( 28 ) و من خطبة له عليه السلام

أمّا بعد ، فإنّ الدّنيا قد أدبرت ، و آذنت بوداع [ 2 ] ، و إنّ الآخرة قد أشرفت باطّلاع ، ألا و إنّ اليوم المضمار [ 3 ] و غدا السّباق ، و السّبقة

[ 1 ] ذرفت : زدت .

[ 2 ] آذنت بوداع : أدبرت و تصرّمت . و أشرفت باطلاع :

قربت منكم . و جاء في حكمه القصار : أنفاس المرء خطاه إلى أجله . و في وصية لقمان لابنه : يا بني إنك منذ سقطت إلى الدنيا استدبرتها و استقبلت الآخرة ،

فدار أنت إليها تسير أقرب إليك من دار أنت عنها متباعد . فالإنسان في مسير إلى الآخرة من حيث يعلم أو لا يعلم .

[ 3 ] المضمار : الموضع الذي تعد فيه الخيل للسباق . شبّه عليه السلام الدنيا به لأنها المحل الذي يتسابق فيه الناس بالأعمال الصالحة ، ليسبقوا و يفوزوا في الآخرة .

[ 38 ]

الجنّة و الغاية النّار [ 1 ] ، أفلا تائب من خطيئته قبل منيّته ؟ ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه [ 2 ] ؟ ألا و إنّكم في أيّام أمل من ورائه أجل ، فمن عمل في أيّام أمله قبل حضور أجله نفعه عمله ، و لم يضرره أجله ، و من قصّر في أيّام أمله قبل حضور أجله [ 3 ] فقد خسر عمله ، و ضرّه أجله ، ألا فاعملوا في الرّغبة كما تعملون في الرّهبة [ 4 ] ،

[ 1 ] الغاية النار : المصير الذي لا بد منه للمذنبين .

[ 2 ] يوم بؤسه : يوم فقره ، و المراد به يوم القيامة ، فربما احتاج إلى حسنة واحدة لترجح كفّة حسناته على سيئاته فلا يجد من يعطيه يَوم لا يُغني مولى عن مولى شيئاً و لا هم يُنصرُون 44 : 41 .

[ 3 ] و ضرّه أجله : كان الموت مفتاحا لعذابه و شدائده ، بينما المؤمن يكون الموت بابه إلى الجنة و نعيمها .

[ 4 ] و اعملوا في الرغبة كما تعملون في الرهبة : الإنسان يتوجه عند الشدائد و الملمات إلى اللّه جلّ جلاله فإذَا ركبُوا في الفُلكِ دعوا اللّهَ مُخلصينَ له الدينَ فلما نجّاهم إلى البرّ إذا هم يُشركون 29 : 65 و الإمام عليه السلام يطلب منّا التوجّه للّه جلّ جلاله في حال الرخاء ،

كما يتوجّه إليه عند البلاء .

[ 39 ]

ألا و إنّي لم أر كالجنّة نام طالبها ، و لا كالنّار نام هاربها ، ألا و إنّه من لا ينفعه الحقّ يضرره الباطل [ 1 ] ، و من لم يستقم به الهدى [ 2 ] يجرّ به الضّلال إلى الرّدى ، ألا و إنّكم قد أمرتم

[ 1 ] من لم ينفعه الحق يضرره الباطل : الحق : كل ما أمر به اللّه جلّ جلاله . ، و كله لصالح الإنسان إنَّ اللّهَ لغنيٌ عن العالمين 29 : 6 لا تنفعه طاعة من اطاعه ، و لا تضرّه معصية من عصاه . و لو قال مكابر معاند إني لم أنتفع بالطاعة ، فجوابه : إن الباطل و هو كل معصية لا شك في انها مضرة ، و على سبيل المثال : ما اكتشفه العلم الحديث من مضار الخمر .

[ 2 ] و من لم يستقم به الهدى . . . : من لم يكن الهدى اتباع الحق دليله الذي يهتدي به ، جرّه الضلال الى الهلاك في الدارين .

[ 40 ]

بالظّعن [ 1 ] ، و دللتم على الزّاد ، و إنّ أخوف ما أخاف عليكم اتّباع الهوى [ 2 ] و طول الأمل [ 3 ] ،

تزوّدوا من الدّنيا ما تحرزون أنفسكم [ 4 ] به غدا . قال الشريف : أقول : لو كان كلام يأخذ بالأعناق إلى الزهد في الدنيا ، و يضطر إلى عمل الآخرة لكان هذا الكلام ، و كفى به قاطعا لعلائق الآمال ، و قادحا زناد الاتعاظ و الازدجار ، و من أعجبه قوله عليه السلام : « ألا و إنّ اليوم

[ 1 ] الظعن : الرحيل ، و المراد : التزود و الاستعداد له و تزوّدوا فإن خير الزاد التقوى و اتقونِ يا أولي الألباب 2 : 197 .

[ 2 ] اتباع الهوى : ما تحبّه النفس و تميل إليه إنّ النفسَ لأمارةٌ بالسوء إلاَّ ما رحم ربي 12 : 53 .

[ 3 ] طول الأمل : يؤمّل أن يعيش طويلا ، و يدفع عن افكاره الموت فلا يستعدّ له .

[ 4 ] تحرزون أنفسكم : تحفظونها من العذاب .

[ 41 ]

المضمار و غدا السّباق و السّبقة الجنّة و الغاية النّار » فإن فيه مع فخامة اللفظ ، و عظم قدر المعنى ، و صادق التمثيل ، و واقع التشبيه سرا عجيبا ، و معنى لطيفا ، و هو قوله عليه السلام :

« و السبقة الجنة ، و الغاية النار » فخالف بين اللفظين لاختلاف المعنيين ، و لم يقل « السبقة النار » كما قال « السبقة الجنة » ، لأن الاستباق إنما يكون إلى أمر محبوب ، و غرض مطلوب ،

و هذه صفة الجنة و ليس هذا المعنى موجودا في النار نعوذ باللّه منها ، فلم يجز أن يقول « و السبقة النار » بل قال « و الغاية النار » ، لأن الغاية ينتهي إليها من لا يسره الانتهاء و من يسره ذلك ، فصلح أن يعبر بها عن الأمرين معا ، فهي في هذا الموضع كالمصير و المآل ، قال اللّه تعالى : قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار و لا يجوز في هذا الموضع أن يقال : سبقتكم بسكون الباء

[ 42 ]

إلى النار ، فتأمل ذلك فباطنه عجيب ، و غوره بعيد . و كذلك أكثر كلامه عليه السلام ، و في بعض النسخ ، و قد جاء في رواية أخرى « و السبقة الجنة » بضم السين و السبقة عندهم : اسم لما يجعل للسابق إذا سبق من مال أو عرض ، و المعنيان متقاربان لأن ذلك لا يكون جزاء على فعل الأمر المذموم ، و إنما يكون جزاء على فعل الأمر المحمود .