( 88 ) و من خطبة له عليه السلام تعرف بخطبة الأشباح

و هي من جلائل خطبه عليه السلام ، و كان سأله سائل أن يصف اللّه حتى كأنّه يراه عيانا ، فغضب عليه السلام لذلك و قال الخطبة . و روى مسعدة بن صدقة عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام انه قال :

خطب أمير المؤمنين عليه السلام هذه الخطبة على منبر الكوفة ، و ذلك أن رجلا أتاه فقال : يا أمير المؤمنين صف لنا ربّنا لنزداد له حبّا ، و به معرفة ، فغضب و نادى الصلاة جامعة ، فاجتمع

[ 39 ]

الناس حتّى غصّ المسجد بأهله ، فصعد المنبر و هو مغضب متغيّر اللون ، فحمد اللّه و أثنى عليه ،

و صلّى على النبيّ صلى اللّه عليه و آله ، ثم خطبها .

الحمد للّه الّذي لا يفره المنع و الجمود ، و لا يكديه [ 1 ] الإعطاء و الجود ، إذ كلّ معط منتقص سواه ، و كلّ مانع مذموم ما خلاه [ 2 ] ، و هو

[ 1 ] يفره . . . : لا يزيد ماله وفورا . و الجمود : أشد البخل . و لا يكديه : و لا يفقره ، فهو منزّه عن هذه الصفات و شبهها .

[ 2 ] و كل مانع مذموم ما خلاه : المنع من البشر يكون عن بخل و حرص ، أمّا منعه عن حكمة و تدبير للخلق ،

و الدليل على ذلك : الناس كلهم يطلبون الغنى ، و لو اغناهم لهلكوا لعدم وجود الزارع و العامل ، و لتعطلت المصالح الحيوية التي تقوم بها الطبقة الفقيرة .

[ 40 ]

المنّان بفوائد النّعم ، و عوائد [ 1 ] المزيد و القسم ، عياله الخلق : ضمن أرزاقهم ، و قدّر أقواتهم ، و نهج سبيل الرّاغبين إليه [ 2 ] ، و الطّالبين ما لديه ، و ليس بما سئل بأجود منه بما لم يسأل [ 3 ] ، الأوّل الّذي لم يكن له قبل فيكون

[ 1 ] المنان . . . : هو الذي يبدأ بالعطاء قبل السؤال .

و العوائد : المعروف و الصلة و المنفعة . و المراد : انه يزيدهم عطاء .

[ 2 ] نهج سبيل الراغبين اليه . . . : شرع و بين الطريق الموصل الى رضوانه . و الطالبين ما لديه : ما عنده من النعيم .

[ 3 ] و ليس بما سئل باجود منه بما لم يسأل : ان عطاياه و مواهبه ليست مقرونة بسؤاله ، فهو يعطي من سأله و من لم يسأله ، و يرزق من يعبد غيره .

[ 41 ]

شي‏ء قبله ، و الآخر [ 1 ] الّذي ليس له بعد فيكون شي‏ء بعده ، و الرّادع أناسيّ الأبصار [ 2 ] عن أن تناله أو تدركه . ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال [ 3 ] ، و لا كان في مكان فيجوز عليه الإنتقال ، و لو وهب ما تنفّست عنه معادن الجبال [ 4 ] و ضحكت عنه أصداف البحار ، من فلزّ اللّجين و العقيان ، و نثارة الدّرّ و حصيد المرجان [ 5 ] ما أثّر ذلك في جوده ، و لا أنفد سعة

[ 1 ] الأوّل الذي لم يكن له قبل . . . : هو أوّل الموجودات ، و تحقيقه : انه سابق لجميع الموجودات بما لا يتناهى من تقدير الاوقات . و الآخر : بعد فناء كل شي‏ء لأنه يفني الاشياء كلها و ما فيها من الاعراض و يبقى وحده .

[ 2 ] الرادع . . . : الزاجر ، المانع . و اناسي : جمع انسان ، و انسان البصر : الدائرة في وسط حدقة العين ،

و بها يبصر الانسان . و في القرآن الكريم لاَ تُدْركُهُ الابْصَارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الاَبْصَارَ وَ هُوَ اللَطيفُ الخَبيرُ 6 : 103 .

[ 3 ] ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال : هو منزّه عن تقلبات الزمن و تأثيراته في الاجسام .

[ 4 ] ما تنفست عنه معادن الجبال : و هذه الجملة تعد من الاكتشافات العلمية في كلام الإمام عليه السلام ، فقد عبّر عن انفتاح المعادن بالتنفس ، لأنه ناتج عن تحرّك المواد الملتهبة في جوف الأرض .

[ 5 ] فلز اللجين و العقيان . . . : الفلز : الجوهر النفيس .

و اللجين : الفضة . و العقيان : الذهب . و نثارة الدر :

منثوره ، و حصيد المرجان : محصوده . عبّر عنه بالمحصود لأنه نبات بحري ، ينمو في قاع البحر .

[ 42 ]

ما عنده ، و لكان عنده من ذخائر الإنعام ما لا تنفده مطالب الأنام [ 1 ] ، لأنّه الجواد الّذي لا يغيضه [ 2 ] سؤال السّائلين ، و لا يبخله إلحاح الملحّين . فانظر أيّها السّائل فما دلّك القرآن عليه من صفته فائتمّ به [ 3 ] ، و إستضى‏ء بنور هدايته ، و ما كلّفك الشّيطان علمه ممّا ليس في الكتاب عليك فرضه ، و لا في سنّة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أئمّة الهدى أثره ، فكل علمه إلى اللّه سبحانه ، فإنّ ذلك منتهى حقّ اللّه عليك .

و اعلم أنّ الرّاسخين في العلم [ 4 ] هم الّذين أغناهم عن اقتحام السّدد المضروبة دون

[ 1 ] ذخائر الأنعام . . . : العطاء الواسع ، و النعم التي لا تحصى . ما لا تنفده : ما لا تفنيه و تنفذه . مطالب الانام : متطلبات الناس و حاجاتهم .

[ 2 ] لا يغيضه . . . : لا ينقصه و يذهب ما عنده ، و المعنى :

لا يكون الالحاح سببا لمنعه ، بل ورد الذم في الحاح البشر بعضهم على بعض في حاجاتهم ، و مدح الالحاح و الطلب منه جلّ جلاله .

[ 3 ] فائتم به : اتبعه و اقتد به .

[ 4 ] الراسخين في العلم : الثابتين فيه ، الضابطين له .

[ 43 ]

الغيوب [ 1 ] ، الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب [ 2 ] فمدح اللّه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما ، و سمّى تركهم التّعمّق فيما لم يكلّفهم البحث عن كنهه رسوخا ، فإقتصر على ذلك ، و لا تقدّر عظمة اللّه سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين هو القادر الّذي إذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع قدرته ، و حاول الفكر المبرّأ من خطرات الوساوس أن يقع عليه في عميقات غيوب ملكوته ، و تولّهت القلوب إليه ، لتجري في كيفيّة صفاته [ 3 ] ، و غمضت مداخل العقول في

[ 1 ] اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب : الاقتحام :

الدخول في الشي‏ء من غير رويّة . و السدد : الابواب ،

و المراد بها الحجب المضروبة . و الغيوب : ما غاب عن البشر علمه .

[ 2 ] الغيب المحجوب : الذي استأثر به اللّه سبحانه ، و لم يطلع عليه عباده .

[ 3 ] هو القادر . . . : الذي لا يعجزه شي‏ء في الأرض و لا في السماء . و ارتمت الأوهام : استرسلت مجدّة ، في التفتيش عن منتهى قدرته : و حاول الفكر المبرأ من خطرات الوساوس : الفكر المنزه عن الخيالات الباطلة لا يستطيع الاحاطة بعظيم سلطانه ، و سعة ملكه .

و القلوب المتولهة : المشتد شوقها للتعرف على كيفية صفاته . و غمضت مداخل العقول : خفي مواضع دخولها في دقائق المعقولات طالبة ان تعلم حقيقة ذاته .

ردعها : زجرها و منعها . و يقول الشارح البحراني : ان غاية استقصاء العقول و تعمقها ، و غوص فطنها طالبة لتحصيل كماله ، و نعوت جلاله ، ان تقف خاسئة ،

و ترجع حسيرة ، معترفة بالعجز و القصور .

[ 44 ]

حيث لا تبلغه الصّفات لتناول علم ذاته ، ردعها و هي تجوب مهاوي سدف الغيوب ، متخلّصة إليه ، سبحانه ، فرجعت إذ جبهت [ 1 ] معترفة بأنّه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته [ 2 ] و لا تخطر

[ 1 ] و هي تجوب . . . : تقطع . و المهاوي : جمع مهواة ،

و هي ما بين جبلين . و سدوف : جمع سدفة ، و هي القطعة من الليل ، و المعنى : ان الاوهام و العقول قطعت اشواطا طويلة سالكة طريقا مظلما للتوصل الى معرفته فرجعت خاسئة . جبهت : ردت خائبة .

[ 2 ] لا تنال بجور الاعتساف كنه معرفته : الاعتساف : الخبط على غير هداية . و كنه معرفته : حقيقة معرفته .

و المعنى : ان العقول عاجزة عن معرفته ، بل هي عاجزة عن الاحاطة بشي‏ء من علمه وَ لاَ يُحيطُون بِشي‏ءٍ مِن عِلمهِ 2 : 255 .

[ 45 ]

ببال أولي الرّويّات [ 1 ] خاطرة من تقدير جلال عزّته ، الّذي ابتدع الخلق على غير مثال امتثله [ 2 ] و لا مقدار احتذى عليه ، من خالق معهود كان قبله ، و أرانا من ملكوت قدرته ، و عجائب ما نطقت به آثار حكمته ، و اعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك قوّته ، ما دلّنا

[ 1 ] و لا تخطر ببال أولي الرويات . . . : الخاطر : ما يخطر بالقلب من أمر أو رأي أو معنى . و اولي الرويات : اولي الأفكار . و المراد : ان خواطر اولي الفكر و ان تناهت لا تحيط وصفا بجلاله و عزته ، فهو اعظم مما يتصورونه .

[ 2 ] ابتدع الخلق على غير مثال . . . : اخترع الخلق و اوجدهم من العدم الى الوجود دون ان يستعين بتجربة يجربها ، و لم يوجد خلق لخالق غيره فيحذو حذوه في الخلق ، بل هو الخلاّق العليم .

[ 46 ]

باضطرار قيام الحجّة له على معرفته [ 1 ] ،

و ظهرت في البدائع الّتي أحدثها آثار صنعته و أعلام حكمته [ 2 ] فصار كلّ ما خلق حجّة له و دليلا عليه ، و إن كان خلقا صامتا فحجّته بالتّدبير ناطقة [ 3 ] ، و دلالته على المبدع قائمة .

[ 1 ] ملكوت قدرته . . . : الآيات الدالة على قدرته ،

و عجائب ما نطقت به آثار حكمته : ان اقواله و افعاله ،

و جميع ما ابدعه يشهد له بحكمة التدبير . و اعتراف الحاجة . . . : ان مخلوقاته ناطقة بحاجتها اليه .

و بمساك قدرته : هو الحافظ لها بقدرته إنّ اللّه يمسكُ السمواتِ و الأرضَ اَن تَزُولا وَ لَئِن زَالَتَا اِنْ أَمسَكَهُمَا من اَحَدٍ مِن بعدِهِ انَّهُ كَانَ حليماً غَفُوراً 35 : 41 . ما دلنا باضطرار قيام الحجة : بهذا الابداع و الخلق ثبتت له الحجة على خلقه ، و لزمهم الاعتراف و التصديق بعظمته .

[ 2 ] و ظهرت في البدائع التي أحدثها . . . ابدعه : انشأه على غير مثال سابق . آثار صنعته : ان ابداع مخلوقاته و ما فيها من اتقان و نظام و حسن ترتيب دالة على قدرته ،

شاهدة على حكمته .

[ 3 ] فصار كل ما خلق حجة له . . . : على خلقه ، و دليلا على وجوده و قدرته و تفرده .

و في كل شي‏ء له آية
تدل على انه واحد

و ان كان خلقا صامتا : ان الجمادات و ما شابهها من مخلوقاته ، تشهد باتفانها ان لها صانعا مدبّرا ، و في علم الجيلوجيا شاهد ، فاجزاء التراب و غيره بنسب معينة ،

و مقادير ثابتة ، لو اختلفت نسبتها بطل عملها و مفعولها ،

و كذلك الهواء و ما فيه من الاوكسجين و النتروجين و اكسيد الكاربون ، لو اختلفت نسبته هلك الخلق ، و اكثر من هذا : لو حصل اصطدام بين نجمين احترقت الكرة الأرضية و من فيها ، فسبحان الخلاق العليم .

[ 47 ]

و أشهد أنّ من شبّهك بتباين أعضاء خلقك ،

و تلاحم حقاق مفاصلهم المحتجبة لتدبير حكمتك ، لم يعقد غيب ضميره على معرفتك ، و لم يباشر قلبه اليقين بأنّه لا ندّ لك [ 1 ] ، و كأنّه لم

[ 1 ] و اشهد ان من شبهك بتباين . . . : التباين : المغايرة و المخالفة . و التلاحم : التلائم . و حقاق مفاصلهم :

رأس العظم عند المفصل . و المحتجبة : المستترة .

لتدبير خلقك : لأنها ابعد عن العوارض ، و أشد للمفاصل ، و أجمل في الخلقة . لم يعقد غيب ضميره : لم يلزم ضميره . و لم يباشر قلبه اليقين : لم يتيقن الايمان بك . لا ند لك : لا مثيل لك و لا نظير .

و المراد : بيان خطأ المشبهة الذين جعلوا له جلّ جلاله جسمية و اعضاء ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا .

[ 48 ]

يسمع تبرّؤ التّابعين من المتبوعين إذ يقولون :

( تاللّه إن كنّا لفي ضلال مبين ، إذ نسوّيكم بربّ العالمين ) [ 1 ] كذب العادلون بك [ 2 ] إذ شبّهوك بأصنامهم ، و نحلوك حلية المخلوقين [ 3 ] بأوهامهم ، و جزّأوك تجزئة المجسّمات بخواطرهم [ 4 ] ، و قدّروك على الخلقة المختلفة

[ 1 ] لفي ضلال مبين : لقد كنا في ضلال عن الحق بيّن ،

و ذهاب عن الصواب ظاهر ، اذ نسويكم باللّه ، و عدلنا بكم في توجيه العبادة اليكم .

[ 2 ] كذب العادلون بك : الذين عدلوا بك غيرك ، و ساووه بك .

[ 3 ] نحلوك حلية المخلوقين : اعطوك صفة المخلوقين .

[ 4 ] و جزءوك تجزئة المجسمات بخواطرهم . . . ان بعض عبدة الاصنام و غيرهم من المشبهة جعلوا له جسما ،

و توهموا بعقولهم الفاسدة له اطرافا ، تعالى اللّه عن ذلك .

[ 49 ]

القوى بقرائح عقولهم ، و أشهد أنّ من ساواك بشي‏ء من خلقك فقد عدل بك [ 1 ] ، و العادل بك كافر بما تنزّلت به محكمات آياتك ، و نطقت عنه شواهد حجج بيّناتك ، و إنّك أنت اللّه الذي لم تتناه في العقول فتكون في مهبّ فكرها مكيّفا و لا في رويّات خواطرها فتكون محدودا مصرّفا [ 2 ] .

و منها : قدّر ما خلق فألطف تقديره ، و دبّره فأحكم تدبيره ، و وجّهه لوجهته فلم يتعدّ حدود

[ 1 ] و اشهد ان من ساواك . . . : ان من جعلك مساويا لمخلوقاتك . فقد عدل بك : ساواك بغيرك . و من ساواك و شبهك فقد كفر بكتبك ، و بما جاء عن انبيائك .

[ 2 ] لم تتناه في العقول . . . : ليس لك حدود متناهية حتى تحيط بك العقول ، و تجعل لك كيفية معينة و ليس لها في افكارها و خواطرها ان تصل الى معرفتك فتكون محدودا . مصرّفا : مجزءا .

[ 50 ]

منزلته ، و لم يقصّر دون الإنتهاء إلى غايته ، و لم يستصعب إذ أمر بالمضيّ على إرادته [ 1 ] و كيف و إنّما صدرت الأمور عن مشيئته ؟ [ 2 ] المنشى‏ء أصناف الأشياء بلا رويّة فكر آل إليها ، و لا قريحة غريزة أضمر عليها ، و لا تجربة أفادها من حوادث الدّهور [ 3 ] و لا شريك أعانه على ابتداع

[ 1 ] فاحكم تقديره : خلقه باتقان و نظام و حكمة . فالطف تدبيره : جعله يهتدي الى تحصيل رزقه ، و تمشية اموره ، فلم يتعدّ : ليس له ان يتجاوز منزلته ، كما ليس له النكول عن وصولها ، لأن ذلك يستلزم الخلل و انعدام النظام ، و لم يستصعب : لم يجد المخلوق صعوبة فيما خلق له . و هنا اشارة الى ان الانسان و الغاية التي خلق لها العبادة وَ مَا خَلَقتُ الجِنَّ و الانسَ إلاّ ليعبُدونِ 51 : 56 لا يجد صعوبة في تنفيذ ما أريد منه .

[ 2 ] مشيئته : ارادته .

[ 3 ] روية : امعان نظر : آل اليها : رجع اليها . و قريحة غريزة : ما يستبطنه الذهن . و اضمر عليها : بلغ الغاية و استقصى عليها . و المعنى : انه الخالق اصناف المخلوقات بلا امعان فكر يرجع اليه ، و لم يسبقه خالق فيستفيد منه تجربة ، بل اِنَّما قَوْلُنَا لشي‏ءٍ اِذَا اَرَدناهُ اَن نَقُول لَهُ كُن فيكُونُ 16 : 40 .

[ 51 ]

عجائب الامور ، فتمّ خلقه و أذعن لطاعته و أجاب إلى دعوته ، و لم يعترض دونه ريث المبطى‏ء ، و لا أناة المتلكّى‏ء [ 1 ] فأقام من الأشياء أودها ، و نهج حدودها ، و لاءم بقدرته بين متضادّها ، و وصل أسباب قرائنها [ 2 ] ، و فرّقها

[ 1 ] ريث المبطى‏ء و لا اناة المتلكى‏ء : التريث : البطء .

و الاناة : التؤدة و التأخير . و المتلكى‏ء : المتباطى‏ء .

و المعنى : ان جميع خلقه منقادون له ، طائعون .

[ 2 ] فاقام من الاشياء اودها . . . : اودها : اعوجاجها ،

و المراد : اعدادها لما هيأها له . و نهج حدودها : عين و رسم لكل شي‏ء وجهته ، و النهج الذي يسير فيه ،

و ينتهي عنده . و لاءم بقدرته بين متضادها : فهذا الجسم يجمع الطبائع الاربعة : الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة ، و أكثر من هذا : فالرأس يجمع اربعة مياه مختلفة : ماء العين مالح لحفظها من الحرارة ، و ماء الفم حلو ، ليتهنأ بمطعمه و مشربه ، و ماء الأذن مرّ لقتل الهوام الداخلة اليها ، و ماء الانف بارد ، ليخفف عن الرأس السعرات الحرارية المتولدة من الغذاء و التفكير .

[ 52 ]

أجناسا مختلفات [ 1 ] في الحدود و الأقدار و الغرائز و الهيئات ، بدايا خلائق أحكم صنعها و فطرها [ 2 ] على ما أراد و ابتدعها .