إلا أمواج كهربائية قد كورت في حيز ضيق.

 وعلى هذا الاساس يبني سينل فرضيته، فهو يرى ان كل مادة في الكون تبعث ذبذبات وأمواجا أثيرية خاصة لا تدركها الحواس الخمس (وهذه حقيقة قررها البروفيسور دنكان أستاذ العلوم الطبيعية في جامعة نيويورك سابقا).

 ويؤيد فرضية سينل هذه أن الابحاث الحديثة اكتشفت أنواعا معينة من الامواج الكهربائية تنطلق من دماغ كل إنسان.

 ويذهب الدكتور دايفس إلى القول بأن كل فرد يطلق من رأسه أمواجا دماغية خاصة به دون غيره.


[162]

وإذن، فسبب هذا الاحساس الخارق هو أن منطقة معينة من جسم الانسان تتلقى أمواجا كهربائية يتأثر بها الانسان من حيث لا يشعر.

 وقد اعترض على هذا التفسير، أولا: بأن الامواج الكهربائية تضعف ببعد المسافة، وقد اكتشف الباحثون أن الاحساس الخارق لا يتأثر بالمسافة.

 وثانيا: بأن التنبؤ يدخل في جملة الظواهر الخارقة عند الانسان كما عرفت، وهذا ينافي فرضية الامواج إذ لا يتصور صدور أمواج من شئ لم يوجد بعد.

 وقد أجيب عن الاعتراض الاول بأن سرعة الامواج الكهربائية تختلف باختلافها طولا وقصرا، فالموجة القصيرة لا يؤثر عليها البعد والقرب، وقد تكون الامواج التي يطلقها الدماغ ويتلقاها من أقصر الامواج الكهربائية.

 وأما التنبؤ فيمكن أن يبنى على نظرية البرت اينشتاين في الزمان.

 يختلف تصورنا التقليدي للفضاء عن تصور اينشتاين له.

 فالفضاء - كما نتصوره - فراغ ذو ثلاثة أبعاد: الطول والعرض والارتفاع، بينما يذهب اينشتاين إلى إن للفضاء أربعة أبعاد: الطول والعرض والارتفاع والزمان.

 وإذن، فللزمان، في النظام الموضوعي للكون، كيان حقيقي وليس عبارة عن اختراع أقررناه لنقيس أعمالنا.

 وهو، لذلك، بعد للفضاء لا يفترق عن الابعاد الثلاثة الاخرى، غير أننا لا نعيه لان أدوات الادراك عندنا قاصرة عن إدراكه.

 ومعنى هذا أن التنبؤ عن حوادث المستقبل لا يختلف في جوهره عن الاحساس بأشياء موجودة في الوقت الحاضر، فالنفس البشرية التي تستطيع أن تخترق حاجز المسافة المكانية بما تملك من قوى خارقة تستطيع أيضا أن تخترق حاجز المسافة الزمانية بهذه القوى.

 إنها قد تبصر بها شيئا مغيبا عنها في ثنايا


[163]

المستقبل، بنفس السهولة التي تبصر بها شيئا مغيبا عنها في أحد الابعاد الثلاثة الاخرى من الفضاء.

 والامواج الكهربائية على مختلف أنواعها تتحرك في فضاء ذي أربعة أبعاد، أي الابعاد الثلاثة مضافا إليها بعد الزمان، والقرائن التي تدل على هذا هي: أولا: كشفت الابحاث الفيزيائية الحديثة ان شعاع الضوء يظهر على شكل موجات تارة وعلى شكل دفقات متتالية تارة أخرى.

 وقد حار العلماء في تفسير هذا الازدواج العجيب في شخصية الشعاع الضوئي.

 ومن المحتمل أننا حين نرى الضوء على شكل دفقات متتالية، إنما نستبين منه قمم الموجات فقط أما البقية المختفية من الموجات فتذهب في الزمان أي في البعد الرابع، لان أمواج الضوء تتحرك في فضاء ذي أربعة أبعاد.

 ثانيا: كشفت الابحاث الذرية عن أن الالكترون يقفز داخل الذرة من مدار إلى آخر ولا يلتزم مدارا ثابتا.

 وهو حين يقفز من مدار إلى آخر لا يمر بالمسافة التي تفصل بين المدارين، إنه يختفي من مدار ليظهر في المدار الآخر، فأين يذهب أثناء القفز ؟ إنه في الظاهر يذهب في الزمان الذي هو بعد رابع، لانه يسبح في فضاء ذي أربعة أبعاد.

 ثالثا: لا يخضع الالكترون في سيره لقانون، وإنما هو يسير سيرا عشوائيا في الظاهر.

 وهناك طائفة كبيرة من العلماء يفسرون هذه الحركة العشوائية في سير الالكترون بأنها ناتجة عن قصورنا عن مراقبة حركته على نحو صحيح، وذلك أننا، في نظر هؤلاء العلماء، نراقب ظل الالكترون فقط ولا نستطيع أن نراقبه نفسه لانه يتحرك في فضاء ذي أربعة أبعاد، ونحن نراقبه من خلال أبعادنا الثلاثة، فهذه الفوضى التي نراها في سير الالكترون إنما ترجع إلى أننا لا


[164]

نراه نفسه وإنما نرى ظله، لان ما يتحكم في سيره كامن في الزمان الذي هو بعد يخضع له الالكترون في سيره.

 فهذه الفرضية، فرضية سير الامواج الكهربائية في فضاء ذي أربعة أبعاد، لا نجد صعوبة في قبولها بناء على ما جاء به اينشتاين من مفهوم جديد للزمان والمكان.

 وعلى هذا، فالتنبؤ بحوادث المستقبل ليس مستحيلا، لان الامواج الخفية التي تساعدنا على الاحساس الخارق لا يصعب عليها أن تتصل بالمستقبل وتكشف ما يحدث فيه، فهي تتحرك في كون ليس فيه مستقبل ولا ماض (1).

* * *

وإذن فهذه الظاهرة التي تشمل الرؤية عن بعد، وانتفال الافكار، والتنبؤ، أمر واقع لا سبيل إلى نكرانه، كما اعترف بذلك جمهرة من العلماء الاثبات مرت عليك أسماء بعضهم.

 وقد عرفت أيضا أن العلم الحديث يتجه إلى البحث عن ماهية هذه الظاهرة وحقيقتها.

 وقد رأيت الفرضية التي يفسرون بها هذه الظاهرة، وهي، إذا صحت، لا تبين لنا حقيقتها وماهيتها، فالعلم لا يعرف عن ماهية هذه الامواج النفسية شيئا وإنما توضح آليات عملها ومجالاته.

 وإذا كان العلم الحديث يقبلها كحقيقة موضوعية لا مراء فيها.

 وإذا كان العلماء المحدثون يسعون إلى الكشف عن حقيقتها والتعرف على


(1) هذا البحث مقتبس من الدكتور علي الوردي: خوارق اللاشعور، ص: 179 - 196.

 


[165]

آلياتها فهل يبقى بعد ذلك مجال لنكرانها لاننا لا نعرف ماهيتها ؟ اللهم لا، لاننا سنكون حينئذ كذلك الاعمى الذي ينكر وجود النور لانه لا يراه.

 وإذ كانت هذه الظاهرة حقيقة واقعة، وإذ كانت القوانين العلمية الحديثة لا تأباها، فلا حرج علينا إذن في أن ندرسها عند أمير المؤمنين عليه السلام، كما تبدو لنا في نهج البلاغة وغيره.

 


[166]

 

(4)

قد دلت الابحاث الحديثة كما عرفت على أن كل إنسان يملك مقدارا من هذه القوة الخارقة التي تكشف له عما اضطمت عليه أحشاء المستقبل، ولكن الناس إذا تساووا في نوع هذه القوة فإنهم يختلفون في مقدارها.

 فقد ثبت أن هذه الحاسة توجد عند بعض الناس بقوة تثير الدهشة، بينما توجد في بعض آخر على حال من الضعف والوهن لا تكاد تبين معه، فما السبب في هذا التفاوت ؟ لقد تبين للباحثين أن قوة هذه الحاسة تتناسب تناسبا طرديا مع درجة الصفاء الروحي والنقاء الداخلي التي يتمتع بها الشخص، فكلما كان الانسان صافي النفس، نقي الضمير، منعتقا من أسر التقاليد الاجتماعية الضارة، متفلتا من قيد الضرورة وما إليها، خالي النفس من العقد والاحقاد والمطامع، كانت هذه الحاسة فية قوية بالغة القوة، وكلما كان الانسان مشوش النفس موزع الضمير مستغرقا في حواسه، أسيرا لضرورات جسده وشهواته، غارقا في مجتمعه، كانت هذه الحاسة فيه ضامرة لا تكاد تبين (1).

 


(1) الدكتور علي الوردي: خوارق اللاشعور.

 


[167]

فهذه الحاسة لا تنشط إلا في ساعات الصفاء العقلي والروحي والوجداني، فعند ذلك تبلغ أقصى قوتها.

 فإذا شئنا أن نبحث عن هذه الظاهرة في حياة الامام عليه السلام طالعتنا فيه على أتم وأكمل ما تكون، فلقد بلغ من الصفاء الروحي حدا لم يدانه فيه إنسان على الاطلاق ولم يزد عليه فيه إلا النبي صلى الله عليه وآله.

 وتاريخ حياته عليه السلام سلسلة ذهبية من هذه الظواهر الرائعة الفاتنة.

 وإذا صح أن تجردا وصفاء وقتيين يقوم بهما إنسان عادي يتيحان له إطلاق قواه الخارقة، فما قولك فيمن كانت حياته كلها تجردا روحيا وصفاء لا يعدله في بني الانسان صفاء ؟.

 إن هذه الظاهرة التي تبدو لاعيننا في تاريخ حياته لتدل على أنه كان يدخل في وسعه أن يطلق قواه الخارقة متى أراد، وأن يعي ما غاب عنه في أحشاء الزمان وطوايا المكان متى شاء.

 ويصدق قولنا هذا ما أثبته المؤرخون وتسالموا عليه من إخباراته بالمغيبات وصدق ما أخبر به ووقوعه بعده بأزمان.

* * *

لم يعن الشريف رحمه الله، حين آلى على نفسه أن يجمع كلامه عليه السلام، بهذه الناحية عناية تستحق الذكر، فما في نهج البلاغة من اخباراته بالمغيبات لا يبلغ عشر ما نسب إليه وصح عنه.

 وهذه الطائفة التي ذكرها الشريف من إخباراته تجئ على أقسام:


[168]

1 - غرق البصرة.

 2 - تسلط الظالمين على الكوفة.

 3 - تغلب معاوية على الخلافة.

 4 - مصير الخوارج ونهاية أمرهم.

 5 - مروان وخلافته.

 6 - حرب الزنج.

 7 - ولاية الحجاج.

 8 - الاتراك.

 9 - بنو أمية: ظلمهم ونهايتهم.

 10 - خروج المهدي عجل الله فرجه.

 11 - فتن تشمل الدنيا وتهلك الحرث والنسل.

 في هذه العناوين ينحصر ما ذكره الشريف في نهج البلاغة من الاخبار بالمغيبات، وسنتكلم في كل واحد من أولئك على حدة.

 ذاكرين بعد ذلك ما أهمله الشريف ولم يعن به.

* * *

لقد تحدث الامام عليه السلام عن علمه بالمغيبات في مناسبات كثيرة منها قوله:

(.. فاسألوني قبل أن تفقدوني، فوالذي نفسي بيده لا تسألوني عن شئ فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تهدي مائة وتضل مائة إلا أنبأتكم بناعقها (1)، وقائدها، وسائقها، ومناخ (2)


(1) ناعقها: الداعي إليها مأخوذ من (نعق بغنمه) إذا صاح بها لتجتمع.

(2) مناخ.. في الاصل: محل بروك الابل، استعمل هنا للتعبير عن مصير الفئة الضالة أو الهادية ونهايتها.

 


[169]

ركابها، ومحط رحالها، ومن يقتل من أهلها قتلا ومن يموت منهم موتا، ولو قد فقدتموني، ونزلت بكم كرائه الامور (1) وحوازب الخطوب (2)، لاطرق كثير من السائلين وفشل كثير من المسؤولين) (3).

 وقد ذكر عليه السلام أنه استقى علمه هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فقد أتى في كلام له بعد أن هزم أصحاب الجمل في البصرة، على ذكر بعض ما يلم بالبصرة من الخطوب، فذكر فتنة الزنج وذكر التتر، فقال له بعض أصحابه لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب، فضحك الامام وقال للرجل:

(ليس هو بعلم غيب، وإنما هو تعلم من ذي علم، وإنما علم الغيب علم الساعة وما عدد الله سبحانه بقوله: (إن الله عنده علم الساعة.) الآية. فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلا الله، وما سوى ذلك فعلم علمه الله لنبيه فعلمنيه، ودعا لي بأن يعيه صدري وتضطم (4) عليه جوانحي) (5).

 وقال مخاطبا أصحابه في موقف آخر:

(والله لو شئت أن أخبر كل رجل منكم بمخرجه


(1) كرائه الامور: جمع كريهة، المصائب الكبرى.

(2) الحازب: الخطب الشديد، يقال (حزبه الامر) إذا اشتد عليه.

(3) نهج البلاغة، رقم الخطبة: 91.

(4) تضطم: إفتعال، من الضم، أي وتنظم عليه جوانحي، والجوانح: الاضلاع تحت الترائب مما يلي الصدر، وانضمامها عليه: اشتمالها على قلب يعيها.

(5) نهج البلاغة، رقم الخطبة: 146.

 


[170]

ومولجه (1) وجميع شأنه لفعلت، ولكن أخاف أن تكفروا في برسول الله صلى الله عليه وآله، ألا وإني مفضيه (2) إلى الخاصة ممن يؤمن ذلك منه.

 والذي بعثه بالحق واصطفاه على الخلق ما أنطق إلا صادقا، وقد عهد إلي بذلك كله، وبمهلك من يهلك ومنجى من ينجو، ومآل هذا الامر، وما أبقى شيئا يمر على رأسي إلا أفرغه في أذني وأفضى به إلي) (3).

 وقال:

(أيها الناس لا يجر منكم شقاقي (4)، ولا يستهوينكم (5) عصياني، ولا تتراموا بالابصار (6) عندما تسمعونه مني، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة (7)، إن الذي أنبأكم به عن النبي الامي صلى الله عليه وآله، ما كذب المبلغ ولا جهل السامع) (8).

 


(1) المخرج: محل الخروج، والمولج: محل الولوج، الدخول، أي: أخبره من أين يخرج، وأين يدخل.

(2) مفضيه: أصله من (أفضى إليه) إذا خلا به. والمراد أنه موصله إلى أهل اليقين ممن لا تخشى عليهم الفتنة.

(3) نهج البلاغة: رقم الخطبة: 173.

(4) لا يجرمنكم: لا يحملكم ويكسبنكم، (شقاقي) عصياني. أي لا يكسبنكم عصياني الخسران والضياع.

(5) لا تقعوا في هوى العصيان.

(6) تتراموا بالابصار. ينظر بعضكم إلى بعض تعجبا واستنكارا.

(7) أنبت الحبة، وخلق الروح.

(8) نهج البلاغة، رقم الخطبة: 99، ولاحظ في النص رقم: 16 قوله: (ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم).

 


[171]

في هذه النصوص يصرح الامام عليه السلام بأن علمه بالمغيبات جاءه عن طريق رسول الله صلى الله عليه وآله.

 والذي يستوقفنا في هذا هو أننا لا نستطيع أن نتصور أن النبي قد أفضى إلى الامام بكل حادثة من الحوادث المقبلة على نحو التفصيل، لان الظرف الزماني الذي جمع بين النبي والامام لا يسع شيئا مثل هذا حتى لو فرضنا أن الامام قد اختص بأوقات فراغ النبي كلها، فهو عليه السلام يقول:

(فوالذي نفسي بيده لا تسألوني عن شئ فيما بينكم وبين الساعة ولا عن فئة تهدي مائة وتضل مائة إلا أنبأتكم بناعقها..) (1).

 ويقول:

(سلوني قبل أن تفقدوني، فلانا بطرق السماء أعلم مني بطرق الارض..) (2).

 ويقول:

(.. والله لو شئت أن أخبر كل رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلت.. وقد عهد إلي بذلك كله وبمهلك من يهلك ومنجى من ينجو، ومآل هذا الامر، وما أبقى شيئا يمر على رأسي إلا أفرغه في أذني وأفضى به إلي) (3).

 


(1) نهج البلاغة، رقم النص: 91.

 (2) نهج البلاغة، رقم النص: 187.

 (3) نهج البلاغة، رقم النص: 173.

 


[172]

فهذا علم واسع بالغ السعة متراحب الآفاق، ومهما يكن الظرف الزماني الذي قضاه الامام مع النبي طويلا، ومهما تكن الاوقات الخاصة التي يفرغ فيها النبي للامام وحده طويلة وكثيرة، فإن ذلك كله لا يسع الافضاء ببعض هذا العلم إلى الامام على نحو التفصيل، بحيث يتناول التعليم الجزئيات الدقيقة، والتفصيلات الكثيرة، فضلا عن أن يسع الافضاء إليه بكل هذا العلم على هذا النحو من الافضاء.

 وإذ كانت الحال على هذا فلا نستطيع أن نتصور أن النبي قد أفضى إلى الامام بكل حادثة من الحوادث المقبلة إلى قيام الساعة على نحو التفصيل، ولكن الامام عليه السلام يصرح بما لا يدع مجالا للشك بأنه قد استقى علمه هذا من النبي صلى الله عليه وآله، فكيف السبيل إلى ملاءمة هذا الذي يقوله الامام مع ما تبين لنا من عدم استيعاب الظرف الزماني للافضاء بكل هذه العلوم ؟ الذي أراه هو أن النبي صلى الله عليه وآله لم يفض إلى الامام بالمغيبات على نحو التفصيل الذي يلم بجميع الجزئيات، فقد رأينا أن العقل يحيل ذلك لان الزمان مهما يطل لا يتسع له.

 وإنما أفضى إليه بهذه المغيبات على نحو الاجمال لا التفصيل.

 فقد رأينا ان نشاط هذه القوى الخفية المودعة في الانسان والتي تصله بالمجهول المحجوب في أحشاء الزمان أو ثنايا المكان، يتوقف على الحالة العقلية والروحية والوجدانية التي يكون عليها الانسان، فكلما كان الانسان على حال رفيعة من الصفاء العقلي والطهارة الروحية والنقاء الوجداني كانت هذه القوى أنشط وأبلغ في النفوذ إلى المغيب المحجوب، والذي نراه بالنسبة إلى الامام عليه السلام هو ان النبي قد أخبره بالمغيبات على نحو الاجمال ثم هداه إلى أقوم السبل التي تؤدي به إلى أرفع درجات هذه الحالة الروحية التي تتيح لقواه الخفية ان تعمل عملها الخارق فيعي بسببها تفصيل ما أجمله له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

 


[173]

وبهذا التفسير وحده نستطيع ان نلائم بين علم الامام الواسع بالمغيبات الذي يسنده إلى الرسول وبين الظرف الزماني الضيق نسبيا الذي جمع بينه وبين الرسول، وليس هذا التفسير اعتباطيا فلدينا عليه شاهد مقبول.

 وهذا الشاهد الذي نعني هو ان النبي صلى الله عليه وآله خلى بالامام فأدخله في ثوبه وناجاه في اللحظات القليلة الاخيرة التي قبض بعدها، فلما فرغ من نجواه خرج الامام من عنده فسأله الناس عما أفضى به إليه فقال: (علمني ألف باب ينفتح لي من كل باب ألف باب).

 فمهما كانت اللحظات التي خلا بها النبي مع الامام كثيرة لا نستطيع أن نتصور كيف أفضى إليه فيها بألف باب من العلم على نحو التفصيل، لانها مهما طال مداها لا تتسع للافضاء ببعض هذا العدد الكبير، فلابد من القول بأنه أفضى إليه بهذه الالف باب على نحو الاجمال وذلك بإعطاء الظوابط الكبرى التي تشمل كثيرا من الابواب.

 ولعل قوله: (ينفتح لي من كل باب ألف باب) أبلغ دلالة على ما نقول من أنه علمه على نحو الاجمال لاعلى نحو التفصيل، وأنه اتكل في معرفة الجزئيات والتفاصيل إلى ما يتمتع به الامام من مواهب تسعفه في معرفة ما غاب وتهديه إلى شريعة الصواب.

* * *

قلنا إن إخباراته التي ذكرها الشريف تجئ على أقسام، منها إخباره بما يلم بالبصرة من الخطوب.

 فأخبر بعد فراغه من أصحاب الجمل، عن غرق البصرة كلها بقوله:


[174]

(.. وأيم الله لتغرقن بلدتكم حتى كأني أنظر إلى مسجدها كجؤجؤ سفينة (1) أو نعامة جاثمة) (2) - (3).

 وقد صدقت الحوادث هذه النبوءة، فقد ذكر ابن أبي الحديد أن البصرة غرقت مرتين: مرة في أيام القادر بالله (4)، ومرة في أيام القائم بأمر الله (5)، غرقت بأجمعها ولم يبق منها إلا مسجدها الجامع بارزا كجؤجؤ الطائر حسب ما اخبر به أمير المؤمنين. وخربت دورها وغرق كل ما في ضمنها وهلك كثير من أهلها.

وأخبار هذين الغرقين معروفة عند اهل البصرة يتناقله خلفهم عن سلفهم) (6).

 وأخبر عن هلاك البصرة بالزنج، فقال مخاطبا الاحنف بن قيس بعد حرب الجمل:

(يا أحنف كأني به وقد سار بالجيش الذي لا يكون له غبار ولا لجب (7) ولا قعقعة لجم (8).


(1) الجؤجؤ: الصدر. هنا: صدر السفينة.

(2) جثم الطائر: تلبد بالارض، وهيئة النعامة الجاثمة على الارض كهيئة السفينة من مقدمها.

(3) نهج البلاغة، رقم النص: 13.

(4) القادر بالله، أبو العباس أحمد بن اسحاق بن المقتدر. بويع بالخلافة في يوم 12 رمضان سنة 381 ه‍.

(3 أكتوبر (تشرين الاول) 991 م) واستمر خليفة إلى أن توفي في نهاية ذي الحجة سنة 422 ه‍ (18 ديسمبر (كانون الاول) 1031 م).

(5) القائم بأمر الله، أبو جعفر عبد الله بن القادر. بويع بالخلافة في ذي الحجة سنة 422 ه‍ (1031 م) واستمر خليفة إلى 13 شعبان سنة 467 ه‍ (3 ابريل (نيسان) سنة 1075 م).

(6) ابن أبي الحديد، شرح النهج: 1 - 84.

(7) اللجب: الصياح.

(8) اللجم، جمع لجام. وقعقعة اللجم ما يسمع من صوت اضطرابها بين أسنان الخيل


[175]

ولا حمحمة خيل (1)، يثيرون الارض بأقدامهم كأنها أقدام النعام. ويل لسكككم العامرة (2) والدور المزخرفة التي لها أجنحة كأجنحة النسور (3) وخراطيم كخراطيم الفيلة (4)، من أولئك الذين لا يندب قتيلهم ولا يفتقد غائبهم (5) أنا كاب الدنيا لوجهها، وقادرها بقدرها، وناظرها بعينها) (6).

 هذه النبوءة صدقتها الحوادث، ففي سنة خمس وخمسين ومائتين ظهر المدعو عليا بن محمد بن عبد الرحيم وجمع الزنوج وخرج بهم على المهتدي العباسي (7)، واستشرى أمره، وكاد يبيد البصرة ويفني أهلها، واستمرت الحرب بينه وبين السلطة المركزية خمسة عشر عاما، فقد قتل في سنة سبعين ومائتين، وقد كتب ابن أبي الحديد فصلا كبيرا عن هذه النبوءة (8).

***


(1) الحمحمة: صوت البرذون عند الشعير.

 (2) السكك: جمع سكة، وهي الطريق المستوي الممهد. وهو إخبار عما يصيب تلك الطرق وما حولها من المنازل من الخراب والتهديم.

 (3) أجنحة الدور: رواشنها (جمع روشن، بمعنى شرفة (برندة)) وذلك على التشبيه بأجنحة الطير.

 (4) خراطيم الدور: هي الميازيب تطلى بالقار.

 (5) أصحاب الزنجي، وإنما لا يندب قتيلهم، لان ليس لهم زوجات وأهل يبكون عليهم لانهم كانوا عبيدا ليست لهم أسر.

 (6) نهج البلاغة، رقم النص: 126.

 (7) المهتدي بالله، محمد بن هارون الواثق، إبن المعتصم بن الرشيد بويع له بالخلافة يوم 27 رجب سنة 255 ه‍ (11 يوليو (تموز) 869 م)، وخلع في 14 رجب سنة 256 (17 يونيو سنة 870 م).

 (8) ابن أبي الحديد: شرح النهج 2 - 310 - 361.

 


[176]

ولا يفوتنا التنبيه على تنبوئه عليه السلام، في النص الآنف، بما ستكون عليه حال البصرة من الناحية العمرانية.

 وأخبر عن هلاك البصرة بالتتر فقال:

(.. كأني أراهم قوما كأن وجوههم المجان المطرقة (1)، يلبسون السرق (2) والديباج، ويعتقبون الخيل العتاق (3)، ويكون هناك استحرار (4) قتل حتى يمشي المجروح على المقتول، ويكون المفلت أقل من المأسور) (5).

 هذه النبوءة تحققت بظهور التتار واكتساحهم للممالك حتى وصلوا إلى العراق فلقيت البصرة منهم أعظم البلاء وأشنعه، فقد تكدست الجثث في الشوارع والازقة وحل بالناس منهم خوف عظيم. وقد وقعت هذه الاحداث في زمن ابن أبي الحديد فكتب عنها فصلا كبيرا (6).

 * * *

وقد تنبأ عليه السلام بما سيحل بالكوفة من الظالمين فقال:


(1) المجان، جمع مجن - بكسر الميم - وهو الترس، وسمي مجنا لانه يستتر به عن العدو، والجنة - بالضم - السترة، والمطرقة، هي التي الزق بها الطراق - ككتاب - وهو جلد يفصل على مقدار الترس ثم يلزق به.

(2) السرق: شقق الحرير الابيض.

(3) يعتقبون الخيل. أي يحتبسون كرائم الخيل لانفسهم ويمنعون غيرهم منها.

(4) استحرار قتل. اشتداد قتل.

(5) نهج البلاغة، رقم النص: 126.

(6) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، 2 / 361 - 371.

 


[177]

(كأني بك يا كوفة تمدين مد الاديم العكاظي (1)، تعركين بالنوازل (2)، وتركبين بالزلازل (3)، وإني لاعلم انه ما أراد بك جبار سوءا إلا ابتلاه الله بشاغل، ورماه بقاتل) (4).

 وقد صدقت الحوادث نبوءته، فقد تعاقب على الكوفة سلسلة من ولاة الجور، وأعوان الظلمة، أذاقوها الصاب وساموها العذاب، فزياد ابن أبيه، وعبيد الله ابن زياد، والحجاج، ويوسف بن عمرو، والمغيرة بن شعبة، وخالد بن عبد الله القسري وأضرابهم.. كلهم أقاموا الحكم في الكوفة على ركام من الجماجم وأنهار من الدماء (5).

 * * *

وقد تنبأ عليه السلام بتغلب معاوية على الخلافة وسيطرته على الكوفة وأنه سيأمر أهل الكوفة من الشيعة بسب الامام والبراءة منه، فقال:

(أما انه سيظهر (6) عليكم بعدي رجل رحب


(1) الاديم: الجلد المدبوغ، والعكاظي نسبة إلى عكاظ - كغراب - وهو سوق كانت تقيمه العرب في صحراء بين نخلة والطائف، يجتمعون إليه من بداية شهر ذي القعدة ليتعاكظوا، أي يتفاخروا، وأكثر ما كان يباع الاديم بتلك السوق فنسب إليها. وقوله: (تمدين مد الاديم العكاظي) استعارة لما ينالها من العسف والشدائد، كأن ما ينزل بها من الظلم يشبه ما ينزل بالجلد حين يراد أن يدبغ من الخبط والدق.

(2) تعركين مأخوذ من (عركتهم الحرب) إذا مارستهم حتى أتعبتهم، والنوازل: الشدائد.

(3) الزلازل: المزعجات من الخطوب.

(4) نهج البلاغة، رقم النص: 47.

(5) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 1 / 286 - 287.

(6) سيظهر: سيغلب. دراسات في نهج البلاغة (12)


[178]

البلعوم(1)، مندحق البطن (2)، يأكل ما يجد ويطلب ما لا يجد، فاقتلوه ولن تقتلوه. ألا وإنه سيأمركم بسبي والبراءة مني، أما السب فسبوني فإنه لي زكاة ولكم نجاة، وأما البراءة فلا تتبرؤوا مني (3)، فإني ولدت على الفطرة، وسبقت إلى الايمان والهجرة) (4).

 هذه النبوءة تحققت بتمامها، فقد غلب معاوية بعد صلح الحسن وأمر الناس بسب الامام صلوات الله وسلامه عليه، والبراءة منه، وقتل طائفة من عظماء أصحابه (ع) لانهم ثبتوا على ولائه فلم يتبرؤوا منه، منهم حجر بن عدي الكندي وجماعته.

 وقال قوم إن المعنى بهذا الكلام زياد بن أبيه، وقال قوم إنه المغيرة بن شعبة، وكل ولي الكوفة، وأمر بالسب والبراءة (5).

 * * *

وتنبأ عليه السلام بما سيصير إليه أمر الخوارج من بعده فقال:

(.. أما إنكم ستلقون من بعدي ذلا شاملا وسيفا قاطعا وأثرة (6) يتخذها الظالمون فيكم سنة) (7).

 


(1) الرحب: الواسع.

(2) مندحق البطن: عظيم البطن بارزه، كأنه لعظمه مندلق من بدنه يكاد يبين عنه.

(3) قد يكون السب نتيجة للاكراه من الظالم مع إبطان الحب والولاء، وأما البراءة من إنسان فهي الانسلاخ من مذهبه.

(4) نهج البلاغة، رقم النص: 57.

(5) ابن أبي الحديد: شرح النهج 1 - 355.

(6) الاثرة: الاستبداد بفوائد الملك، وحرمان الآخرين منه.

(7) نهج البلاغة، رقم النص: 58.

 


[179]

وهكذا كان، فإن الخوارج، بعد العدل الذي لاقوه من حكومته والحرية التي تمتعوا بها، لم يعاملوا في جميع العهود التالية إلا بالاضطهاد والحرب والمطاردة.

 * * *

وقال لما قتل الخوارج وقيل له: هلك القوم بأجمعهم:

(كلا والله، إنهم نطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء (1)، كلما نجم منهم قرن قطع (2) حتى يكون آخرهم لصوصا سلابين) (3).

 وقد صحت نبوءته، فلم يمض زمن طويل حتى نجم أمرهم مرة اخرى واستمرت بينهم وبين السلطات المركزية المتعاقبة حروب طاحنة، وكانت نهايتهم أن صاروا قطاع طرق ولصوصا سلابين.

 * * *

وقد تنبأ بعدد من يقتل من أصحابه وبقدر من يبقى من الخوارج قبل أن يشتبك معهم في النهروان، فقال:

(مصارعهم دون النطفة (4)، والله لا يفلت منهم عشرة، ولا يهلك منكم عشرة) (5).

 


(1) قرارات النساء: كناية عن الارحام.

(2) كلما نجم منهم قرن قطع: كلما ظهر منهم رئيس قتل.

(3) نهج البلاغة، رقم النص: 59.

(4) يعني بالنطفة ماء النهر، وقد جرت المعركة معهم عند النهروان.

(5) نهج البلاغة، رقم النص: 59.

 


[180]

فلم يقتل من أصحاب الامام إلا ثمانية، ولم ينج من الخوارج إلا تسعة (1).

 * * *

وقد كثر كلامه عما سيحل بالناس من بني أمية وظلمهم، وكأنه يعد بذلك أنفس الناس لتلقي فادح الظلم.

 وقد تنبأ بخلافة مروان بن الحكم وبما سيحل بالامة منه ومن أولاده، وتنبأ عن نهاية بني أمية متى تحين.

 قال متنبأ بمصير الخلافة إلى مروان:

(اما أن له إمرة كعلقة الكلب أنفه (2) وهو أبو الاكبش الاربعة (3) وستلقى الامة منه ومن ولده يوما أحمر) (4).

 وقد تم كل ما قال، فقد كانت إمرة مروان قصيرة جدا إذ لم تزد على تسعة أشهر، وقد كان له من الابناء أربعة هم: عبد الملك، وعبد العزيز وبشر، ومحمد.

 ولي عبد الملك الخلافة، وولي محمد الجزيرة، وولي عبد العزيز مصر، وولي بشر العراق.

 وقد حل بالمسلمين منهم ظلم عظيم (5).

* * *


(1) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 1 - 379 - 380 - و 424 - 427 و 445 - 446.

(2) تصوير بالحركة لقصر ملك مروان بن الحكم.

(3) كناية عن أولاده.

(4) نهج البلاغة، رقم النص: 71.

(5) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 2 - 53 - 60.

 


[181]

وقال في ظلم بني أمية:

(.. والله لا يزالون حتى لا يدعو الله محرما إلا استحلوه (1)، ولا عقدا إلا حلوه، وحتى لا يبقى بيت مدر ولا وبر (2) إلا دخله ظلمهم، ونبا به سوء رعيهم (3)، وحتى يقوم الباكيان يبكيان: باك يبكي لدينه، وباك يبكي لدنياه.

 وحتى تكون نصرة أحدكم من أحدهم كنصرة العبد من سيده، إذا شهد أطاعه، وإذا غاب اغتابه) (4).

 ولا يجهل أحد مبلغ ما نزل بالناس من ظلم بني أمية وانتهاكهم للحرمات، واستهتارهم بالفضيلة حتى صار خلفاؤهم مثلا في الظلم والفسق والتهتك (5).

 * * *

وقد تحدث عليه السلام كثيرا عن نهاية بني أمية وأن الامر سيصير إلى أعدائهم بعدهم في الوقت الذي يحسب الناس فيه أنهم مخلدون.

 


(1) استحلال المحرم: استباحته.

(2) بيوت المدر: المبنية من حجر، وبيوت الوبر: الخيام، أي أن ظلم بني أمية يشمل جميع الناس حيث كانوا.

(3) أصله من (نبا به المنزل) إذا لم يوافقه، فارتحل عنه. أي أن ظلم بني أمية وسوء سياستهم في الناس، يجعل المجتمع مضطربا غير مستقر ولا آمن.

(4) نهج البلاغة، رقم النص: 96.

(5) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 2 - 466 - 467 وراجع 2 - 193 - 194 و 409 408 في شأن عبد الملك بن مروان والفتن في عهده.

 


[182]

قال عليه السلام:

(حتى يظن الظان أن الدنيا معقولة على بني أمية (1)، تمنحهم درها (2) وتوردهم صفوها، ولا يرفع عن هذه الامة سوطها ولا سيفها، وكذب الظان لذلك. بل هي مجة (3) من لذيذ العيش يتطعمونها برهة ثم يلفظونها جملة (4).

 وقال:

(فأقسم بالله يا بني أمية عما قليل لتعرفنها في أيدي غيركم وفي دار عدوكم) (5).

 هذه النبوءات بزوال ملك بني أمية على يد العباسين، وما يصنعه العباسيون من القتل والتشريد قد تحققت بحذافيرها (6).

 وقد تنبأ بولاية الحجاج وبما سيحل بالعراق من بلوائه فقال:

(أما والله ليسلطن عليكم غلام ثقيف الذيال


(1) معقولة على بني أمية: مقصورة عليهم، مسخرة لهم، كأنهم شدوها بعقال الناقة.

(2) درها: لبنها .

(3) مجة: مصدر من (مج الشراب من فيه) إذا رمى به.

(4) نهج البلاغة، رقم النص: 85 آخر النص.

(5) نهج البلاغة، رقم النص: 103 ولاحظ النص رقم: 167.

(6) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 2 - 132 - 133 و 178 - 200 - 202 و 466 - 467.

 


[183]

الميال (1)، يأكل خضرتكم ويذيب شحمتكم، إيه أبا وذحة) (2) - (3).

 وقال فيما رواه ابن أبي الحديد من تتمة خطبة أخرى تنبأ فيها بولاية الحجاج ابن يوسف الثقفي ويوسف بن عمرو الثقفي:

(.. وستليكم من بعدي ولاة يعذبونكم بالسياط والحديد. وسيأتيكم غلاما ثقيف: أخفش وجعبوب، يقتلان ويظلمان وقليل ما يمكثان).

 قال ابن أبي الحديد:

(.. الاخفش الضعيف البصر خلقة، والجعبوب القصير الدميم، وهما الحجاج ويوسف بن عمرو وفي كتاب عبد الملك إلى الحجاج: قاتلك الله أخيفش العينين أصك الجاعرتين. ومن كلام الحسن البصري (ره) يذكر فيه الحجاج: أتانا


(1) الذيال: الطويل القد، الطويل الذيل، المتبختر في مشيته، والميال: الجائر المائل عن طريق الحق والعدل.

(2) الوذحة: قال الشريف الرضي رحمه الله بعد أن أورد هذا النص: الوذحة الخنفساء. وهذا القول يومئ به إلى الحجاج، وله مع الوذحة حديث ليس هذا موضع ذكره. وقد أورد ابن أبي الحديد عند شرح هذه الفقرة عدة روايات عن الحجاج الثقفي في شأن الوذحة. راجع الجزء 7 ص 279 - 280 من شرح نهج البلاغة بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر دار إحياء الكتب العربية سنة 1960 م.

(3) نهج البلاغة، رقم النص: 114.

 


[184]

أخيفش أعيمش يمد بيد قصيرة البنان ما عرق فيها عنان في سبيل الله.

 وكان المثل يضرب بقصر يوسف بن عمرو كان يغضب إذا قيل له قصير) (1).

* * *

راجع النصوص التالية: رقم 13 و 14 و 46 و 56 و 57 و 70 و 84 (آخر النص) و 90 و 95 و 98 و 99 و 102 و 105 و 113 و 125 و 136 و 145 و 148 و 149 و 156 و 164 و 173 و 185 و 187.

 


(1) شرح نهج البلاغة: 2 - 132 - 133 و 257 - 258.

 


[185]

 

(5)

قلنا أن الشريف رحمه الله لم يذكر في نهج البلاغة كل ما صح عن أمير المؤمنين من أخباره بالمغيبات، ولكن ابن أبي الحديد قد سد هذا النقص حين أفاض في ذكر ما صح عنه عليه السلام في هذا الباب.

 ومما يحسن ذكره هنا أن ابن أبي الحديد لم ينقل كلما وقع إليه من أخبار الامام بالمغيبات، بل حقق فيما وقع إليه من ذلك فطرح المشتبه أمره، وذكر ما صح عنه عليه السلام.

 قال ابن أبي الحديد: (.. وقد وقفت له على خطب مختلفة فيها ذكر الملاحم (1) فوجدتها تشتمل على ما يجوز أن ينسب إليه وما لا يجوز أن ينسب إليه، ووجدت في كثير منها اختلالا ظاهرا.

 وهذه المواضع التي أنقلها ليست من تلك الخطب المضطربة بل من كلام وجدته متفرقا في كتب مختلفة) (2).

 وعلل ابن أبي الحديد هذه الظاهرة الفذة في الامام بقوله:


(1) الملاحم: جمع ملحمة، وهي الواقعة العظيمة.

(2) ابن أبي الحديد: شرح النهج 2 - 508.

 


[186]

(واعلم أنه غير مستحيل أن تكون بعض الانفس مختصة بخاصية تدرك بها المغيبات، وقد تقدم من الكلام في ذلك ما فيه الكفاية (1)، ولكن لا يمكن أن تكون نفس تدرك كل المغيبات، لان القوة المتناهية لا تحيط بأمور غير متناهية، وكل قوة في نفس حادثة فهي متناهية.

 فوجب أن يحمل كلام أمير المؤمنين عليه السلام لا على أن يريد به عموم العالمية، بل يعلم امورا محدودة من المغيبات، مما اقتضت حكمة الباري سبحانه أن يؤهله لعلمه..) (2).

 

 * * *

ولابن أبي الحديد هذا نص طويل ذكر فيه طائفة كبيرة من إخبارات الامام بالمغيبات، نذكره لطرافته، ولما له من الصلة ببحثنا هذا، على أن نتبعه بذكر ما أهمل ابن الحديد ذكره في هذا النص وذكره في مناسبات أخرى.

 قال: (.. وهذه الدعوى ليست منه عليه السلام ادعاء الربوبية ولا ادعاء النبوة، ولكنه كان يقول ان رسول الله صلى الله عليه وآله أخبره بذلك، ولقد امتحنا إخباره فوجدناه موافقا، فاستدللنا بذلك على صدق الدعوى المذكورة.

 (كأخباره عن الضربة التي يضرب في رأسه فتخضب لحيته.

 (وإخباره عن قتل الحسين ابنه عليهما السلام، وما قاله في كربلاء حيث مر بها.

 (وإخباره بملك معاوية الامر من بعده.

 (وإخباره عن الحجاج وعن يوسف بن عمرو.

 


(1) تقدم منه كلام في هذا في 1 - 425 و 426 - 427.

 (2) المصدر السابق 2 - 508.

 


[187]

(وما أخبر به من أمر الخوارج بالنهروان.

 (وما قدمه إلى أصحابه من إخباره بقتل من يقتل منهم وصلب من يصلب.

 (وإخباره بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.

 (وإخباره بعدة الجيش الوارد إليه من الكوفة لما شخص عليه السلام إلى البصرة لحرب أهلها.

 (وإخباره عن عبد الله بن الزبير وقوله فيه: (خب ضب، يروم أمرا ولا يدركه، ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا، وهو بعد مصلوب قريش).

 (وكإخباره عن هلاك البصرة بالغرق وهلاكها تارة اخرى بالزنج..

 (وكإخباره عن ظهور الرايات السود من خراسان، وتنصيصه على قوم من أهلها يعرفون ببني رزيق - بتقديم المهملة - وهم آل مصعب الذين منهم طاهر بن الحسين وولده وإسحق بن إبراهيم، وكانوا هم وسلفهم دعاة الدولة العباسية.

 (وكإخباره عن الائمة الذين ظهروا من ولده بطبرستان كالناصر والداعي وغيرهما في قوله عليه السلام:

(وإن لآل محمد بالطالقان لكنزا سيظهره الله إذا شاء، دعاؤه حق، حتى يقوم بإذن الله فيدعو إلى دين الله).

 (وكإخباره عن مقتل النفس الزكية بالمدينة وقوله إنه يقتل عند أحجار الزيت.

 (وكقوله عن أخيه ابراهيم المقتول بباخمرا:

(يقتل بعد أن يظهر ويقهر بعد أن يقهر).

 


[188]

وقوله فيه أيضا:

(يأتيه سهم غرب تكون فيه منيته، فيا بؤسا للرامي شلت يده ووهن عضده).

 (وكإخباره عن قتلى وج وقوله فيهم: هم خير أهل الارض.

 (وكإخباره عن المملكة العلوية بالمغرب، وتصريحه بذكر كتامة، وهم الذين نصروا أبا عبد الله الداعي المعلم.

 وكقوله، وهو يشير إلى أبي عبد الله المهدي، وهو أولهم: (ثم يظهر صاحب القيروان الغض النض ذو النسب المحض المنتخب من سلالة ذي البداء المسجى بالرداء).

 وكان عبيد الله المهدي أبيض مترفا مشربا بحمرة، رخص البدن، تار الاطراف، وذو البداء اسماعيل بن جعفر بن محمد عليهما السلام وهو المسجى بالرداء لان أباه أبا عبد الله جعفر أسجاه بردائه لما مات وأدخل إليه وجوه الشيعة يشاهدونه ليعلموا موته وتزول عنهم الشبهة في أمره.

 (وكإخباره عن بني بويه وقوله فيهم: (ويخرج من ديلمان بنو الصياد) إشارة إليهم، وكان أبوهم صياد السمك، يصيد منه بيده ما يتقوت هو وعياله بثمنه، فأخرج الله تعالى من ولده لصلبه ملوكا ثلاثة، ونشر ذريتهم حتى ضربت الامثال بملكهم.

 وكقوله عليه السلام فيهم: (ثم يستشري أمرهم حتى يملكوا الزوراء ويخلعوا الخلفاء)، فقال له قائل: فكم مدتهم يا أمير المؤمنين ؟ فقال: (مائة أو تزيد قليلا).

 وكقوله فيهم: والمترف بن الاجذم يقتله ابن عمه على دجلة، وهو إشارة إلى عز الدولة بختيار بن معز الدولة أبي الحسين، وكان معز الدولة أقطع اليد، قطعت يده في الحرب، وكان ابنه عز الدولة بختيار مترفا صاحب لهو وطرب، وقتله عضد الدولة فناخسرو ابن عمه بقصر الجص على دجلة في الحرب وسلبه ملكه.

 فأما خلعه للخلفاء، فان معز الدولة خلع المستكفي


[189]

ورتب عوضه المطيع، وبهاء الدولة أبا نصر بن عضد الدولة خلع الطائع ورتب عوضه القادر.

 وكانت مدة ملكهم كما أخبر به عليه السلام.

 (وكإخباره عليه السلام لعبد الله بن العباس رحمه الله تعالى عن انتقال الامر إلى أولاده، فان علي بن عبد الله لما ولد أخرجه أبوه عبد الله إلى علي عليه السلام، فأخذه وتفل في فيه وحنكه بتمرة قد لاكها، ودفعه إليه وقال: خذ اليك أبا الاملاك.

 (وكم له من الاخبار عن الغيوب الجارية هذا المجرى مما لو أردنا استقصاءه لكسرنا كراريس كثيرة، وكتب السير تشتمل عليها مشروحة) (1).

 وقال: (.. والمراد بقوله: فلانا بطرق السماء أعلم مني بطرق الارض، ما اختص به من العلم بمستقبل الامور ولا سيما في الملاحم والدول، وقد صدق هذا القول عنه ما تواتر عنه من الاخبار بالغيوب المتكررة لا مرة ولا مائة مرة حتى زال الشك والريب في أنه إخبار عن علم وليس عن طريق الصدفة والاتفاق) (2).

 * * *

ونأخذ الآن في ذكر ما أهمل ابن أبي الحديد ذكره في النص السابق وأتى على ذكره في مناسبات اخرى.

 1 - لما شجرهم (3) - الخوارج - علي عليه السلام بالرماح قال: (اطلبوا ذا الثدية) فطلبوه طلبا شديدا حتى وجدوه في وهدة من الارض تحت ناس من


(1) المصدر السابق 2: 175 - 176.

 (2) المصدر السابق.

 (3) شجرهم: حاربهم أو رماهم.

 


[190]

القتلى فأتي به وإذا رجل على ثديه مثل سبلات السنور، فكبر علي عليه السلام وكبر الناس معه (1).

* * *

2 - قال عليه السلام لمن قال له: أخبرني بما في رأسي ولحيتي من طاقة الشعر، بعد كلام: وإن في بيتك سخلا يقتل ابن رسول الله صلى الله عليه وآله.

 قال ابن أبي الحديد: وكان ابنه، قاتل الحسين عليه السلام طفلا يحبو، وهو سنان ابن أنس النخعي (2).

* * *

3 - وخطب ذات يوم فقام رجل من تحت منبره فقال: يا أمير المؤمنين، إني مررت بوادي القرى فوجدت خالد بن عرفطة قد مات فاستغفر له، فقال عليه السلام: والله ما مات ولا يموت حتى يقود جيش ظلالة صاحب لوائه حبيب بن حمار، فقام رجل آخر من تحت المنبر فقال: يا أمير المؤمنين أنا حبيب بن حمار وإني لك شيعة ومحب، فقال: أنت حبيب بن حمار ؟ قال: نعم، فقال له ثانية: والله إنك لحبيب بن حمار، فقال: اي والله، قال: أما والله إنك لحاملها ولتحملنها ولتدخلن بها من هذا الباب، وأشار إلى باب الفيل بمسجد الكوفة.

 قال ثابت - وهو راوي الحديث -: فو الله ما مات حتى رأيت ابن زياد وقد بعث عمر بن سعد إلى الحسين بن علي عليه السلام، وجعل خالد بن عرفطة على مقدمته وحبيب بن حمار صاحب رايته، فدخل بها من باب الفيل (3).

 

 * * *

 


(1) المصدر السابق 1 - 205.

 (2) المصدر السابق 1 - 208.

 (3) المصدر السابق نفس الصفحة.

 


[191]

4 - كان جالسا في مسجد الكوفة وبين يديه قوم منهم عمرو بن حريث إذ أقبلت امرأة مختمرة لا تعرف فوقفت فقالت لعلي عليه السلام: يا من قتل الرجال وسفك الدماء وأيتم الصبيان وأرمل النساء، فقال علي عليه السلام: وانها لهي هذه السلقلقة الجلعة الجعة، وانها لهي هذه الشبيهة الرجال والنساء التي ما رأت دما قط، قال يزيد الاحمسي - وهو راوي الحديث - فولت هاربة منكسة رأسها، فتبعها عمرو ابن حريث، فلما صارت بالرحبة قال لها: والله لقد سررت بما كان منك اليوم إلى هذا الرجل فادخلي منزلي حتى أهب لك وأكسوك، فلما دخلت منزله أمر الجواري بتفتيشها وكشفها ونزع ثيابها لينظر صدقه فيما قاله عنها، فبكت وسألته أن لا يكشفها وقالت: أنا والله كما قال، لي ركب النساء وانثيان كأنثيي الرجال، وما رأيت دما قط، فتركها وأخرجها، ورجع إلى مجلسه مع الامام عليه السلام فحدث بذلك (1).

 

 * * *

5 - قام أعشى باهلة وهو يومئذ غلام حدث إلى علي عليه السلام، وهو يخطب ويذكر الملاحم، فقال: يا أمير المؤمنين: ما أشبه هذا الحديث بحديث خرافة.

 فقال علي عليه السلام: إن كنت آثما فيما قلت يا غلام فرماك الله بغلام ثقيف، ثم سكت.

 فقام رجال فقالوا: ومن غلام ثقيف يا أمير المؤمنين ؟ قال غلام يملك بلدتكم هذه لا يترك حرمة إلا انتهكها يضرب عنق هذا الغلام بسيفه.

 


(1) المصدر السابق 1: 208 - 209.

 


[192]

فقالوا: كم يملك يا أمير المؤمنين ؟ قال: عشرين إن بلغها.

 قالوا: فيقتل قتلا أم نموت موتا ؟ قال: بل يموت حتف أنفه بداء البطن، يثقب سريره لكثرة ما يخرج من جوفه.

 قال اسماعيل بن رجاء - وهو الراوي - فو الله لقد رأيت بعيني أعشى باهلة وقد أحضر في جملة الاسرى الذين أسروا من جيش عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث بين يدي الحجاج فقرعه وونجه (؟) واستنشده بشعره الذي يحرض فيه عبد الرحمن على الحرب ثم ضرب عنقه في ذلك المجلس (1).

* * *

6 - قال عليه السلام لعمرو بن الحمق الخزاعي في حديث: يا عمرو انك لمقتول بعدي، وإن رأسك لمنقول، وهو أول رأس نقل في الاسلام، والويل لقاتلك، أما انك لا تنزل بقوم إلا اسلموك برمتك، إلا هذا الحي من بني عمرو بن عامر من الازد فإنهم لن يسلموك ولن يخذلوك.

 قال شمير بن سدير الازدي - وهو الراوي - فو الله ما مضت الايام حتى تنقل عمرو بن الحمق في خلافة معاوية في بعض احياء العرب خائفا مذعورا حتى نزل في قومه من بني خزاعة فأسلموه، فقتل، وحمل رأسه من العراق إلى معاوية بالشام وهو اول رأس حمل في الاسلام من بلد إلى بلد (2).

 


(1) و (2) المصدر السابق 1 - 209.

 


[193]

7 - دخل جويرية بن مسهر العبدي على علي عليه السلام يوما وهو مضطجع وعنده قوم من اصحابه، فناداه جويرية: أيها النائم استيقظ فلتضربن على رأسك ضربة تخضب بها لحيتك.

 قال حية العربي - وهو الراوي - فتبسم أمير المؤمنين عليه السلام وقال: وأحدثك يا جويرية بأمرك، اما والذي نفسي بيده لتتلن إلى العتل الزنيم، فليقطعن يدك ورجلك وليصلبنك تحت جذع كافر.

 قال حية العربي: فو الله ما مضت الايام على ذلك، حتى أخذ زياد جويرية فقطع يده ورجله وصلبه إلى جانب ابن مكعبر وكان جذعا طويلا فصلبه على جذع قصير إلى جانبه (1).

 

 * * *

8 - قال الامام لميثم التمار يوما بمحضر من خلق كثير من أصحابه وفيهم الشاك والمخلص: يا ميتم إنك تؤخذ بعدي وتصلب، فإذا كان اليوم الثاني ابتدر منخراك وفمك دما حتى يخضب لحيتك، فإذا كان اليوم الثالث طعنت بحربة تقضي عليك فانتظر ذلك، والموضع الذي تصلب فيه على باب دار عمرو بن حريث، إنك لعاشر عشرة أقصرهم خشبة وأقربهم من المطهرة، يعني الارض، ولارينك النخلة التي تصلب على جذعها، ثم أراه إياها بعد ذلك بيومين.

 وقد تحققت هذه النبوءة بحذافيرها كما ذكر ذلك ابن أبي الحديد في حديث طويل يضيق به المقام (2).

 

 * * *

 


(1) المصدر السابق 1 - 209 - 110.

 (2) المصدر السابق 1 - 210 - 211.


[194]

9 - روى ابراهيم بن العباس النهدي في سند ينتهي إلى زياد بن النضر الحارثي أنه قال: كنت عند زياد وقد أتي برشيد الهجري وكان من خواص أصحاب علي عليه السلام، فقال له زياد: ما قال لك خليلك أنا فاعلون بك ؟ قال: تقطعون يدي ورجلي وتصلبونني، فقال زياد: أما والله لاكذبن حديثه، خلو سبيله، فلما أراد أن يخرج، قال: ردوه، لا نجد شيئا أصلح مما قال لك صاحبك، إنك لا تزال تبغي لنا سوءا إن بقيت، اقطعوا يديه ورجليه، فقطعوا يديه ورجليه وهو يتكلم.

 فقال: اصلبوه خنقا في عنقه، فقال رشيد: قد بقي لكم عندي شئ ما أراكم فعلتموه، فقال زياد: اقطعوا لسانه، فلما أخرجوا لسانه ليقطع قال: نفسوا عني أتكلم كلمة واحدة، فنفسوا عنه فقال: هذا والله تصديق خبر أمير المؤمنين أخبرني بقطع لساني، فقطعوا لسانه وصلبوه (1).

* * *

10 - حدث سعد بن وهب، فقال في حديث: فأتيته - يعني عليا عليه السلام - في كربلاء، فوجدته يشير بيده ويقول: ههنا ههنا فقال له رجل: وما ذاك يا أمير المؤمنين ؟ فقال: ثقل لآل محمد صلى الله عليه وآله ينزل ههنا، فويل لهم منكم وويل لكم منهم، فقال له الرجل: ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤمنين ؟ قال: ويل لهم منكم تقتلونهم وويل لكم منهم يدخلكم الله بقتلهم النار (2).

* * *

 


(1) المصدر السابق 1 - 300 - 211.

(2) المصدر السابق 1 - 278.

 


[195]

11 - ذكر ابن أبي الحديد تتمة خطبته في الملاحم تنبأ فيها الامام بأن السلاح سيحمل على الظهر بقوله:

(.. وحتى يكون موضع سلاحكم على ظهوركم.) وكأنه يشير بذلك إلى البندقية وما إليها من الاسلحة الحديثة، وتنبأ فيها بولاية الحجاج ويوسف بن عمر (1).

 

 * * *

12 - قال ابن الحديد:

(.. ومن عجيب ما وقفت عليه من ذلك قوله في الخطبة التي يذكر فيها الملاحم وهو يشير إلى القرامطة: (ينتحلون لنا الحب والهوى ويضمرون لنا البغض والقلى، وآية ذلك قتلهم وراثنا وهجرهم أحداثنا.

 قال ابن أبي الحديد: وصح ما أخبر به، لان القرامطة قتلت من آل أبي طالب خلقا كثيرا وأسماؤهم مذكورة في كتاب مقاتل الطالبين لابي الفرج الاصفهاني.

 وفي هذه الخطبة قال، وهو يشير إلى السارية التي كان يستند إليها في مسجد الكوفة: كأني بالحجر الاسود منصوبا هنا، ويحهم ان فضيلته ليست في نفسه بل في موضعه وأسه، يمكث هنا برهة، ثم ههنا برهة، وأشار إلى البحرين، ثم يعود إلى مأواه وأم مثواه.

 ووقع الامر في الحجر الاسود بموجب ما أخبر به (2).

 


(1) المصدر السابق 2 - 133.

(2) المصدر السابق 2 - 508، وذكر ابن أبي الحديد في 2 - 49 - 50 عن المدائني في كتاب صفين خطبة للامام في الملاحم خطبها بعد النهروان.