( 85 ) و من خطبة له عليه السلام

أمّا بعد ، فإنّ اللّه لم يقصم جبّاري دهر قطّ إلاّ بعد تميّل و رخاء [ 1 ] ، و لم يجبر عظم أحد من الأمم إلاّ بعد أزل و بلاء [ 2 ] ، و في دون ما استقبلتم من عتب ، و ما استدبرتم من خطب ،

[ 1 ] يقصم . . . : يهلك . و الجبار : العاتي . المتسلط .

إلا بعد تميّل و رخاء : بعد امهالهم و رخائهم .

[ 2 ] و لم يجبر عظم احد . . . : جبران العظم كناية عن استعادة القوّة و السيطرة . و الازل : الضيق و الشدّة .

[ 27 ]

معتبر [ 1 ] و ما كلّ ذي قلب بلبيب [ 2 ] ، و لا كلّ ذي سمع بسميع ، و لا كلّ ناظر ببصير ،

فياعجبي و مالي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها لا يقتصّون أثر نبيّ ، و لا يقتدون [ 3 ] بعمل وصيّ ، و لا يؤمنون بغيب ، و لا يعفّون عن عيب [ 4 ] ، يعملون في

[ 1 ] العتب . . . : الشدّة و الامر الكريه . و الخطب : الامر العظيم . و المعنى : ان اقل من هذا الذي مرّ عليكم من الاحداث يكفي عبرة للاتعاظ .

[ 2 ] اللبيب : المنتفع بعقله ، و المراد من هذه الفقرات : ان ليس كل انسان منتفع بعقله و حواسه ، لأن المنتفع بذلك حقا من استعمل مواهب اللّه جلّ جلاله و نعمه في طاعته .

[ 3 ] لا يقتصون . . . : لا يتبعون . و لا يقتدون : و لا يتابعون .

[ 4 ] و لا يؤمنون بغيب . . . : مما وراء هذا العالم من القيامة ، و الجنة ، و النار ، و قد وصف اللّه سبحانه المتقين فقال الَّذينَ يؤمِنونَ بِالغَيبِ 2 : 3 . و لا يعفّون عن عيب : و لا يتعففون عما يشينهم من الأعمال و الاقوال .

[ 28 ]

الشّبهات و يسيرون في الشّهوات [ 1 ] ، المعروف عندهم ما عرفوا ، و المنكر عندهم ما أنكروا [ 2 ] ،

مفزعهم في المعضلات إلى أنفسهم ، و تعويلهم في المهمّات [ 3 ] على آرائهم ، كأنّ كلّ امرى‏ء منهم إمام نفسه [ 4 ] : قد أخذ منها فيما يرى بعرى ثقات ، و أسباب محكمات [ 5 ] .

[ 1 ] يعملون في الشبهات . . . : هي الامور الملتبسة التي لا يعرف الحق منها من الباطل ، فيقف عندها العالم و لا يقتحمها . و يسيرون في الشهوات : يعملون ما يشتهونه و ان كان مخالفا للشريعة .

[ 2 ] المعروف . . . : الامر الحسن . و المنكر : الامر القبيح . و المراد : انهم لا يتبعون النهج الذي امروا باتباعه ، بل بما استهوته انفسهم .

[ 3 ] المعضلات . . . : الشدائد . و المبهمات : الامور الغامضة . و المراد : بعدهم عن الشريعة الاسلامية و عدم الرجوع اليها عند التباس الأمور .

[ 4 ] كأن كل منهم امام نفسه : كل واحد منهم يأخذ عن نفسه ما يحتاجه من الاحكام .

[ 5 ] بعرى ثقات . . . : بالعصمة الوثيقة ، و عقد لنفسه من الدين عقدا وثيقا لا تحلّه شبهة . و اسباب محكمات :

بقواعد صحيحة .

[ 29 ]