( 32 ) و من خطبة له عليه السلام

أيّها النّاس ، إنّا قد أصبحنا في دهر عنود ،

[ 1 ] الين عريكة : سلسا متجاوبا .

[ 2 ] عرفتني بالحجاز : يذكّره بنصرته السابقة له ليرجع عن غيّه ، و فعلا اثّر كلامه معه فاعتزل الحرب .

[ 3 ] فما عدا مما بدا : أيّ شي‏ء صرفك عن نصرتي ، و ما الذي صدّك عن طاعتي .

[ 5 ]

و زمن كنود [ 1 ] يعدّ فيه المحسن مسيئا ، و يزداد الظّالم عتوّا [ 2 ] ، لا ننتفع بما علمنا ، و لا نسأل عمّا جهلنا ، و لا نتخوّف قارعة [ 3 ] حتّى تحلّ بنا فالنّاس على أربعة أصناف : منهم من لا يمنعه الفساد إلاّ مهانة نفسه ، و كلالة حدّه ، و نضيض وفره [ 4 ] ، و منهم المصلت لسيفه ، و المعلن

[ 1 ] في دهر عنود ، و زمن كنود : العنود : المخالف للحق مع المعرفة به ، و المراد بالعنود أهل ذلك الزمن .

و الكنود : الجحود لنعم اللّه تعالى . و في القرآن الكريم إنَّ الإنسان لربه لكنود 100 6 .

[ 2 ] عتوا : استكبارا و تجاوزا عن الحد .

[ 3 ] قارعة : داهية .

[ 4 ] منهم من لا يمنعه الفساد . . . : مهانة نفسه : حقارتها .

و كلالة حدّه : ضعف سلاحه ، يقال : كلّ السيف : إذا لم يقطع . و نضيض و فره : قلّة ماله ، و المراد : إن هذه الأمور تقعده عن طلب الامارة .

[ 6 ]

بشرّه ، و المجلب بخيله و رجله [ 1 ] ، قد أشرط نفسه [ 2 ] ، و أوبق دينه [ 3 ] ، لحطام ينتهزه [ 4 ] ، أو مقنب يقوده [ 5 ] ، أو منبر يفرعه [ 6 ] . و لبئس المتجر أن ترى الدّنيا لنفسك ثمنا ، و ممّا لك عند اللّه عوضا [ 7 ] ، و منهم من يطلب الدّنيا بعمل

[ 1 ] المجلب بخيله و رجله : جمعه للجيوش مشاة و ركبانا ،

مستعينا بهم على طلب الملك .

[ 2 ] اشرط نفسه : أهلها للفساد .

[ 3 ] أوبق دينه : أهلكه .

[ 4 ] لحطام ينتهزه : الحطام : المال . و ينتهزه : يغتنمه .

[ 5 ] المقنب : الطائفة من الخيل .

[ 6 ] يفرعه : يعلوه . و المراد : أن هدفه من وراء الثورة و قتل الناس هو الاغتنام من حطام الدنيا و الامرة ، كما يلاحظ من الثورات اليوم في مجتمعنا المعاصر .

[ 7 ] و لبئس المتجر . . . : بئس : كلمة ذمّ . و المتجر : محل التجارة . و عوضا : بدلا . و المعنى : أن الدنيا بأسرها لو أعطيها ابن آدم على أن تكون بدلا من نعيم الآخرة ، و ما أعدّه اللّه سبحانه لأوليائه لكانت صفقته خاسرة ، و لو لم يكن في الجنة إلاّ نعيمها ، و عدم انقطاع خيرها لكفى ذلك في تفضيلها على حطام الدنيا الزائل .

[ 7 ]

الآخرة [ 1 ] ، و لا يطلب الآخرة بعمل الدّنيا . قد طامن من شخصه ، و قارب من خطوه ، و شمّر من ثوبه ، و زخرف من نفسه للأمانة ، و اتّخذ ستر اللّه ذريعة [ 2 ] إلى المعصية ، و منهم من أبعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه [ 3 ] ، و انقطاع سببه ،

فقصرته الحال على حاله ، فتحلّى باسم

[ 1 ] يطلب الدنيا بعمل الآخرة : يتظاهر و يتزيّا بزي من يطلب الآخرة ، مستهدفا بذلك الدنيا و الرئاسة .

[ 2 ] طامن من شخصه . . . : يقال : طامن الرجل ظهره : إذا حناه و خفضه . و قارب من خطوه : يمشي على مهل .

و شمّر من ثوبه : قصّره متظاهرا لطلب الطهارة .

و زخرف من نفسه : زيّنها للناس و أظهرها بصورة الزهاد و الصالحين . و ذريعة : وسيلة .

[ 3 ] و منهم من أقعده ضؤولة نفسه . . . : حقارتها .

و انقطاع سببه : قلّة انصاره .

[ 8 ]

القناعة ، و تزيّن بلباس أهل الزّهادة ، و ليس من ذلك في مراح و لا مغدى [ 1 ] و بقي رجال غضّ أبصارهم ذكر المرجع [ 2 ] و أراق دموعهم خوف المحشر ، فهم بين شريد نادّ ، و خائف مقموع ،

و ساكت مكعوم ، و داع مخلص ، و ثكلان موجع [ 3 ] قد أخملتهم التّقيّة [ 4 ] و شملتهم الذّلّة ،

[ 1 ] في مراح و لا مغدى : المراح : المكان الذي تأوي إليه الماشية ليلا . و المغدى : هو الذي تأوي إليه نهارا ،

و المعنى : أنه ليس من أهل القناعة و الزهادة .

[ 2 ] غضّ أبصارهم ذكر المرجع : غضّ بصره : خفضه و انقص من نظره . و المرجع : القيامة . و المعنى : أنهم اشتغلوا بأنفسهم و تكميلها ، و جعلوا نصب أعينهم شدائد الآخرة .

[ 3 ] بين شريد ناد . . : شريد ناد : مطرود منفرد ،

و المقموع : المغلوب . و المكعوم : تستعمل للبعير إذا شدّ فاه ، فيها اشارة إلى سكوتهم فيما يخوض فيه الناس من الباطل . و الثكلان : المحزون .

[ 4 ] أخملتهم التقيّة : أخملتهم : أسقطتهم ، و صاروا دون مستواهم . و التقية : اخفاء العقيدة حذرا من الظالمين إلاَّ أن تتقوا منهم تُقيةً 3 : 28 .

[ 9 ]

فهم في بحر أجاج [ 1 ] ، أفواههم ضامزة [ 2 ] ،

و قلوبهم قرحة ، و قد وعظوا حتّى ملّوا [ 3 ] ،

و قهروا حتّى ذلّوا ، و قتلوا حتّى قلّوا . فلتكن الدّنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرظ و قراضة الجلم [ 4 ] و اتّعظوا بمن كان قبلكم ، قبل أن يتّعظ بكم من بعدكم ، و ارفضوها ذميمة ، فإنّها

[ 1 ] اجاج : مالح . و المعنى : أن مثلهم في الدنيا كمثل عطشان في بحر أجاج لا ينتفع بمائه ، كذلك حال هؤلاء في الدنيا فهم لم ينتفعوا فيها ، و لم يتنعموا بطيباتها .

[ 2 ] ضامزة : ساكتة .

[ 3 ] ملوا : أكثروا من الوعظ الارشاد حتى ملّهم المجتمع .

[ 4 ] حثالة القرظ و قراضة الجلم : القرظ : ورق السلم يدبغ به . و الجلم : المقص يجز به أوبار الابل . و قراضه :

ما يقع منه . و هذه من تشبيهاته عليه السلام للدنيا ، و انه ينبغي للعاقل ان ينظر اليها بعين الاحتقار ، و لا يجعل همّته فيها ، و سعيه لها .

[ 10 ]

رفضت من كان أشغف بها منكم . [ 1 ] قال الشريف : أقول هذه الخطبة ربما نسبها من لا علم له إلى معاوية ، و هي من كلام أمير المؤمنين عليه السلام الذي لا يشك فيه ، و أين الذهب من الرغام [ 2 ] و العذب من الأجاج ؟ و قد دلّ على ذلك الدليل الخرّيت و نقده الناقد البصير عمرو بن بحر الجاحظ ، فإنه ذكر هذه الخطبة في كتاب البيان و التبيين ، و ذكر من نسبها إلى معاوية ، ثم قال : هي بكلام علي عليه السلام أشبه و بمذهبه في تصنيف الناس ، و بالإخبار عمّا هم عليه من القهر و الإذلال ، و من التقية و الخوف أليق قال : و متى وجدنا معاوية في حال من الأحوال يسلك في كلامه مسلك الزهاد ، و مذاهب العباد ؟ ؟ .

[ 1 ] أشغف بها : أكثر التعلّق بها .

[ 2 ] الرغام : التراب .

[ 11 ]