[197]

 

الوعظ


[199]

يحسب بعض المثقفين من ناشئة هذا الجيل أن الاسلام يدعو إلى التنكر للدنيا والتزهيد فيها واعتبارها أذى كبيرا لا يجمل بالمرء أن يصيب منه قليلا ولا كثيرا.

 والكتب الموضوعة للتبشير بالحضارة الغربية، عدوة كل دعوة روحية، تساعد على تركيز هذه الفكرة عن الاسلام في نفوس هؤلاء.

 وتسهم إسهاما كبيرا في تركيزها أيضا البرامج التعليمية المدخولة التي تهمل دور الاسلام العظيم في إنقاذ العالم وتقدمه، وإن عرضته فإنما تعرض إسلاما مشوها خاليا من الحياة.

 كل هذا جعل هذه الناشئة تنظر إلى الاسلام نظر ذعر وتخوف مبعثهما الجهل لا العلم، والعمى لا البصر.

 وتوجه هذه النظرة أيضا إلى التراث الاسلامي في ميادين الفلسفة والاخلاق والادب.

 ونهج البلاغة من جملة هذا التراث الذي ينظر إليه على هذا النحو.

 فهذا الكتاب، عند ناشئة الجيل، يحتوي على طائفة من الخطب قيلت في التزهيد بالدنيا والتنفير منها، والنعي على المتمسكين بها، والآخذين بنصيب من مباهجها وأفراحها، وهو لذلك كتاب لا يلائم روح عصرنا هذا، لانه يشل في الانسان رغبته في العمل ويعطل حس الحياة فيه، ويدفعه إلى القناعة بحياة ذليلة واهنة مظلمة شوهاء.

 


[200]

ولم لا ؟ ألم تصدر هذه الخطب والاقوال من رجل ركل الدنيا بقدمه، وخرج عنها، ودعا الناس إلى أن يركلوها بأقدامهم ويخرجوا عنها ؟ هذه نظرة طائفة كبيرة من شباب الجيل إلى نهج البلاغة.

 والاسلوب الوعظي الذي يتناول فيه كثير من الوعاظ في المساجد والمحافل مهمتهم يدعم نظرة ناشئة الجيل إلى نهج البلاغة ويعززها، فهم يتناولون مهمتهم على نحو خاطئ، لانهم يعتمدون في وعظهم اعتمادا مطلقا على التنفير من الدنيا وعلى ذمها والتزهيد فيها واعتبارها أذى كبيرا يحول بين الانسان وبين أن يصبح إنسانا حقا، ويجدون في نهج البلاغة على الخصوص معينا لا ينضب من الشواهد على ما يقولون.

 * * *

إننا إذ نرجع إلى مبادئ الاسلام لنتعرف على وجهة نظره إلى الدنيا نجد هذه المبادئ تشجع الاقبال على الدنيا، وتحترم العمل، وتمجد العامل، وتعنى بنشاط الانسان الدنيوي كما تعنى بنشاطه الاخروي، يدل على ذلك ما شرعه الاسلام من قوانين تتناول جميع ألوان نشاطه الدنيوي.

 والامام عليه السلام هو أعظم أصحاب النبي (ص) فهما للاسلام ووعيا لاسراره فلا يعقل أن يقول شيئا يخالف روح الاسلام العامة ونظرته الشاملة إلى الانسان.

 ولكننا نرجع إلى نهج البلاغة فنجده مكتظا بالتنفير من الدنيا، وردع الناس عنها.

 فكيف نلائم بين ما نراه في نهج البلاغة، وبين ما نعرفه عن الامام عليه السلام.

 الذي أراه هو أن الوعاظ والناشئة جميعا راحوا ضحية خطأ كبير سبب لهم سوء الفهم وسوء التأويل لما جاء في نهج البلاغة من ذم الدنيا.

 


[201]

فعندما نريد أن نفهم نصا من النصوص يتضمن رأيا في الانسان وفي مصيره يجب علينا أولا أن نفهم الثقافة التي صدر عنها هذا النص، ثم يجب علينا ثانيا أن نفهم الواقع التأريخي الذي صدر فيه النص، فإذا تم لنا من ذلك ما أردنا وضعنا النص في إطاره التاريخي الخاص وأحطناه بظروفه النفسية المعينة، وفسرناه من وجهة نظر الثقافة التي ألهمته قائله، فحينئذ يتهيأ لنا أن نفهم النص فهما صحيحا.

 أما حين نجرد النص من إطاره التأريخي، ثم ننظر إليه بغير الروح التي صدر عنها، فإن أملنا بالفهم الصحيح يكون عقيما لاننا حينئذ لن نحصل على الفهم الصحيح أبدا.

 وهنا يكمن الخطأ الكبير الذي انزلق إليه من حسب نهج البلاغة كتابا يدعو إلى رفض الحياة الدنيا والتنفير عنها.

 إن هؤلاء حينما ذهب بهم الوهم هذا المذهب كانوا على جهل بالمثل الاعلى للحياة في الاسلام من جهة أولى، وكانوا على جهل بنظرة الاسلام الواقعية إلى الحياة والموت والمال من جهة ثانية، وكانوا على جهل بالواقع التاريخي الذي صدر فيه القسم الوعظي من نهج البلاغة من جهة ثالثة.

 فعلينا لكي نفهم القسم الوعظي من نهج البلاغة فهما صحيحا أن نعني بفهم هذه الامور الثلاثة، وسيكون هذا سببا في دراسة الواقع الاجتماعي في زمان الامام دراسة (؟) موسعة.

 


[202]

 

(1)

ونبدأ بالمثل الاعلى للحياة في الاسلام.

 لقد عرفنا أن المثل الاعلى للحياة في الاسلام هو التقوى.

 وقد فهمنا أن التقوى هي الفضيلة في أرفع معانيها، وعرفنا أن الانسان المتقي هو الانسان الذي وعى وجود الله وأمره ونهيه في كل ما يلم به من فعل أو قول، وجعل من نفسه خلية إنسانية حية تعمل بحرارة وإخلاص على رفع مستوى الكيان الاجتماعي الذي تضطرب فيه، وصدر في ذلك كله عن إرادة الله المتجلية فيما شرع من أحكام.

 هذا هو المثل الاعلى للحياة في الاسلام، فما الذي يحول بين الانسان وبين بلوغه ؟.

 الذي يحول بين الانسان وبين بلوغ هذا المثل الاعلى هو أن تقفر حياته من الشعور بالله كطاقة نفسية فاعلة، ويتبع ذلك بصورة حتمية أن يفقد الدين ما له من أثر توجيهي في حياة الانسان، وإذا فقد الانسان هذين (الشعور بالله، والدين) لم تعد الجماعة التي يعيش فيها تعني بالنسبة إلى شيئا، ولا يعود يستلهم في سلوكه سوى ذاته هو، والنتيجة الطبيعية لهذا هي أن يصبح إنسانا فرديا أنانيا.

 


[203]

إذا استوى وجود الانسان على هذا النحو كان بعيدا عن التقوى، وكان واقعه حائلا بينه وبين التقوى.

 وقد قلنا إن وجه الفائدة في جعل التقوى مثلا أعلى للحياة هو أن يكون مفهوم الطبقة الذي يستتبع حكما تقويميا لطائفة من الناس منبثقا من التقوى، بدلا من أن ينبثق هذا المفهوم من الاقتصاد أو الحرب، وبذلك تكون الطبقات ظاهرة اجتماعية تعود على المجتمع بالخير، بدلا من أن تكون تعبيرا حادا عن التفسخ الاجتماعي.

 فإذا عدنا لنرى واقع المجتمع الاسلامي في الوقت الذي ولي فيه الامام الحكم ألفيناه مجتمعا مريضا منحرفا فقد الدين قوته الدافعة عندهم، واستشرت الروح القبلية فيهم، وعاد المثل الاعلى للحياة عندهم المال والقوة.

 ويقتضينا فهم هذا الواقع أن نلم بالاسباب التي أدت إليه.

 

 * * *

ولي عثمان بن عفان الخلافة بعد عمر بن الخطاب فكانت خلافته إيذانا بأفول سياسة وبزوغ عهد سياسي جديد.

 فلقد اتبع عثمان منذ ولي الحكم سياسة خطرة في المال والولايات.

 فقد طفق يهب خواصه وذوي رحمه ومن يمت إليه بنسب أو سبب الاموال العظيمة ويخصهم بالمنح الجليلة، ويحملهم على رقاب الناس.

 وولى على البلدان الاسلامية شبانا من بني أمية، لا يحسنون الحكم ولا السياسة، ذوي روح تسلطية عاتية، لم ينل منها الاسلام شيئا مذكورا.

 وهكذا كونت هذه الطبقة طبقة أريستوقراطية من الاغنياء المترفين الذين لا تزال تعتمل في صدورهم القيم البدوية الجاهلية.

 


[204]

وقد امتد نفوذ هذه الطبقة في خلافة عثمان امتدادا هائلا، فسيطرت على الحكم سيطرة مطلقة، وحازت الاموال العظيمة التي أفاءها الله على المسلمين، والتي كان المفروض فيها أن تذهب إلى المعدمين والفقراء، وانتشرت هذه الطبقة في طول البلاد الاسلامية وعرضها حين فتح لها عثمان باب الهجرة والتنقل في البلاد الاسلامية.

 والى جانب هؤلاء كانت ثمة طبقة أخرى تتألف من الاعراب وأهل البادية وكانت القوى المسلحة في الدولة الاسلامية مكونة منهم، ينضم إليهم من دخلوا في الاسلام من الامم غير العرب، هؤلاء كانوا يلقون في زمن عثمان حيفا كبيرا من طبقة الاريستوقراطيين الناشئة، الطامحة إلى مزيد من القوة والاستعلاء بسبب ما يعتمل في نفوس أفرادها من قيم البداوة.

 وكانت عاقبة ذلك أن تضخمت الفروق بين الطبقات تضخما كبيرا من الناحية المادية والمعنوية.

 وانقلبت الاثرة إلى طغيان، وانقلب الحقد إلى زئير، وتراكم الطغيان حتى وجد رد فعل طاغ في ثورة المظلومين، الذين أثقلهم الظلم الفادح، على حكومة عثمان وعلى ولاته.

 وكانت عاقبة ذلك كله قتل عثمان.

 وجاء الناس إلى الامام يطلبون منه أن يلي الحكم، ولكنه أبى عليهم ذلك، لا لانه لم يأنس من نفسه القوة على ولاية الحكم وتحمل تبعاته، فقد كان عليه السلام على تمام الاهبة لولاية الحكم، كان قد خبر المجتمع الاسلامي من أقطاره، وخالط كافة طبقاته، وراقب حياتها عن كثب، ونفذ إلى أعماقها، وتعرف على الوجدان الطبقي الذي يشدها ويجمعها.

 وقد مكنه من ذلك كله المركز الفريد الذي كان يتمتع به من النبي صلى الله عليه وآله،


[205]

فهو وزيره ونجيبه، وأمين سره، وقائد جيوشه، ومنفذ خططه، ومعلن بلاغاته..

 هذه المنزلة الفريدة التي لم يكن أحد من الصحابة يتمتع بها أعدته إعدادا تاما لمهمة الحكم.

 وقد كان النبي يبتغي من وراء إناطة هذه المهام كلها به إعداده للمنصب الاسلامي، ليصل إليه وهو على أتم ما يكون أهلية واستعدادا.

 ولقد غدا من نافلة القول أن يقال أنه عليه السلام هو الخليفة الذي كان يجب أن يلي حكومة النبي في المجتمع الاسلامي.

 وإذا لم يقدر له أن يصل إلى الحكم بعد النبي فإنه لم ينقطع عن الحياة العامة، بل ساهم فيها مساهمة خصبة، فقد كان أبو بكر ثم عمر ومن بعدهما عثمان لا يسعهم الاستغناء عن آراءه في السياسة والقضاء والحرب، وخاصة في خلافة عثمان فقد كان فيها على أتم الصلة بالتيارات التي تمخر المجتمع الاسلامي، لكن عثمان لم ينتفع كثيرا بالتوجيه الذي كان الامام يقدمه إليه لان بطانة متعفنة كانت تحيط بهذا الخليفة.

 فأنت ترى أنه لم يأب الحكم لانه لم يأنس من نفسه القوة عليه، وإنما أباه لامر آخر: لقد كان يرى المجتمع الاسلامي وقد تردى في هوة من الفوارق الاجتماعية التي ازدادت اتساعا بسبب السياسة التي اتبعها ولاة عثمان مدة خلافته.

 ولقد كان يرى التوجيهات الدينية العظيمة التي عمل النبي طيلة حياته على إرساء أصولها في المجتمع العربي قد فقدت فاعليتها في توجيه حياة الناس.

 وكان عليه السلام يعرف السبيل الذي يرد الاشياء إلى نصابها، فإنما صار الناس إلى واقعهم هذا لانهم فقدوا الثقة بالقوة الحاكمة التي تهيمن عليهم.

 فقدوا الثقة بهذه القوة كناصر للمظلوم وخصم للظالم، فراحوا يسعون إلى إقرار حقوقهم


[206]

وصيانتها بأنفسهم. وهكذا، رويدا رويدا انقطعت الصلة بينهم وبين الرموز المعنوية التي يجب أن تقود حياتهم.

 والسبيل إلى تلافي هذا الفساد كله هو إشعار الناس أن حكما صحيحا يهيمن عليهم، لتعود إلى الناس ثقتهم الزائلة بحكامهم.

 ولكن شيئا كهذا لم يكن سهلا قريب المنال، فهناك طبقات ناشئة لا تسيغ مثل هذا، ولذلك فهي حرية أن تقف في وجه كل برنامج إصلاحي وكل محاولة تطهيرية، ولذلك أبى عليهم قبول الحكم، لانه قدر - وقد أصاب - انه سيلاقي معارضة عنيفة من كل طبقة تجد صلاحها في أن يبقى الفساد على حاله.

لاجل هذا قال للجماهير يوم هرعت إليه تسأله أن يلي الحكم:

(دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول (1)، وإن الآفاق قد أغامت (2) والمحجة قد تنكرت (3)، واعلموا اني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل، وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيرا خير لكم مني أميراً)(4).

 


(1) لا تصبر له، ولا تطيق احتماله.

(2) أغامت: غطيت بالغيم.

(3) المحجة: الطريق المستقيمة. تنكرت: تغيرت معالمها فصارت مجهولة.

(4) نهج البلاغة، رقم النص: 90.

 


[207]

ولكن القوم أبوا عليه إلا أن يلي الحكم، وربما رأى عليه السلام انه إذا لم يستجب لهم فربما توثب على حكم المسلمين من لا يصلح له، فيزيد الفساد فسادا، ورجا أن يخرج بالناس من واقعهم الاجتماعي التعس الذي أحلتهم فيه اثنتا عشرة سنة مضت عليهم في خلافة عثمان، إلى واقع أنبل وأحفل بمعاني الاسلام، وهكذا استجاب لهم، فبويع خليفة للمسلمين.

 ولقد دأب، بعد أن بويع، على بيان الهدف الذي ابتغى من وراء ولاية الحكم، وذلك بأن يكون في مركز يمكنه من أن يصلح ما يفتقر إلى الاصلاح من شؤون الناس، وأن يرفع عن المظلومين فادح ما رزحوا تحته من ظلم، فتراه يقول:

(.. أما والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة (1)، لولا حضور الحاضر (2) وقيام الحجة بوجود الناصر (3)، وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كظة (4) ظالم ولا سغب (5) مظلوم، لالقيت حبلها على غاربها (6)، ولسقيت آخرها


(1) برأ: خلق. والنسمة: الروح.

(2) من حضر لبيعته من الناس.

(3) أي أنه مع وجود المقاتلين الناصرين للحق لا يجوز القعود عن التصدي للقيام بمهمات الحكم والاصلاح.

 فوجود الانصار على الحق حجة على القائد لابد معها من الحركة والقيام بالامر.

(4) الكظة: ما يعتري الآكل من الضيق عند امتلاء البطن بالطعام. والمراد هنا تعدي الظالم على حقوق الناس.

(5) السغب: شدة الجوع. والمراد هنا هضم حقوق الضعيف.

(6) الغارب: الكاهل، الناقة حين يتركها قائدها فلا يقودها يرخي لها الخطام، فالكلام تصوير للترك وإرسال الامر.

 


[208]

بكأس أولها، ولالفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة (1) عنز) (2).

 وقال:

(اللهم إنك تعلم انه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان، ولا التماس شئ من فضول الحطام (3)، ولكن لنرد المعالم (4) من دينك، ونظهر الاصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك) (5).

 وقال:

(ولكني آسى (6) أن يلي (7) أمر هذه الامة سفهاؤها وفجارها، فيتخذوا مال الله دولا (8)، وعباده خولا (9)، والصالحين حربا (10)،


(1) عفطة العنز ما تنثره من فمها.

(2) نهج البلاغة، رقم النص: 31 (جزء من الخطبة الشقشقية).

(3) الحطام: ما يحطم ويتفتت من عيدان الزرع إذا يبس.والمراد هنا: متاع الحياة الدنيا.

(4) المعالم جمع معلم - بفتح، فسكون، - وهو الاثر الذي يستدل به على الطريق.

(5) نهج البلاغة، رقم النص: 129.

(6) آسي: فعل مضارع من (أسيت عليه) أي حزنت، والمراد انه (ع) يحزن أن يتولى أمر الامة السفهاء والفجار.

(7) يلي: يحكم الامة.

(8) دولا: أي شيئا يتداولونه بينهم، كأن الحكم لعبة أو كرة يتقاذفونها.

(9) خولا: أي عبيدا.

(10) حربا.. أي يحاربون الصالحين، وينصرون الفاسقين، ويتخذونهم حزبا لهم.

 


[209]

والفاسقين حزبا، فان منهم الذي قد شرب فيكم الحرام (1)، وجلد حدا في الاسلام، وان منهم من لم يسلم حتى رضخت له (2) على الاسلام الرضائخ..) (3).

 لاجل هذا كله قبل عليه السلام أن يتولى الحكم.

 وما أن بويع حتى عالن الناس بسياسته التي عزم على اتباعها من أجل تحقيق الاهداف التي قبل الحكم لاجلها.

 وقد عرفت أن هذه السياسة لم تكن شيئا مرتجلا اصطنعه لنفسه يوم ولي الخلافة، وإنما كانت خططا مدروسة ومنتزعة من الواقع الذي كان يعانيه المجتمع الاسلامي آنذاك، ومعدة لان تبلغ بهذا المجتمع خطوات إلى أمام، ومهيئة لتنيل هذا المجتمع المطامح التي كان يحلم بها ويصبو إليها.

 * * *

وقد كانت إصلاحاته السياسة تتناول ثلاثة ميادين: الادارة، والحقوق، والمال.

أ - الادارة:

ففيما يرجع إلى سياسة الادارة عزل ولاة عثمان عن الامصار، هؤلاء الولاة الذين كانوا السبب المباشر في الثورة لظلمهم وبغيهم وعدم درايتهم بالسياسة وأصول الحكم، وولى من قبله رجالا ذوي دين وعقل وبعد نظر وحسن تدبير.

 


(1) الحرام: الخمر.

(2) الرضائخ: العطايا، ورضخت له: أعطيت له. وقالوا أن عمروا بن العاص لم يسلم حتى طلب عطاء من النبي (ص) فلما أعطاه أسلم.

(3) نهج البلاغة (باب الكتب) من كتابه إلى أهل مصر مع مالك الاشتر لما ولاه إمارتها، رقم النص: 62.


[210]

ب - الحقوق:

وفيما يرجع إلى الحقوق نادى بأن المسلمين جميعا سواء في الحقوق والواجبات في الاسلام، وقد كانت هناك فروق حقوقية جاهلية نسفها الاسلام ولكن عهد عثمان أعادها، فقريش ذات الماضي العريق في السيادة على القبائل العربية عادت في زمن عثمان فأتلعت جيدها وأعادت تلك الفروق، فغدا أناس ليس لهم ماض مشرف بالنسبة إلى الاسلام ونبيه يتعالون على أعظم المسلمين جهادا وسابقة وبلاء، لمجرد أنهم قرشيون..

 هذه الفروق المعنوية الجاهلية حطمها الامام، فقال:

(الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه) (1).

 ج - المال:

وفيما يرجع إلى سياسية المال وقف موقفا صارما، فصادر جميع ما أقطعه عثمان من القطائع وما وهبه من الاموال العظيمة لطبقة الاريستو قراطيين، وقد صرح بذلك في أول خطبة خطبها بعد خلافته، فقال:

(أيها الناس ! إني رجل منكم، لي ما لكم وعلي ما عليكم، وإني حاملكم على منهج نبيكم، ومنفذ فيكم ما أمر به، ألا وان كل قطيعة أقطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله، فهو مردود في بيت المال فإن الحق لا يبطله شئ، ولو وجدت قد تزوج به النساء، وملك الاماء، وفرق في


(1) نهج البلاغة، رقم النص: 37.

 


[211]

البلدان لرددته، فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه الحق فالجور عليه أضيق) (1).

 وكانت سنة رسول الله صلى الله عليه وآله في توزيع الاموال هي التسوية بين الفاضل والمفضول، لان النظر في هذا الامر إلى الحاجة لا إلى الفضل، ولان الفضل ليس عرضا يشرى ويباع، ولان الفاضل يجد عند الله وعند الناس ثواب فضله، ولكن أبا بكر وعمر فضلا بعض الناس على بعض، وإذا كانا قد فضلا فإنهما قد فعلا ذلك بحكمة أما عثمان فقد فضل دون مقياس للتفضيل، وبذلك زاد التفاوت بين الطبقات فحشا وبعدا، فلما جاء الامام عليه السلام عدل عن هذه السياسة وسوى بين الناس في العطاء.

 وبقدر ما كانت هذه السياسة مصدر جذل وفرح للطبقة المستضعفة الفقيرة الرازحة تحت أثقال من الظلم كانت أيضا صفعة مدوية لقريش ولغرورها وخيلائها واستعلائها على الناس.

 فمن أين لها بعد اليوم أن تحوز الاموال العظيمة دون أن تنفرج شفتان تقولان لها: من أين لك هذا.

 وكيف لها بعد اليوم أن تستعلي، وتستبد، وتفرض على الناس في ظل الاسلام سلطانها عليهم في الجاهلية ؟.

 وكانت هذه السياسة صفعة مدوية لزعماء القبائل العربية الذين كانوا يقبضون ليسكتوا.

 وكانت هذه السياسة صفعة مدوية لمن مالا ولاة عثمان على سياستهم من أهل المدينة وغيرهم.

 


(1) نهج البلاغة، رقم النص: 15 ولم يذكر الشريف الرضي هذا النص بتمامه، وإنما ذكره ابن أبي الحديد، وغيره من شراح نهج البلاغة.

 


[212]

وكانت صفعة مدوية لولاة عثمان المعزولين، المجردين من السلطان، الذين ينتظرهم مصير لا يحسدون عليه عند الحاكم الجديد، بما ظلموا، وأساءوا السيرة، وجاروا على الرعية.

 كل هؤلاء أورثهم كربا شديدا مصير الحكم إلى علي بن أبي طالب، ولعلهم قد فكروا أن يساوموه على بذل طاعتهم له، على أن يغضي عما سلف منهم، ويأخذهم باللين والهوادة فيها يستقبلون، فأرسلوا إليه بعض زعماء بني أمية يقول له: (يا أبا الحسن.

 انك قد وترتنا جميعا.. ونحن نبايعك على أن تضع عنا ما أصبناه من المال أيام عثمان..) (1).

 ولكنه أبى عليهم ذلك وأصر على أن يحملهم على الخطة التي يريد، والتي يرى الصلاح في اتباعها.

 * * *

وقد حدث رد الفعل عند هؤلاء في حرب الجمل، التي كانت تدبيرا دبره من لم يماش الحكم الجديد أهواءهم من بني أمية وغيرهم من ولاة عثمان إلا أن الحركة في صميمها كانت أموية خالصة.

 وقد كان القائمون بهذه الحركة يريدون أن يعطفوا أزمة الحكم إلى جانبهم بعد أن صفرت أيديهم من مساعدة الامام لهم على ما يبتغون.

 ولكن الامام عليه السلام قضى على الحركة في مهدها، ففر من أخطأه السيف، ممن تولى كبرها، إلى الشام.

 

 * * *

 


(1) شرح النهج، 2 - 172.

 


[213]

وانتقل الامام، بعد أن فرغ من أمر الجمل، بحكومته من الحجاز إلى العراق، واتخذ الكوفة قاعدة لحكمه.

 والكوفة يومئذ مركز الثقل في المجتمع الاسلامي الناشئ.

 وفي العراق استمر الامام على سياسته المالية والادارية التي استنها لنفسه، وأذاعها في الناس، فالمساواة في الاعطية أمر مفروغ منه، ومؤاخذة العمال على الصغيرة والكبيرة، ومراقبتهم وإذكاء العيون عليهم أمر لازم لا معدى عنه.

 وكانت العناصر المسلمة غير العربية كثيرة في الكوفة، فكانت تضم عددا كبيرا من الفرس وغيرهم ممن دخلوا في الاسلام، وكان هؤلاء يحتلون طبقة اجتماعية منحطة في نظر العرب ذوي النزعة القبلية، وكان من العسير على العربي أن يتصور أنه مساو في القيمة لهؤلاء، ولذلك كان يطمح إلى أن يتميز عليهم، ولكن الامام عليه السلام لم يلق بالا إلى كل هذا، فالمساواة مبدأ شامل يسري على كل فرد عربيا كان أو أعجميا.

 لقد كان حريا بهذه السياسة الواعية لآلام الشعب وآماله، الطامحة إلى إسعاده، أن تنجح لو لم تعاكسها سياسة أخرى.

 ففي الوقت الذى قامت فيه حكومة الامام في الكوفة، قامت حكومة أخرى في الشام برياسة معاوية بن أبي سفيان.

 وبينما كانت حكومة الامام تسير على نهج إسلامي خالص، أي أنها كانت تحقق للرعية أقصى قدر مستطاع - في ظروفها الاقتصادية والسياسية والعسكرية - من الرفاهية والامن والعدالة، كانت حكومة معاوية تسير على نهج آخر في الحكم يقوم على شراء الضمائر بالمال، وتفضيل طائفة على حساب حرمان طائفة اخرى، وتعطيل السبل، وتعكير الامن.

 ولم يكن معاوية يبالي في أن ينزل بدافعي الضرائب من الزراع والتجار


[214]

أفدح الظلم، في سبيل أن يحصل منهم على مزيد من المال يغذي به أطماع حفنة من رؤساء القبائل العربية يؤلفون جهازه العسكري المتأهب دائما لقمع أي حركة تحررية تقوم بها جماعة من الناس.

 وقد آتت هذه السياسة أكلها جيدا في العراق.

 فقد كان رؤساء القبائل في العراق يرون سياسة معاوية فيعجبون بها، فهي تلبي ما يطمحون إليه من غنى ووجاهة وارتفاع قدر، بينما هم لا يجدون شيئا من هذا في حكومة الامام.

 وقد كان المجتمع العراقي قبليا، فلكل قبيلة رئيسها وأشرافها وتقاليدها وأمجادها.

 والرجل ذو الروح القبلية - كما يثبت علم الاجتماع - عالمه قبيلته، فهو ينفعل بانفعالاتها، ويطمح إلى ما تطمح إليه، ويعادي من تعادي، وينظر إلى الامور من الزاوية التي تنظر منها هذه القبيلة، وذلك لانه يخضع للقيم القبلية التي تدين بها هذه القبيلة.

 وتتركز مشاعر القبيلة كلها في رئيسها، فالرئيس في المجتمع القبلي هو المهيمن، والمرجع، والموجه الاوحدي للقبيلة كلها.

 فيكفي أن يقول الرئيس كلمة لتصبح قانون القبيلة كلها، ويكفي أن يتخذ موقفا ليكون موقف القبيلة كلها، ولا أحسب أن من يتعالون على هذا الاسر يتجاوزون أصابع اليدين كثيرا. هذه هي طبيعة المجتمع القبلي.

 وقد أثر الاسلام على هذه الطبيعة بلا شك، ولكن التأثير لم يكن حاسما، فقد وقعت في الحقب السياسية التي خلفت النبي أخطاء سببت عودة الروح القبلية على أشدها.

 وإذا عرفنا هذا وسعنا أن نفهم الاثر البعيد الذي كانت تتركه سياسة معاوية في المجتمع العراقي أبان ذلك العهد.

 


[215]

فهذا المجتمع قبلي يدين لرؤسائه بالطاعة المطلقة.

 وهؤلاء الرؤساء يطمحون إلى مزيد من القوة والسلطان والغنى والمنزلة الاجتماعية ولا يجدون شيئا منها عند الامام بينما هم يجدونها عند معاوية كما يشتهون.

 ويقول هؤلاء الرؤساء إن حكومة معاوية خير من حكومة علي وهي خير لهم بلا إشكال، وتسمع القبيلة كلها مقالة زعيمها فتدين بها، غير واعية أن حكومة معاوية ان كانت خيرا لرؤسائها فحكومه علي خير لها، وذلك لان هذه تستن المساواة سياسة لهما بينما تستن تلك سياسة الاثرة، وهم لا يعون هذا، لانهم ينظرون إلى الامور بالمنظار الذي ينظر به الرؤساء.

 على هذا النحو كانت سياسة معاوية تؤثر في العراق، وقد وعى ذلك جماعة من المخلصين للامام فقالوا له: (يا أمير المؤمنين أعط هذه الاموال، وفضل هؤلاء الاشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم واستمل من تخاف خلافه من الناس) (1).

 ناظرين إلى ما يصنع معاوية، ولم يكن رؤساء القبائل العربية في العراق يطمعون بأكثر من هذا، ولكن الامام أجابهم قائلا:

(أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه ؟ والله ما أطور به ما سمر سمير (2)، وما أم نجم في السماء نجما (3)، لو كان المال لي لسويت


(1) شرح النهج، 1 - 182.

(2) ما أطور.: من (طار يطور حول الشئ) إذا حام حوله، أي: ما أمر به، ولا أقار به (ما سمر سمير) أي مدى الدهر، وهو مثل. قالوا: السمير هو الدهر.

(3) أم: قصد: أي ما قصد نجم نجما.

 


[216]

بينهم، فكيف وإنما المال مال الله ؟ ألا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة ويكرمه في الناس ويهينه عند الله) (1).

 وقد صارت الشام ملاذا لمن يغضب عليه الامام لخيانة خانها في عمله، أو جريرة جرها على نفسه. ومطمحا لمن يريد الغنى والمنزلة، فيجد عند معاوية الاكرام، والرفعة، والعطاء، والمنزلة الاجتماعية.

 وقد كتب علي عليه السلام مرة إلى عامله سهل بن حنيف في شأن قوم من أهلها لحقوا بمعاوية:

(وإنما هم أهل دنيا مقبلون عليها، ومهطعون إليها (2)، وقد عرفوا العدل ورأوه، وسمعوه ووعوه، وعلموا أن الناس عندنا أسوة، فهربوا إلى الاثرة (3) فبعدا لهم وسحقا) (4).

 وقد وصف عليه السلام سياسة معاوية بقوله:

(طبيب دوار بطبه، قد أحكم مراهمه، وأحمى مواسمه (5)، يضع ذلك حيث الحاجة إليه: من


(1) نهج البلاغة، رقم النص: 124.

(2) مهطع: مسرع.

(3) الاثرة - بالتحريك - اختصاص النفس بالنفع، وتفضيلها على غيرها. والسحق - بضم السين - البعد.

(4) نهج البلاغة - باب الكتب - رقم النص: 70.

(5) مواسمه، جمع ميسم - بكسر الميم - وهو المكواة.

 


[217]

قلوب عمي، وآذان صم، وألسنة بكم، متبع بدوائه مواضع الغفلة ومواطن الحيرة..) (1).

 وهكذا فعلت سياسة معاوية فعلها في مجتمع الامام، فتمالا رؤساء أصحابه على الخيانة، وتخاذلوا عن نصره فلا يجيبونه حين يدعوهم، ولا ينصرونه حين يستنصرهم، وما أكثر خطبه وكلماته التي أعلن فيها شكواه منهم، وبرمه بهم، من ذلك قوله عليه السلام:

(يا أشباه الرجال ولا رجال ! حلوم الاطفال، وعقول ربات الحجال (2). لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم، معرفة والله جرت ندما، وأعقبت سدما (3). قاتلكم الله ! لقد ملاتم قلبي قيحا، وشحنتم صدري غيظا، وجرعتموني نغب التهمام أنفاسا (4)، وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان، حتى قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع، ولكن لا علم له بالحرب..) (5).

 وقد ظهر أثر هذه السياسة على أشده بعد صفين، فحين انتهت مهزلة التحكيم


(1) نهج البلاغة، رقم النص: 106.

(2) حجال: جمع حجلة، وهي القبة تكون فيها المرأة، وموضع يزن بالثياب للعروس. وربات الحجال: النساء.

(3) السدم: الهم مع أسف أو غيظ.

(4) النغب: بمعنى جرع، وعلى وزنها، وهي جمع نغبة كجرعة، وبمعناها. والتهمام - بالفتح - الهم. وقوله (انفاسا) أي جرعة بعد جرعة.

(5) نهج البلاغة، رقم الخطبة: 27.

 


[218]

- كما شاء دهاء عمرو بن العاص وغباء أبي موسى الاشعري أو سوء نيته - دأب معاوية على إرسال جيوش صغيرة سريعة فتضرب، وتقتل، وتنهب، وتروع الآمنين دون أن يعترضها معترض.

 فإذا ما دعا الامام رؤساء أصحابه إلى اللحاق بها تقاعسوا عنه وصموا أسماعهم دونه.

 وأظهر مصاديق هذه الخيانة تجلت يوم سير معاوية جيوشه إلى مصر، فقد دعا الامام رؤساء أصحابه إلى إنجاد محمد بن ابي بكر قبل أن تفوت الفرصة وتملك عليهم مصر، فلم يجبه منهم مجيب حتى انتهى الامر بسقوط مصر في يد معاوية ومقتل محمد بن ابي بكر رحمه الله.

 وقد كان عليه السلام يعرف كيف يجعلهم إلى صفه لو أراد، فيفضلهم، ويعطيهم الاموال، ويحملهم على رقاب الناس، ويرضي غرورهم القبلي، ولكن ذلك كان ينقلب به إلى جبار يدعم ملكه بالسيف، بدل أن يكون أبا للرعية تدعم سلطانه القلوب.

 لقد قال لهم مرة:

(.. وإني لعارف بما يصلحكم ويقيم أودكم (1)، ولكني لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي) (2).

 * * *

هذا هو الواقع الاجتماعي والسياسي الذي كان عليه مجتمع الامام.

 ومن الجلي ان مجتمعا يمارس حياته الاجتماعية والسياسية على هذا النحو مجتمع بعيد عن التقوى بعدا شاسعا، فالتقوى والقبلية شيئان متضادان، والتقوى


(1) أودكم: إعوجاجكم.

 (2) نهج البلاغة، رقم النص: 67.

 


[219]

ونصرة الباطل شيئان متضادان، والتقوى وحب الاثرة والتكبر شيئان متضادان.

 هذا الواقع كيف كان يسع الامام أن يعدله، هل كان عليه أن يجاري أهواء أصحابه فيبذل لهم ما تطمح إليه أنفسهم ؟.

 لقد قال: (أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور... هل يقتلهم ؟ إن ذلك كفيل بإحراج مركزه وإثارة الناس عليه.

 هل ينفيهم ؟ إن ذلك يدفعهم إلى المجاهرة بولائهم لمعاوية وبذلك يجرون وراءهم قبائلهم.

 لقد كان آمن المواقف معهم ابقاؤهم تحت سمعه وبصره، إن قعدوا عن نصرته لا يستطيعون نصرة عدوه.

 ثم حاول أن يبدل نظرة الناس إليهم ويبدل نظرتهم إلى هذه المطامح التي يطمحون إليها بوسيلتين: الاولى: - وقد كان يتوجه بها إلى الرجل العادي - هي محاربة النزعة القبلية.

 فقد كان عليه السلام يعلم ان قوة هؤلاء الرؤساء مستمدة من إيمان قبائلهم بهم، فإذا تزعزع هذا الايمان لم يعد لهم من قيمة.

 الثانية: هي الموعظة، وهو بين فيها للرؤساء أن ما يطمحون إليه وهم من الوهم، وان حاضرهم خير لهم من دنيا يصيبونها عن طريق الخيانة والغدر ونصرة الباطل.

 وسنرى أن الالوان الوعظية في نهج البلاغة تدور حول هذا القطب.

 وقد كان يتوجه بهذه المواعظ أيضا إلى الافراد العاديين الذين يخشى من أن يفتنهم رؤساؤهم بتحبيب دنيا معاوية إلى أنفسهم.

 ولعل هذا يفسر كثرة تكرار الامام لمواعظه.

 فقلما ترى خطبة من خطبه


[220]

خالية عن الموعظة.

 إنه كان يقصد من وراء هذا التكرار أن يثبت توجيهاته في ضمائرهم، لتكتسب هذه التوجيهات قوة الطاقة الشعورية فيأمن زيغهم وانحرافهم.

 هذا عن الحالة السياسية والاجتماعية التي كانت تسود عصره عليه السلام وعن صلتها بالقسم الوعظي من النهج.

* * *

راجع في تعليل طلبه للحكم وسياسته النصوص التالية: 3 (الشقشقية) و 15 و 37 و 85 و 90 و 124 و 129 و 157 و 222 و 230 وكتابه إلى عثمان بن حنيف الانصاري عامله على البصرة - باب الكتب - رقم النص: 45 وكتابه إلى أهل مصر مع مالك الاشتر لما ولاه امارتها - باب الكتب - رقم النص 62.

 وراجع في ذمه لاصحابه وتبرمه بهم النصوص التالية: 25 و 27 و 29 و 34 و 39 و 67 و 69 و 95 و 104 و 160 و 117 و 123 و 164 و 178 و 180 و 190 (القاصعة) وكتابه إلى عبد الله بن عباس بعد مقتل محمد بن أبي بكر - باب الكتب - رقم النص: 35 وكتابه إلى سهل بن حنيف عامله على المدينة في معنى قوم من أهلها لحقوا بمعاوية - باب الكتب - رقم النص: 70 ورقم: 261 في المختار من حكم أمير المؤمنين.

 


[221]

 

(2)

في الخلق (1) العربي الاصيل ظاهرة جديرة بالتنويه، حقيقة بالشرح، لانها مفتاح كثير من الاخلاق العربية الكريمة.

 هذه الظاهرة التي عنيت هي (الواقعية) كما يفهمها العربي ويسير على ضوئها في الحرب، ومنع الجار، ونصر الضعيف، وبذل المال.

 وطلب اللذة.

 إن الموت حتم على كل إنسان ومصير لكل حي.

 وموعد الموت مجهول غامض فلا يدري متى يحل ويأزف، وكما يدخل في الظن أن يكون بعيدا يدخل في الظن كذلك أن يكون قريبا.

 وماذا بعد الموت ؟ إنه القبر والوحدة والوحشة.

 والمصير إلى القبر لازم فلا مفر منه ولا معدى عنه. والدنيا ؟..

 أليس التقلب طبعا أصيلا فيها ؟ أليس التلون ملازما لها ؟ فقد ينقلب الحال بالعزيز إلى الذل، وبالغني إلى الفقر، بالصحيح إلى المرض، وبالسعيد إلى الشقاء.

 


(1) فكرة هذا الفصل مقتبسة من الاستاذ عبد اللطيف شرارة في كتابه: روح العروبة، من فصل قيم أدار فيه الحدث حول ظاهرة الكرم العربي وقد نقلنا عنه الشواهد الشعرية الاربع الاول، ونقلنا بقية الشواهد عن كتاب البخلاء للجاحظ.

 


[222]

وإذا كان هذا كله حقا فلماذا أصد النفس عن اللذة حين تشتهي اللذة ؟ ولماذا الفرار من الحرب حين تستعر الحرب ؟ ولماذا إمساك اليد عن بذل المال حين يفد صاحب الحاجة الفقير، وصاحب الغرم الثقيل ؟.

 ان أيامنا على الارض معدودة، ونهايتنا بعد الحياة الموت، وبعد الموت القبر، وبعد ذلك في حسبان الجاهليين - النسيان والفراغ، فلماذا لا نمتع أنفسنا بلذاتها ؟ ولماذا نمسك أيدينا عن صنع وجود كريم لنا يبقى بعد ذهابنا في قلوب الناس وعلى ألسنتهم بما نصنع من خير، وبما نسدي من معروف ؟ ان العجز كل العجز، والخرق كل الخرق أن يتمرد انسان على واقعه فيظن الخلود لنفسه، ويدفعه ذلك إلى إمساك يده عن البذل، وإمساك نفسه عن الحرب، والظن عليها بلذتها.

 هذه النظرة الواقعية ليست شيئا مرتجلا، وإنما هي نتاج تفكير يفلسف الحياة والموت، وتقلب الانساب بينهما، وهي أكثر ما تكون شيوعا في الشعر العربي.

 إسمع طرفة بن العبد كيف يقول في تعليل إسرافه في إنفاقه، وإسرافه في ملاذه، وعدم إمساك يده عن البذل، وعدم إمساك نفسه عن اللذة:

أرى قبر نحام (1) بخيل بماله * كقبر غوي في البطالة مفسد

ألا أيها ذا اللائمي أحضر الوغى * وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي؟

فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي * فدعني أبادرها بما ملكت يدي


(1) النحيم: الزحير والتنحنح، وذلك لان البخيل إذا طلبت إليه حاجة كثر سعاله عندها ليداري ارتباكه.

 


[223]

ويقول يزيد بن الحكم الثقفي وهو ينصح ابنه:

ما بخل من هو للمنون * وريبها غرض رجيم ؟

ويرى القرون أمامه * همدوا كما همد الهشيم (1) !

 * * *

وحاتم الطائي يقول لزوجته:

أماوي ما يغني الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر ؟

أماوي إن يصبح صداي (2) بقفرة * من الارض لا ماء لدي ولا خمر

تري أن ما أنفقت لم يك ضرني * وأن يدي مما بخلت به صفر (3)

 * * *

وأياس بن القائف يقول:

يقيم الرجال الاغنياء بأرضهم * وترمي النوى (4) بالمقترين (5) المراميا

فأكرم أخاك الدهر ما دمتما معا * كفى بالممات فرقة وتنائيا

 * * *

 


(1) الهشيم: اليابس من النبت.

(2) صداي: الصدى، ذكر البوم. والصدى: الذي يجيبك بمثل صوتك في الجبال وغيرها. والصدى: العطش. والصدى هنا: ما يبقى من الميت في قبره، يكني الشاعر بذلك عن الوحدة والوحشة.

(3) الصفر - بالكسر -: الخالي، (بيت صفر) خال من المتاع. ورجل صفر اليدين: ليس فيها شئ.

(4) النوى: البعد. يقولون: (بعدت نواهم) إذا بعدوا بعدا شديدا.

(5) المقترين جمع مقتر: الفقير المقل.

 


[224]

وقال النمر بن تولب:

وحثت على جمع ومنع، ونفسها * لها في صروف الدهر (1) حق كذوب

وكائن رأينا من كريم مرزأ (2) * أخي ثقة، طلق اليدين وهوب

شهدت، وفاتوني وكنت حسبتني * فقيرا إلى أن يشهدوا وتغيبي

أعاذل إن يصبح صداي بقفرة * بعيدا نآني صاحبي وقريبي

تري أن ما أبقيت لم أك ربه * وأن الذي أمضيت كان نصيبي

وذي إبل يسعى ويحسبها له * أخي نصب (3) في رعيها ودؤوب

غدت وغدا رب سواه يسوقها * وبدل أحجارا وجال قليب (4)

 * * *

وقال أيضا:

قامت تباكي أن سبأت (5) لفتية * زقا (6) وخابية بعود مقطع (7)

وقريت في مقرى (8) قلائص أربعا * وقريت بعد قرى قلائص (9) أربع


(1) صروف الدهر: تقلباته ومصائبه.

(2) رجل مرزأ: أي كريم، يصيب الناس خيره.

(3) النصب: التعب والجهد.

(4) القليب: البئر. والجال: جدار البئر.

(5) سبأ الخمر: إذا اشتراها ليشربها. ولا يقال ذلك إلا في الخمر خاصة.

(6) الزق - بالكسر -: السقاء، أو جلد يجز شعره أو صوفه ولا ينتف، يتخذ للشراب وغيره.

(7) العود: الجمل المسن. والمقطع - بفتح الطاء - فحل الابل الذي انقطع عن الضراب. يريد الشاعر أن صاحبته تباكت أسفا على أن اشترى لاصدقائه خمرا ببعير مسن انقطع عن الضراب لا خير في لحمه ولا ينسل.

(8) المقرى - بكسر الميم -، وسكون القاف، وفتح الراء - أناء يقرى فيه الضيف وقريت الضيف: أحسنت إليه.

(9) قلائص: جمع قلوص: والقلوص من النوق الشابة، وهي بمنزلة الجارية من النساء.

 


[225]

أتبكيا من كل شئ هين ؟ * سفه بكاء العين ما لم تدمع

فإذا أتاني إخوتي فدعيهم * يتعللوا بالعيش أو يلهوا معي

لا تطرديهم عن فراشي إنه * لابد يوما أن سيخلو مضجعي

هلا سألت بعادياء (1) وبيته * والخل والخمر التي لم تمنع ؟

 * * *

وقال الحارث بن حلزة:

بينا الفتى يسعى ويسعى له * تاح (2) له من أمره خالج(3)

يترك ما رقح (4) من عيشه * يعيث فيه همج هامج (5)

لا تكسع الشول بأغبارها (6) * إنك لا تدري من الناتج (7)

 * * *

 


(1) عادياء. مراده: السموأل بن عادياء. قوله: (هلا سألت بعادياء..) الباء هنا بمعنى (عن) مراده (هلا سألت عن عادياء..) على نحو قوله تعالى: (سأل سائل بعذاب واقع) أي عن عذاب، فالباء هنا بمعنى عن. يريد الشاعر أن يقول لصاحبته التي تلومه على بذله وكرمه أن عليها أن تسأل عن ابن عادياء الكريم الباذل لتعرف أن صاحبها مثله.

(2) تاح له الشئ، وأتيح له: قدر له.

(3) الخالج: الشاغل، يقال: خلجني كذا، أي شغلني، ويقال: خلجته امور الدنيا.

(4) رقح ماله: أصلحه.

(5) الهمج: ذباب صغير كالبعوض يسقط على وجوه الغنم والحمير وأعينها. وقوله: هامج توكيد. يريد أن الانسان إذا أصلح عيشه واطمأن يعرض له ما يفسد حاله وينغص عليه عيشه.

(6) الكسع: أن تضرب دبر الانسان بيدك أو بصدر قدمك. والشول - بسكون الواو - النوق التي خف لبنها. والاغبار جمع غبر - بضم فسكون - بقية اللبن في الضرع. وكسعت الناقة بغبرها أي ضربت ضرعها بالماء البارد ليتراد اللبن في ظهرها.

(7) الناتج: الذي ستنتج له هذه النوق، فربما تكون أنت، وربما يكون غيرك.


[226]

وقال الهذلي:

إن الكرام مناهبوك المجد كلهم فناهب

أخلف وأتلف، كل شئ ذر عنه الريح ذاهب

 * * *

وقالت امرأة:

أنت وهبت الفتية السلاهب (1) * وإبلا يحار فيها الحالب

وغنما مثل الجراد الهارب * متاع أيام وكل ذاهب

 * * *

وقال تميم بن مقبل:

فأخلف وأتلف إنما المال عارة * وكله مع الدهر الذي هو آكله

 * * *

هذه الواقعية هي في العربي خلق أصيل كما رأيت.

 وقد جاء الاسلام فأكدها، وهذبها، وسما بها، ووجهها وجهة اجتماعية.

 فإذا كان الموت شيئا لازما لنا، وكنا نعتقد بأن وراء دنيانا هذه دنيا أخرى أعظم وأحفل وأنبل، أو دنيا أخرى أنكد وأجفى وأبلغ في الايذاء فلماذا لا نعد العدة لرحيلنا، ولماذا لا يلهينا حاضرنا الحقير عن مستقبلنا المرقوب ؟


(1) السلهب من الخيل: الفرس الطويل على وجه الارض.

 


[227]

ولماذا التكالب والوحشية ؟ ولماذا نصر على أخذ الدنيا عن طريق الختل والغدر ؟ ولماذا نصر على ظلم إخواننا من الناس في سبيل أن نزيد ذهبنا المكدس درهما جديدا ؟ ولماذا نباغض إخواننا في الدين والانسانية والوطن في سبيل عرض حقير ؟ فنفسد حياتنا على أنفسنا، ونفسد حياة إخواننا، ونعيش غرباء، لا تجمعنا عاطفة، ولا تصل بين قلوبنا رحمة، ولا يتألق في أعيننا لاخواننا حب..  ألا يكفينا أن الموت سيفرق بيننا ؟ لا.. لا.. أكرم أخاك الدهر ما دمتما معا.

هذه الواقعية الوادعة المحببة، وهذا الشعور الانساني الفياض الدافق، كانا غريبين عن نفوس الناس وقلوبهم في مجتمع العراق أيام الامام عليه السلام، وقد كان الامام يعمل على إعادة الشعور بها إلى النفوس، وسنجده في بعض الالوان التي احتواها القسم الوعظي من كلامه ينعى على الناس تركها، ويحضهم على الرجوع إليها، والصدور في سلوكهم عنها.

 * * *

وثمة لون آخر من كلامه عليه السلام ربما لا يسمى وعظا، ولكنه يندد فيه بالناس على تركهم لهذا اللون من النظر إلى الحياة والموت، ويدعوهم إلى الرجوع إليه.

 قال:

(.. وقد أصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه إلا إدبارا، والشر إلا إقبالا، ولا الشيطان في هلاك الناس إلا طمعا.. إضرب بطرفك حيث شئت من الناس فهل تبصر إلا فقيرا يكابد فقرا، أو غنيا بدل نعمة الله كفرا، أو بخيلا اتخذ البخل بحق الله وفرا (1)، أو متمردا كان بأذنه عن


(1) الوفر: المال الكثير.

 


[228]

سمع المواعظ وقرا (1).. ) (2).

 وقال:

(.. فمن آتاه الله مالا فليصل به القرابة، وليحسن منه الضيافة، وليفك به الاسير والعاني، وليعط منه الفقير والغارم (3)، وليصبر نفسه (4) على الحقوق والنوائب، فإن فوزا بهذه الخصال شرف مكارم الدنيا ودرك فضائل الآخرة) (5).

 * * *

راجع النصوص التالية: رقم 23 و 108 و 115 و 127 و 140 و 164 و 165.

 


(1) الوقر: ثقل الاذن وقلة سماعها.

(2) نهج البلاغة، رقم النص: 127.

(3) الغارم: من عليه دين.

(4) صبر نفسه: حبسها.

(5) نهج البلاغة، رقم النص: 140.

 


[229]

 

(3)

لا يريد منا الامام عليه السلام أن نقطع أنفسنا عن دنيانا وأن نحرمها لذات هذه الدنيا، وأن نغل غرائزنا وشهواتنا عن الانطلاق.

 إن التحرر عن طريق الحرمان شئ عظيم ونبيل، ولكن أكثر الناس لا يستطيعونه، ولا يقوون على احتماله.

 فها هو عليه السلام يقرر في إحدى كلماته المضيئة الهادية عقم كل محاولة ترمي إلى اقتطاع الانسان من واقعه: واقع جسمه وغرائزه ورغباته كإنسان، وواقع حياته ذات المطالب والحاجات، وواقع كينونته الاجتماعية.

 يقرر عليه السلام عقم كل محاولة ترمي إلى اقتطاعه من هذا الواقع بالتنكر لغرائزه ورغباته وحاجات حياته ولكن لماذا ؟.

 لان أسر هذه الغرائز والرغبات مودع في طبيعة الانسان، ولا يسعه التفلت من أسرها إلا بالاستحالة إلى ذات أخرى.

 قال عليه السلام:

(الناس أبناء الدنيا ولا يلام الرجل على حب أمه) (1).

 


(1) نهج البلاغة، باب المختار من حكم أمير المؤمنين، رقم النص: 303.

 


[230]

كنى بذلك عن أن دوافع الانسان إلى إجابة حاجات نفسه وشهواتها مودعة فيه، وإذا كانت مودعة فيه فهي جزء من كيانه، وهي تسهم في حبك جزء من نسيج وجوده الانساني، ولذلك فهو يحبها ويقبل عليها، ويأخذ بحظ منها، ولكن لا لوم عليه في ذلك، فهو حينما يقبل عليها إنما يلبي بإقباله هاتفا ملحا لا قبل له بكتم صوته مهما أوتي من عزيمة ومضاء.

 وهنا تأتي قصة عاصم بن زياد شاهد صدق على ما نقول: دخل عليه السلام على العلاء بن زياد الحارثي يعوده فلما رأى سعة داره قال:

(ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا أما أنت إليها في الآخرة كنت أحوج ؟ وبلى ان شئت بلغت بها الآخرة، تقري فيها الضيف، وتصل فيها الرحم، وتطلع منها الحقوق مطالعها (1)، فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة).

 فقال له العلاء: يا أمير المؤمنين أشكو اليك أخي عاصم بن زياد. قال: وماله ؟ قال: لبس العباءة وتخلى عن الدنيا.قال: علي به، فلما جاء قال:

(يا عدي (2) نفسه لقد استهام بك الخبيث (3)، أما رحمت أهلك وولدك ؟ أترى الله أحل لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها ؟ أنت أهون على الله من ذلك).

 


(1) أطلع الحق مطلعه: أظهره حيث يجب أن يظهر. ومطالع الحقوق مصارفها الشرعية.

(2) عدي: مصغر عدو.

(3) الخبيث: الشيطان. استهام بك: تعلق بك.

 


[231]

فقال عاصم: يا أمير المؤمنين، هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مطعمك ؟.. قال:

(ويحك إني لست كأنت، إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا (1) أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ (2) بالفقير فقره) (3).

 ففي هذه القصة نرى الامام عليه السلام يلوم العلاء على سعة داره، ويتخذ لومه سبيلا إلى بيان وجوه الانتفاع بها، فيشير إلى أنه لا حرج على المرء في أن يجمع بين الدنيا والآخرة، فيمتع نفسه في الدنيا بمباهجها، ويبلغ في الآخرة عليا الدرجات.

 ثم يؤنب عاصما على فعله حين هجر الدنيا ولبس العباءة، فبين له أنه بفعله هذا أناني يعمل لنفسه، إذ أن جدوى عمله لو استطاعه ووالاه لا ترجع إلا إليه، وأما غيره من الناس فلا يصيب منه نفعا وخاصة أهله وولده وهم الصق الناس به، وبين أن من الخير له أن يجمع بين العمل لنفسه والعمل لغيره، وأن يجمع بين الدنيا والآخرة. والطيبات. ؟ هل حرمها الله ؟ كلا ان الانسان مدعو لان يصيب منها شريطة ألا يستغرق فيها على نحو يلهيه عن الغاية الرفيعة لوجوده.

 

 * * *

وقال عليه السلام:

(للمؤمن ثلاث ساعات: فساعة يناجي فيها ربه


(1) يقدروا أنفسهم: يساووا أنفسهم بضعفاء الناس، فيكونوا قدوة للاغنياء.

(2) يتبيغ: يهيج بالفقير ألم الفقر فيهلكه.

(3) نهج البلاغة، رقم النص: 207.

 


[232]

وساعة يرم معاشه (1)، وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذتها فيما يحل ويجمل. وليس للعاقل أن يكون شاخصا إلا في ثلاث: مرمة لمعاش، أو خطوة في معاد، أو لذة في غير محرم) (2).

 وقال عليه السلام:

(خذ من الدنيا ما أتاك، وتول عما تولى عنك، فإن أنت لم تفعل فاجمل في الطلب) (3) - (4).

 * * *

هذا موقفه من الدنيا: لا حرج على الانسان أن يطلب الدنيا ويسعى إليها ويصيب من لذاتها، ولكن عليه أن يطلب الدنيا من طريق الحلال، ويصيب من لذتها ما يحل ويجمل، ثم لا يتهالك على الدنيا ولذاتها على نحو غير إنساني، بحيث ينقلب من انسان ذي مشاعر نبيلة، وإمكانات رفيعة عالية إلى مجرد آلة.

 آلة لجمع النقود وتكديسها، لتنفق في وجوه غير إنسانية.

 إن هذا ليس جديرا بالانسان أن يفعله، أجمل في الطلب لتعطي لنفسك حقها ولربك حقه.

 * * *


(1) يرم معاشه: يصلح معاشه.

(2) نهج البلاغة، باب المختار من الحكم، رقم النص: 39.

(3) أي فإن لم تترك ما تولى عنك وأردت أن تطلبه، فليكن طلبك جميلا، واقفا بك عند الحق.

(4) نهج البلاغة، باب المختار من الحكم رقم النص: 293.

 


[233]

والفقر.. ؟ ما موقف الامام منه ؟.

 إن الامام ليكره الفقر، ويستعيذ بالله منه، ويأمر الناس بالاستعاذة بالله منه، وينعته بأقبح النعوت. قال عليه السلام:

(الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة) (1).

 (الفقر يخرس الفطن عن حجته) (2).

 (الفقر الموت الاكبر) (3).

 (ألا وإن من البلاء الفاقة، وأشد من الفاقة مرض البدن، وأشد من مرض البدن مرض القلب.

 ألا وإن من النعم سعة المال، وأفضل من سعة المال صحة البدن، وأفضل من صحة البدن تقوى القلب) (4).

 وقال لابنه محمد بن الحنفية:

(يا بني إني أخاف عليك الفقر فاستعذ بالله منه، فإن الفقر منقصة للدين، مدهشة للعقل، داعية للمقت) (5).

 


(1) نهج البلاغة، باب المختار من حكم أمير المؤمنين، رقم النص: 56.

(2) نهج البلاغة، باب المختار من حكم أمير المؤمنين، رقم النص: 3.

(3) نهج البلاغة، باب المختار من حكم أمير المؤمنين، رقم النص: 163.

(4) نهج البلاغة، باب المختار من حكم أمير المؤمنين، رقم النص: 388.

(5) نهج البلاغة، باب المختار من حكم أمير المؤمنين، رقم النص: 319.

 


[234]

وإن إنسانا ينعت الفقر بهذه النعوت لا يمكن أن يقال عنه إنه يحبذ الفقر ويكره الغنى، ولقد كان عليه السلام يستعيذ بالله من الفقر، ويسأله أن يغنيه، فمن دعاء له عليه السلام:

(أللهم صن وجهي باليسار (1)، ولا تبذل جاهي بالاقتار (2)، فأسترزق طالبي رزقك، واستعطف شرار خلقك، وأبتلى بحمد من أعطاني، وافتتن بذم من منعني، وأنت من وراء ذلك كله ولي الاعطاء والمنع، إنك على كل شئ قدير) (3).

 ومن دعاء له عليه السلام:

(أللهم إني أعوذ بك أن أفتقر في غناك، أو أضل في هداك، أو أضام في سلطانك، أو أضطهدوا لامر لك) (4).

 وهكذ ترى أنه عليه السلام يحارب الفقر حربا لا هوادة فيها، ويحذر منه، ويستعيذ بالله أن يبتليه به.

 


(1) صيانه الوجه: حفظه من ذل السؤال، واليسار الغنى. يسأل الله تعالى أن يغنيه لئلا يضطر إلى السؤال.

(2) بذل الجاه: إسقاط المنزلة. والافتقار الفقر. يسأل الله تعالى ألا يفقره فتسقط منزلته.

(3) نهج البلاغة، رقم النص: 223.

(4) نهج البلاغة، رقم النص: 213.

 


[235]

ان الدنيا عنده جديرة بالاقبال عليها، والعمل فيها، والاخذ بحظ من متعها ولذاتها، وإن الفقر عنده أمر مذموم خطر، على الانسان أن يتخلص منه ويستعيذ بالله من بلوائه.

 

 * * *

راجع النصوص التالية: 207 و 213 و 223، وفي باب المختار من حكم أمير المؤمنين راجع النصوص التالية: رقم 3 و 56 و 163 و 319 و 388 و 390 و 393 و 416.

 


[236]

 

(4)

وإذ قد تم لنا أن نلم بالمثل الاعلى للحياة في الاسلام، والواقع الاجتماعي الذي كان يعانيه الامام، والواقعية العربية التي احتضنها الدين، ورأي الامام عليه السلام في الدنيا والآخرة، والغنى والفقر، فلنأخذ سبيلنا إلى دراسة القسم الوعظي من نهج البلاغة.

 والقسم الوعظي على ضروب وألوان، ففيه مواعظ بالتحذير من اتباع الهوى وطول الامل، وأخرى بالحض على العمل قبل فوات الفرصة، وثالثة بالتذكير بالماضين، ورابعة بتقلب الدنيا.

 * * *

ماذا يعني اتباع الهوى وطول الامل في الدنيا ؟ أما اتباع الهوى فهو يعني أن الانسان يبني مشاريعه على أسس غير عقلية، ومن ثم فهي غير واقعية، وإنما هي قائمة على نزوات وشهوات ضخمها الخيال.

 وأما طول الامل فيعني أن الانسان يغمض عينيه عن أعظم حقيقة هو لابد ملاقيها وهي الموت.

 


[237]

وإذا فهذا اللون من الوعظ موجه إلى الذين يتهالكون على الدنيا تهالكا خطرا يجرهم إلى أمرين خطيرين: أولهما تزييف الواقع الذي يحيونه، وهذا ما يسميه بطول الامل، وثانيهما ضمور الحاسة الاخلاقية في النفس، إلى حد يجعل الانسان ضعيفا أمام رغائبه وأهوائه.

 ويترك إلى هذه الرغائب والاهواء أمر صياغة مصيره.

 قال عليه السلام:

(أيها الناس، ان أخوف ما أخاف عليكم اثنان: اتباع الهوى وطول الامل. فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق. وأما طول الامل فينسي الآخرة. ألا وان الدنيا قد ولت حذاء (1)، فلم يبق منها إلا صبابة (2) كصبابة الاناء اصطبها صابها، ألا وإن الآخرة قد أقبلت، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا أبناء الدنيا، فإن كل ولد سيلحق بأمه يوم القيامة وان اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل (3)).

 العمل للدنيا على نحو يوجب ضمور الحس الاخلاقي في النفس، وعلى نحو يوجب تزييف الواقع وحسبان الخلود، مما يوجب نسيان الآخرة، والاندفاع في حياة مادية، تجرد الانسان من معناه الانساني لتحيله إلى مجرد آلة لجمع النقود والاستمتاع، هذا العمل شر كله، لانه يفسد الشخصية الانسانية ويهبط بها، ولذلك فهو عمل منهي عنه.


(1) حذاء: سريعة.

 (2) الصبابة: البقية من الماء واللبن في الاناء.

 (3) نهج البلاغة، رقم النص: 42.

 


[238]

ثم نبه إلى أن طول الامل والتزييف للواقع أمر لا مبر له فالدنيا سريعة (حذاء) وهي بالنسبة إلى كل شخص، (لم يبق منها إلا صبابة كصبابة الاناء) فلماذا طول الامل وما مبرره ؟.

 وهاتان الآفتان النفسيتان: اتباع الهوى وطول الامل، لا تحلان إلا في نفس اطرحت النظرة الواقعية الاسلامية.

 وقد كان الواقع الاجتماعي في زمن الامام يبعد بين الانسان وبين هذه الواقعية وينأى به عنها.

 وهذا النحو من العمل للدنيا يسبب التفسخ الاجتماعي، فهو لا يقتصر بآثاره الضارة على الفرد وحده، وإنما يمتد بهذه الآثار إلى المجتمع.

 قال عليه السلام:

(.. قد غاب عن قلوبكم ذكر الآجال، وحضرتكم كواذب الآمال، فصارت الدنيا أملك بكم من الآخرة، والعاجلة أذهب بكم من الآجلة.وإنما أنتم إخوان على دين الله، ما فرق بينكم إلا خبث السرائر، وسوء الضمائر، فلا توازرون، ولا تناصحون، ولا تباذلون ولا توادون، ما بالكم تفرحون باليسير من الدنيا تدركونه، ولا يحزنكم الكثير من الآخرة تحرمونه ؟ ويقلقكم اليسير من الدنيا يفوتكم حتى يتبين ذلك في وجوهكم وقلة صبركم عما زوي (1) منها عنكم، كأنها دار مقامكم، وكأن متاعها باق عليكم ! !


(1) زوي عنكم: زواه أي نحاه.

 


[239]

وما يمنع أحدكم أن يستقبل أخاه بما يخاف من عيبه إلا مخافة أن يستقبله بمثله. قد تصافيتم على رفض الآجل، وحب العاجل، وصار دين أحدكم لعقة (1) على لسانه، صنيع من قد فرغ من عمله وأحرز رضى سيده) (2).

 وقال عليه السلام:

(.. قد اصطلحتم على الغل فيما بينكم (3)، ونبت المرعى على دمنكم (4)، وتصافيتم على حب الآمال، وتعاديتم في كسب الاموال، لقد استهام بكم الخبيث (5) وتاه بكم الغرور) (6).

 أرأيت إلى هؤلاء الذين جمعتهم الانسانية فوحدت غرائزهم وقواهم ومداركهم، ثم جمعهم الدين والوطن فوحدا آمالهم، وآلامهم، وأهدافهم، ومطامحهم، كيف جعلهم العمل للدنيا، على نحو جنوني، يفقدون أجل ميزاتهم


(1) عبر باللعقة عن الاقرار باللسان مع كونه مخالفا بالقلب.

 (2) نهج البلاغة، رقم النص: 111.

 (3) اصطلحتم: اتفقتم، والغل: الحقد.

 أي اتفقتم على تمكين الحقد في النفوس.

 (4) الدمن: جمع دمنة، وهي الحقد القديم. ونبت المرعى على دمنكم: أي أن حقد بعضكم على بعض مستور بظواهر النفاق فيما بينكم. وأصل معنى الدمن: نفايات الانسان من بطنه وأرواث الماشية وأبوالها، وسميت بها الاحقاد لانها أشبه شئ بها، وقد تنبت على هذه القذارات الاعشاب الخضراء فتسترها بمنظر جميل، يخفي تحته قذارة تعافها النفس، فهكذا الاحقاد الانسانية المخبأة تحت ستار من التصنع والرياء.

 (5) استهام: أصله من (هام على وجهه) إذا خرج لا يدري إلى أين يذهب، أي أخرجكم الشيطان من نور الفطرة وضياء الشريعة إلى ظلمات الضلال والحيرة.

 (6) نهج البلاغة، رقم النص: 131.

 


[240]

الانسانية فلا يتوازرون، ولا يتناصحون ولا يتباذلون. واستحالت هذه النبالات في أعماقهم إلى غرائز ذئبية فخبثت سرائرهم، وفسدت ضمائرهم، وانفصمت عرى الود فيما بينهم، وانظر كيف ساقهم ذلك إلى الجبن الاجتماعي، فيغضي أحدهم عن عيب صاحبه، لانه يخشى أن يواجهه بعيبه.

 وقد عرفت أنه عليه السلام لا يتنكر لمن يعمل للدنيا على نحو لا يلهيه عن الآخرة، ولا يحيله إلى آلة جشعة لا تعرف معنى للشبع ولا للوقوف، وهو في هذا اللون الوعظي لا يدعو إلى هجر الدنيا وإنما يدعو إلى التخفيف من الظراوة في طلبها ويدعو إلى النظر إليها من زاوية الواقع وحده.

 وإن طائفة من الناس تحيا هذا اللون البشع من الحياة المادية الخالصة التي وصفها الامام عليه السلام في النص الذي قدمناه لبعيدة كل البعد عن المثل الاعلى للحياة في الاسلام، فهؤلاء الذين أقفرت ضمائرهم من الشعور بالله، وصار دين أحدهم لعقة على لسانه، قد انقلب كل منهم إلى أنانية تمشي، فيتنكر لمجتمعه ويسير على هدى شهواته.

 وإن العمل للدنيا على هذا النحو الذي يفقد الانسان أجل ميزاته لهو عمل جدير بأن يحارب.

 

 * * *

راجع النصوص التالية: رقم 42 و 84 و 103 و 111 و 131، وفي باب المختار من الحكم راجع: رقم 18 و 36.

 


[241]

 

(5)

والتذكير بالماضين وبما عرض لهم من طوارق الدهر ونوازل الايام، وبما ألم بهم من نكبات وآلام، وكيف أن كل ما نصبوا أنفسهم لجمعه من مال لم يغن عنهم شيئا حين حل بهم الموت..

هذا التذكير بالماضين يتخذه الامام عليه السلام وسيلة إلى تجسيم الواقع الذي يزيفه الناس، ويفرون منه، ويتمردون عليه.

 والتاريخ عند العاملين للدنيا على نحو جنوني ينقلب إلى مادة للتسلية واللهو بدل أن يكون منبعا للعبرة ومقيلا من العثرة، وينقلب أيضا صدى ميتا لكائنات لا تصلهم بها صلة، ولا تشدهم إليها وشيجة، فلا تثير مآسية فيهم طائف حزن، ولا تمدهم تجاربه بالبصيرة.

 ويحاول الامام في هذا اللون من مواعظه أن يصل ما انقطع بينهم وبين التاريخ بصلات الفكر والعاطفة، ووشائج العقل والقلب، ليعود التاريخ في أنفسهم مادة غنية بالحياة والحركة، فهي توجه وترشد، وتمسك بالانسان عن الزيغ والانحراف.

 قال عليه السلام:

(.. وخلف لكم عبرا من آثار الماضين قبلكم،


[242]

من مستمتع خلاقهم (1) ومستفتح خناقهم (2)، أرهقتهم (3) المنايا دون الآمال، وشذ بهم عنها تخرم الآجال (4)، لم يمهدوا في سلامة الابدان (5) ولم يعتبروا في أنف الاوان (6)..

 أو لستم أبناء القوم والآباء، واخوانهم والاقرباء ؟ تحتذون أمثلتهم، وتركبون قدتهم (7)، وتطأون جادتهم (8) ؟ فالقلوب قاسية عن حظها، لاهية عن رشدها، سالكة في غير مضمارها، كأن المعني سواها (9)، وكأن الرشد في إحراز دنياها (10)).

 وهكذا يقرر عليه السلام صلة التاريخ بهم، وأنه ليس غريبا عنهم فهو تأريخ آبائهم وأمثالهم.

ويقرر أيضا أن هذا التاريخ مشلول عن عمله، فهو لا يقوم بدوره في صياغة حياتهم، لانهم لا يزالون ينتهجون نفس الخطة التي انتهجها من قبل آباؤهم، فكأن الدنيا عندهم غاية كل شئ ومنتهى كل غاية.

 


(1) الخلاق: النصيب الوافر من الخير.

 (2) الخناق: حبل يخنق به. كناية عن أنهم لم يغتنموا الفسحة في العمر.

 (3) أرهقتهم: أعجلتهم.

(4) انقضاء آجالهم قطعهم (شذ بهم) عن بلوع آمالهم.

(5) لم يمهدوا. أي لم يهيأوا أنفسهم للقاء الله تعالى، وهم في حال السلامة.

 (6) أمر أنف - بضمتين - أي أمر جديد مستأنف لم يسبق به قدر.

 (7) القدة: الطريقة.

 (8) تطأون جادتهم: تسيرون على سبيلهم، بلا انحراف عنهم في شئ.

 (9) كأن المعني: كان المقصود بالتكاليف الشرعية سواها.

 (10) نهج البلاغة، رقم النص 81.

 


[243]

وقال عليه السلام:

(.. فقد رأيت من كان قبلك ممن جمع المال، وحذر الاقلال (1) وأمن العواقب - طول أمل واستبعاد أجل - كيف نزل به الموت، فأزعجه عن وطنه، وأخذه من مأمنه، محمولا على أعواد المنايا (2) يتعاطى به الرجال الرجال، حملا على المناكب، وإمساكا بالانامل. أما رأيتم الذين يأملون بعيدا، ويبنون مشيدا، ويجمعون كثيرا كيف أصبحت بيوتهم قبورا وما جمعوا بورا (3)، وصارت أموالهم للوارثين، وأزواجهم لقوم آخرين) (4).

 وإذن فلم يغن عن هؤلاء تزييفهم لواقعهم، وغرورهم بأنفسهم، وحسبانهم أنهم خالدون.لقد دهمهم هذا الواقع وهم يحسبون أنهم في أمان، فهل أغنت عنهم أموالهم وهل حصنتهم قصورهم ؟ لا، لقد ذهبوا، فليكن لك فيما صار إليه أمرهم عبرة تدفعك إلى اليقظة، وترحض عنك الغفلة.

ومن البين أن الامام عليه السلام في هذا اللون من مواعظه لا يريد الناس على أن يفروا من دنياهم، ويتركوا العمل لها، فقد رأيناه يكره هذا اللون من السلبية


(1) الاقلال: الفقر.

(2) أعواد المنايا: النعش. (يتعاطى به الرجال..) يتداولونه تارة على أكتاف هؤلاء، وأخرى على أكتاف هؤلاء.

(3) البور: الفاسد الهالك. وقال تعالى: (وكنتم قوما بورا) أي هالكين.

(4) نهج البلاغة، رقم النص: 130.

 


[244]

إنما يريد ان يحملهم على أن ينظروا إلى الحياة من زاوية الواقع وأن يصدروا في سلوكهم عن هذه النظرة الواقعية الوادعة المصيبة.

 * * *

راجع النصوص التالية: رقم 20 و 32 و 81 و 109 و 130 و 180 و 224 وفي باب الكتب وصيته إلى ولده الامام الحسن عليه السلام رقم: 31.

 


[245]

 

(6)

ذكر الامام عليه السلام أن طول الامل ينسي الآخرة.

 ومن البين أن الانسان حين ينسى أن ثمة عالما آخر سيصير إليه، فإنه يحصر جميع وجوه نشاطه في العمل لدنياه، ولا يتورع في عمله هذا عن سلوك أقبح الطرق الموصلة إلى حيازة المزيد من المال، والتمتع بالمزيد من القوة، وهكذا يدفع طول الامل إلى اتباع الهوى، الذي عرفه الامام بأنه يصد عن الحق، فهو يحمل صاحبه على ركوب كل شئ في سبيل الوصول إلى ما يريد.

 فإذا تمكن طول الامل واتباع الهوى من نفس إنسان حملاه على طلب الدنيا على نحو جنوني يجعله خطرا اجتماعيا، وعلى نسيان العمل للآخرة.

 في بعض الالوان الوعظية التي يحتويها القسم الوعظي من نهج البلاغة يحارب الامام عليه السلام هذا الانحراف، ويدعو الغافلين عن مصيرهم إلى العمل له.

 فإذا كان طول الامل غرورا خادعا، وكان اتباع الهوى باطلا، وكنا نعلم بأن المصير هو الموت، واننا سنصير بعد الموت إلى دنيا أخرى نجزى فيها بما قدمناه من أعمالنا: نثاب إن أحسنا ونؤخذ بجرائرنا إن كنا من ذوي الجرائر.

 وإذا كان هذا كله حقا فلماذا لا نقدم لانفسنا ما نحرزها به غدا، ونحن نعلم


[246]

أننا حينذاك لا نملك أن نعمل شيئا، فاليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل، ونحن نعلم أن الموت قد يلم بنا في أي لحظة، فلماذا التسويف ؟ ومن البين أنه عليه السلام لا يدعو إلى ترك الدنيا وإنما يدعو إلى العمل للآخرة.

وكأن الامام يدعو إلى الجمع بين الآخرة والدنيا، فهو لا ينهى عن العمل للدنيا، وإنما ينهى عن الاستغراق في هذا العمل، بحيث ينسى الانسان الآخرة ويقفر ضميره من الشعور بالله، وينقطع ما بينه وبين مجتمعه من أواصر الود والرحمة، وذلك كله يحول بينه وبين أن يبلغ المثل الاعلى في الاسلام.

قال عليه السلام:

(فليعمل العامل منكم في أيام مهله (1) قبل إرهاق أجله (2)، وفي فراغه قبل أوان شغله، وفي متنفسه قبل أن يؤخذ بكظمه (3)، وليمهد لنفسه وقدومه، وليتزود من دار ضعنه لدار إقامته)(4).

 * * *

وما نشك في ان هؤلاء الذين كان الامام عليه السلام يدعوهم إلى العمل للآخرة قبل فوات الفرصة كانوا قوما يقيمون الصلاة لاوقاتها، ويصومون رمضان، ويحجون البيت، فماذا كان يريد الامام منهم غير هذا ؟


(1) المهل: المهلة والفسحة.

 (2) إرهاق الاجل: أن يقرب الاجل، فلا يبقى للمفرط فرصة يتدارك بها ما فاته من العمل.

 (3) الكظم - بالتحريك - الحلق، أو مخرج النفس. والاخذ بالكظم كناية عن التضييق عند قرب الاجل أو حلوله.

 (4) نهج البلاغة، رقم النص: 84.

 


[247]

نعم، إن هؤلاء كانوا يأتون كل هذا وزيادة، وقد يحسب السطحيون ان هذا وحده كاف لجعل الانسان فاضلا، ولكنه في ميزان الامام أضعف الايمان.

 فهؤلاء الذين كان يتوجه إليهم الامام بكلامه هذا كانوا يصلون ويصومون، ويحجون البيت.

 ولكن القبلية كانت تعصف بهم عصفا شديدا.

 ولكن الاحقاد والمطامع كانت تدفعهم إلى التناكر فيما بينهم، وكانت تسل من أرواحهم كل خلق إنساني حميد.

 ولكن سياسة معاوية كانت تستهويهم، فتحملهم على الخيانة وتحملهم على الرضا بالذلة، وتحملهم على أن يصيروا عبيدا.

 ولكنهم كانوا فرديين لا يأبهون للمجتمع ولا يحسبون لآلامه حسابا.

 كانوا غرباء عن هذه الخلائق.

 ولذلك لم يرض عنهم الامام، ولذلك استثارهم إلى العمل للآخرة قبل فوات الفرصة.

 ولم يكن هذا العمل الذي أراده منهم صلاة ولا صوما ولا حجا، فتلك امور كانوا يأتون بها، ولا يقعدون عنها.

 لقد كان العمل الذي أراده هو الفضيلة، هو ان يكون كل منهم خلية اجتماعية حية، تكدح في سبيل خير المجموع، هو أن يكونوا أحرارا فلا تستعبدهم الشهوات، فتحملهم على الانحراف عن الحق، ولا تستعبدهم الحياة فتحملهم على الرضا بها مسفة حقيرة عارية من كل نبالة رفيعة وهدف عظيم.

 كان يريدهم أن يحطموا أصنام اللحم التي يعبدونها، أعني ساداتهم ورؤسائهم ومن له عليهم سلطان ليخلصوا العبادة لله وحده.

 


[248]

قال عليه السلام:

(.. إن من عزائم الله في الذكر الحكيم التي عليها يثيب ويعاقب، ولها يرضى ويسخط، أنه لا ينفع عبدا - وان أجهد نفسه وأخلص فعله - أن يخرج من الدنيا لاقيا ربه بخصلة من هذه الخصال لم يتب منها: أن يشرك بالله فيما افترض عليه من عبادته، أو يشفي غيظه بهلاك نفس، أو يعر (1) بأمر فعله غيره، أو يستنجح (2) حاجة إلى الناس بإظهار بدعة في دينه، أو يلقى الناس بوجهين، أو يمشي فيهم بلسانين، إعقل ذلك فإن المثل دليل على شبهه) (3).

 وقال عليه السلام:

(.. ولا ترخصوا لانفسكم (4) فتذهب بكم الرخص فيها مذاهب الظلمة، ولا تداهنوا فيهجم بكم الادهان على المعصية (5). عباد الله:


(1) يعر: يعيب ويلطخ، أي أن من أعظم الجرائم أن يعيب الانسان غيره بأمر قد فعله هو.

 (2) يستنجح: أي يطلب نجاح حاجته من الناس بالابتداع في الدين.

 (3) نهج البلاغة، رقم النص: 151.

 (4) أي لا تسامحوا أنفسكم في ترك المعصية، ولا تستهينوا لصغائر الذنوب، لان ذلك يصير عادة لكم فتقعوا فيما وقع فيه الظلمة من الاستهانة بالجرائم.

 (5) المداهنة: النفاق، وإظهار خلاف ما في الباطن.

 والادهان مثله.

 


[249]

إن أنصح الناس لنفسه أطوعهم لربه، وإن أغشهم لنفسه أعصاهم لربه، والمغبون من غبن نفسه (1)، والمغبوط من سلم له دينه (2)، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من انخدع لهواه وغروره.

 واعلموا أن يسير الرياء (3) شرك، ومجالسة أهل الدنيا منساة للايمان (4) ومحضرة للشيطان (5).

 جانبوا الكذب فإنه مجانب للايمان..

 ولا تحاسدوا فإن الحسد يأكل الايمان كما تأكل النار الحطب، ولا تباغضوا فإنها الحالقة (6)، واعلموا أن الامل يسهي العقل، وينسي الذكر، فأكذبوا الامل فانه غرور، وصاحبه مغرور) (7).

 في كل هذا لا يدعو الامام إلى ترك الدنيا والانعتاق من أسرها، وإنما يدعو إلى تناولها برفق، ويدعو الناس إلى أن يكونوا كائنات سامية، تجمع الدنيا إلى


(1) المغبون: المخدوع.

 (2) المغبوط: الذي نال نعمة استحق بها ان تتطلع النفوس إليه، وأن ترغب في نيل مثل نعمته.

 (3) الرياء. أن تعمل ليراك الناس، وقلبك غير راغب في العمل.

 (4) منساة للايمان. موجبة لنسيان الايمان، والغفلة عنه.

 (5) محضرة للشيطان. مكان لحضوره.

 (6) فانها الحالقة. فان المباعظة الحالقة، أي الماحية لكل خير وبركة.

 (7) نهج البلاغة، رقم النص 84.

 


[250]

الآخرة، فلا تمعن في تلك إمعانا يلهيها عن الاستعداد لهذه، ولا تغرق في هذه إلى حد يعطل فيها شخصية الانسان.

 

 * * *

راجع النصوص التالية: رقم 28 و 62 و 81 و 83 و 84 و 88 و 92 و 151 و 155 و 171 و 181 و 188 و 196 و 201 و 212 و 228 و 235.

 


[251]

 

(7)

والقسم الذي يعظ فيه الامام عليه السلام بتقلب الدنيا وعدم قرارها على حال هو أشد الالوان الوعظية، فيما يبدو، حلوكة وتشاؤما، إنه يصف فيه الدنيا بالتقلب، والمكر، والخداع.

 ويشبهها بالحية السامة، ويدعو إلى الزهد فيها، والانقطاع عنها.

 ويلوح، في بادي النظر، أن الامام في هذا القسم يدعو إلى ترك العمل للحياة، ويدعو إلى الاستراحة إلى خيالات الموت والقبر، فيشل في الانسان الرغبة في الحياة والاقبال عليها، ويقعد به عن الجهاد من أجلها، ويحيله إلى إنسان متذائب واهن القوى.

 ولكن قليلا من التأمل والامعان كفيل بأن يبين خطأ هذا الرأي.

 فقد سبق منا أن تعرفنا على رأيه في الدنيا والعمل لها، فرأيناه يحبذ العمل للدنيا والاقبال عليها، والتمتع بطيباتها، شريطة ألا يقعد به ذلك عن العمل لآخرته والاستعداد لها، وشريطة ألا ينقلب به العمل للدنيا إلى وحش يصيب مجتمعه بالضرر في سبيل أن يزيد ثرائه، ورأيناه لا يشجع الانقطاع عن الدنيا والاستغراق في العمل للآخرة وحدها، ويعتبر ذلك أنانية لا يجمل بالرجل الكامل أن يمارسها، يتبين ذلك كله في موقفه من العلاء بن زياد وأخيه عاصم.

 


[252]

ورأيناه يجمل رأيه في الدنيا والآخرة في هذه الفقرات:

(للمؤمن ثلاث ساعات: فساعة يناجي فيها ربه وساعة يرم معاشه، وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذتها فيما يحل ويجمل. وليس للعاقل أن يكون شاخصا إلا في ثلاث: مرمة لمعاش، أو خطوة في معاد، أو لذة في غير محرم) (1).

 هذا هو موقف الامام من الدنيا والآخرة، فهو يشجع على العمل للدنيا في غير إسراف، ويأمر بالعمل للآخرة ولكن في غير إعنات.

 وهذا هو الموقف الطبيعي المعقول من الدنيا والآخرة، فلا هو يقعد بالمجتمع عن تقدمه، ولا هو يحيل الانسان إلى آلة حاسبة فحسب.

 ولكن هذا الموقف لا يلائم ما يقال عن هذا اللون من ألوان وعظه عليه السلام من أنه يدعو فيه إلى الاستراحة إلى خيالات الموت والقبر.

 وإذا شئنا أن نلتمس حلا صحيحا لهذا التنافي الذي يلوح بين رأي الامام في الدنيا وبين ما يبدو من هذا اللون الوعظي وجدنا مفتاح هذا الحل في وصفه للزهد وتعريفه له.

 فالامام عليه السلام يعرض في هذا اللون الوعظي جملة من الحقائق التي لا مراء فيها بأسلوب وعظي أعني مثير للرهبة في النفس.

 فهو يقرر في كلامه أن حياتنا بقدر ما تبدو رتيبة هي متقلبة في عنف، وبقدر ما تبدو مسالمة هي تتربص في كتمان، وبقدر ما تبدو جميلة عظيمة فإنها


(1) نهج البلاغة، باب المختار من حكم أمير المؤمنين، رقم النص: 390.

 


[253]

تنطوي على حقارات وقبائح كثيرة، ثم يكون ختامها الموت، وهو حتم علينا سواء أرضيناه أم كرهناه.

 وإذن فهؤلاء الذين يحسبونها مسالمة وادعة دائما، ويعتبرونها جميلة عظيمة دائما، ويعتبرونها حلوة سائغة دائما، مخدوعون إذ لا واقع لما يحسبون، فهي في واقعها خليط من السعادة والشقاء، والقلق والاطمئنان، والشدة واللين.

 والامام عليه السلام يبتغي في هذا اللون الوعظي أن يعرفهم بواقعها ليزهدوا فيها.

 والزهد الذي يريده الامام غير الزهد في وعي العامة من الناس.

 فالزهد في وعي هؤلاء لا يعدو أن يكون موقفا سلبيا من الحياة، يشل في الانسان إمكانات الخلق والابداع عنده، ويحيله إلى إنسان متذائب واهن.

 وكلمة (زاهد) في وعي هؤلاء تستدعي صورة كائن أقل ما يقال فيه أنه عالة على المجتمع.

 أما الزهد عند الامام فهو تعبير آخر عن رأيه السابق في الدنيا والآخرة.

 قال عليه السلام في صفة الزهد:

(أيها الناس: الزهادة قصر الامل، والشكر عند النعم، والورع (1) عند المحارم، فإن عزب ذلك عنكم (2) فلا يغلب الحرام صبركم، ولا تنسوا عند النعم شكركم) (3).

 


(1) الورع. الكف عن الشبهات خوف الوقوع في المحرمات، وأيضا الكف عن المعاصي مع القدرة عليها وترك الشبهات.

 (2) فإن عزب. أي بعد. أي فان عسر عليكم أن تقصروا آمالكم، وتكونوا في الزهادة على الكمال المطلوب فلا يفوتكم التحلي بفضيلة شكر النعم، والصبر عند المحرمات.

 (3) نهج البلاغة، رقم النص 79.

 


[254]

فقد رأينا أن طول الامل ينسي الآخرة، ونسيان الآخرة يدفع بالمرء إلى اتباع هواه، وعند ذلك يعود الانسان خطرا اجتماعيا، لان ذلك ينقلب به إلى حيوان ذي غرائز طاغية، لا كابح لها، تطلب المزيد من كل شئ.

 فقصر الامل عبارة عن وعي الانسان لواقع حياته، وأن الموت مدركه الآن أو غدا.

 وهذا الوعي يمسك يده عن الظلم حين لا يستطيع أن يصل إلى أغراضه إلا عن طريق الظلم، ويسل من نفسه الشره والمطامع والاحقاد.

 والشكر عند النعم، وهو الركيزة الثانية التي يقوم عليها الزهد، عبارة عن فعل الخير، وإسداء المعروف إلى الناس، فليس المراد من الشكر هنا الشكر باللسان، لان الشكر باللسان لا يقدم ولا يؤخر في رقي المجتمع وتقدمه.

 إن الشكر المراد هنا هو الشكر بالفعل.

 فهذا الذي يعرف الدنيا على واقعها زاهد فيها ولذلك فهو لا يمسك يده عن اصطناع المعروف لانه يعي أن ما ينفقه في سبل الخير باق له عند الله وعند الناس.

 أما ما أمسك يده عليه فيصير إلى غيره ليتمتع به.

 والورع عند المحارم وهو الدعامة الثالثة من دعائم الزهد نتيجة طبيعية لفهم الدنيا على واقعها، فإذا كانت الدنيا لا تستقر على حال، وكانت خاتمتها الموت، فلماذا نتهالك عليها على نحو يذهب بما فيها من بهجة، فتغدو (؟) سلسلة من القلق والتربص والخداع والآلام ؟ لماذا لا نأخذ منها بقدر، مترقبين نهايتها سعيدة كانت أو شقية، فلئن كانت سعيدة فستنقضي ولماذا لا نقضيها على نحو أفضل، ولئن كانت شقية فستنقضي أيضا، ولماذا نزيدها شقاء وتعاسة ؟..

 حسبنا ما نلقى منها. هذا هو الزهد. فهل تجد فيه تنفيرا من الدنيا، وإقصاء عنها ؟ لا، إنه الموقف الصحيح من


[255]

الدنيا بين موقف المتهالكين عليها على نحو جنوني وبين موقف المباعدين لها على نحو مرضي.

 وقال عليه السلام:

(الزهد كلمة بين كلمتين من القرآن: قال الله سبحانه: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما أتاكم) (1)، ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه) (2).

 فأولئك الذين يملك عليهم ألبابهم فوات شئ كانوا يترقبون الحصول عليه، لا يؤمن منهم أن يقارفوا الاثم في سبيل الحصول عليه، وهؤلاء الذين تمتلئ أنفسهم بتصورات هذا الفائت لا يعود لديهم من فراغ النفس وصفاء الضمير ما يتيح لهم التسامي إلى دنيا أرحب وأنبل وأحفل بمثل الخير.

 وهؤلاء الذين يأسون على ما فاتهم، ويفرحون بما أتاهم لا يستطيعون أن يشكروا الله على نعمته بأفعالهم، فليسوا، والحال هذه، ذوي فائدة للمجتمع.

 إن الزاهدين هم الذين ينظرون إلى الامور نظرة واقعية، فلا يملك عليهم ألبابهم فوات ما فاتهم، ولا يعمي بصائرهم عن واقع حياتهم فرحهم بما أوتوا.

 هذا هو الزهد الذي دعا إليه الامام أصحابه وأرادهم عليه، فهل فيه تنفير عن الدنيا ؟ اللهم لا، وإنما هو كما قلنا الموقف الطبيعي بين موقف المتهالكين على الدنيا على نحو جنوني، والمباعدين لها على نحو مرضي.

 


(1) سورة الحديد، الآية 23. وتتمة الآية (.. والله لا يحب كل مختال فخور).

(2) نهج البلاغة - باب المختار من حكم أمير المؤمنين - رقم النص 439.

 


[256]

هذا هو الزهد الذي يدعو إليه الامام عليه السلام في هذا القسم الوعظي من كلامه، وهو موقف يوازن بين حاجات الانسان الجسمية والروحية، وهو موقف يجعل من الانسان كائنا اجتماعيا ذا جدوى لمجتمعه، ينفعه ويغنيه.

 ويجب أن نعي أن المتهالك على الدنيا، الفاقد للحس الاخلاقي، المجرد من الانسانية، غير الشاكر، وبعبارة وجيزة غير الزاهد، هو خطر على المجتمع وعالة عليه أكثر من خطر ذلك الزاهد الذي فهم الزهد فهما خاطئا فاتخذ من الدنيا موقفا سلبيا مرضيا.

 لان غاية صنيع هذا انه لا يعمل، وانه يعيش عالة على أهله وذويه، أما ذاك فعمله انه يمتص دماء الفقراء بنشاطه الذي لا يعود على هؤلاء الفقراء في صورة خدمات اجتماعية.

 ولا نريد أن ننكر أن هذا اللون من وعظ الامام يظهر الدنيا في صورة كالحة منفرة إلى حد بعيد، ولكن هذا لا يدل على رأي الامام في الدنيا بقدر ما يدل على ان معاصريه الذين توجه إليهم بهذا الخطاب كانوا مغرقين في الدنيا إغراقا خطرا دفعهم إلى الخيانة: خيانة مجتمعهم وكيانهم السياسي، ودفعهم إلى التناحر فيما بينهم، ودفعهم إلى عبادة أصنام اللحم: رؤساء القبائل والزعماء، فإنسان يمارس هذا اللون من الحياة لا يمكن انتشاله من واقعه لحظة يتملى فيها مصيره بعين بصيرة إلا بهذا اللون من التعبير والتصوير، وقديما قال علماء البلاغة: ان المخاطب كلما ازداد إغراقا في الانكار حسن من المتكلم أن يمعن في تأكيد ما يقول.

 وهؤلاء الذين كان الامام يتوجه بخطابه إليهم كانوا على هذا الحال أو قريب منه، فقد بلغ من تزييفهم لواقع حياتهم أن خانوا مجتمعهم فتمالاوا مع معاوية وباعوه ضمائرهم بالمال، وأشعلوا في هذا المجتمع روح القبلية التي دفعت بهيئاته إلى أن يقف كل منها موقفا تناحريا ذا عواقب وخيمة.

 


[257]

وإذن فليس في هذا اللون الوعظي تشويه للحياة الدنيا، وإبعاد عنها، وذم لها، إذا تناولها الانسان كما ينبغي أن يتناولها، فلم يسرف فيها إسرافا يحمله على الظلم، وينقلب به إلى حيوان خطر.

 وإنما هو كبقية الالوان التي قدمنا فيما سبق، ينصح فيه بالنظر إلى الدنيا كما هي لا كما تصورها لنا أوهامنا وأحلامنا، فإذا ما تم لنا فهمها دعانا إلى العمل فيها على هدى هذا الفهم.

 وقد رأينا أن موقفه من الحياة هو الموقف الصحيح الذي يدعو إليه الاسلام، أما الوعاظ الذين أخذوا كلامه على ظاهره، وأما ناشئة الجيل التي انفعلت بايحاءات غربية، فهم جميعا مخطئون في فهمهم للقسم الوعظي من نهج البلاغة، لانهم لم يلقوا بالا إلى المثل الاعلى في الاسلام الذي أراد الامام أصحابه على الصعود إليه، ولم يلقوا بالا إلى الواقع الاجتماعي الذي حمل الامام على أن يفيض في مواعظه هذه الافاضة ويعرض فيها هذه الالوان.

 ولم يعرفوا النظرة الواقعية الاسلامية إلى الحياة الدنيا، النظرة التي تعبر عن نظرة الامام إلى الحياة والانسان.

 * * *

وفي خاتمة هذه الدراسة نقدم بعض نماذج هذا اللون الوعظي الذي أدرنا حوله هذا الحديث.

 قال عليه السلام:

(عباد الله أوصيكم بالرفض لهذه الدنيا التاركة لكم وإن لم تحبوا تركها، والمبلية لاجسامكم وإن كنتم تحبون تجديدها، فانما مثلكم ومثلها


[258]

كسفر (1) سلكوا سبيلا فكأنهم قد قطعوه، وأموا علما (2) فكأنهم قد بلغوه، وكم عسى المجري إلى الغاية أن يجري إليها حتى يبلغها (3) ؟ وما عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه، وطالب حثيث يحدوه في الدنيا حتى يفارقها ؟ فلا تنافسوا في عز الدنيا وفخرها، ولا تعجبوا بزينتها ونعيمها، ولا تجزعوا من ضرائها وبؤسها، فإن عزها وفخرها إلى انقطاع، وإن زينتها ونعيمها إلى زوال، وضرائها وبؤسها إلى نفاد (4)، وكل مدة فيها إلى انتهاء، وكل حي فيها إلى فناء، أو ليس لكم في آثار الاولين مزدجر (5) ؟ وفي آبائكم الماضين تبصرة ومعتبر ان كنتم تعقلون ؟ أولم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون ؟ والى الخلف الباقين لا يبقون ؟ أو لستم ترون أهل الدنيا يصبحون ويمسون على أحوال شتى: فميت يبكى، وآخر يعزى، وصريع مبتلى، وعائد يعود، وآخر بنفسه يجود (6)، وطالب للدنيا


(1) السفر - بفتح، فسكون - جماعة المسافرين، أي أن الانسان في هذه الحياة كالمسافر في مسافة الطريق، فانه يصل إلى نهاية طريقه، والانسان لابد واصل إلى نهاية حياته.

 (2) أموا: قصدوا.

 (3) المجري: الذي يجري فرسه إلى غاية معلومة، فانه مهما طال جريه لابد واصل في النهاية إلى غايته.

 (4) نفاد: فناء.

 (5) مزدجر: مكان للانزجار والارتداع.

 (6) من (جاد بنفسه) إذا قارب أن يقضي نحبه، كأنه يسخو بها ويسلمها إلى خالقها.

 


[259]

والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه ؟ وعلى أثر الماضي ما يمضي الباقي). (ألا فاذكروا هادم اللذات ومنغص الشهوات وقاطع الامنيات عند المساورة للاعمال القبيحة، واستعينوا الله على أداء واجب حقه وما لا يحصى من أعداد نعمه وإحسانه) (1).

وقال عليه السلام:

(أما بعد، فإني أحذركم الدنيا فإنها حلوة خضرة، حفت بالشهوات، وتحببت بالعاجلة وراقت بالقليل، وتحلت بالآمال، وتزينت بالغرور، لا تدوم حبرتها (2)، ولا تؤمن فجعتها، غرارة ضرارة، حائلة (3) زائلة، نافذة بائدة (4)، أكالة غوالة (5)، لا تعدو - إذا تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها، والرضا بها - أن تكون كما قال الله تعالى سبحانه (كماء أنزلناه من السماء فاختلط به


(1) نهج البلاغة، رقم النص: 97.

(2) الحبرة - بالفتح - السرور والنعمة.

(3) حائلة: متغيرة.

(4) نافذة: فانية، بائدة: هالكة.

(5) غوالة: مهلكة.

 


[260]

نبات الارض فأصبح هشيما (1) تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا) (2) لم يكن امرو منها في حبرة إلا أعقبته بعدها عبرة (3)، ولم يلق في سرائها بطنا إلا منحته من ضرائها ظهرا (4)، ولم تطله (5) فيها ديمة رخاء (6) إلا هتنت عليه مزنة (7) بلاء، وحري إذا أصبحت له منتصرة، أن تمسي له متنكرة، وان جانب فيها اعذوذب واحلولى أمر منها جانب فأوبى (8)، لا ينال امرؤ من غضارتها رغبا (9) إلا أرهقته من نوائبها تعبا (10)، ولا يمسي منها في جناح أمن إلا أصبح على قوادم (11) خوف، غرارة غرور ما فيها،


(1) الهشيم: النبت اليابس المتكسر.

(2) سورة الكهف، الآية: 45، وأول الآية: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا).

(3) العبرة: الدمعة قبل أن تفيض.

(4) كنى بالبطن والظهر عن الاقبال والادبار.

(5) الطل: المطر الضعيف.

(6) الديمة: مطر يدوم في سكون، لا برق ولا رعد معه. والرخاء: السعة.

(7) المزنة: السحابة البيضاء. وهتنت: انصبت وتدفقت.

(8) أوبى: صار كثير الوباء.

(9) الغضارة: النعمة والسعة.

(10) ألحقت به التعب.

(11) القوادم: جمع قادمة، وهي الواحدة من أربع أو عشر ريشات في مقدم جناح الطائر.

 


[261]

فانية فان من عليها.

 لا خير في شئ من أزوادها إلا التقوى) (1).

 * * *

راجع النصوص التالية: رقم 45 و 52 و 61 و 79 و 80 و 81 و 97 و 101 و 109 و 111 و 112 و 131 و 143 و 189 و 194 و 244 وكتابه إلى الحارث الهمداني - باب الكتب: رقم 69 وفي باب المختار من الحكم النص رقم: 119 ورقم: 191.

 وصف الزهد ومعناه: رقم النص 79 وفي باب المختار من الحكم النص رقم: 439.

 


(1) نهج البلاغة، رقم النص: 109.

 

 ***