( 2 ) و من خطبة له عليه السّلام بعد انصرافه من صفين [ 1 ]

أحمده استتماما لنعمته ، و استسلاما لعزّته [ 2 ] ، و استعصاما [ 3 ] من معصيته . و استعينه فاقة إلى كفايته [ 4 ] إنّه لا يضلّ من هداه ، و لا يئل [ 5 ]

[ 1 ] صفين : اسم موضع على شاطى‏ء الفرات ، و هي اليوم من توابع حلب ، و فيها كانت المعركة بين الإمام عليه السلام و معاوية بن أبي سفيان .

[ 2 ] استسلاما لعزته : خضوعا لجلاله و عظمته .

[ 3 ] استعصاما : أي طلبا للعصمة من معصيته .

[ 4 ] الفاقة : الفقر و المسكنة ، و المراد : أنا مفتقر إلى عونك .

[ 5 ] و لا يئل : و لا ينجو .

[ 4 ]

من عاداه ، و لا يفتقر من كفاه فإنّه أرجح ما وزن ، و أفضل ما خزن . و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، شهادة ممتحنا إخلاصها [ 1 ] ،

معتقدا مصاصها [ 2 ] نتمسّك بها أبدا ما أبقانا ،

و ندّخرها لأهاويل [ 3 ] ما يلقانا فإنّها عزيمة الإيمان [ 4 ] ، و فاتحة الإحسان ، و مرضاة الرّحمن ، و مدحرة الشّيطان [ 5 ] . و أشهد أنّ

[ 1 ] ممتحنا اخلاصها : أختبر قلبه في إخلاص هذه الشهادة فنجح في الاختبار .

[ 2 ] معتقدا مصاصها : يعني خالصها ، و المراد : اخلاص قائلها ، و عنه صلى اللّه عليه و آله و سلم : « من قال لا إله إلاّ اللّه مخلصا دخل الجنة » ، و إخلاصه : أن تمنعه عما حرّم اللّه عليه .

[ 3 ] أهاويل : جمع هول ، و هو الفزع العظيم ، و أهوال يوم القيامة شدائدها .

[ 4 ] فإنها عزيمة الإيمان : أي ينبغي للمؤمن أن يجد و يجتهد فيها .

[ 5 ] مدحرة الشيطان : مبعّدة عنه .

[ 5 ]

محمّدا عبده و رسوله ، أرسله بالدّين المشهور [ 1 ] ،

و العلم المأثور [ 2 ] و الكتاب المسطور ، و النّور السّاطع ، و الضّياء اللاّمع ، و الأمر الصّادع [ 3 ] ،

إزاحة للشّبهات [ 4 ] ، و احتجاجا بالبيّنات ، و تحذيرا بالآيات ، و تخويفا بالمثلات [ 5 ] و النّاس في فتن انجذم [ 6 ] فيها حبل الدّين و تزعزعت [ 7 ] سواري

[ 1 ] أرسله بالدين المشهور : المعروف عند الأمم الماضية ، ببشارة الأنبياء عليهم السلام بمبعثه . قال عبد اللّه بن سلام : و هو أعلم اليهود في عصره بعد أن أسلم : لأنا بمحمد صلى اللّه عليه و آله و سلم أعرف مني بولدي .

[ 2 ] و العلم المأثور : أي أن الأجيال الماضية روت حديث مبعثه ، رواه الخلف عن السلف .

[ 3 ] الصادع : الظاهر .

[ 4 ] ازاحة للشبهات : ازاحة : ازالة . و الشبهات : الأمور التي تشبه الحق و قد تلتبس على البعض فيحسبها صحيحة .

[ 5 ] المثلات : العقوبات .

[ 6 ] انجذم فيها حبل الدين : انقطع . و في القرآن الكريم :

و اعتصموا بحبل اللّه جميعا و لا تفرّقوا 3 : 103 .

[ 7 ] و تزعزعت سواري اليقين : اضطربت دعائمه .

و اليقين : الحق و الموضوع اشارة الى تزلزل العقيدة ، و البعد عن الاستقامة .

[ 6 ]

اليقين ، و اختلف النّجر [ 1 ] و تشتّت الأمر ، و ضاق المخرج و عمي المصدر [ 2 ] فالهدى خامل [ 3 ] ، و العمى شامل . عصي الرّحمن ، و نصر الشّيطان ، و خذل الإيمان ، فانهارت دعائمه ، و تنكّرت معالمه [ 4 ] و درست سبله [ 5 ] و عفت شركه [ 6 ] : أطاعوا الشّيطان

[ 1 ] و اختلف النجر : اختلفت الأصول ، فكل يرجع إلى أصل يظنه مرجع حق ، و هو أبعد ما يكون عن الحق .

[ 2 ] و عمي المصدر : طريق الخلاص منها .

[ 3 ] فالهدى خامل : أي طريق الهدى مهجور مندرس .

[ 4 ] تنكّرت معالمه : تغيّرت آثاره .

[ 5 ] و درست سبله : انمحت طرقه .

[ 6 ] عفت شركه : اختفت طرقه و جواده و الفقرات كلها في وصف بعدهم عن الإيمان .

[ 7 ]

فسلكوا مسالكه ، و وردوا مناهله [ 1 ] ، بهم سارت أعلامه ، و قام لواؤه ، في فتن داستهم بأخفافها ،

و وطئتهم بأظلافها [ 2 ] و قامت على سنابكها ، فهم فيها تائهون حائرون جاهلون مفتونون ، في خير دار ، و شرّ جيران [ 3 ] . نومهم سهاد [ 4 ] ، و كحلهم دموع ، بأرض عالمها ملجم [ 5 ] ، و جاهلها مكرّم .

[ 1 ] و ردوا مناهله : شربوا من عيون ضلالته ، و المراد وصف اتباعهم له .

[ 2 ] و وطئتهم بأظلافها : جمع ظلف و هو للبقر و الغنم كالحافر للفرس ، و الخف للبعير ، و المراد : أن الفتن اشتملت عليهم .

[ 3 ] يعني مشركي قريش .

[ 4 ] السهود : السهر ، و المراد وصف حالهم كما يقول القائل : فلان جوده بخل ، و أمنه مخافة .

[ 5 ] اللجام : ما يوضع في فم الفرس ، و الجملة في تشبيه حال العالم بينهم ، و عدم تمكنه من الإصلاح .

[ 8 ]