( 25 ) و من خطبة له عليه السلام

و قد تواترت عليه الأخبار باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد و قدم عليه عاملاه على اليمن ، و هما عبيد اللّه بن عباس و سعيد بن

[ 1 ] عصبه بكم : ربطه بكم ، و المعنى : اعملوا بما أمركم به جلّ جلاله .

[ 2 ] لفلجكم : لظفركم .

[ 24 ]

نمران لما غلب عليهما بسر بن أبي أرطاة [ 1 ] فقام

[ 1 ] من قوّاد معاوية بن أبي سفيان ، أرسله معاوية لاخافة أهل الحرمين ، و قتال أهل اليمن ، فقتل في وجهه ذلك ثلاثين الفا ، و ممن قتل طفلين لعبيد اللّه بن العباس بن عبد المطلب ، و في ذلك تقول أمهما :

يا من أحسّ بابني اللذين هما
كالدرتين تشظى عنهما الصدف

يا من أحسّ بابني اللذين هما
قلبي و سمعي فقلبي اليوم مختطف

من دلّ والدة حيرى مدلهة
على صبيين ضلاّ إذ غدا السلف

خبرت بسرا و ما صدقت ما زعموا
من إفكهم و من القول الذي اقترفوا

انحى على ودجي ابني مرهفة
مشحوذة و كذاك الاثم يقترف

و بلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام فساءه ذلك ، و دعا الناس الى الجهاد ، و أرسل جارية بن قدامة في جيش ،

و أخذ يحث السير في طلب بسر ، و بسر ينهزم أمامه ، و وثب الناس ببسر عند منصرفه و أصابوا بعض ثقله .

و دعا الإمام عليه السلام على بسر بالجنون ، فاستجاب اللّه له فيه ، و سلب الطاغية عقله ، فكان يطلب السيف يضرب به المرفقة ، فعمل له سيف من خشب فكان يضرب به حتى يغشى عليه ، فكان هذا دأبه حتى هلك .

[ 25 ]

عليه السلام على المنبر ضجرا بتثاقل أصحابه عن الجهاد و مخالفتهم له في الرأي ، فقال :

ما هي إلاّ الكوفة [ 1 ] أقبضها و أبسطها [ 2 ] ، إن لم تكوني إلاّ أنت تهبّ أعاصيرك [ 3 ] فقبّحك اللّه .

[ 1 ] الكوفة : مدينة على شاطى‏ء الفرات ، بينها و بين بغداد 100 كلم اتخذها الامام عليه السلام عاصمة له .

[ 2 ] اقبضها و ابسطها : شبهها بالثوب الذي يقبض و ينشر استصغارا لها .

[ 3 ] أعاصيرك : جمع أعصار : ريح عاصف ترفع ترابا إلى السماء كأنه عمود من نار ، تسميه العرب ( الزوبعة ) و في القرآن الكريم فأصابها أعصار فيه نار فاحترقت 2 : 266 و لعلّ المراد بالأعاصير ما بها من فتن و منافقين و خوارج ، أطمعهم فيها عفوه و عدله .

[ 26 ]

و تمثل بقول الشاعر :

لعمر أبيك الخير يا عمرو إنّني
على وضر من ذا الإناء قليل [ 1 ]

ثم قال عليه السلام :

أنبئت بسرا قد اطّلع اليمن [ 2 ] و إنّي و اللّه لأظنّ أنّ هؤلاء القوم سيدالون منكم [ 3 ] :

باجتماعهم على باطلهم ، و تفرّقكم عن حقّكم ،

و بمعصيتكم إمامكم في الحقّ ، و طاعتهم إمامهم في الباطل ، و بأدائهم الأمانة إلى صاحبهم و خيانتكم ، و بصلاحهم في بلادهم و فسادكم . فلو

[ 1 ] الوضر : بقايا الدسم في الطعام . و معنى البيت : إن ما بيدي من البلاد كنسبة بقايا الدسم إلى ما يشتمل عليه الاناء من الطعام .

[ 2 ] اطلع اليمن : وصلها و تغلّب عليها .

[ 3 ] سيدالون منكم : يتغلبون عليكم .

[ 27 ]

ائتمنت أحدكم على قعب لخشيت أن يذهب بعلاقته [ 1 ] اللّهمّ إنّي قد مللتهم و سئمتهم [ 2 ] و سئموني ، فأبدلني بهم خيرا منهم و أبدلهم بي شرّا منّي ، اللّهمّ مث قلوبهم [ 3 ] كما يماث الملح في الماء ، أما و اللّه لوددت أنّ لي بكم ألف فارس من بني فراس بن غنم [ 4 ] .

هنالك ، لو دعوت ، أتاك منهم
فوارس مثل أرمية الحميم

ثم نزل عليه السلام من المنبر . قال الشريف : أقول : الأرمية جمع رمى

[ 1 ] القعب : الاناء الكبير . و علاقته : عروته التي يعلّق بها ،

و المراد : وصفهم بالخيانة .

[ 2 ] سئمتهم : مللتهم .

[ 3 ] مث قلوبهم : دعا عليهم بأن تذاب قلوبهم بتوارد الهموم و الأحزان عليهم .

[ 4 ] فراس بن غنم : حيّ من كنانة ، عرفوا بالشجاعة .

[ 28 ]

و هو السحاب ، و الحميم ههنا : وقت الصيف ،

و إنما خص الشاعر سحاب الصيف بالذكر لأنه أشد جفولا و أسرع خفوفا لأنه لا ماء فيه .

و إنما يكون السحاب ثقيل السير لامتلائه بالماء ،

و ذلك لا يكون في الأكثر إلاّ زمان الشتاء ، و إنما أراد الشاعر وصفهم بالسرعة إذا دعوا ، و الإغاثة إذا استغيثوا ، و الدليل على ذلك قوله هنالك لو دعوت أتاك منهم .