( 3 ) و من خطبة له عليه السلام و هي المعروفة بالشقشقية [ 1 ]

أما و اللّه لقد تقمّصها فلان [ 2 ] و إنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرّحى [ 3 ] : ينحدر عنّي السّيل [ 4 ] و لا يرقى إليّ الطّير [ 5 ] فسدلت

[ 1 ] الشقشقة : التي يخرجها الجمل العربي من جوفه ،

ينفخ فيها فتظهر من شدقه .

سميت الخطبة بذلك لقوله عليه السلام : تلك شقشقة هدرت ثم قرّت .

[ 2 ] تقمصها : لبسها مثل القميص ، و المراد بها الخلافة .

[ 3 ] محلّ القطب من الرحى : أي كما أن الرحى لا تدور إلاّ على القطب ، و دورانها بغير القطب لا ثمرة فيه ،

كذلك الخلافة لا تصلح لغيره .

[ 4 ] ينحدر عني السيل : شبّه نفسه عليه السلام بذروة الجبل التي يأتي السيل منها ، و كذلك كان عليه السلام المفزع في المهمات ، و الملجأ في المعضلات ، منه أخذ الناس العلوم .

[ 5 ] و لا يرقى إليّ الطير : هي كالأولى في بيان سمو مقامه و منزلته التي لا تضاهى حتى لا يتمكن الطائر من الدنو منها .

[ 12 ]

دونها ثوبا [ 1 ] ، و طويت عنها كشحا [ 2 ] . و طفقت [ 3 ] أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء [ 4 ] أو أصبر على طخية عمياء [ 5 ] يهرم فيها الكبير ، و يشيب فيها

[ 1 ] سدلت : أرخيت . أرسلت ، و المراد : أنه صلوات اللّه عليه غضّ نظره عنها .

[ 2 ] الكشح : ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف ، و هو كناية عن امتناعه و إعراضه عنها كالمأكول المعاف الذي تطوى البطن دونه .

[ 3 ] طفقت : ابتدأت . أخذت .

[ 4 ] جذّاء : مقطوعة ، و المراد : عدم وجود الناصر .

[ 5 ] أو أصبر على طخية عمياء : على ظلمة و التباس من الأمور ، لا يهتدي فيها السالك إلى طريق الحق ، بل يأخذ يمينا و شمالا .

[ 13 ]

الصّغير [ 1 ] ، و يكدح فيها مؤمن [ 2 ] حتّى يلقى ربّه فرأيت أنّ الصّبر على هاتا أحجى [ 3 ] فصبرت و في العين قذى [ 4 ] ، و في الحلق شجا [ 5 ] أرى تراثي نهبا ، حتّى مضى الأوّل لسبيله ، فأدلى بها إلى فلان بعده [ 6 ] ( ثمّ تمثّل بقول الأعشى ) :

شتّان ما يومي على كورها
و يوم حيّان أخي جابر

[ 7 ]

[ 1 ] يهرم فيها الكبير : يبلغ أقصى الكبر . يشيب فيها الصغير : يبيض رأسه .

[ 2 ] يكدح فيها مؤمن : يسعى في الذب عن الحق ،

و يقاسي الأحزان و الشدائد .

[ 3 ] أحجى : أصلح .

[ 4 ] القذى : ما يقع في العين من تراب أو تبن أو وسخ أو غير ذلك .

[ 5 ] الشجا : ما اعترض في الحلق من عظم و نحوه و الجملة وصف ما كان يعانيه و يكابده .

[ 6 ] أدلى بها إلى فلان : الضمير يعود إلى الخلافة ،

و المعنى : دفعها . و فلان : عمر بن الخطاب .

[ 7 ] معنى البيت : الكور : الرحل الذي يوضع على ظهر الناقة . و حيان : سيد بني حنيفة ، له منزلة عند الملوك ، و نعمة و رخاء . و جابر : أخوه ، و هو بائس فقير ، يعاني متاعب السفر على كور ناقته ، و البيت في بيان وصف ما بينهما .

و مراد الإمام عليه السلام من الاستشهاد بالبيت الفرق ما بينه و بين عمر ، فقد وليها عمر في ظرف ممهد ،

و استقرار تام ، و وليها الإمام عليه السلام في ظرف مضطرب ، و فتن قائمة .

[ 14 ]

فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته [ 1 ] إذ عقدها لآخر بعد وفاته ، لشدّ ما تشطّر ضرعيها [ 2 ] فصيّرها في حوزة [ 3 ] خشناء يغلظ

[ 1 ] يستقيلها : يطلب الإقالة منها ، فقد روى المؤرخون خطبة أبي بكر : اقيلوني أقيلوني ، لست بخيركم و علي فيكم .

[ 2 ] لشد ما تشطرا ضرعيها : شبّه الخلافة بناقة لها ضرعان ، أخذ كل واحد منهما ضرعا منها اقتساما للفائدة و قد قال الإمام عليه السلام لعمر بعد بيعة أبي بكر : أحلب حلبا لك شطره ، أشدد له اليوم يردّه عليك غدا ، فتحقق ذلك .

[ 3 ] الحوزة : الناحية . و الخشن : الشديد .

[ 15 ]

كلامها [ 1 ] ، و يخشن مسّها ، و يكثر العثار فيها ،

و الاعتذار منها [ 2 ] ، فصاحبها كراكب الصّعبة [ 3 ] إن أشنق لها خرم ، و إن أسلس لها تقحّم ، فمني النّاس لعمر اللّه بخبط و شماس [ 4 ] و تلوّن و اعتراض [ 5 ] ، فصبرت على طول المدّة ، و شدّة

[ 1 ] كلامها : الكلام : الأرض الغليظة و المراد : تشبيهه بالغلظة و يخشن مسها : تؤذي و تضر من يمسّها و المراد : بيان سوء خلقه و شدته ، و تسرّعه إلى الغضب .

[ 2 ] يكثر العثار فيها : المراد بالعثار الخطأ في الحكم و نحوه ، و ثم الاعتذار عن ذلك و انه كان على سبيل الخطأ .

[ 3 ] كراكب الصعبة : هي الناقة الصعبة الانقياد ، و قد شرح السيد الرضي الجملة في آخر الخطبة .

[ 4 ] مني الناس : ابتلوا ، و الخبط : السير على غير الجادة ، و الشماس : نفار الفرس .

[ 5 ] التلوّن : الانتقال من حالة إلى أخرى ، و الاعتراض :

هو السير على غير الاستقامة ، كأنه يسير عرضا ،

و المراد وصف ما عانته الأمّة في ولايته .

[ 16 ]

المحنة [ 1 ] حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أنّي أحدهم ، فياللّه و للشّورى [ 2 ] متى اعترض الرّيب فيّ مع الأوّل منهم حتّى صرت أقرن إلى هذه النّظائر [ 3 ] لكنّي أسففت إذ أسفّوا [ 4 ] و طرت إذ طاروا فصغى رجل منهم لضغنه [ 5 ] و مال الآخر لصهره [ 6 ] مع هن و هن [ 7 ]

[ 1 ] المحنة : الابتلاء .

[ 2 ] فيا للّه و للشورى : الاستعانة باللّه تعالى و الشكوى إليه مما أصابني من الشورى ، فقد جعلوني في مصاف جماعة لا يساووني في علم و لا فضل و لا جهاد .

[ 3 ] أي متى كان الشك عارضا لأذهانهم في مساواتي لأبي بكر حتى صرت أقرن إلى هؤلاء مع أنهم أقل منه رتبة .

[ 4 ] أسف الطائر : إذا دنا من الأرض في طيرانه ، و المراد أن موقفه كان مقاربا للقوم حفاظا على الإسلام ،

و حرصا على جمع الكلمة ، و حتى لا يجد أعداء الإسلام سبيلا إلى التحرك و العمل .

[ 5 ] فصغى رجل منهم لضغنه : صغى : مال ، و الضغن :

الحقد ، و المراد به سعد بن أبي وقاص ، كان منحرفا عن الإمام عليه السلام ، و السبب أن أمّه حمنة بنت سفيان بن أمية ، فهو يحقد على الإمام عليه السّلام لقتله لصناديدهم .

[ 6 ] و مال آخر لصهره : المراد به عبد الرحمن بن عوف كان صهرا لعثمان .

[ 7 ] مع هن وهن : كناية عن شي‏ء قبيح ، تقول : هذا هنك : أي شينك و المراد : مع أمور أخرى لا يريد ذكرها .

[ 17 ]

إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه [ 1 ] بين نثيله و معتلفه [ 2 ] ، و قام معه بنو أبيه يخضمون مال اللّه خضمة الإبل نبتة الرّبيع [ 3 ] إلى أن انتكث

[ 1 ] نافجا حضنيه : النفج : الرفع . و الحضن : ما بين الإبط و الكشح ، و هي تقال لمن امتلأ بطنه طعاما .

[ 2 ] النثيل : الروث . و المعتلف : موضع أكل الدابة ،

و المقصود : أن همته كانت بطنه أو طلب الدنيا ، بدون اهتمام بأمر المسلمين .

[ 3 ] الخضم : الأكل بمل‏ء الفم . و نبتة الربيع : هو ما تنبته الأرض في الربيع ، فإن الإبل تستلذها لجوعها في فصل الشتاء لقلة وجود النبات .

[ 18 ]

فتله [ 1 ] ، و أجهز عليه عمله [ 2 ] و كبت به بطنته [ 3 ] فما راعني [ 4 ] إلاّ و النّاس كعرف الضّبع إليّ [ 5 ] ينثالون عليّ من كلّ جانب حتّى لقد وطى‏ء الحسنان ، و شقّ عطفاي [ 6 ] ، مجتمعين حولي كربيضة الغنم [ 7 ] فلمّا نهضت بالأمر نكثت

[ 1 ] انتكث : انتقض . و فتله : برم حبله ، و المراد : فشل سياسته و تدبيره .

[ 2 ] أجهز عليه عمله : أسرع إليه بالقتل .

[ 3 ] كبت به : أسقطته . بطنته : كناية عن إسرافه في تبذير أموال المسلمين و تقسيمها بين أهله و عشيرته .

[ 4 ] فما راعني : كلمة تستعمل لمفاجأة الأمر فتقول : ما راعني إلاّ مجيئك .

[ 5 ] كعرف الضبع : عرف الدابة : شعر عنقها ، و عرف الضبع : مضرب مثل في الإزدحام .

[ 6 ] شق عطفاي : خدش جانباي لشدة الازدحام ، و هذه الفقرات وصف للتجمع الذي حصل لبيعته عليه السلام ، و تباشر المسلمين بها ، فقد حصل له ما لم يحصل لأحد من قبله و لا لأحد من بعده .

[ 7 ] كربيضة الغنم : الأغنام المجتمعة في مرابطها .

[ 19 ]

طائفة [ 1 ] ، و مرقت أخرى [ 2 ] ، و قسط آخرون [ 3 ] كأنّهم لم يسمعوا كلام اللّه حيث يقول : تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَ لاَ فَسَاداً وَ الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ بلى و اللّه لقد سمعوها و وعوها ، و لكنّهم حليت الدّنيا في أعينهم [ 4 ] و راقهم زبرجها ، أمّا و الّذي فلق الحبّة ، و برأ النّسمة [ 5 ] لو لا حضور الحاضر [ 6 ] و قيام الحجّة بوجود النّاصر ، و ما أخذ اللّه على

[ 1 ] نكثت طائفة : نقضت البيعة ، و هم أصحاب الجمل .

[ 2 ] مرقت أخرى : خرجت من الدين كخروج السهم من الرمية ، و المراد بهم الخوارج .

[ 3 ] قسط آخرون : جاروا و في القرآن الكريم و أما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا 72 : 16 و المراد بهم أهل الشام .

[ 4 ] وراقهم زبرجها : أعجبهم زينتها .

[ 5 ] برأ النسمة : خلق الإنسان .

[ 6 ] لو لا حضور الحاضر : المراد به جماعة المسلمين الذين بايعوه .

[ 20 ]

العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم [ 1 ] ، و لا سغب مظلوم [ 2 ] ، لألقيت حبلها على غاربها [ 3 ] ،

و لسقيت آخرها بكأس أوّلها [ 4 ] ، و لألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز [ 5 ] .

قالوا : و قام إليه رجل من أهل السواد [ 6 ] عند

[ 1 ] لا يقاروا : لا يسكتوا . و الكظة : ما يعتري الإنسان عند الامتلاء من الطعام ، و هي كناية عن أخذه ما لا يحل له ، و المعنى : إن اللّه جلّ جلاله أوجب على العلماء دفع الظالمين ، و أخذ حقوق المظلومين .

[ 2 ] السغب : الجوع ، و هو كناية عن أخذ حقوقه .

[ 3 ] الغارب : أعلى كتف الناقة ، و المعنى : لو لا الواجب المتعين عليّ بوجود الأعوان لتركت الخلافة كما يترك الراعي الناقة المهملة ترعى حيث شاءت غير مبال بما يصيبها .

[ 4 ] لسقيت آخرها بكأس أولها : لتركتها آخرا كما تركتها أولا .

[ 5 ] أزهد : أهون : و عفطة العنز : ما تنثره من أنفها ، و هو مثل في هوانها عليه ، و عدم أهميتها عنده .

[ 6 ] من أهل السواد : من أهل القرى ، و العرب تسمي القرى سوادا لخضرتها بالزرع .

[ 21 ]

بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته فناوله كتابا ،

فأقبل ينظر فيه ، قال له ابن عباس رضي اللّه عنهما : يا أمير المؤمنين ، لو اطردت خطبتك من حيث أفضيت [ 1 ] :

فقال : هيهات يا ابن عبّاس ، تلك شقشقة هدرت [ 2 ] ثمّ قرّت .

قال ابن عباس : فو اللّه ما أسفت على كلام قط كأسفي على هذا الكلام أن لا يكون أمير المؤمنين عليه السلام بلغ منه حيث أراد .

( قوله « كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم و إن أسلس لها تقحم » يريد أنه إذا شدد عليها في جذب الزمام و هي تنازعه رأسها خرم أنفها ، و إن أرخى لها شيئا مع صعوبتها تقحمت به فلم يملكها : يقال : أشنق الناقة ، إذا جذب رأسها

[ 1 ] اطردت : تابعت . أفضيت : انتهيت .

[ 2 ] هدير الجمل : ترديده الصوت في حنجرته . و قرت :

سكنت .

[ 22 ]

بالزمام فرفعه و شنقها أيضا ، ذكر ذلك ابن السكيت في إصلاح المنطق : و إنما قال : « أشنق لها » و لم يقل « أشنقها » لأنه جعله في مقابلة قوله « أسلس لها » فكأنه عليه السلام قال : إن رفع لها رأسها بمعنى أمسكه عليها ) .