صفة خلق آدم عليه السلام

ثمّ جمع سبحانه من حزن الأرض [ 1 ] و سهلها ، و عذبها و سبخها [ 2 ] تربة سنّها بالماء [ 3 ] حتّى خلصت . و لاطها بالبلّة حتّى لزبت [ 4 ] فجبل [ 5 ] منها صورة ذات أحناء و وصول و أعضاء و فصول [ 6 ] : أجمدها حتّى استمسكت و أصلدها حتّى صلصلت [ 7 ] لوقت معدود ، و أمد معلوم ثمّ نفخ فيها من روحه فمثلت إنسانا ذا أذهان

[ 1 ] حزن الأرض : ما غلظ منها .

[ 2 ] سبخها : المالح الذي لا ينبت .

[ 3 ] سنّها بالماء : مزجها به .

[ 4 ] لاطها : مزجها . بالبلّة : بالرطوبة . و اللزوب :

الاشتداد ، و طين لازب : يلصق باليد لاشتداده ، و في القرآن الكريم : من طين لازب 37 : 11 .

[ 5 ] جبل : خلق .

[ 6 ] لها جوانب و أوصال ، و جوارح و مفاصل .

[ 7 ] أصلدها : جعلها صلبة متينة . و الصلصال . الطين اليابس الذي لم يطبخ ، إذا نقر به صوّت ،

و صلصلت : يبست حتى كان يسمع لها صلصلة .

[ 34 ]

يجيلها [ 1 ] ، و فكر يتصرّف بها ، و جوارح يختدمها [ 2 ] ، و أدوات يقلّبها ، و معرفة يفرق بها بين الحقّ و الباطل و الأذواق و المشامّ ، و الألوان و الأجناس ، معجونا بطينة الألوان المختلفة و الأشباه المؤتلفة ، و الأضداد المتعادية و الأخلاط المتباينة [ 3 ] ، من الحرّ و البرد ، و البلّة و الجمود و استأدى اللّه سبحانه الملائكة [ 4 ] وديعته لديهم و عهد وصيّته إليهم ، في الإذعان بالسّجود له ،

و الخشوع لتكرمته فقال سبحانه : اسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس اعترته الحميّة [ 5 ]

[ 1 ] يجيلها : ما يجول في خاطره ، و يطرأ على باله .

[ 2 ] يختدمها : يستخدمها في قضاء حاجاته .

[ 3 ] الاخلاط : الأصناف المخلوطة . و المتباينة :

المختلفة ، و ما بعدها يفسّرها .

[ 4 ] استأدى اللّه الملائكة . طلب منهم الأداء . و وديعته لديهم : هو ما أمرهم من السجود له .

[ 5 ] الحميّة : العصبية .

[ 35 ]

و غلبت عليه الشّقوة و تعزّز بخلقة النّار و استهون خلق الصّلصال فأعطاه اللّه النّظرة [ 1 ] استحقاقا للسّخطة ، و استتماما للبليّة ، و إنجازا للعدة [ 2 ] فقال إنّك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم ثمّ أسكن سبحانه آدم دارا أرغد فيها عيشه [ 3 ] ، و آمن فيها محلّته ، و حذّره إبليس و عداوته ، فاغترّه عدوّه نفاسة [ 4 ] عليه بدار المقام

[ 1 ] النظرة : التأخير . و في القرآن الكريم : قال انظرني إلى يوم يبعثون . قال إنك من المنظرين 7 : 15 .

[ 2 ] انجازا للعدة : أشار إلى أنه جلّ جلاله وعد العاملين الأجر و الثواب ، و سبق لابليس أن عبد اللّه سبحانه و تعالى في صفوف الملائكة ، و لما سخط عليه سأله ثواب عبادته ، فجعل له النظرة ثوابا عليها .

[ 3 ] الرغد : السعة في العيش . و في القرآن الكريم و قلنا يا آدم أسكن أنت و زوجك الجنة و كلا منها رغدا حيث شئتما 2 : 35 .

[ 4 ] نفاسة عليه : أي كان الباعث له على إغوائه و إخراجه من الجنة هو الحسد لمقامه عليه السلام ، و لذا ورد أن الحسد أول معصية عصي اللّه بها ، و الحسد أيضا كان الدافع لقابيل على قتل أخيه هابيل .

[ 36 ]

و مرافقة الأبرار فباع اليقين بشكّه ، و العزيمة بوهنه [ 1 ] ، و استبدل بالجذل وجلا [ 2 ] ، و بالاغترار ندما ثمّ بسط اللّه سبحانه له في توبته ، و لقّاه كلمة رحمته [ 3 ] ، و وعده المردّ إلى جنّته ، و أهبطه إلى دار البليّة ، و تناسل الذّرّيّة ، و اصطفى سبحانه من ولده أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم [ 4 ] ،

و على تبليغ الرّسالة أمانتهم ، لمّا بدّل أكثر خلقه أن الحسد أول معصية عصي اللّه بها ، و الحسد أيضا كان الدافع لقابيل على قتل أخيه هابيل .

[ 1 ] العزم : التصميم و المضي . و الوهن : الضعف . و في القرآن الكريم : و لقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي و لم نجد له عزما 20 : 115 .

[ 2 ] الجذل : الفرح و السرور . و الوجل : الخوف و الفزع .

[ 3 ] يشير إلى قوله تعالى : فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنّه هو التواب الرحيم 2 : 37 .

[ 4 ] أخذ على الوحي ميثاقهم : أخذ عليهم عهدا على الوفاء بما حمّلوا من تبليغ الرسالة ، و الدعاء إلى التوحيد .

[ 37 ]

عهد اللّه إليهم [ 1 ] فجهلوا حقّه و اتّخذوا الأنداد [ 2 ] معه و اجتالتهم [ 3 ] الشّياطين عن معرفته و اقتطعتهم عن عبادته ، فبعث فيهم رسله ، و واتر إليهم أنبياءه [ 4 ] ليستأدوهم ميثاق فطرته [ 5 ] و يذكّروهم منسيّ نعمته ، و يحتجّوا عليهم بالتّبليغ ، و يثيروا لهم دفائن العقول [ 5 ] و يروهم الآيات المقدّرة

[ 1 ] هو ما أوصاهم و أمرهم به ، و في القرآن الكريم :

أ لم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين 36 : 60 أي أ لم أقدّم لكم .

[ 2 ] الند : المثل و النظير ، و المراد به ما عبدوه من الأصنام و غيرها .

[ 3 ] اجتالتهم : ادارتهم و صرفتهم .

[ 4 ] واتر إليهم أنبياءه : تابع في إرسالهم .

[ 5 ] ليستأدوهم : يطلبوا منهم الأداء . ميثاق فطرته : ما أودعه جلّ جلاله فيهم من العقول و المعارف التي يستهدى بها على النهج القويم .

[ 6 ] دفائن العقول : هو ما أودعه جلّ جلاله في عقولهم من الأدلة على توحيده .

و في كل شي‏ء له آية
تدل على أنه واحد

 

[ 38 ]

من سقف فوقهم مرفوع ، و مهاد [ 1 ] تحتهم موضوع ، و معايش تحييهم و آجال تفنيهم ،

و أوصاب تهرمهم [ 2 ] و أحداث تتابع عليهم و لم يخل سبحانه خلقه من نبيّ مرسل ، أو كتاب منزل ،

أو حجّة لازمة ، أو محجّة قائمة [ 3 ] : رسل لا تقصّر بهم قلّة عددهم ، و لا كثرة المكذّبين لهم .

من سابق سمّي له من بعده ، أو غابر [ 4 ] عرّفه من

[ 1 ] المهاد : الفراش .

[ 2 ] الأوصاب : الأمراض .

[ 3 ] حجة لازمة : أي معجزة تلزم الخلائق اتباعها . و في عصرنا هذا هو القرآن الكريم ، فهو الحجّة البالغة على الخلق أجمعين . و محجّة قائمة : الطريق الواضح للسالكين ، و المراد به دين الإسلام .

[ 4 ] الغابر : السابق ، و المعنى : أن الأنبياء عليهم السلام يبشر المتقدم منهم بالمتأخر . و في القرآن الكريم :

و إذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول اللّه إليكم مصدّقا لما بين يديّ من التوراة و مبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين 61 : 6 .

[ 39 ]

قبله . على ذلك نسلت القرون [ 1 ] ، و مضت الدّهور ، و سلفت الآباء و خلفت الأبناء ، إلى أن بعث اللّه سبحانه محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لإنجاز عدته [ 2 ] و تمام نبوّته ،

مأخوذا على النبيين ميثاقه [ 3 ] ، مشهورة سماته

[ 1 ] نسلت : مضت و تصرّمت .

[ 2 ] لانجاز عدته : التي وعد الأمم على السنة أنبيائها بمبعثه صلى اللّه عليه و آله و سلم .

[ 3 ] مأخوذا على النبيين ميثاقه : إن اللّه جلّ جلاله أخذ الميثاق على الأنبياء جميعا أن يبشّروا أممهم بنبينا محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم ، و يأمروهم بتصديقه .

[ 4 ] سماته : صفاته و علاماته في التوراة و الانجيل و جميع كتب الأنبياء عليهم السلام . و في القرآن الكريم :

الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم و ان فريقا منهم ليكتمون الحق و هم يعلمون 2 : 146 . و قوله تعالى : الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة و الإنجيل يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر و يحل لهم الطيبات و يحرّم عليهم الخبائث و يضع عنهم أصرهم و الإغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به و عزّروه و نصروه و اتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون 7 : 157 .

[ 40 ]

كريما ميلاده . و أهل الأرض يومئذ ملل متفرّقة ،

و أهواء منتشرة [ 1 ] و طوائف متشتّتة ، بين مشبّه للّه بخلقه أو ملحد في اسمه [ 2 ] ، أو مشير إلى غيره ،

فهداهم به من الضّلالة ، و أنقذهم بمكانه من الجهالة . ثمّ اختار سبحانه لمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم لقاءه ، و رضي له ما عنده ، و أكرمه عن دار الدّنيا ، و رغب به عن مقارنة البلوى [ 3 ] ،

فقبضه إليه كريما صلّى اللّه عليه و آله و سلّم

[ 1 ] أهواء : جمع هوى : ما تميل إليه النفس . منتشرة :

متفرّقة ، مختلفة .

[ 2 ] ملحد في اسمه : يصفونه بما لا يليق به ، و يسمّونه بما لا يجوز تسميته به .

[ 3 ] رغب به عن مقارنة البلوى : أراد له الخلاص من دار الدنيا المحفوفة بالبلاء .

[ 41 ]

و خلّف فيكم ما خلّقت الأنبياء في أممها [ 1 ] إذ لم يتركوهم هملا [ 2 ] : بغير طريق واضح ، و لا علم قائم كتاب ربّكم فيكم : مبيّنا حلاله و حرامه و فرائضه و فضائله [ 3 ] ، و ناسخه و منسوخه [ 4 ] ،

و رخصه و عزائمه [ 5 ] ، و خاصّه و عامّه [ 6 ] ، و عبره

[ 1 ] خلّف فيكم ما خلفت الأنبياء في أممها : يشير عليه السلام إلى الحديث المتواتر عنه صلى اللّه عليه و آله و سلم : إني مخلّف فيكم الثقلين : كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي ، ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض .

[ 2 ] هملا : أي بلا رعاية و عناية .

[ 3 ] الفضائل : المستحب من الأعمال . و الفرائض :

الواجب منها .

[ 4 ] الناسخ : هو الحكم الرافع لحكم سابق . و المنسوخ :

الحكم المرفوع المتروك و مثاله : كان المسلمون يتوجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس ، ثم نسخ ذلك بالتوجّه إلى الكعبة المعظّمة .

[ 5 ] رخصه : المراد ما رخص به عند الضرورة مثل أكل الميتة : فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لأثم فإن اللّه غفور رحيم 5 : 3 . و العزائم : الأحكام التي لا يجوز مخالفتها قطعا .

[ 6 ] الخاص : مثل قوله تعالى : و امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي 33 : 5 ، و العام : و أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة و اركعوا مع الراكعين 2 : 43 .

[ 42 ]

و أمثاله [ 1 ] ، و مرسله و محدوده [ 2 ] ، و محكمه و متشابهه [ 3 ] ، مفسّرا مجمله ، و مبيّنا غوامضه ،

[ 1 ] العبر : ما يتعظ به كالآيات التي ذكرت ما حلّ بالأمم المكذّبة لأنبيائها . و الأمثال : هي التي تقرّب المعنى للذهن ، مثل قوله تعالى : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل اللّه كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبّة و اللّه يضاعف لمن يشاء و اللّه واسع عليم 2 : 261 .

[ 2 ] المرسل : المطلق ، و هو اللفظ الدال على شايع في جنسه ، مثاله : إن اللّه يأمركم أن تذبحوا بقرة 2 : 67 و المحدود : المقيّد كقوله تعالى : إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض و لا تسقي الحرث 2 : 71 .

[ 3 ] المحكم : مثل آيات الأحكام . و المتشابه مثل قوله تعالى : يد اللّه فوق أيديهم 48 : 10 .

[ 43 ]

بين ميثاق مأخوذ علمه ، و موسّع على العباد في جهله [ 1 ] ، و بين مثبت في الكتاب فرضه و معلوم في السنّة نسخه [ 2 ] ، و واجب في السّنّة أخذه ، و مرخّص في الكتاب تركه [ 3 ] ، و بين

[ 1 ] بين مأخوذ ميثاق علمه : أي لا عذر لأحد في جهله كالتوحيد . موسّع على العباد في جهله : مثله قوله تعالى : كهيعص 19 : 1 و بقية الحروف المقطعة في أوائل السور .

[ 2 ] مثبت في الكتاب فرضه . . . : أي الحكم من القرآن الكريم ثم ينسخ بالسنة النبوية ، مثاله : فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت 4 : 15 ، ثم نسخ برجم الزناة المحصنين المتزوجين .

[ 3 ] و واجب في السنّة أخذه . . . : هو عكس الأول ، أي السنّة النبوية فيه ثابتة ، و جاء القرآن بنسخها ، مثاله :

التوجّه في الصلاة كان إلى بيت المقدس سنّة ،

الرسول الأعظم صلى اللّه عليه و آله و سلم يريد للمسلمين التميّيز عن المشركين ، و لمّا كان المشركون يتوجهون في طقوسهم الدينية إلى الكعبة المعظمة ،

أمر الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم المسلمين بالتوجه في الصلاة إلى بيت المقدس ، و بعد الهجرة انعكس الأمر ، لأن اليهود يتوجهون في عبادتهم إلى بيت المقدس ، و يعيّرون المسلمين بأنهم تبع لهم ،

فكبر ذلك على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم ،

فنزل قوله تعالى : قد نرى تقلّب وجهك في السماء فلنولنيك قبلة ترضاها 2 : 144 .

[ 44 ]

واجب بوقته ، و زائل في مستقبله [ 1 ] ، و مباين بين محارمه [ 2 ] : من كبير أوعد عليه نيرانه ، أو صغير أرصد له [ 3 ] غفرانه . و بين مقبول في أدناه ، موسّع في أقصاه [ 4 ] .

[ 1 ] واجب بوقته . . . : مثاله : صوم شهر رمضان ، يجب في جزء من السنة و لا يجب في غيره .

[ 2 ] مباين بين محارمه : أي مفرّق في الحكم في الذنوب ، فالذنوب الكبائر التي أوجب عليها النار كالقتل و الزنا ، و الصغائر التي يرجى فيها عفوه كالنظرة إلى الأجنبية .

[ 3 ] أرصد له : أعدّ له .

[ 4 ] مقبول في أدناه . . . : كالقيام إلى صلاة الليل ،

فإن قليله مقبول . موسّع في أقصاه . الوسع :

الطاقة ، و المراد : أن يؤدوا صلاة الليل مثلا حسب طاقتهم و لو بعد فوات وقتها .

[ 45 ]