القسم الثاني عظة الناس

فليعمل العامل منكم في أيّام مهله ، قبل إرهاق أجله ( 928 ) ، و في فراغه قبل أوان شغله ، و في متنفّسه قبل أن يؤخذ بكظمه ( 929 ) ،

و ليمهّد لنفسه و قدمه ، و ليتزوّد من دار ظعنه لدار إقامته . فاللّه اللّه أيّها النّاس ، فيما استحفظكم من كتابه ، و استودعكم من حقوقه ،

فإنّ اللّه سبحانه لم يخلقكم عبثا ، و لم يترككم سدى ، و لم يدعكم في جهالة و لا عمى ، قد سمّى آثاركم ( 930 ) ، و علم أعمالكم ،

و كتب آجالكم ، و أنزل عليكم « الكتاب تبيانا لكلّ شي‏ء » ، و عمّر فيكم نبيّه ( 931 ) أزمانا ، حتّى أكمل له و لكم فيما أنزل من كتابه دينه الّذي رضى لنفسه ، و أنهى إليكم على لسانه محابّة ( 932 ) من الأعمال و مكارهه ، و نواهيه و أوامره ، و ألقى إليكم المعذرة ، و اتّخذ عليكم الحجّة ، و قدّم إليكم بالوعيد ، و أنذركم بين يدي عذاب شديد . فاستدركوا بقيّة أيّامكم ، و اصبروا لها أنفسكم ( 933 ) ، فإنّها

[ 239 ]

قليل في كثير الأيّام الّتي تكون منكم فيها الغفلة ، و التّشاغل عن الموعظة ، و لا ترخّصوا لأنفسكم ، فتذهب بكم الرّخص مذاهب الظّلمة ( 934 ) ، و لا تداهنوا ( 935 ) فيهجم بكم الإدهان على المعصية . عباد اللّه ، إنّ أنصح النّاس لنفسه أطوعهم لربّه ، و إنّ أغشّهم لنفسه أعصاهم لربّه ، و المغبون ( 936 ) من غبن نفسه ، و المغبوط ( 937 ) من سلم له دينه ، « و السّعيد من وعظ بغيره » ، و الشّقيّ من انخدع لهواه و غروره .

و اعلموا أنّ « يسير الرّياء ( 938 ) شرك ، » و مجالسة أهل الهوى منساة للإيمان ( 939 ) ،

و محضرة للشّيطان ( 940 ) . جانبوا الكذب فإنّه مجانب للإيمان . الصّادق على شفا منجاة و كرامة ، و الكاذب على شرف مهواة و مهانة . و لا تحاسدوا ، فإنّ الحسد يأكل الإيمان « كما تأكل النّار الحطب » ، « و لا تباغضوا فإنّها الحالقة ( 941 ) » ، و اعلموا أنّ الأمل يسهي العقل ، و ينسي الذّكر . فأكذبوا الأمل فإنّه غرور ، و صاحبه مغرور .