( 84 ) و من خطبة له عليه السلام

عباد اللّه ، إنّ من أحبّ عباد اللّه إليه عبدا أعانه اللّه [ 2 ] على نفسه فاستشعر الحزن ، و تجلبب الخوف [ 3 ] ، فزهر مصباح الهدى في قلبه ، و أعدّ

[ 1 ] ان الأمل . . . : البقاء في الدنيا . يسهي : يغفل .

و ينسي الذكر : ذكر اللّه جلّ جلاله و ما أمر به . فاكذبوا الأمل : بتقريب الموت الى الذهن ، و المبادرة بالعمل النافع ، و في الحديث : اعمل لدنياك كأنك تموت غدا . غرور : خداع .

[ 2 ] اعانه اللّه على نفسه : قوّاه على نفسه الامارة بالسوء فانتصر عليها ، و الاعانة يستحقها العبد من مولاه اذا تقدّم اليه ، و بادر الى طاعته فاستوجب منه الفيوضات .

[ 3 ] فاستشعر الحزن ، و تجلبب الخوف : الشعار : لباس يلي الجسد ، و الجلباب : لباس فوق الثياب . و المعنى :

انه في حزن على تفريطه في جنب اللّه ، و خوف منه .

[ 15 ]

القرى ليومه النّازل به [ 1 ] ، فقرّب على نفسه البعيد ، و هوّن الشّديد [ 2 ] : نظر فأبصر ، و ذكر فاستكثر ، و ارتوى من عذب فرات سهلت له موارده فشرب نهلا ، و سلك سبيلا جددا [ 3 ] . قد

[ 1 ] فزهر مصباح الهدى في قلبه . . . : اشرقت المعارف الالهية عليه فانارت قلبه . و القرى : ما يعد للضيف المتوقع وروده من طعام و غيره . شبّه الموت و ما بعده بالضيف ، و الاستعداد له بتقديم العمل الصالح .

[ 2 ] فقرّب على نفسه البعيد . . . : المراد بالبعيد الموت .

و تقريبه : عدم نسيانه ، فهو لا يغفل عنه ، بل يحتمل وروده عليه في كل لحظة . و هوّن الشديد : فهو يرى الاعمال الواجبة و المستحبة و التي يستثقلها البعض سهلة عنده .

[ 3 ] نظر فابصر . . . : تفكّر في بدائع صنع اللّه ، و عجائب قدرته فرسخت معارفه ، و قوت بصيرته . ذكر : اللّه سبحانه . فاستكثر : من ذكره . و ارتوى : شرب . من عذب فرات : من ماء عذب . سهلت موارده : سهل الوصول اليه ، و الورود الشرب منه . و النهل : اوّل الشرب و لا يحتاج الى غيره . و السبيل : الطريق .

و الجدد : الأرض الصلبة التي يسهل فيها السير .

و المعنى : انه ارتوى من العلوم الالهية ، و سطع له نور سار على ضوئه الى شاطى‏ء السلامة .

[ 16 ]

خلع سرابيل الشّهوات [ 1 ] ، و تخلّى من الهموم إلاّ همّا واحدا انفرد به [ 2 ] فخرج من صفة العمى ، و مشاركة أهل الهوى [ 3 ] ، و صار من مفاتيح أبواب الهدى ، و مغاليق أبواب الرّدى [ 4 ] ، قد أبصر طريقه ، و سلك سبيله ،

[ 1 ] قد خلع سرابيل الشهوات : السربال : القميص .

و المراد : نزاع ثياب الشهوات .

[ 2 ] الا همّا واحدا انفرد به : لم يعد يهتم بما يهتم به الناس من امور الدنيا ، بل هو يكابد همّا واحدا هو ما يقربه الى اللّه جل جلاله .

[ 3 ] فخرج من صفة العمى . . . : الجهل . و مشاركة اهل الهوى : متابعة العصاة .

[ 4 ] و صار في مفاتيح ابواب الهدى . . . : صار من الادلاء على طريق الهداية . و الردى : الهلاك . و المراد : صار من مرشدي اهل الضلال ، و الدعاة الى طريق الرشاد .

[ 17 ]

و عرف مناره ، و قطع غماره [ 1 ] ، إستمسك من العرى بأوثقها ، و من الحبال بأمتنها [ 2 ] ، فهو من اليقين على مثل ضوء الشّمس [ 3 ] : قد نصب نفسه للّه سبحانه في أرفع الأمور من إصدار

[ 1 ] المنار . . . : اعلام النجاة التي تشير الى الطريق .

و الغمار : الماء الكثير : و المراد : انه خرج من امتحاناته بنجاح .

[ 2 ] استمسك من العرى باوثقها . . . : بالعصمة الوثيقة ،

و عقد لنفسه من الدين عقدا وثيقا لا يحله شبهة ، هو الايمان باللّه و برسوله . و في القرآن الكريم فمن يكفر بالطاغوت و يؤمن باللّه فقد استمسَكَ بِالعروَةِ الوثقى لا انفصام لها و اللَّه سميعٌ عليمٌ 2 : 256 . و من الجبال بامتنها : يشير الى الحديث النبوي : القرآن حبل اللّه المتين ، استعار له الحبل من حيث ان التمسك به سبب للنجاة من الردى ، كما ان التمسك بالحبل سبب للسلامة من السوء .

[ 3 ] فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس : هو في رسوخ العقيدة ، و الثبات على المبدأ ، و البصيرة في الدين ،

كيقين من رأى نور الشمس .

[ 18 ]

كلّ وارد عليه ، و تصيير كلّ فرع إلى أصله [ 1 ] مصباح ظلمات ، كشّاف عشاوات ، مفتاح مبهمات ، دفّاع معضلات ، دليل فلوات [ 2 ] ،

يقول فيفهم ، و يسكت فيسلم ، قد أخلص اللّه فاستخلصه ، فهو من معادن دينه ، و أوتاد

[ 1 ] قد نصب نفسه . . . : اوقفها لتهذيب الخلق و تعليمهم و هدايتهم . من اصدار كل وارد عليه . . . من الاسئلة . و تصيير كل فرع الى اصله : ارجاع المسائل التي يسأل عنها الى اصولها من الكتاب و السنة .

[ 2 ] مصباح ظلمات . . . : فهو كالمصباح ، ينير من ظلمات الجهل . كشاف غشاوات . الغشاء : الغطاء .

و المراد : انه بعلمه يزيل الشبه و الامور الملتبسة التي يثيرها اعداء الاسلام . مفتاح مبهمات . المبهم : الامر الخفي . و المراد : يفتح بعلمه الأمور المغلقة ،

و المسائل المستعصية . دفاع معضلات : يكشف الشدائد و الامور المشكلة التي ترد عليه . دليل فلوات :

الفلاة : الصحراء الواسعة التي يحتاج سالكها الى دليل يهديه الى معالم الطريق . و المراد : بعلومه يهتدي الناس الى طريق النجاة .

[ 19 ]

أرضه [ 1 ] ، قد ألزم نفسه العدل ، فكان أوّل عدله نفي الهوى عن نفسه [ 2 ] ، يصف الحقّ و يعمل به ، لا يدع للخير غاية إلاّ أمّها ، و لا مظنّة إلاّ قصدها [ 3 ] ، قد أمكن الكتاب من زمامه فهو قائده

[ 1 ] قد أخلص اللّه . . . : في العبادات و الطاعات .

فاستخلصه : جعله من أوليائه و احبائه ، و من المصطفين عنده . فهو من معادن دينه : كما يستخرج الذهب و الفضة من الأرض كذلك يستخرج منه العلوم و المعارف . و اوتاد ارضه : الوتد : العمد الذي تثبت به الخيمة و المراد : ان مثل هذا الانسان المعلم للخير يحفظ اللّه أهل الأرض بوجوده ، و يكشف عنهم السوء بدعائه .

[ 2 ] قد الزم نفسه العدل . . . : فرض على نفسه الاتصاف بالعدل ، و جميع الصفات الرفيعة ، فكان اول عدله نفي الهوى عن نفسه : باعدها عما تهواه من السوء .

[ 3 ] و لا يدع للخير غاية إلاّ أمها . . . : أمها : قصدها .

و مظنة الشي‏ء المكان الذي يظن فيه وجوده .

و المعنى : أنه حريص على أن يأتي بكل اعمال الخير و البر ، و جميع ما يقربه الى اللّه جلّ جلاله .

[ 20 ]

و إمامه ، يحلّ حيث حلّ ثقله [ 1 ] و ينزل حيث كان منزله . و آخر قد تسمّى عالما و ليس به ، فاقتبس جهائل من جهّال ، و أضاليل من ضلاّل ، و نصب للنّاس شركا من حبائل غرور ، و قول زور [ 2 ] ،

قد حمل الكتاب على آرائه ، و عطف الحقّ على أهوائه ، يؤمّن من العظائم ، و يهوّن كبير الجرائم [ 3 ] يقول « أقف عند الشّبهات » و فيها

[ 1 ] قد امكن الكتاب من زمامه . . . : الزمام : المقود الذي تقاد به الدابة . و المراد : انقياده و اتباعه للقرآن الكريم .

فهو قائده و امامه : فهو يهتدي بالقرآن كما يهتدي السائر في الظلام بالسراج . يحل حيث حل ثقله . . . :

يحل : ينزل . و الثقل : متاع المسافر و استعاره للقرآن .

و المعنى : انه لا يتجاوز احكام القرآن و اوامره و نواهيه .

[ 2 ] و نصب للناس شركا . . . : الشرك : الشبك الذي يصاد به الحيوان . و الحبائل : المصائد ، و حبائل الشيطان :

مصائده ، و الغرور : الخداع . و الزور : الكذب ،

و المعنى : انه يعمل على اضلال الناس ، و يلقنهم تعاليمه الفاسدة .

[ 3 ] قد حمل الكتاب على آرائه . . . : يحرف و يجرجر بالآيات لتصحيح آرائه . و عطف الحق على اهوائه :

جعل احكام اللّه تعالى طبقا لما يهواه . يؤمن من العظائم : يجعلهم آمنين لا يخافون تبعات ذنوبهم .

و يهوّن كبير الجرائم : يجعلهم يستهينون بكبائر الذنوب فيجترؤن عليها .

[ 21 ]

وقع ، « و أعتزل البدع » و بينها اضطجع [ 1 ] فالصّورة صورة إنسان ، و القلب قلب حيوان ، لا يعرف باب الهدى فيتبعه و لا باب العمى فيصدّ عنه [ 2 ] ، فذلك ميّت الأحياء ، فأين تذهبون ؟ و أنّى تؤفكون ؟ [ 3 ] و الأعلام قائمة و الآيات واضحة و المنار منصوبة فأين يتاه بكم بل كيف

[ 1 ] الشبهات . . . : الامور الملتبسة التي لا يعرف الحق منها من الباطل ، فيقف عندها العالم . البدع : ما ادخل في الدين و ليس منه ، فيدعي مثل هذا الشخص تجنبها بينما هو واقع فيها .

[ 2 ] يصد عنه : يمتنع من دخوله .

[ 3 ] انى تؤفكون : كيف تصرفون عن طريق الحق و النجاة ،

و تقلبون عن طريق الحق الى الضلال .

[ 22 ]

تعمهون ؟ [ 1 ] و بينكم عترة نبيّكم ، و هم أزمّة الحقّ ، و أعلام الدّين ، و ألسنة الصّدق [ 2 ] ،

فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن ، و ردوهم ورود الهيم العطاش [ 3 ] .

[ 1 ] الاعلام قائمة . . . : العلائم التي يستدل بها على طريق النجاة . و الآيات واضحة : هي التي يستدل بها على الطريق المستقيم . و المنار : الاعلام التي تشير الى الطريق . فأين يتاه بكم : التيه هنا بمعنى الضلال ،

و المعنى : كيف تتركون طريق الحق متباعدين عنه مع وجود الاعلام الدالة عليه . تعمهون : تتردون حيارى .

[ 2 ] عترة نبيكم . . . : نسله و رهطه ، يعني به نفسه و الأئمة من اولاده ، و هم أزمّة الحق : القادة الى الحق .

و اعلام الدين : الادلة على الدين ، و الهداة اليه .

و السنة الصدق : القائلون بالصدق .

[ 3 ] فانزلوهم باحسن منازل القرآن : من الأخذ عنهم ،

و الاقتداء بهم ، فذلك احسن منازل القرآن . و الورود :

بلوغ الماء و موافاته . و اليهم : الابل العطاش .

و المعنى : سارعوا الى الأخذ من علومهم اسراع الابل الى المورد .

[ 23 ]

أيّها النّاس ، خذوها من خاتم النّبيّين صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : « إنّه يموت من مات منّا و ليس بميّت [ 1 ] ، و يبلى من بلي منّا و ليس ببال » فلا تقولوا بما لا تعرفون ، فإنّ أكثر الحقّ فيما تنكرون [ 2 ] ، و اعذروا من لا حجّة لكم عليه ، و أنا

[ 1 ] يموت من مات منا و ليس بميت . . . : هذه الفقرة تفسرها الآية الكريمة : وَ لاَ تَحسَبَنَّ الذينَ قُتِلوُا فِي سبيلِ اللَّه اَمواتاً بَل اَحياءٌ عِندَ ربهِمْ يُرْزَقُونَ 3 : 169 . مضافا لما وهبهم اللّه جل جلاله من المواهب الاخرى التي جاءت بها الروايات ، كما انهم احياء بعلومهم التي ملأت الدنيا ، و خلدتها آلاف الكتب ، و لو لم يكن منها إلا نهج البلاغة ، و الصحيفة السجادية لكفى .

[ 2 ] فان اكثر الحق فيما تنكرون : هذه الفقرة تشير الى مقامات سامية ، و مراتب عالية للأئمة صلوات اللّه عليهم ينكرها البعض ، و مع هذا كله فالحذر الحذر من الغلو فيهم ، فان اسمى صفاتهم ، و ارفع درجاتهم العبودية للّه جل جلاله .

[ 24 ]

هو [ 1 ] ، ألم أعمل فيكم بالثّقل الأكبر ؟ و أترك فيكم الثّقل الأصغر [ 2 ] ، و ركزت فيكم راية الإيمان ، و وقفتكم على حدود الحلال و الحرام [ 3 ] و ألبستكم العافية من عدلي ،

و فرشتكم المعروف من قولي و فعلي ، و أريتكم كرائم الأخلاق من نفسي [ 4 ] ، فلا تستعملوا

[ 1 ] و اعذروا من لا حجة لكم عليه و انا هو : اعذروني على ما دعوتكم اليه ، و نبهتكم عليه ، فقامت به الحجّة عليكم ، و لزمتكم نصرتي ، و الأخذ بتعاليمي ، فاني مأمور بتبليغكم ، مكلف بالاداء اليكم .

[ 2 ] الم اعمل فيكم : الم اطبّق عليكم احكامه و تعاليمه .

و الثقل الأكبر : القرآن الكريم . و الثقل الأصغر : اهل البيت . و اترك فيكم : يشير الى الامامين الحسن و الحسين عليهما السلام .

[ 3 ] ركزت فيكم راية الايمان . . . : ركز الشي‏ء أقرّه و ثبّته . و الراية : العلم الذي يتبعه الجيش . و المراد :

ثبت فيكم دعوة الايمان . و وقفتكم على حدود الجلال و الحرام : وضحت لكم كلا منهما .

[ 4 ] و البستكم العافية من عدلى . . . : وسعكم عدلي و لم اعمل فيكم بظلم . و فرشت لكم : بسطت لكم .

و المعروف كل عمل حسن . و المعنى : انكم لم تشاهدوا من قولي و فعلي و سيرتي معكم إلا المعروف :

و اريتكم كرائم الاخلاق من نفسي : و مما ادبتكم به ان شاهدتم اخلاقي و سلوكي لتقتدوا بي ، فان الاقتداء بالمشاهدة ابلغ من القول .

[ 25 ]

الرّأي فيما لا يدرك قعره البصر ، و لا تتغلغل إليه الفكر .

منها : حتّى يظنّ الظّانّ أنّ الدّنيا معقولة على بني أميّة [ 1 ] تمنحهم درّها ، و توردهم صفوها [ 2 ] ،

و لا يرفع عن هذه الأمّة سوطها ، و لا سيفها ،

و كذب الظّانّ لذلك ، بل هي مجّة من لذيذ العيش يتطعّمونها برهة ، ثمّ يلفظونها جملة [ 3 ] .

[ 1 ] القعر . . . : منتهى العمق . و يتغلغل : يدخل فيه .

و المعنى : لا تستعملوا الرأي و القياس في الأحكام ،

فان دين اللّه لا يدرك بالقياس .

[ 2 ] معقولة . . . : محبوسة ، أي خالصة لهم . تمنحهم :

تعطيهم . و الدر : اللبن ، و استعمل في كل خير .

توردهم صفوها : تبذل لهم صافي فوائدها . و المراد :

انهم يقولون ذلك لما يرونه من طول ملكهم ، و تمكنهم في الأرض .

[ 3 ] المجّة : قطرات العسل . يتطعمونها : يأكلونها . برهة :

فترة . ثم يلفظوها : يرموها دفعة واحدة ، كناية عن ذهاب ملكهم و دولتهم .

[ 26 ]