( 16 ) و من كلام له عليه السلام لما بويع بالمدينة

ذمّتي بما أقول رهينة [ 1 ] و أنا به زعيم ، إنّ من صرّحت له العبر [ 2 ] عمّا بين يديه من المثلات [ 3 ] حجزته التّقوى عن تقحّم الشّبهات [ 4 ] ، ألا و إنّ

[ 1 ] ذمتي : عهد في عنقي . و الرهن : وثيقة لدين المرتهن .

و الزعيم : الكفيل و المراد من الجملة أنه عليه السلام ضامن و كفيل بما يقوله .

[ 2 ] العبر : ما يعتبر به من المواعظ . و صرحت له : كشفت له .

[ 3 ] المثلات : العقوبات .

[ 4 ] حجزته : منعته . و التقوى : تجنب المحزمات .

و الاقتحام : الدخول بالشي‏ء بشدّة و قوة . و الشبهات :

الأمور الباطلة التي تشتبه على البعض فيحسبها حقا .

[ 41 ]

بليّتكم [ 1 ] قد عادت كهيئتها يوم بعث اللّه نبيّكم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الذي بعثه بالحقّ لتبلبلنّ بلبلة ، و لتغربلنّ غربلة [ 2 ] و لتساطنّ سوط القدر [ 3 ] حتّى يعود أسفلكم أعلاكم و أعلاكم أسفلكم [ 4 ] ،

و ليسبقنّ سابقون كانوا قصّروا ، و ليقصّرنّ سبّاقون

[ 1 ] ألا إن بليتكم . . . . يشير إلى تباعد المسلمين عن روح الإسلام و اختلاف كلمتهم ، مشبّها ذلك بما كانوا عليه قبل البعثة .

[ 2 ] لتبلبلن بلبلة : يشير إلى ما يصيبهم من الهموم و الأحزان . و لتغربلن غربلة : استعارة من غربلة الدقيق نخله و المقصود : ما يصيبهم من الاختبار و الامتحان ، و في القرآن الكريم : أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون 29 : 2 .

[ 3 ] و لتساطن سوط القدر : أي ضربه بالمغرفة عند الغليان ليختلط ما فيه .

[ 4 ] و أعلاكم أسفلكم : يشير إلى تقلبات الدنيا ،

و نكبات الدهر ، فطالما رفع الزمن الأرذال ، و نكّل بالصالحين .

[ 42 ]

كانوا سبقوا [ 1 ] و اللّه ما كتمت وشمة [ 2 ] و لا كذبت كذبة ، و لقد نبّئت بهذا المقام و هذا اليوم ، ألاّ و إنّ الخطايا خيل شمس [ 3 ] حمل عليها أهلها و خلعت لجمها فتقحّمت بهم في النّار ، ألا و إنّ التّقوى مطايا ذلل [ 4 ] حمل عليها أهلها و أعطوا أزمّتها ، فأوردتهم الجنّة ، حقّ و باطل ، و لكل

[ 1 ] و ليسبقن سابقون . . . : المراد : يتقدمّ قوم كانوا مؤخرين ، و يتأخر قوم كانوا مقدّمين ، و يمكن المقصود بالسبق الدنيوي ، و يمكن المراد به السبق المعنوي .

[ 2 ] الوشمة : الكلمة ، و المراد : إني لم أكتم عنكم شيئا .

[ 3 ] الخطايا خيل شمس : الخطايا الذنوب ، و الخيل الشمس : هي التي تستعصي على راكبيها . و اللجام :

آلة توضع في فم الدابة ليسهل قيادها . و تقحمت بهم النار : وقعوا فيها .

[ 4 ] الا و ان التقوى مطايا ذلل : التقوى : الخوف منه جلّ جلاله ، و العمل بما أمر به . شبّه التقوى بالمطايا المذللة ، و مع ذلك فقد مسك راكبيها بأزمتها ، فهي تسير بهم على الجادة المستقيمة حتى تصل بهم المقصد .

[ 43 ]

أهل [ 1 ] فلئن أمر الباطل [ 2 ] لقديما فعل ، و لئن قلّ الحقّ فلربّما و لعلّ [ 3 ] ، و لقلّما أدبر شي‏ء فأقبل [ 4 ] . قال الشريف : أقول : إنّ في هذا الكلام الأدنى من مواقع الإحسان ما لا تبلغه مواقع الاستحسان ، و إنّ حظّ العجب منه أكثر من حظّ

[ 1 ] حق و باطل و لكل أهل : طريقان أمام الإنسان لا ثالث لهما ، فعليه أن يحدد موقفه منهما . يقول الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام : لا تكن امّعة فتقول :

أنا مع الناس ، إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال : إنما هما نجدان : نجد خير و نجد شر ، فلا يكن نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير .

[ 2 ] أمر الباطل : كثر أهله و أتباعه .

[ 3 ] فلربما و لعل : الحق مع قلة أهله و أتباعه فربما انتصر على الباطل .

[ 4 ] و لقلما أدبر شي‏ء فأقبل : أدبر : ذهب ، و كلمة الإمام عليه السلام قاعدة لجميع الأمور ، فقلّ من ذهب ملكه و سلطانه فاستردّه .

[ 44 ]

العجب به ، و فيه مع الحال الّتي وصفنا زوائد من الفصاحة لا يقوم بها لسان ، و لا يطّلع فجّها إنسان ، و لا يعرف ما أقول إلاّ من ضرب في هذه الصّناعة بحقّ ، و جرى فيها على عرق وَ مَا يَعْقِلُهَا إلاَّ الْعَالِمُونَ . و من هذه الخطبة شغل من الجنّة و النّار أمامه [ 1 ] ساع سريع نجا [ 2 ] ، و طالب بطي‏ء رجا ، و مقصّر في النّار هوى ، اليمين و الشّمال مضلّة ، و الطّريق الوسطى

[ 1 ] شغل من الجنة ، و النار امامه : قصّر عن العمل الذي يؤهله لدخول الجنة فلم يبق أمامه سوى النار .

[ 2 ] ساع سريع نجا . . . : قسّم عليه السلام المجتمع إلى ثلاثة أقسام : الأول : مجتهد في طلب مرضاة اللّه تعالى نجا من أهوال الآخرة ، ليس بينه و بين الجنة إلاّ الموت ، الثاني : خلط عملا صالحا بآخر سيئا ، فهو يرجو رحمة ربه و تجاوزه عنه . الثالث : مفرّط متجاوز لما أمر اللّه تعالى به ، هوى في النار .

[ 45 ]

هي الجادّة [ 1 ] عليها باقي الكتاب [ 2 ] و آثار النّبوّة ،

و منها منفذ السّنّة [ 3 ] ، و إليها مصير العاقبة [ 4 ] ،

هلك من ادّعى ، و خاب من افترى [ 5 ] من أبدى صفحته للحقّ هلك [ 6 ] و كفى بالمرء جهلا أن لا

[ 1 ] و الطريق الوسطى هي الجادة : هذا بيان للالتزام بالنهج الذي أمر اللّه جلّ جلاله باتباعه ، و عدم الانحراف عنه يمينا أو شمالا .

[ 2 ] عليها باقي الكتاب . . . : هذه الجادة التي أمرنا عليه السلام بسلوكها مصباحها كتاب اللّه ، و سنة رسوله صلى اللّه عليه و آله و سلم .

[ 3 ] و منها منفذ السنّة : من هذه القاعدة التي وصفها تطلع على الأمة نفحات السنّة النبوية ، و علوم الرسالة الأحمدية .

[ 4 ] و اليها مصير العاقبة : العاقبة : النهاية ، و المراد : أن العاقبة المحمودة تكون لمن لزم هذه الجادة و لم يتجاوزها إلى غيرها .

[ 5 ] خاب من افترى : خسر . من كذب و ادعى ما ليس له .

[ 6 ] من أبدى صفحته للحق هلك : من نازغ أهل الحق هلك ، فهو إن سلم من عذاب الدنيا هلك في الآخرة .

و الأولى حمل هذه الفقرات على الإمامة ، و بيان لزوم ولايته و طاعته ، و تعريض بإمامة الآخرين .

[ 46 ]

يعرف قدره ، لا يهلك على التّقوى سنخ أصل [ 1 ] ، و لا يظمأ عليها زرع قوم . فاستتروا بيوتكم ، و أصلحوا ذات بينكم ، و التّوبة من ورائكم ، و لا يحمد حامد إلاّ ربّه ، و لا يلم لائم إلاّ نفسه .

[ 1 ] سنخ : السنخ من كل شي‏ء أصله ، و القاعدة التي يرتكز عليها ، و المراد : إن الأعمال التي بنيت على تقوى اللّه تعالى فهي قائمة لا يعتريها العطب ، و في القرآن الكريم : أ فمن أسَّسَ بنيانَهُ على تَقوى مِنَ اللّهِ و رضوانٍ خيرٌ أمْ مَنْ أسَّسَ بنيَانَهُ على شَفَا جرفٍ هارٍ فانهار بِهِ في نارِ جهنّم و اللّهُ لا يهدي القوم الظالمين 9 : 109 .

[ 47 ]