الامام مجمع الفضائل

لم تعرف الدنيا رجلا جمع الفضائل و مكارم الأخلاق بعد الرسول الأعظم صلى اللّه عليه و آله كالإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ، فقد سبق الأولين ، و اعجز الآخرين ، ففضائله عليه السّلام أكثر من أن تحصى ، و مناقبه أبعد من أن تتناهى ،

و كيف تعد مناقب رجل قال فيه الرسول الأعظم صلى اللّه عليه و آله يوم برز لعمرو بن عبد ود العامري : برز الإيمان كله الى الشرك كله ،

و قال فيه بعد ما قتله : ضربة علي لعمرو يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين .

[ 6 ]

قال مجاهد : إن رجلا سأل ابن عباس فقال : ما أكثر فضائل علي بن أبي طالب ، و إنّي لاظنها ثلاثة آلاف .

فقال له ابن عباس : هي الى الثلاثين الف أقرب من ثلاثة آلاف ، ثم قال ابن عباس : لو أنّ الشجر اقلام ، و البحر مداد ، و الانس و الجن كتاب و حساب ، ما أحصوا فضائل امير المؤمنين عليه السّلام 1 .

و كيف تحصى فضائل رجل هو اول الناس اسلاما ، و أكثرهم عبادة ، و ازهدهم في الدنيا ،

و اسخاهم يدا ، و أكثرهم جهادا ، و أعلمهم بالكتاب و السنة ، و افصحهم منطقا و أصفحهم عند المقدرة .

و الحديث عن اسلامه حديث عن الاسلام بأسره ، فلولاه ما قام الإسلام و لا عبد اللّه تعالى .

-----------
( 1 ) تذكرة الخواص 8 .

[ 7 ]

لقد قام الإسلام على ركائز : دعوة الرسول صلى اللّه عليه و آله و جهاده ، و تفانيه في سبيل نشر هذا الدين ، و دفاع عمه ابي طالب عنه ، و التزامه اياه ، و ذوده عنه ، و جهاد علي ، و اموال خديجة و علي بعد هذا و ذاك اوّل من لبى دعوة الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم ، فهو باجماع من المؤرخين و أهل السير اوّل من اسلم .

قال عليه السّلام : أنا أول من صدّقه 1 .

و قال أهل السير : بعث النبي صلى اللّه عليه و آله يوم الاثنين ، و اسلم علي يوم الثلاثاء 2 .

و عن عفيف الكندي اخي الاشعث بن قيس قال : رأيت شابا يصلي ، ثم جاء غلام فقام عن يمينه ، ثم جاءت امرأة فقامت خلفهما ،

فقلت للعباس : هذا أمر عظيم .

-----------
( 1 ) نهج البلاغة 1 115 .

-----------
( 2 ) اعيان الشيعة 3 ق 1 61 . و ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب و الحاكم في المستدرك على الصحيحين .

[ 8 ]

قال : ويحك هذا محمد ، و هذا علي ، و هذه خديجة ، إنّ ابن اخي هذا حدثني أنّ ربه رب السماوات و الأرض أمر بهذا الدين ، و اللّه ما على الأرض على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة .

و كان عفيف يقول بعد اسلامه : لو كنت اسلمت يومئذ كنت ثانيا مع علي بن أبي طالب 1 .

و إذا تحدثنا عن عبادته عليه السّلام : فقد مر عليك قوله صلى اللّه عليه و آله : ضربة علي لعمرو يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين ، فأي عبادة أعظم من هذه العبادة ؟ و حياة علي بن أبي طالب كلها عبادة ، و حركاته كلها طاعة .

و الحديث عن صلاته و اوراده : فناهيك برجل كان اول من صلى مع الرسول صلى اللّه عليه و آله .

-----------
( 1 ) المناقب 1 250 .

[ 9 ]

قال عليه السلام : صليت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قبل الناس سبع سنين ، و أنا أول من صلى معه 1 .

و قال عليه السلام : اسلمت قبل اسلام الناس ، و صليت قبل صلاتهم 2 .

و كان عليه السلام يصلي في اليوم و الليلة الف ركعة 3 .

قال ابن ابي الحديد : و ما ظنك برجل يبلغ من محافظته على ورده أن يبسط له نطع بين الصفين ليلة الهرير فيصلي عليه و رده ، و السهام تقع بين يديه ، و تمر على صماخيه يمينا و شمالا فلا يرتاع لذلك ، و لا يقوم حتى يفرغ من وظيفته و ما ظنك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده و إذا تأملت دعواته و مناجاته ، و وقفت

-----------
( 1 ) تذكرة الخواص 63 .

-----------
( 2 ) شرح نهج البلاغة 1 10 .

-----------
( 3 ) الغدير 5 25 عن مصادر كثيرة .

[ 10 ]

على ما فيها من تعظيم اللّه سبحانه و اجلاله ، و ما يتضمنه من الخضوع لهيبته ، و الخشوع لعزته ،

و الاستخذاء له ، عرفت ما ينطوي عليه من الاخلاص ، و فهمت من أي قلب خرجت ، و على أي لسان جرت و قيل لعلي بن الحسين عليه السلام و كان الغاية في العبادة : اين عبادتك من عبادة جدك ؟

قال : عبادتي من عبادة جدي كعبادة جدي عند عبادة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله 1 .

و أمّا زهده : فلم تعرف الدنيا حاكما خضعت له البلاد ، و دانت له الدول ، و هو يلبس ثوبا بثلاثة دراهم ، فإذا وجد فيه طولا قطعة بشفرة .

قال ابو النوار بياع الكرابيس : اتاني علي بن ابي طالب و معه غلام ، فاشترى مني قميصي كرابيس فقال لغلامه : اختر ايهما شئت ، فأخذ أحدهما ، و أخذ علي الآخر فلبسه ، ثم مد يده

-----------
( 1 ) شرح نهج البلاغة 1 9 .

[ 11 ]

فقال : اقطع الذي يفضل من قدر يدي ، فقطعته و كفه و لبسه و ذهب 1 .

و هو القائل : رقعت مدرعتي حتى استحييت من راقعها ، و لقد قال لي قائل : الا تنبذها عنك ،

فقلت : اغرب عني فعند الصباح يحمد القوم السرى 2 .

و لم يكن طعامه بأحسن من لباسه ، فكان لا يزيد على قرص شعير .

قال عبد اللّه بن ابي رافع : دخلت عليه يوم عيد ، فقدّم جرابا مختوما ، فوجدنا فيه خبز شعير يابسا مرضوضا ، فقدّم فأكل .

فقلت يا أمير المؤمنين : فكيف تختمه ؟

قال : خفت هذين الولدين أن يلتّاه بسمن او زيت 3 .

-----------
( 1 ) اسد الغابة 4 24 .

-----------
( 2 ) اعيان الشيعة 3 ق 1 112 .

-----------
( 3 ) شرح نهج البلاغة 1 9 .

[ 12 ]

و قال الاخنف بن قيس لمعاوية : دخلت عليه ليلة افطاره فقال لي : قم فتعش مع الحسن و الحسين ، ثم قام الى الصلاة ، فلما فرغ دعا بجراب مختوم بخاتمه ، فاخرج منه شعيرا مطحونا ثم ختمه .

فقلت : يا أمير المؤمنين : لم اعهدك بخيلا فكيف ختمت على هذا الشعير ؟

فقال : لم اختمه بخلا ، و لكن خفت أن يبسّه الحسن و الحسين بسمن او اهالة .

فقلت : أحرام ؟

قال : لا ، و لكن على أئمة الحق أن يتأسوا بأضعف رعيتهم حالا في الأكل و اللباس ، و لا يتميزون عليهم بشي‏ء لا يقدرون عليه ، ليراهم الفقير فيرضى عن اللّه تعالى بما هو فيه ، و يراهم الغني فيزداد شكرا و تواضعا 1 .

-----------
( 1 ) تذكرة الخواص 63 .

[ 13 ]

و أمّا سخاؤه عليه السلام : فمن اسخى من رجل يقدّم طعام افطاره لمسكين و يطوي ليلته ،

و يقدّمه في الليلة الثانية ليتيم و يمسي طاويا ، و في الليلة الثالثة يقدمه لأسير ، حتى انزل اللّه فيه :

و يطعمون الطعام على حبه مسكينا و يتيما و أسيرا . إنما نطعمكم لوجه اللّه لا نريد منكم جزاء و لا شكورا ، إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا 1 .

و استدرج سخاء علي عدوه اللدود معاوية بن أبي سفيان حتى قال فيه : و هو الذي لو ملك بيتا من تبر ، و بيتا من تبن ، لانفذ تبره قبل تبنه 2 .

و ذكره الشعبي فقال : كان اسخى الناس 3 .

و قسّم بيت مال البصرة بعد واقعة الجمل فكان نصيب كل جندي خمسمائة درهم و أخذ عليه السلام خمسمائة ايضا .

-----------
( 1 ) إجماع المفسرين .

-----------
( 2 ) شرح نهج البلاغة 1 .

-----------
( 3 ) شرح نهج البلاغة 7 .

[ 14 ]

قال ابو الأسود الدؤلي : لما ظهر علي عليه السلام يوم الجمل دخل بيت المال بالبصرة في ناس من المهاجرين و الانصار و أنا معهم فلما رأى كثرة ما فيه قال : غري غيري ، مرارا ، ثم نظر الى المال و صعّد فيه بصره و صوّب و قال : اقسموه بين أصحابي خمسمائة خمسمائة ، فقسّم بينهم ، فلا و الذي بعث محمدا بالحق ما نقص درهما و لا زاد درهما كأنّه كان يعرف مبلغه و مقداره . و كان ستة آلاف الف درهم و الناس اثنا عشر ألفا 1 .

و قال حبة العرني : قسّم علي عليه السلام بيت مال البصرة على أصحابه خمسمائة خمسمائة ،

و أخذ خمسمائة درهم كواحد منهم ، فجاءه انسان لم يحضر الوقعة فقال : يا أمير المؤمنين كنت شاهدا معك بقلبي و إن غاب عنك جسمي فاعطني من الفي‏ء شيئا ، فدفع الذي أخذه لنفسه و هو خمسمائة درهم و لم يصب من الفي‏ء شيئا 2 .

-----------
( 1 ) شرح نهج البلاغة 1 100 .

-----------
( 2 ) شرح نهج البلاغة 1 100 .

[ 15 ]

و أذا تحدثنا عن جهاده : فقد شهد مع الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم المشاهد كلها ،

و كان فيها الفارس المقدّم و الأسد الغالب ، و حامل لواء المسلمين ، ففي وقعة ( بدر الكبرى ) قتل خمسة و ثلاثين من المشركين ، و قتل المسلمون و الملائكة خمسة و ثلاثين ايضا ، و في يوم احد قتل اصحاب الألوية كلهم ، و لما انهزم المسلمون بعد هجوم خالد بن الوليد عليهم ثبت يدافع عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم ، و يكشف كتائب المشركين عنه ، و قد ذكر المؤرخون و اصحاب السير نداء جبرئيل عليه السلام في ذلك اليوم : ( لا سيف إلاّ ذوالفقار و لا فتى إلاّ علي ) 1 .

و في ( خيبر ) أخذ اللواء غير واحد من المهاجرين و ما اسرع ان يرجع كل واحد منهم الى النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم منهزما ، يجبن أصحابه و يجبنونه ، حتى غضب النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم و قال : لأعطين الراية غدا رجلا

-----------
( 1 ) مناقب أمير المؤمنين عليه السلام لابن المغازلي 197 .

[ 16 ]

يحب اللّه و رسوله ، و يحبه اللّه و رسوله ، كرار غير فرار ، لا يرجع حتى يفتح اللّه عليه .

و اصبح الصباح فاستدعى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم عليا عليه السلام و أعطاه الراية ،

فاقبل يهرول بها الى الحرب حتى قتل مرحبا ،

و دحا باب الحصن ، و قتل من اليهود مقتلة عظيمة ، و تم النصر للمسلمين .

و في ( يوم الاحزاب ) جاء ابو سفيان و جمهرة المشركين ، و كان تخطيطهم القضاء على الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم و المسلمين ، فقتل علي عليه السلام قائدهم عمرو بن عبد ود العامري و انهزم الجمع ، و ولوا الدبر ، و من هنا كانت ضربته عليه السلام لعمرو كما يقول الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم تعدل عبادة الثقلين .

و ( يوم حنين ) فرّ المسلمون بأجمعهم إلاّ عشرة تسعة من بني هاشم ، و ثبت هو عليه

[ 17 ]

السلام يدافع عن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم ، و يكشف الكتائب عنه ، حتى قتل ابا جرول حامل راية المشركين و فرت هوازن من بأسه ، و نكال وطئته . و تم النصر ، و كسب المسلمون المعركة ، و هكذا بقية مشاهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم و غزواته .

بني الدين فاستقام و لو لا
ضرب ماضيك ما استقام البناء

و أمّا علمه عليه السلام : فهو القائل : علمني رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم الف باب من العلم ، يفتح لي من كل باب الف باب 1 .

و قيل لابن عباس و هو حبر الأمة : أين علمك من علم ابن عمك ؟ . فقال : كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط 2 .

-----------
( 1 ) فرائد السمطين 1 101 .

-----------
( 2 ) شرح نهج البلاغة 1 6 .

[ 18 ]

و هو القائل : لو ثنيت لي الوسادة لذكرت في تفسير بسم اللّه الرحمن الرحيم حمل بعير 1 .

و هو القائل : لو كسرت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم ، و بين أهل الانجيل بانجيلهم ، و بين أهل الفرقان بفرقانهم ، و ما من آية في كتاب اللّه انزلت في سهل أو جبل ، إلاّ و أنا أعلم متى نزلت ، و فيمن انزلت 2 .

و هو القائل على رؤوس الاشهاد : سلوني قبل أن تفقدوني ، فو الذي نفسي بيده لا تسألوني عن شي‏ء فيما بينكم و بين الساعة ، و لا عن فتنة تهدي مائة و تضل مائة ، إلاّ انبأتكم بناعقها و قائدها و سائقها ، و مناخ ركابها ، و محط رحالها ، و من يقتل من اهلها قتلا ، و من يموت منهم موتا 3 .

قال سعيد بن المسيب : ما كان أحد من

-----------
( 1 ) تذكرة الخواص 3 .

-----------
( 2 ) اعيان الشيعة 3 ق 1 106 .

-----------
( 3 ) نهج البلاغة 1 183 .

[ 19 ]

الناس يقول : سلوني غير علي بن ابي طالب 1 .

و بقي عليه السلام المفزع للمهمات التي كانت ترد على من سبقه حتى قال عمر بن الخطاب : اعوذ باللّه من معضلة ليس لها ابو الحسن علي ، و لو لا علي لهلك عمر 2 .

و قال عثمان بن عفان : لو لا علي لهلك عثمان 3 ؟ .

و أمّا عفوه و صفحه : فموقفه مع أهل البصرة معلوم ، فقد عفا عنهم لمّا ملكهم ، و أمر أصحابه بالكف عنهم و عن اموالهم ، و نادى مناديه : من القى سلاحه فهو آمن ، و من دخل داره فهو آمن ، و شمل عفوه حتى رؤساء القوم ، و قادة العسكر ، فقد عفا عن عائشة و جهزها بأحسن ما

-----------
( 1 ) اسد الغابة 4 22 . الأئمة الاثنا عشر لابن طولون 51 .

-----------
( 2 ) تذكرة الخواص 87 .

-----------
( 3 ) الغدير 8 214 عن زين الفتى في شرح سورة هل اتى .

[ 20 ]

يكون الى المدينة ، و عفا عن مروان بن الحكم اعدى اعدائه ، و جي‏ء اليه بعبد اللّه بن الزبير فقال له : اذهب فلا أريّنّك ، كما عفا عن سعيد ابن العاص لما قبض عليه بمكة .

هذه المامة سريعة ببعض مناقبه و فضائله عليه السلام و الحديث عن فضائله و مناقبه يحتاج إلى مجلدات ، و قد مرّ علينا قول عبد اللّه بن عباس :

لو أنّ الشجر أقلام ، و البحر مداد ، و الإنس و الجن كتاب و حساب ، ما أحصوا فضائل أمير المؤمنين عليه السلام .

[ 21 ]