( 83 ) و من خطبة له عليه السلام

قد علم السّرائر ، و خبر الضّمائر [ 2 ] ، له إحاطة بكلّ شي‏ء ، و الغلبة لكلّ شي‏ء ، و القوّة على كلّ شي‏ء . فليعمل العامل منكم في أيّام مهله قبل إرهاق [ 3 ] أجله ، و في فراغه قبل أوان

[ 1 ] لا يظعن مقيمها . . . : لا يظعن : لا يخرج عنها .

و لا يهرم : لا تصيبه شيخوخة . و لا يبأس : لا يشقى و لا يفتقر .

[ 2 ] قد علم السرائر . . . : السر : ما حدّث به العبد غيره في خفية . و خبر الضمائر : علم بما تضمره تخفيه القلوب يعلم السرَّ وَ اَخفى 20 : 7 .

[ 3 ] الارهاق : ان يحمل الانسان ما لا يطيق .

[ 9 ]

شغله ، و في متنفّسه قبل أن يؤخذ بكظمه [ 1 ] و ليمهّد [ 2 ] لنفسه و قدومه ، و ليتزوّد من دار ظعنه [ 3 ] لدار إقامته ، فاللّه اللّه ، أيّها النّاس فيما استحفظكم من كتابه ، و استودعكم من حقوقه [ 4 ] ، فإنّ اللّه ، سبحانه لم يخلقكم عبثا ،

و لم يترككم سدى [ 5 ] ، و لم يدعكم في جهالة و لا

[ 1 ] في متنفسه . . . : في سعة منه ، قبل ان يضيق عليه ،

و الكظم : مخرج النفس . و المراد : المبادرة بالعمل قبل فوات الأوان .

[ 2 ] و ليمهد لنفسه : يقدّم ما يستفيد به هناك و من عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنْفُسِهِم يمهدُونَ 30 : 44 .

[ 3 ] يتزود . . . : يحمل الزاد . و الظعن : السير و الارتحال .

[ 4 ] استحفظكم من كتابه . . . : طلب منكم حفظه ،

و العمل بموجبه . و استودعكم : جعلها وديعة عندكم ،

فأنتم مطالبون بها . و حقوقه : اوامره و نواهيه .

[ 5 ] لم يترككم سدى : لم يهملكم ، بل تابع بالانبياء و الكتب لارشادكم .

[ 10 ]

عمى : قد سمّى آثاركم [ 1 ] و علّم أعمالكم ، و كتب آجالكم ، و أنزل عليكم الكتاب تبيانا لكلّ شي‏ء [ 2 ] ، و عمّر فيكم نبيّه أزمانا حتّى أكمل له و لكم فيما أنزل من كتابه دينه الّذي رضي لنفسه ، و أنهى إليكم ، على لسانه ، محابّه من الأعمال و مكارهه [ 3 ] و نواهيه و أوامره ، فألقى إليكم المعذرة ، و اتّخذ عليكم الحجّة ، و قدّم إليكم بالوعيد ، و أنذركم بين يدي عذاب شديد [ 4 ] ، فاستدركوا بقيّة أيّامكم [ 5 ] و اصبروا لها

[ 1 ] قد سمّى آثاركم : ضبط اعمالكم ما يلفظ من قَوْلٍ إلاّ لَدَيهِ رَقيبٌ عَتيدٌ 50 : 18 .

[ 2 ] تبيانا لكل شي‏ء : لم يترك صغيرة و لا كبيرة مما يحتاجها المجتمع إلا و بينها لهم .

[ 3 ] محابه من الأعمال و مكارهه : الاعمال التي امركم بها ، و الاعمال التي نهاكم عنها .

[ 4 ] فالقى اليكم المعذرة . . . : بين لكم عذره في عقابكم عند مخالفته . و اتخذ عليكم الحجة : يحتج عليكم بارسال الانبياء ، و انزال الكتب فلِله الحُجَّةُ البالغَةُ 6 : 149 . و قدم لكم بالوعيد : في القرآن الكريم ،

و على لسان الرسول الامين . و اندركم : خوفكم من عذابه .

[ 5 ] فاستدركوا بقية ايامكم . . . : تداركوا ببقية العمر ما فاتكم من الأعمال . و اصبروا لها انفسكم : وطنّوا انفسكم على الصبر على تحملها .

[ 11 ]

أنفسكم [ 1 ] ، فإنّها قليل في كثير الأيّام الّتي تكون منكم فيها الغفلة و التّشاغل عن الموعظة ،

و لا ترخّصوا لأنفسكم فتذهب بكم الرّخص فيها مذاهب الظّلمة ، و لا تداهنوا [ 2 ] فيهجم بكم الإدهان على المصيبة . عباد اللّه إنّ أنصح

[ 1 ] و لا ترخصوا لأنفسكم : تطلبون لأنفسكم الرخصة لعمل الحرام ، و تخلقون لها المعاذير ، انجروا للدين و لا تجرجروا به اتباعا لشهواتكم .

[ 2 ] داهنه : داراه و لاينه . و المعنى : لا تصانعوا الظلمة و أهل المعصية فتقعوا بالمصيبة و هي النار ، و في اخبار الامم المعذبة امة داهنت اهل المعصية و لم تنكر عليهم .

[ 12 ]

النّاس لنفسه [ 1 ] أطوعهم لربّه ، و إنّ أغشّهم لنفسه أعصاهم لربّه ، و المغبون من غبن نفسه و المغبوط [ 2 ] من سلم له دينه ، و السّعيد من وعظ بغيره ، و الشّقيّ من انخدع لهواه [ 3 ] . و اعلموا أنّ يسير الرّياء [ 4 ] شرك ، و مجالسة أهل الهوى

[ 1 ] انصح الناس لنفسه . . . : ان الناصح الشفيق على نفسه هو المبادر للطاعة ليحرز بذلك نجاتها ، و العاصي غشّ نفسه بما جرّ اليها من العذاب .

[ 2 ] المغبون : المخدوع الذي يبيع الكثير بالقليل ، و الذي يقدم على الاثم قد باع نعيم الجنة الدائم بدنيا زائلة .

و المغبوط : هو صاحب النعمة التي يتمناها الآخرون ،

و الإمام عليه السلام يرى ان المغبوط حقا هو المحافظ على دينه ، فانه يقدم به على اعظم النعم و ادومها .

[ 3 ] و السعيد . . . : الفائز . من وعظ بغيره : رأى ما حلّ بالعصاة فيتجنب المعصية . و الشقي : الذي آل امره الى الشقاء . من انخدع لهواه : قادته نفسه و مشتهياتها إلى ما لا يحل .

[ 4 ] الرياء : الاتصاف ظاهرا بالخير و الصلاح خلافا على ما هو عليه . و المرائي ينادى يوم القيامة : يا كافر ، يا فاجر ، يا غادر ، يا خاسر ، حبط عملك ، و بطل اجرك ، فلا خلاص لك اليوم ، فالتمس اجرك ممن كنت تعمل له .

[ 13 ]

منساة للإيمان ، و محضرة للشّيطان [ 1 ] . جانبوا الكذب فإنّه مجانب للإيمان ، الصّادق على شرف منجاة و كرامة ، و الكاذب على شفا مهواة و مهانة [ 2 ] ، و لا تحاسدوا فإنّ الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النّار الحطب ، و لا تباغضوا فإنّها الحالقة [ 3 ] و اعلموا أنّ الأمل يسهى العقل ،

[ 1 ] اهل الهوى . . . : العصاة . منساة للإيمان : ان مجالستهم تنسي الايمان و العمل الصالح ، و تقود من يجالسهم الى ان يعمل مثل عملهم ، لأن الطبع مكتسب من كل مصحوب . و محضرة للشيطان : يحضرها و يساهم في احيائها .

[ 2 ] الشرف . . . : المكان العالي . و المراد : انه على جانب رفيع من النجاة و الكرامة . و المهواة : محل السقوط . و المهانة : الذل . و المراد : انه على وشك السقوط في الدنيا و الآخرة .

[ 3 ] الحالقة : الآلة التي تستأصل الشعر . شبّه الإمام عليه السلام التباغض بها ، لأنه يستأصل من المرء دينه و يقوده لكل شر .

[ 14 ]

و ينسى الذّكر ، فأكذبوا الأمل فإنّه غرور [ 1 ] ،

و صاحبه مغرور .