301 ـ الْتَّواضُعُ ثَمَرَةُ الْعِلْمِ.

التواضع لله عز وجل وللخَلْق وعدم التكبّر ثمرة العلم الّتي تترتّب عليه.

302 ـ الْعَدْلُ خَيْرُ الْحُكْمِ.

العدل خير الحكم، يعني أنّ الحُكم بالعدل والانصاف بين النفس وبين شخص آخر، أو بين شخصين هو خير الأحكام. أو انّ خير وحُسن الحُكم هو الحُكم بالعدل بين الشخصين المتنازعين وانتزاع حقّ المظلوم من الظالم.

303 ـ الْعِلْمُ قائِدُ الْحِلْمِ.

كل من كان له عِلم كان ذلك سبباً لتحلّيه بالحِلم أيضاً.

304 ـ الْصِّدْقُ خَيْرُ الْقَوْلِ.

القول الصادق هو أفضل القول، أو انّ المراد هو أنّ الصدق هو خير القول وجماله.

305 ـ الإِخْلاصُ خَيْرُ الْعَمَلِ.

الإخلاص هو خير الأعمال، أو انّ الإخلاص هو خير ما في العمل. والمراد بالإخلاص إخلاص الباطن لله تعالى بعنوان أنّه لا قصد من الطاعات والعبادات إلاّ رضاه عز وجل ، وأن لا يفسح العبد المجال في أيّ عبادة من عباداته لشائبة من رياء أو سُمعة.

306 ـ الْسَّخاءُ يَزْرَعُ الْمَحَبَّةَ.

السخاء والكرم يزرع محبّة فاعله في القلوب.

307 ـ الْشُّحُ يَكْسِبُ الْمَسَبَّةَ.

308 ـ الْطَّمَعُ فَقْرٌ حاصِرٌ.

أي انّ الطمع يضيق الصدر والفؤاد، أو يضيق العمل على صاحبه، لأنّ الطمّاع يجعل نفسه محتاجاً دائماً، ويكون على الدوام ضيق الصدر والخاطر من تفكيره في الأخذ والسعي في طرق ذلك، فلا يدع لنفسه فرصة عمل آخر من المهمّات الأخروية والدنيوية. وجاء في بعض النسخ لفظ «ظاهر» بدلا من «حاصر»، فيكون المعنى بناءً على ذلك ظاهراً.

309 ـ الْيَأْسُ غَناءٌ(1) حاضِرٌ.

يعني أنّ اليائس غير محتاج إلى الكسب والتحصيل، فما ان يقطع الإنسان الطمع عن الناس وييئس منهم فانّه يصبح ـ كالأغنياء ـ غير محتاج إلى الناس، وسيكفيه الله تعالى أُموره.

310 ـ الْتَّواضُعُ يَرْفَعُ الْوَضِيعَ.

التواضع في ساحة الله تعالى والتواضع للخلق يرفع مرتبة الوضيع.

311 ـ الْتَّكَبُّرُ يَضَعُ الرَّفِيعَ.

التكبّر في ساحة الله تعالى والتكبّر على الناس ممّا يحطّ من قدر الرفيع.

312 ـ الْرِّفْقُ مِفْتاحُ الصَّوابِ.

313 ـ الْسَّفَهُ مِفْتاحُ السِّبابِ.

السفه يعني عدم الصبر أو قلّة الصبر، أو الجهل، وهو مفتاح ووسيلة لسبّ الناس لهذا الفرد السفيه.

314 ـ الْهَوى آفَةُ الأَلْبابِ.

الهوى آفة العقول، فمن هوى أمراً ورغب فيه فعليه في ذلك الأمر أن يسير وفقاً لعقله، فإن هو لم يفعل ندم في العاقبة، ويجب إذاً ففي الرغبات والهوى من النفس ليمكن العمل بحكم العقل.

315 ـ الْعِتابُ حَياةُ الْمَوَدَّةِ.

العتاب حياة للمودّة، لأنّ الشخص إذا رأى أو سمع من صديقه شيئاً يكرهه فعاتبه فاعتذر له صديقُه، أو بيّن له محملا صحيحاً، أو خجل من فِعله أو قوله فأقلع عنه ولم يَعُد إليه، كان في ذلك حياة ودوام للمودّة بينهما، أمّا إذا لم يعتب الشخص على صديقه فإنّ ذلك التصرّف سيبقى بمثابة الشوكة الّتي تعكّر خاطر الشخص وتُضعّف المودّة، فإن تكرّر ذلك عدّة مرّات تسبّب في زوال المودّة كلّياً، والأمر كذلك بالنسبة إلى الطرف المقابل.

316 ـ الْهَديّةُ تَجْلِبُ الْمَحَبَّةَ.

إهداء الهدية يجلب المحبّة لأنّ الإنسان عبد للإحسان.

317 ـ الْمَوْتُ رَقِيبٌ غافِلٌ.

الموت رقيب وحارسٌ يحرس الإنسان إلى أن يأخذه فجأة وهو غافل، أو انّ هذا الشخص غافل عن هذا الحارس في أوقات حراسته له، أو انّ الموت حارس غافل، يعني بدون إدراك وشعور يحرس الإنسان ـ مع ذلك ـ بأمر الحقّ تعالى حتى يحين أجله. والمراد بالحراسة هو انّ هذا الشخص يبقى محفوظاً إلى أجله بسبب تقدير وقت خاص وأجل خاص له، فكأنّ الموت يحرسه ويحفظه إلى ذلك الوقت.

أو انّ الموت يتعقّب الإنسان بمنزلة الحارس الّذي يرافق الإنسان ويراقبه حيثما حلَّ.

وجاء في بعض النسخ لفظ «رفيق» بدلا من «رقيب»، فيكون معناه ـ بناءً على هذا ـ انّ الموت رفيقٌ غافل. وقد اتّضح بما أوردنا في شرح اللفظ الوارد في النسخة الأُولى الوجه المراد بكلا اللفظَين، فلا حاجة إلى الاعادة.

318 ـ الْدُّنْيا ظلٌّ زائِلٌ.

التعبير عن الدنيا بالظلّ إشارة إلى أنّها لا وجود لها في الحقيقة حتّى قبل زوالها، وأنّها بمنزلة الظلّ الّذي هو انعدام النور الّذي يُخيّل للناس أنّه شيء موجود.

319 ـ الْمَوْتُ بابُ الآخِرَةِ.

الموت باب الآخرة الّذي يدخل الناسُ عالم الآخرة منه، فما أسعد المحسن الّذي يصل إليه، وأتعس وأشقى المسيء الّذي يدخله.

320 ـ الْتَجَمُّلُ مُرُوءَةٌ ظاهِرَةٌ.

التجمّل بمعنى التزيّن، والمروءة بمعنى الرجولة والآدمية والإنسانية، والمراد إمّا مدح التجمّل والتزيّن وأنّها من جُملة الآدمية الظاهرة، أو انّ التجمّل وتزيين النفس هو أنْ يكون للشخص مروءة ظاهرة يشاهد الناس آثارها، يعني أنّها لاتحصل بتزيين النفس بالملابس الفاخرة والتزيّن بأسباب المجلس والبيت وأمثالها، بل بكسب عدّة أُمور هي علامة على رجولة وآدمية الشخص من الفضائل والكمالات وحُسن الأخلاق والفعال.

321 ـ الْمَواعِظُ حَياةُ الْقُلُوبِ.

المواعظ والنصائح سبب لحياة القلوب.

322 ـ الْذِّكْرُ مُجالَسةُ الْمَحْبُوبِ.

يعني انّ ذِكر المحبوب وعدم نسيانه بمثابة مجالسته. وهذه الفقرة كافية في معرفة مرتبة ومنزلة ذِكر الحقّ تعالى.

323 ـ الْدِّيْنُ أَفْضَلُ مَطْلُوب.

324 ـ الْعَقْلُ صَدِيْقٌ مَقْطُوعٌ.

يعني انّ العقل صديق قطعه أكثر الناس وفارقوه ولم يُتابعوه.

325 ـ الْهَوى عَدُوٌّ مَتْبُوعٌ.

الهوى والأمل عدوّ يتبعه أكثر الناس.

326 ـ الْعَاقِلُ يَأْلِفُ مِثْلَهُ.

327 ـ الْجاهِلُ يَمِيْلُ إِلى شِكْلِهِ.

وجاء في بعض النسخ «يألفه مِثْلُه» بدلا من «يميل إلى شكله»، فيكون معناه انّ مَن يألف الجاهل هو جاهلٌ مثله، وحاصل كلا الفقرتين واحد. ومن فوائد هاتين الفقرتين انّ الشخص إذا كان عاقلا عالماً فعليه أن لا يسعى في حصول ألفة بينه وبين الجاهل لأنّهما لن يأتلفان. وإذا ما ألفه الجاهل فعليه أن لا ينخدع ولا يعتمد على تلك الألفة، لأنّه يُظهر ذلك للسبب ما، أمّا في قلبه فهو بعيدٌ عنه وهاربٌ منه.

كما انّ السعي في ألفة العاقل بالجاهل عبث. وكذلك من هذا السبيل كلّما عَلِم شخصٌ علم وعقل شخص ما أو جهله فإنّه يمكنه أن سيستنبط أحوال أصحابه وأهل الألفة معه(2).

328 ـ الْسَّلامَةُ فِي الْتَّفَرُدِ.

من الظاهر للمتتبّع للأحاديث والأخبار انّ التفرّد والانعزال التام عن الخلق ليس محموداً، فقد وردت أحاديث كثيرة في فضل التزويج وذمّ العزوبة، مثل ما ورد من انّ ركعتين يصلّيهما المتزوّج أفضل من سبعين ركعة يصلّيها الأعزب(3)، وانّ ركعتين يصلّيهما المتزوّج أفضل من قيام الأعزب ليله وصيامه نهاره، وأنّ أراذل موتام العزّاب(4)، وانّ أكثر أهل النار العزّاب(5). وجاء في الحديث أيضاً انّ من أكل طعامه وحده ملعون، ومن نام في الليل وحده ملعون.

وجاء في أحاديث كثيرة فضل الاهتمام بأُمور المسلمين ونفعهم، حتّى انّه ورد: «من أصبح لا يهتمّ بأُمور المسلمين فليس منهم»(6)، وورد «الخلق عيال الله تعالى، فأحبّ الخلق إلى الله تعالى مَن نفع عيال الله وأدخل على أهل بيت سروراً»(7).

وجاءت أحاديث كثيرة في باب حقّ المؤمن على المؤمن، مثل حديث: «من حقّ المؤمن على أخيه أن يُشبع جَوعته، ويُواري عورته، ويفرّج عن كُربته، ويقضي دَينه، فإذا مات خلفه في أهله وولده»(8).

وأيضاً وردت أحاديث جمّة في باب فضل تزاور المؤمنين فيما بينهم، مثل حديث: «من زار أخاه في الله قال الله: إيّاي زرتَ وثوابك عليَّ، ولستُ أرضى لك ثواباً بدون الجنّة»(9).

وحديث: «مَن زار أخاه في بيته قال الله تعالى له: أنت ضيفي وزائري، عليَّ قِراك، وقد أوجبت لك الجنّة بحبّك له»(10).

وكذلك وردت أحاديث كثيرة في باب فضل مصافحة المؤمن ومعانقته، مثل حديث: «إذا التقى المؤمنان فتصافحا أقبل الله بوجهه عليهما، وتتحات الذنوب عن وجوههما حتى يفترقا»(11).

وكحديث: «أيّما مؤمن خرج إلى أخيه يزوره عارفاً بحقّه، كتب الله له بكلّ خطوة حسنة، ومُحيت عنه سيّئة، ورُفعت له درجة، فإذا طرق الباب فُتحت له أبواب السماء، فإذا التقيا وتعانقا وتانقا أقبل الله عليهما بوجهه، ثمّ باهى بهما الملائكة فيقول: اُنظروا إلى عبديَّ تزاورا وتحابّا فيَّ، حقّ عليَّ ألاّ أُعذّبهما بالنار بعد ذا الموقف، فإذا انصرف شيّعه ملائكة عَدَد نَفَسه وخُطاه وكلامه يحفظونه عن بلاء الدنيا وبوائق الآخرة إلى مثل تلك الليلة من قابل، فإن مات فيما بينهما أُعفي من الحساب، وإن كان المزور يعرف من حقّ الزائر ما عرفه الزائر من حقّ المزور، كان له مثل أجره»(12).

وكذلك وردت أحاديث كثيرة في باب إدخال السرور على قلب المؤمن، مثل قول خاتم الأنبياء(صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن سرّ مؤمناً فقد سرّني، ومن سرّني فقد سرّ الله»(13).

ومثل حديث: «تبسّم الرجل في وجه أخيه حسنة، وصرف القذى عنه حسنة، وما عُبد الله بشيء أحبّ إلى الله مِن إدخال السرور على المؤمن»(14).

وكذلك وردت أحاديث جمّة في باب فضل قضاء حاجة المؤمن، مثل حديث: «قضاء حاجة المؤمن خيرٌ من عتق ألف رقبة، وخير من حملان ألف فَرَس في سبيل الله»(15).

وحديث: «من قضى لأخيه المؤمن حاجة قضى الله عز وجل له يوم القيامة ألف حاجة أوّلها الجنّة، ومن ذلك أن يُدخل قرابته ومعارفه الجنّة بعد أن لا يكونوا نصّاباً»(16).

ومثل قول الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه: «لَقضاء حاجة امرىء مؤمن أحبّ إليَّ من عشرين حجّة، كلّ حجّة يُنفق فيها صاحبُها مائة ألف»(17). يعني مائة ألف درهم أو دينار.

وكذلك وردت أحاديث أُخرى في نظائر هذه الأبواب من فضائل عدّة أُمور لا تتيسّر بالتفرّد والانعزال، وموقوفة على العيش بين الناس، مثل تفريج كرب المؤمن وإطعام المؤمن وكسوته، واللطف بالمؤمن وإكرامه وخدمته، والإصلاح بين الناس وأمثال هذه الأُمور.

وعموماً فقد فاقت الأحاديث الدالّة على أفضليّة معاشرة الناس حدّ التواتر، فيكون المراد من هذا الكلام ـ على تقدير صحّة نسبته إلى أميرالمؤمنين صلوات الله وسلامه عليه ـ ليس أفضلية اختيار التفرّد والعزلة عن الناس، بل المراد به إمّا أنّ السلامة من مشقّة الدنيا وتعبها في التفرّد، وأنّ المتفرّد لا يتحمّل مشاقاً كثيرة، وأنّه كلّما زاد التفاف الناس حوله زاد تعبُه ونصبه، أو انّ المراد هو إمكان السلامة في الآخرة، مع أنّ مثل هذا الشخص لن يكون له مرتبة عالية في الآخرة، خلافاً لمن امتحن بمشاكل علائق الأهل والعيال والمعاشرة مع الناس، لأنّ سلامة هذا الأخير وعدم تورطّه في المعصية في غاية العُسر، مع انّ مثل هذا الشخص لو بقي سالماً مصوناً كانت درجته أرفع بكثير من الشخص المتفرّد الّذي بقي سالماً.

أو انّ المراد هو التفرّد بحسب العُرف، وأن لا يكون للشخص متعلّقين واتباع كثيرين، لأنّ الغالب هو انّ الاتباع الكثيرين يجرّون المشقّة والوِزر والوبال إلى المتبوع.

أو انّ المراد هو انّ سلامة الآدمي تتحقّق في الوقت الّذي يكون فيه متفرّداً، لأنّ الغالب هو انّ المتفرّد يمكنه ضبط نفسه، أمّا في وقت الاختلاط مع الناس فإنّ السلامة تكون عسرة التحصيل، ويكفي شاهداً على هذا النظر انّ الغِيبة قد أضحت زينة المجالس، بل يندر أن يصطحب الشخصان ساعة فلا تبدر منهما غيبة لأحد.

وبناءً على هذا لا يلزم أن يكون التفرّد هو الأفضل على الدوام، لأنّه قد ذُمّ شرعاً بسبب جهات أُخرى.

أو انّ المراد بالتفرّد هو أن يكون الشخص لحاله ولا يكون رئيساً ولا زعيماً لجماعة من الناس، لأنّ الفوز بالسلامة مع الرياسة والزعامة أمر في غاية العسر والصعوبة.

ويمكن أن يكون المراد بالتفرّد هو أن يكون الشخص مستقلا غير تابع ولا محكوم لأحد، وبناءً على هذا فالظاهر انّ تحصيل السلامة في التفرّد أسهل وأيسر، والله تعالى يعلم.

329 ـ الْرَّاحَةُ فِي الزُّهْدِ.

الراحة في الزهد وترك الدنيا، يعني بحسب الدنيا، وأمّا الحكم الشرعي لذلك فقد ذكرنا قبلا انّ العلماء جعلوا لطلب الدنيا مراتب ودرجات عدّوا بعضها واجباً وبعضها مندوباً، وما سوى ذلك جائز. فيكون ترك المرتبة الأُولى حراماً، وترك الثاني مرجوحاً، وترك الثالث جائزاً مثل أصله. غاية الأمر انّ ترك الراحة وتحمّل التعب والمشقّة بدون رجحان شرعي ـ ولو أنّه جائز شرعاً ـ ليس من فِعل العقلاء. وهذا كلّه صادق حين لا يكون الطلب من طريق الحرام ـ كالربا ـ أو من طريق مكروه ـ كالصناعات المكروهة مثل الحياكة والحجامة ـ وإلاّ كان الطلب حراماً أو مكروهاً بذلك الاعتبار، كما انّ على الشخص ـ بذلك الاعتبار ـ عدم الإخلال ببعض الواجبات أو المستحبّات وإلاّ كان حراماً أو مرجوحاً أيضاً بذلك الاعتبار.

330 ـ الْجُودُ عِزٌّ مَوْجُودٌ.

يعني انّ الكرم يجعل صاحبه بالفعل عزيزاً مكرماً، ويجب ألاّ يحزن المرء خوفاً من أن يحتاج ويفتقر وقتاً ما لأنّ الحقّ تعالى كريم لا يدع الكرماء محتاجين، بشرط أن لا يتجاوزوا حدّ الكرم، وإلاّ فإنّ الإسراف مذموم شرعاً كما انّ البُخل مذموم شرعاً.

331 ـ الْكَمالُ فِي الدُّنْيا مَفْقُودٌ.

يعني انّ رغبات الدنيا وتمنّياتها لا تنتهي، فما ان يفتح شخص على نفسه باب أُمنيات الدنيا فإنّها سوف لن تنتهي، وكلّما تحقّقت له أمنية تجدّدت أُخرى وكان دوماً في مشقة وزحمة، فالسبيل إذاً هو سدّ طريق التمنّي. ويمكن أن يكون المراد ان كلّ نعمة ولذّة في الدنيا ليست كاملة غير ناقصة، وانّ كلّ نعمة ولذّة مقرونة بألم، وكل سرور ممزوج بحزن، بخلاف النعم الأخروية الخالصة من شوائب النقص، والّتي لا تمتزج ـ بأي وجه ـ بكدورة، فمن كان له أدنى عقل فعليه أن يجعل عمدة سعيه للآخرة لا للدنيا.

332 ـ الْحَسَدُ شَرٌّ الأَمْراضِ.

الحسد شرّ الأمراض لأنّ الأمراض الصورية ـ وهي أمراض البدن ـ إذا كان فيها بحسب الدنيا تعب وألم، فإنّها ستكون منشأ للثواب الأخروي، وسائر الأمراض المعنوية من الأخلاق الذميمة والأفعال القبيحة إذا سبّبت خسران الآخرة فإنّ بعضها ـ بحسب الدنيا ـ له لذّة، والبعض الآخر منها إذا لم يكن فيه لذّة فإنّه ليس فيه تعب وألم، خلافاً للحسد الّذي على الرغم من تسبيبه الضرر والخسران في الآخرة فإنّه لا لذّة فيه، وصاحبه دوماً في حزن وغم، نعوذ بالله منه.

333 ـ الْجُودُ حارِسُ الأَعْراضِ.

وذلك لأنّ صاحب الكرم عزيز عند الجميع، وكرمه لا يدع أمراً يبعث على هَتْك عِرضه ونقص شأنه ومنزلته، فهو إذاً حارس الأعراض وصائنها. و «الأعراض» بصيغة الجمع باعتبار الأشخاص، يعني انّ كرم كلّ شخص حارس لعِرضه، فأصل الكرم ـ إذاً ـ هو حارس الأعراض، أو باعتبار انّ لكلّ شخص أعراضاً، لأنّ عرض الشخص أمر يريد الشخص بقاءه محفوظاً مصاناً غير مُنتقَص، من الأُمور المتعلّقة به ومن متعلّقيه وآبائه وأجداده، فكلّ واحد من تلك الأُمور بمثابة عِرض له، والكرم حارس جميع أعراضه.

334 ـ الإِقْتِصادُ يُنْمِي الْقَلْيِل.

الاقتصاد ـ لا الإسراف ولا التقتير ـ يُنمي القليل ويزيده، يعني أنّه يمنح البركة لوجه المعاش القليل.

335 ـ الإِسْرافُ يُفْني الْجَزِيلَ.

الإسراف والتبذير يُفني ويعدم الكثير، فعلى المسرف أن لا يغترّ بماله الكثير، لأنّ الكثير الجزيل يفنى بالاسراف في وقت قصير.

336 ـ الْسَّاعاتُ مَكْمَنُ الآفاتِ.

الساعات محلّ كمون الآفات، فعلى الإنسان إذاً التعجيل في أعمال الخير الّتي في مقدوره، وأن لا يؤجّلها لأنّ كلّ ساعة تأتي مظنّة للعديد من الآفات، وما أكثر ما يحصل أن يصاب الشخص في الساعة القادمة بآفة تمنعه من فِعل ما كان ينوي فِعله.

337 ـ الْعُمْرُ تُفْنيهِ اللَّحَظاتُ.

يني انّ كلّ لحظة تمرّ تُنقص شيئاً من العمر إلى أن يفنى العمر، فينبغي إذاً أن نعتبر مثل هذا الأمر الّذي لا ثبات له ولا بقاء غنيمةً، وأن نعجّل في أعمال الخير، وأن نعدّ كلّ لحظة من العمر غنيمةً، وأن لا نضيع العمر في اللغو والعبث. و «اللحظة» هي النظرة بطرف العين، وقد شاع استعمالها في الزمن الّذي بقدرها، والمراد هنا هو ذلك الزمن.

338 ـ الْصَّادِقُ مُكْرَمٌ جَليلٌ.

339 ـ الْكاذِبُ مُهانٌ ذَليلٌ.

340 ـ الْحَياءُ مِفْتاحُ كُلِّ(18) الْخَيْرِ.

الحياء مفتاح كلّ خير، لأنّ كلّ معصية إنّما تنشأ من عدم الحياء من الله تعالى، وإذا كانت المعصية ترتكب جهاراً فهي نتيجة عدم الحياء من الخلق أيضاً، فمن كان له حياء فإنّه لن يُذنب، وهذا هو مفتاح كلّ خير.

341 ـ الْقِحّةُ عُنْوانُ الشَّرِّ.

342 ـ الإِسْتِغْفارُ يَمْحُوُ الأَوزارَ.

343 ـ الإِصْرارُ شِيمَةُ الْفُجارِ.

الإصرار يعني الإصرار والعزم على الذنب والمعصية، وهو شيمة الكفّار وخُلقهم، فيجب على الأخيار ـ إذاً ـ أن لا يصرّوا على المعاصي أو يعزموا عليها فضلا عن ارتكابها. ويمكن أن يكون المراد بالإصرار على الذنب من خلال تكراره، أو ارتكاب الذنب مع العزم على فِعله مرّة ثانية ولو لم يكرّره بعدُ، وقد عدّ الفقهاء الإصرار بهذا المعنى من الذنوب الكبيرة ولو كان إصراراً على الذنب الصغير.

ويمكن أن يكون المعنى هو أنّ الإصرار على كلام ما والمبالغة فيه من شِيم الكاذبين، فقد شاع أنّ الكذّاب حين ينقل خبراً يبالغ في التأكيد على كون ذلك الخبر صادقاً، وفي أكثر الأوقات يُقسم على صِدق ذلك الخبر، خلافاً للصادق الّذي لا يُبالغ فيما ينقل. ولذلك فقد نُقل عن أحد الأعزاء انّ شخصاً نقل له خبراً وبالغ في التأكيد على صدقه ثمّ أقسم عليه، فقال له ذلك العزيز: لقد صدّقتُك أوّل الأمر حين أخبرتني، فلمّا بالغتَ في التأكيد ساورني الشكّ، ولمّا أقسمتَ تيقّنتُ بكذب ذلك الخبر.

344 ـ الْسَّاعاتُ تَنْهَبُ الأَعْمارَ.

الساعات تُفني الأعمار وتنهبها، فيجب معرفة قدر كلّ ساعة من أعمارنا وعدم تضييعها باللغو والعبث.

345 ـ الْبِطْنَةُ تَمْنَعُ الْفِطْنَةَ.

ملء البطن بالطعام تمنع الفِطنة، لأنّها تسبب ثقل البدن وغلبة البخار على الدماغ، وهي حال لا يتيسّر معها التفكير والتأمّل.

346 ـ الْرِيبَةُ(19) تُوجِبُ الْظِنَّةَ.

القلق والاضطراب مدعاة للتهمة، يعني أنّ من يدّعي أمراً أو حقّاً أو يُنكره أو يؤدّي شهادة وأمثالها إذا كان قلقاً ومضطرباً غير مطمئنّ اتُّهم بالكذب، وهذا المعنى يأتي في الوهم والظنّ، فلابدّ ـ إذاً ـ على من لا يتفوّه بكذب أن ينفي عن نفسه القلق والاضطراب، وأن يكون هادئاً مطمئنّاً، وإلاّ فإنّه سيُتّهم. أو أنّ المراد هو مجرّد أنّ القلق والاضطراب مظنّة لقول الكذب وعلامة له في الغالب.

347 ـ الْصَّبْرُ جُنَّةُ الْفاقَة.

الصبر ترس الفقر ودِرعه، فكلّما صبر الفقير كان صبره ترساً ووقاية له تقيه من الهلاك الدنيوي والأُخروي، ولولا الصبر لم يكن محفوظاً مُصاناً منها، بل كان يرتكب أُموراً تسبب هلاكه الدنيوي والأُخروي.

348 ـ الْعُجْبُ رَأْسُ الْحَماقَةِ.

الكِبْر والزهو رأس الحماقة، يعني أوّل دليل عليها. أو أنّ الحماقة لا توجد بلا عُجب ولا كِبر كما لا يوجد حيوان بلا رأس.

349 ـ الْهَيْبَةُ مَقْرُونَةٌ بِالْخَيْبَةِ.

يعني انّ سلوك الشخص على نحو يكون معه الناس على خوف ووجل منه مقرون بخيبة الناس ويأسهم من هذا الشخص، ومن الظاهر انّ هذا الأمر لدى الملوك والحكّام يستوجب مفاسد عظيمة، أو يستوجب يأس هذا الشخص من ساحة الحقّ تعالى باعتبار بُغض الحقّ تعالى لصاحب هذه الخصلة.

350 ـ الْحَياءُ مَقْرُونٌ بِالْحِرْمانِ.

يعني أنّ صاحب الحياء ـ باعتبار أنّه لا يُظهر أحواله ـ يكون محروماً أكثر الأوقات من مال الله تعالى وإحسان الناس، ولذلك يجب التفحّص في هذا النوع من الناس.

351 ـ الْيَقِينُ عُنْوان الإِيمان.

المراد باليقين هو الاعتقاد الجزمي الثابت الّذي لا يُحتمل خلافُه بأيّ وجه من الوجوه، وأن يكون قائماً على الدليل والبرهان لكي لا يكون هناك احتمال لزواله، لأنّ كلّ اعتقاد قائم على الدليل والبرهان يكون ثابتاً راسخاً، أمّا ما قام على التقليد وأمثاله فمن الممكن زواله.

والمراد بأنّ «اليقين عنوان الإيمان» إمّا أنّ أصل الإيمان ومُجمل حقيقته هو اليقين، وهذا اليقين يتفرّع إلى عدّة يقينات، هي اليقين بكلّ واحد من أُصول الدين، وهذا بناءً على المشهور من أنّ الإيمان هو مجرّد الاعتقاد، أو انّ أصل الإيمان وعُمدة أجزائه هو اليقين، أمّا الأعمال فعلى الرغم من ضرورتها إلاّ أنّها ليست في مرتبة اليقين، وهذا على المذهب القائل بأنّ الأعمال هي أيضاً جزء الإيمان، أو انّ الإيمان يُحمل على الإيمان الكامل.

352 ـ الْحِرْصُ عَلامَةُ الْفَقْرِ.

الحرص والجشع علامة الفقر والحاجة، أمّا الغني الحريص فقد جعل نفسه محتاجاً عبثاً منه، وأوقع نفسه في مشقّة الطلب والطمع.

353 ـ الشَّرَهُ داعِيَةُ الشَّرِّ.

شدّة الحرص تدعو إلى الشرّ وتبعث على ارتكاب المفاسد والشرور الدنيوية والأخروية.

354 ـ الْصِّدْقُ حَياةُ التَّقْوى.

يعني أنّ الصدق بمنزلة روح التقوى وحياتها، وأنّ الشخص إذا كان متّقياً في سائر أُموره لكنّه لم يكن صادقاً فإنّ تقواه ستكون ميّتة وبمنزلة المعدوم. وقد وردت هذه الفقرة في بعض النسخ بلفظ «الدعوى» بدلا من «التقوى»، فيكون المعنى بناءً على ذلك أنّ الصدق حياة الدعوى، أمّا الدعوى الّتي لا صدق فيها فهي بلا حياة وبمنزلة الميت.

355 ـ الْكِتْمانُ مِلاكُ النَّجْوى.

كتمان السرّ وإخفاؤه أساس النجوى والمسارّة،وما لم يكن الشخص كتوماً للسرّ فيجب عدم ائتمانه على سرّ.

356 ـ الْقِسْطُ رُوحُ الشَّهادَةِ.

القسط والعدل روح الشهادة، فكلّ شهادة يُدلي بها شخص غير عادل لا حياة لها، أي لا اعتبار لها.

357 ـ الْفَضِيلةُ غَلَبَةُ الْعادَةِ.

يعني أنّ الفضيلة هي ما كان بغلبة العادة، أي عمل الخير الّذي تغلب عليه عادة الشخص ويصدر من الشخص أكثر الأوقات، أمّا إذا لم يكن كذلك وكان يصدر من الشخص أحياناً فليس بفضيلة ولا مزيّة.

ويمكن أن تُقرأ «غلبة» بلفظ «عليّة» بالعين المعجمة واللام والياء المشدّدة، فيكون المعنى بناءً على ذلك أنّ الفضيلة عادة رفيعة جليلة، يعني أنّ عمل الخير أو الصفة الحميدة هي الّتي أضحت عادةً ثابتة وراسخة، فإن لم تكن كذلك فليست فضيلة.

358 ـ الْعَفْوُ زَكَاةُ الظَّفَرِ.

يعني أنّ من ظفر بمذنب وعاص فإنّ زكاة ظفره وانتصاره وحقّ الله في تلك النعمة هي أن يعفو عن ذنب ذلك المذنب ويتغاضى عنه ولا ينتقم منه شكراً منه لله تعالى على تلك النعمة.

359 ـ اللِّجاجُ بَذْرُ الشَّرِّ.

اللجاج ـ وهو العداوة مع الناس أو الإصرار على الباطل لنصره ـ هو بذرٌ للشرّ.

360 ـ الْمَنيّةُ وَلا الْدنيّةُ.

يعني أنّ الموت أولى من الذلّة والعار.

361 ـ الْمَوْتُ وَلاَ ابْتِذالُ الْخِزْيَةِ.

يعني أنّ الموت أولى من ذلّ الفضيحة. وورد في بعض النسخ لفظ «الحرية» بدلا من «الخزية»، فيكون المعنى عندئذ أنّ الموت أولى من لا تُحفظ للإنسان حرّيته ويقع في عبودية أحد ويُجبر على تملّقه.

362 ـ الْتَّقْلّلُ وَلاَ التَّذَّلُلُ.

أي أنّ قلّة المال والأسباب وأمثال ذلك أولى من الذلّة، وحيثما أمكن دفع الذلّة بدفع المال والأسباب فيجب فِعل ذلك.

363 ـ الْمُرُوءَةُ الْقَناعَةُ وَالْتَّجَّمُلُ.

المروءة والرجولة في القناعة والتجمّل بالقناعة، أو التجمّل بين الناس بما تيسّر للشخص وناسب زيّه. يعني انّ على الشخص ـ مع وجود القناعة ـ رعاية هذا المعنى بالقدر المقدور لئلاّ يكون ذليلا أو ممّا تقتحمه العيون. وهذا صحيح حين يكون المراد من «التجمّل» تزيين النفس بالفضائل والكمالات، وبناءً على ذلك فإنّ كون ذلك من المروءة أمر ظاهر. ولا يبعد أن يكون بالحاء المعجمة أي بلفظ «التحمّل» كما هو الوارد في بعض النسخ، والمراد هو تحمّل وقاحة وصفاقة الناس أو المؤونات والديون الّتي عليه للناس، وكون ذلك من المروءة ظاهر أيضاً.

364 ـ الْتَّجارِبُ لا تَنْقَضِي.

التجارب لا تنقضي، ومهما كان للشخص تجارب كثيرة فعليه أن لا يكفّ عن الاشتغال بها لأنّها لا تنقضي أبداً.

365 ـ الْحَرِيْصُ لاَ يَكْتَفِي.

الحريص لا يكتفي في أيّ مرتبة من المراتب، ولا يكفّ عن الطلب، وكلّما حصل على شيء طلب الازدياد، فهو في تعب ومشقّة دائمة، ولا مفرّ له من إزالة الحرص عن نفسه.

366 ـ الْعَيْنُ رائِدُ الْفِتَنِ.

الرائد هو الّذي يُرسله البدو عند ارتحالهم ليفتّش لهم عن مواضع الكلأ. والمراد هو أنّ العين بمنزلة الرائد بالنسبة للفتن، فإن هي لمحت شيئاً فيه فتنة أذاعت تلك الفتنة وأخبرت بها ليُحطّ الرجل الرحال عندها ويفتتن بها، ولذلك يجب الحذر من العين ويجب ضبطها. وورد في بعض النسخ لفظ «القلب» بدلا من «الفتن»، فيكون المعنى عندئذ أنّ العين رائد القلب، والمراد هو أنّ العين هي للنظر في الأشياء، فإن شاهدت شيئاً مناسباً لنزول القلب أخبرته ليتأمّل فيه ويعتبر منه. ولا يخفى ـ بناءً على هذا اللفظ ـ أنّ هذه الفقرة لن تكون مماثلة للفقرة ما بعد القادمة، حيث يجب أن يكون كلا منهما فقرة مستقلّة.

367 ـ الْهَمُّ يُنْحِلُ الْبَدَنِ.

الهمّ يُنحل البدن ويجعله هزيلا، فيجب إذاً عدم الاهتمام ـ عبثاً ـ بأُمور الدنيا وعدم فسح المجال لتسرّب هذا الهمّ إلى النفس.

368 ـ الْعَيْنُ بَرِيْدُ الْقَلْبِ.

العين هي حامل رسائل القلب، يعني أنّها للنظر في الأشياء من أجل إخبار القلب للتأمّل فيها والاعتبار بها ولإدراك المعارف الإلهية، وهذا هو نفس المضمون المذكور لفقرة «العين رائد القلب» بناءً على النسخة الواردة بلفظ «القلب».

369 ـ الْفِكْرُ يُنِيرُ اللُّبّ.

الفكر والتأمّل يُنير القلب ويجعله نورانيّاً.

370 ـ الْمَرَضُ حَبْسُ الْبَدَنِ.

يعني أنّ المرض الحقيقي هو مَنْع البدن عن الطاعات والعبادات وابتلائه بالمرض والوهن أو بالأشغال الدنيوية الدنية.

371 ـ الْقِنْيَةُ تَجْلِبُ الْحُزْنَ.

ما يُقتنى ويُكتسب ويُكتنز من الأموال يجلب للإنسان الحزن في الدنيا والآخرة، وقد تكرّر ذكر هذا الأمر. وقد ورد في بعض النسخ بلفظ «الفتنة» بالفاء والتاء والنون، فيكون المعنى حينذاك أنّ الفتنة تجلب الحزن، أي يجب عدم تسبيب الفتنة بين الناس، أو البقاء في موضع الفتنة والهرج.

372 ـ الْحَسَدُ حَبْسُ الرُّوحِ.

يعني أنّ الحسد هو ابتلاء الروح بالحزن والهمّ والباطل ومنعها عن الإقبال ـ بفراغ بال ـ على المهمّات الدنيوية والأُخروية. ويمكن أن تُقرأ «الروح» بفتح الراء، بمعنى الراحة والرحمة، يعني منع الراحة والرحمة عن النفس، وصدّها عن الوصول للنفس.

373 ـ الْهَمَّازُ مَذْمُومٌ مَجْرُوحٌ.

العيّاب والمغتاب مذموم ومطعونٌ فيه، يعني أنّ الخالق والخلائق يعدّونه من الأشرار ويعتبرونه مستحقّاً للذمّ والقدح.

374 ـ الْغَمُّ مَرَضُ الْنَّفْسِ.

الحزن والغم بمنزلة المرض للنفس، فلا يُسمح ـ إذاً ـ بإمراض النفس من أجل الأُمور الدنيوية الدنية.

375 ـ اللِّجاجُ يَشِيْنُ النَّفْسَ.

اللجاج يعني العداوة للناس أو الإصرار على كلّ باطل من أجل الاستمرار عليه، وهو ممّا يشين نفس الآدمي، أي يعيبها وينقصها.

376 ـ الأَيّامُ تُفِيدُ الْتَّجارِبَ.

يعني أنّ تصرّم الأيّام وما يقع فيها من التغيّرات والتبدّلات والنكبات وأمثال ذلك يفيد التجارب للمتبصّر المُعتبِر.

377 ـ الْمالُ نَهْبُ الْحَوادِثِ.

يعني أنّ المال سرعان ما يُنتهب بسبب الحوادث، بل يصبح بنفسه منشأ ورود تلك الحوادث، فيجب إذاً عدم الاهتمام بالسعي في تحصيله، وعدم التعلّق بما لدى الشخص منه، وصرفه ـ مهما أمكن ـ في مصارف الخير، لأنّه ملك للوارث. أي لا يكون المال سبباً في رفاهيته(20)، وليبقى لوارثه مصاناً محفوظاً من يد الحوادث.

378 ـ الْمالُ سَلْوَة(21) الْوارِثِ.

المال رفاهية وطيبة نفس للوارث، يعني أنّ المال سبب رفاهية وطيبة نفس من يُنفقه، فمَن جمع المال ولم يُنفقه لم يرضَ برفاهية نفسه ورضي بذلك لمن يرث المال ويُنفقه.

ويمكن أن يكون المراد أنّ المال سبب لتسلّي الوارث ورضاه بموت هذا الشخص، وسبباً في قلّة اكتراث الوارث بموت الشخص، بل بتمنّيه ذلك، وجَمْع المال لا ثمرة له غير ذلك.

379 ـ الْشَّفِيعُ جَناحُ الطَّالِبِ.

الشفيع بمنزلة الجناح للطالب، فمَن طلب شيئاً فالأفضل له أن يختار لنفسه شفيعاً، فإن هو طلب شيئاً من الله تعالى فعليه التوسّل بالمقرّبين من ساحته الكبريائية وجَعْلهم شفعاءه في ذلك، وإن طلب شيئاً من الآخرين فالأمر على هذا القياس أيضاً.

380 ـ الْحِسابُ قَبْلَ الْعِقابِ، الْثَّوابُ بَعْدَ الْحِسابِ.

يعني أنّ الحساب سيحصل، فمن كان مستحقّاً للعقاب عُوقب، ومن استحقّ الثواب أُثيب. فعلى الآدمي إذاً محاسبة نفسه، فإن كان مستحقّاً للعقاب سعى في تدارك ذلك، وإن كان مستحقّاً للثواب طمع في الثواب وسعى في الاستزادة منه.

381 ـ الْمَنُّ يُسْوِّدُ الْمِنَّةَ.

أي إذا افتخر المعطي والمنعم بعطيّته ونعمته على مَن أعطاه فإنّ ذلك المنّ والفخر سيمحو تلك المنّة والنعمة ويكون باعثاً على زوال أجرها وثوابها.

382 ـ الْبَغْيُّ يَسْلُبُ الْنِّعْمَةَ.

الظلم يُزيل النعمة، يعني أنّه سرعان ما يسبّب زوال دولة الظالم ونعمته.

383 ـ الْظُّلْمُ يَجْلِبُ النِّقْمَةَ(22).

384 ـ الْمَوَدَّةُ أَقْرَبُ رَحِم.

المودّة والمحبّة أقرب قرابة، فيجب رعاية الصديق قبل القريب، وقد ذُكر هذا المعنى سابقاً.

385 ـ الْشُّكْرُ يَدومُ النِّعَمِ.

هكذا ورد في النسخ المختلفة، ولا يخفى أنّه ليس صحيحاً، لأنّ «يدوم» بمعنى أنّه دائم، وهو ممّا لا يستقيم معه معنى العبارة. ويجب إمّا أن يكون بلفظ «بالشكر تدوم النعم»، ومعناه أنّ الشكر يسبّب دوام النعم، غاية الأمر أنّ هذه الفقرة يجب أن تُنقل في باب «الباء» وليس في باب «الألف» كما فعل المؤلّف، وإمّا أن يكون بلفظ «يُديم» بدلا من «يدوم»، ومعناه أنّ الشكر يجعل النعم دائمية. ويمكن أن يكون لفظ «يدوم» بضمّ الياء وتشديد الواو من باب التفعيل صحيحاً، وهو بمعنى «يُديم»، منتهى الأمر أنّه ليس شائعاً. وجاء في بعض النسخ «بذر النعم»(23)، فيكون المعنى أنّ الشكر بذرٌ للنعم، وهذا ظاهر لا قصور فيه.

386 ـ الْعَدْلُ حَياة الأَحْكامِ.

العدل بمثابة الحياة للأحكام، فالحُكم الّذي لا عدل فيه له حُكم الميّت.

387 ـ الْصِّدْقُ رُوْحُ الْكَلامِ.

الصدق بمنزلة الروح للكلام، فالكلام الّذي لا صِدق فيه بمنزلة الشخص بلا روح.

388 ـ الْقِسْطُ خَيْرُ الْشَّهادَةِ.

يعني أنّ الشهادة الّتي تتضمّن عدلا ورفعاً للظلم عن شخص من الأشخاص هي خير أنواع الشهادة، أو انّ العدل خيرُ شاهد وأفضل شاهد على كون صاحبه من الأخيار.

389 ـ الْسَّخاءُ أَشْرَفُ عادَة.

390 ـ الإِخْلاصُ ثَمَرَةُ الْعِبادَةِ.

يعني أنّ العبادة تثمر بسبب الإخلاص وتصبح سبباً في القُرب إلى الله تعالى والمنزلة لديه وذلك ثمرة العبادة، وكلّ عبادة غير خالصة لله عز وجل وتشوبها شائبة من الرياء لا يترتّب عليها ثمرة، وتكون عبادة عقيمة. ومن الممكن أن يكون المراد بـ«الإخلاص» هو الإخلاص الكامل الّذي لا منظور ومقصود فيه ـ بأيّ وجه من الوجوه ـ إلاّ رضا الحقّ تعالى، حتّى ثوابه وعقابه، وحتّى الدخول في الجنّة والنجاة من جهنّم، حيث الظاهر من بعض الأحاديث أنّ العبادة الكاملة هي الّتي ليس فيها نظر إلى هذه الأُمور أيضاً. ولذلك فمن الممكن أنّ هذا المعنى هو ثمرة العبادة، وأنّ المداومة على العبادة تسبب حصول هذا المعنى تدريجياً. ومن الظاهر أنّ الإخلاص الّذي هو شرط لصحّة العبادة ليس هذه المرتبة، وإنّ قول بعض العلماء باشتراط ذلك في غاية الضعف، بل يكفي في ذلك أن لا يُقصد بالعبادة غير الحقّ تعالى وثوابه وعقابه.

391 ـ الْيَقِينُ أَفْضَلُ الزِّهادَةِ.

اليقين أفضل الزهد وأكمله، والزهادة والزهد هو ترك الدنيا، وكون اليقين أفضل الزهادة وأكملها باعتبار أنّ من حصل له اليقين الصادق بأحوال المبدأ والمعاد يعلم أنّ الدنيا بأسرها ليست إلاّ خُسران، وأنّ السعادة ليست إلاّ تحصيل الآخرة، وهذا يكون سبباً لكمال الزهد في الدنيا والاعراض عن كلّ أمر يبعث على الخُسران في الآخرة. فالزهد الّذي يحصل بذلك اليقين أكمل وأفضل منزهد في أمر خاص وبسبب آخر، على الرغم من أنّ اليقين هو في نفسه أفضل الطاعات والعبادات.

392 ـ الْقَبْرُ خَيْرٌ مِنَ الْفَقْرِ.

القبر خيرٌ من الفقر الّذي لا يصبر الإنسان عليه فيكون سبباً لخسران الآخرة، بل لخسران الدنيا أيضاً.

393 ـ الْمِراءُ بَذْرُ الشَّرِّ.

المراء والجدال مع الناس بذر الشرّ وسبب أنواع الشرور والفتن.

394 ـ الإِلْحاحُ داعِيَةُ الْحِرْمانِ.

الإلحاح والمبالغة في السؤال مدعاة وسبب للحرمان، وهذا في خصوص الناس وأهل الدنيا، لأنّ الناس لا يحبّون من يلحّ ويُبالغ في السؤال، والغالب أنّهم لا يقضون حاجة مثل هذا فيبقى محروماً، بخلاف ساحة الحقّ تعالى الّتي كلّما زدت في الإلحاح في الدعاء والمبالغة فيه كان أفضل.

395 ـ الْقِنيَّةُ يَنْبُوعُ الأَحْزانِ.

المال المكتسب أو المدّخر ينبوع الأحزان، وقد تكرّر هذا المضمون سابقاً.

396 ـ الْدُّنْيا سُوقُ الْخُسْرانِ.

الغالب هو أنّ رأسمال العمر يُباع في الدنيا بضرر وخسارة، وقد يكون المراد هو أنّ طلب الدنيا سوق الخُسران، فيكون الحكم حينئذ كلّياً، لأنّ الشخص لا يحصل من طلب الدنيا على غير الضرر والخُسران، اللّهمّ إلاّ أن يكون قَصْده بذلك طلب الآخرة، ويكون قد جعل ذلك وسيلةً لتحصيل الآخرة، وعندئذ لا يكون في الحقيقة طلباً للدنيا.

397 ـ الْجَنَّةُ دارُ الأَمانِ.

الجنّة دار الأمان، فمن دخلها لم يُصبه خوف ولا حزن ولا ملل.

398 ـ الْيَقِينُ عِمادُ الإِيْمانِ.

اليقين عماد الإيمان والاسطوانة الّتي يقوم عليها، وقد تكرّر ذكر ذلك.

399 ـ الإِيْثارُ أَشْرَفُ الإِحْسانِ.

الإكرام أشرف الإحسان وأفضله، أو أنّ المعنى هو أنّ إيثار الآخرين وترجيحهم على النفس بإعطائهم ما يملك وحرمان النفس من ذلك الشيء. وهو يرجع أيضاً إلى المعنى الأوّل وهو مدح مُطلق الكرم. أو أنّ المعنى هو ايثار شخص ما على نفس المعطي والمؤثر، بإعطائه شيئاً يحتاجه المعطي في ذلك الوقت، فيكون بناءً على ذلك مدح نوع خاصّ من الكرم، وهو الكرم في وقت حاجة المكرِم والمعطي إلى ذلك الشيء وقد ورد في القرآن الكريم أيضاً مدح هذا النوع الخاص، في قوله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)(24)، أي يقدّمون غيرهم على أنفسهم ويُؤثرونهم مع وجود حاجتهم وفقرهم.

400 ـ الْمَصائِبُ مِفْتاحُ الأَجْرِ.

المصائب مفتاح الأجر والثواب، والحقّ تعالى يُثيبُ صاحب المصيبة في قبال تلك المصيبة. والمراد بالمصيبة كلّ حُزن وتكدّر يحصل للشخص إذا لم يكن بنفسه سبباً في ذلك، سواءً كان من جانب الحقّ تعالى كموت ولد أو صديق، أو من جانب آخر كالظلم والجور، أو غير ذلك مثل الأذى الّذي تسبّبه السباع والحشرات، أو ما يتسبّب به الشخص سهواً وغفلة، كالسقوط من سلّم، والسقوط في بئر. وقد ورد في أحاديث أُخرى أيضاً أنّ الحقّ تعالى يُثيب على جميع هذه المصائب، بل يحكم بذلك العقل السليم أيضاً.

 

 

الهوامش:

(1) كذا صريحاً بخطّه (بفتح العين المعجمة ومدّ الآخر)، لكن الصحيح «غِنى» (بكسر الغين وقصر الألف) بقرينة المقابلة مع الفقر، وبشهادة النسخ الثلاثة المطبوعة (نسخة مطبعة السعادة ـ دمشق 1325، ونسخة مطبعة العرفان ـ صيدا ص 7، والنسخة المطبوعة في بمبي ص 11)، وأمّا النسخ الخطّية فليرجع مَن شاء إلى النسخة الّتي في متناول يده.

(2) ونظير هذا البيان هذا البيت العربي المشهور:

عن المرء لا تَسَلْ وسَل عن قرينه *** فكلّ قرين بالمقارن يقتدي

وقيل بالفارسي ما تعريفه:

قُل لي أوّلا مَن تعاشر، *** أقل لك مَن أنت!

(3) الخصال: 165.

(4) من لا يحضره الفقيه: 384.

(5) من لا يحضره الفقيه: 384.

(6) الكافي 2: 163.

(7) الكافي 2: 163.

(8) الكافي 2: 169.

(9) شرح أُصول الكافي للمازندراني 9: 53.

(10) وسائل الشيعة 14: 584.

(11) الكافي 2: 182.

(12) الكافي 2: 184.

(13) الكافي 2: 188.

(14) الكافي 2: 188.

(15) الكافي 2: 193.

(16) الكافي 2: 193.

(17) شرح أُصول الكافي للمازندراني 9: 77.

(18) لم ترد كلمة «كل» في بعض النسخ الخطّية، وكذلك في بعض النسخ المطبوعة، ومن جملتها النسخة المصحّحة من قِبل الفاضل المحقّق السيّد محمد جمال الدين القاسمي الدمشقي (مؤلّف كتاب جوامع الآداب في أخلاق الأنجاب) المطبوع سنة 1331 هـ في مطبعة السعادة في دمشق الشام بنفقة الشيخ محيي الدين صبري الكردي بالقطع الرقعي (أُنظر ص 14)، وهذه النسخة هي أفضل نسخة مطبوعة لهذا الكتاب، وقد نُشر هذا الكتاب مذيّلا بتعليقات مفيدة بقلم أحد فضلاء ذلك العصر، لكنّ النسخة الّتي حصلت عليها كانت ـ مع الأسف ـ تضمّ قسماً من حرف الألف في حدود 56 صفحة، ولا أعلم هل هذا هو القسم المطبوع أم انّ النسخة الّتي وصلتني كانت ناقصة (أُنظر ص 6).

أمّا النسخة المطبوعة في مطبعة العرفان في صيدا سنة 1349 هـ من قبل عبد الرسول شرارة وشركائه فلا تبعث على الاطمئنان، فقد سقط منها ما يزيد على أربعين فقرة بشهادة جميع النسخ الخطّية والمطبوعة، أمّا النسخة المطبوعة في بمبي من قبل محمد باقر بن الملاّ موسى، فعلى الرغم من أخطائها الكثيرة إلاّ انّ السقط فيها قليل، وجاءت فيها العبارة مورد البحث طبقاً للمتن المطبوع (أُنظر ص 12) .

(19) قال الطريحي(رحمه الله) في مجمع البحرين: «الريبة ـ بالكسر ـ الاسم من الريب، وهي التهمة والظنّة».

(20) قال الفيروزآبادي: «الرفاهة والرفاهية ـ مخفّفة ـ والرفهنية ـ كبلهنية ـ رغد الخصب ولين العيش».

(21) كذا صريحاً بفتح السين، جاء في كتب اللغة التصريح بأنّ السُّلوة بضمّ السين صحيحة أيضاً، وقال صاحب القاموس: «الاسم السلوة، ويُضمّ»، وبمثل ذلك صرّح اللغويون الآخرون أيضاً.

(22) «يجلب» بالضمّ

(23) أتصوّر أنّ «بذر» تصحيف من «يدرّ» من مادّة «درّ»، وقد ورد في كتب اللغة شواهد على ذلك. فقد قال الطريحي في «مجمع البحرين»: «وفي دعاء الاستسقاء: ديماً درراً، هو جمع درّة، يُقال للسحاب: درّة، أي صبّ واندفاق. وقيل: «الدرر الدارة» مثل ديناً قيماً، أي قائماً. والدر بالفتح: كثرة اللبن وسيلانه، ومنه: سقياً دائماً غزرهاً، واسعاً درّها، أي سيلانها وصبّها واندفاقها. وفي الدعاء: اجعَلْ رزقي دارّاً، أي يتجدّد شيئاً فشيئاً، من قولهم: «درّ اللبن» إذا زاد وكثر جريانه في الضرع».

وصرّح ابن الأثير أيضاً بمثل هذا البيان في «النهاية»، وجاء فيه وفي مجمع البحرين: «وفي صفته(صلى الله عليه وآله وسلم) في ذِكر حاجبَيه: بينهما عِرق يدرّه الغضبُ، أي يمتلئ دماً كما يمتلية الضرع لبناً إذا درّ». والالتفات إلى آية (يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً) (هود: 52) كاف في الاستشهاد على هذا المعنى.

يقول الكاتب: اطّلعت بعد تدوين هذه الحاشية على أنّ النسخة المطبوعة في دمشق أتت بلفظ «يدرّ» (أُنظر ص 15 سطر 8) فالحمد لله على الوفاق.

(24) الحشر: 9.