و منها في صفة الملائكة

ثمّ خلق سبحانه لاسكان سماواته ، و عمارة الصّفيح الأعلى [ 1 ] من ملكوته خلقا بديعا من ملائكته ، ملأ بهم فتوق أجوائها ، و بين فجوات تلك الفروج زجل المسبّحين منهم في حظائر القدس ، و سترات الحجب ، و سرادقات المجد و وراء ذلك الرّجيج الّذي تستكّ [ 2 ] منه الأسماع

[ 1 ] الصفيح الاعلى . . . : السماء ، و ملكوته : ملكه العظيم .

[ 2 ] الفروج . . . : الشقوق و الصدوع ا فَلَم ينظُروا الى السَّماء فوقهُم كيفَ بَنينَاهَا و زيّناهَا وَ مالها مِن فُرُوجٍ 50 : 6 . فجاجها : طرقها . و الفتق : الشق و الجو :

المكان المتسع . و الفجوات : الفرج و الزجل : رفع الصوت . و الحظيرة : المكان المحفوظ . و القدس :

الطهر . و السترات : و هو ما يستتر به كالستارة .

و الحجب : هي حجب النور ، فوق السماء السابعة .

و السرادق : ما احاط بشي‏ء من حائط أو خباء . و الرجيج :

الزلزلة و الاضطراب . و تستك : تصم منه الاذان لشدته ،

و المراد : انه جلّ جلاله ملأ سماواته بملائكته المسبحين له ، و هذا وصف لدوي اصواتهم بالعبادة ، كما ان هناك عوالم اخرى غير السماوات لا يعلم تفصيلها إلاّ خالقها ، و هي الحجب و السرادقات و غير ذلك .

[ 57 ]

سبحات نور تردع الأبصار عن بلوغها ، فتقف خاسئة [ 1 ] على حدودها ، أنشأهم على صور مختلفات ، و أقدار متفاوتات أولى أجنحة تسبّح جلال عزّته [ 2 ] لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعته [ 3 ] ، و لا يدّعون أنّهم يخلقون شيئا ممّا انفرد به ، بل عباد مكرمون ( لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون ) جعلهم فيما هنالك أهل

[ 1 ] سبحات نور . . . : هي النور و الجلال و العظمة .

تروع : تمنع ، خاسئة : مدفوعة . مطرودة . و المراد :

هناك عوالم لم يصل اليها حتى الملك .

[ 2 ] تسبّح جلال عزته : يسبحون و يقدسون جلاله و عظمته .

[ 3 ] لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعته : لا يدّعون الربوبية .

[ 58 ]

الأمانة على وحيه [ 1 ] ، و حمّلهم إلى المرسلين و دائع أمره و نهيه ، و عصمهم من ريب الشّبهات [ 2 ] ، فما منهم زائغ عن سبيل مرضاته ،

و أمدّهم بفوائد المعونة ، و أشعر قلوبهم تواضع إخبات السّكينة [ 3 ] و فتح لهم أبوابا ذللا إلى تماجيده ، و نصب لهم منارا واضحة على أعلام توحيده [ 4 ] لم تثقلهم موصرات الآثام [ 5 ] و لم

[ 1 ] اهل الامانة على وحيه : هم المبلّغون للانبياء عليهم الصلاة و السلام اوامر اللّه جلّ جلاله ، و بواسطتهم تنزل عليهم كتبه .

[ 2 ] و عصمهم من ريب الشبهات ، فما منهم زائغ :

العصمة : هي الامتناع عن جميع المحرمات و هي من صفات الانبياء و الأئمة و الملائكة . و الريب : الظن و الشك . و الزيغ : العدول عن الحق .

[ 3 ] و امدهم بفوائد المعونة . . . : منحهم القوة على الاستكثار من الطاعة . و اشعر قلوبهم تواضع اخبات السكينة : الاخبات : الخضوع ، و السكينة :

الطمأنينة .

[ 4 ] و فتح لهم ابوابا ذللا الى تماجيده : سهل لهم و الهمهم تنزيهه . و نصب لهم منارا واضحة على اعلام توحيده :

جعل لهم الادلة الواضحة ليهتدوا بها الى سبيله .

[ 5 ] لم تثقلهم موصرات الآثام : الاصر : الثقل . و الآثام :

الذنوب . و المراد : تنزيههم و عصمتهم عن ارتكاب المحارم .

[ 59 ]

ترتحلهم عقب اللّيالي و الأيّام [ 1 ] و لم ترم الشّكوك بنوازعها عزيمة إيمانهم ، و لم تعترك الظّنون على معاقد يقينهم [ 2 ] و لا قدحت قادحة

[ 1 ] و لم ترتحلهم عقب الليالي و الايام : ارتحل : سار و مضى . و عقب الليالي و الايام : تناوبهما بالمجي‏ء .

و المراد : تنزيههم عما يلحق البشر من الضعف ،

و انحلال القوى ، أو القرب من الموت بمرور الليالي و الأيام .

[ 2 ] و لم ترم الشكوك بنوازعها بعزيمة ايمانهم . . . : نزع القوس اذا مدّها . و عزيمة الايمان : الثبات عليه .

و الاعتراك : الازدحام . و معاقد : جمع معقد محل العقد ، و المراد به الاعتقاد . و المعنى : انهم على يقين من العقيدة ، و المراد : تنزيههم عن سهام الشكوك و الاوهام التي تعتري البشر .

[ 60 ]

الإحن فيما بينهم [ 1 ] ، و لا سلبتهم الحيرة ما لاق من معرفته [ 2 ] بضمائرهم . و ما سكن من عظمته و هيبة جلالته في أثناء صدورهم ، و لم تطمع فيهم الوساوس فتقترع برينها على فكرهم [ 3 ] :

منهم من هو في خلق الغمام الدّلّح ، و في عظم الجبال الشّمّخ ، و في قترة الظّلام الأبهم [ 4 ] ،

[ 1 ] و لا قدحت قادحة الاحن بينهم : القدح بالزند لاستخراج النار . و الاحن : الحقد و الضغينة .

و المراد : تنزيههم عن الحقد و البغضاء .

[ 2 ] و لا سلبتهم الحيرة ما لاق من معرفته : الحيرة : التردد في اي الامرين اولى بالطلب . و لاق : لصق .

و المعنى : ان يقينهم لا يعتريه حيرة و لا شك .

[ 3 ] و لم تطمع فيهم الوساوس فتقترع برينها على فكرهم :

الاقتراع : الضرب بالقرعة و الرين : الدنس ،

و المعنى : لم تعرض لهم مطلقا وساوس الشيطان .

[ 4 ] الغمام الدلح . . . : الثقيل بالماء . و الشامخ : الرفيع .

و القترة : الخفاء . و الابهم : الذي لا يهتدى فيه و الغرض من هذا التشبيه بيان عظمة اجسامهم .

[ 61 ]

و منهم من خرقت أقدامهم تخوم الأرض السّفلى ، فهي كرايات بيض قد نفذت في مخارق الهواء [ 1 ] و تحتها ريح هفّافة [ 2 ] تحبسها على حيث انتهت من الحدود المتناهية ، قد استفرغتهم أشغال عبادته [ 3 ] و وصلت حقائق الإيمان بينهم و بين معرفته ، و قطعهم الإيقان به إلى الوله إليه [ 4 ] و لم تجاوز رغباتهم ما عنده إلى ما

[ 1 ] تخوم الأرض . . . : حدودها و معالمها . و مخارق الهواء : مواضع ما خرقته اقدامهم ، و المراد : بيان ضخامة اجسامهم .

[ 2 ] ريح هفافة : طيبة ساكنة .

[ 3 ] قد استفرغتهم اشغال عبادته : جعلتهم فارغين عن الاشتغال بغير عبادته .

[ 4 ] و قطعهم الايقان به الى الوله اليه : ادى بهم يقينهم الى الوله شدة الشوق اليه : و هذا اليقين الذي ادى الى و له الملائكة أدى ببعض البشر ان يعمل عملهم ، فقد ذكر المؤرخون ان الإمام امير المؤمنين ، و الامام الحسين ، و الامام علي بن الحسين سلام اللّه عليهم كان كل منهم يصلي في اليوم و الليلة الف ركعة ،

و قديما قيل : لا يعرف الوجد إلاّ من يكابده .

[ 62 ]

عند غيره ، قد ذاقوا حلاوة معرفته ، و شربوا بالكأس الرّويّة من محبّته ، و تمكّنت من سويداء قلوبهم وشيجة خيفته [ 1 ] فحنوا بطول الطّاعة اعتدال ظهورهم ، و لم ينفذ طول الرّغبة إليه مادّة تضرّعهم [ 2 ] و لا أطلق عنهم عظيم الزّلفة ربق خشوعهم [ 3 ] ، و لم يتولّهم الإعجاب فيستكثروا ما

[ 1 ] و تمكنت من سويداء قلوبهم و شيجة خيفته : سويداء القلب : محل الروح منه . و الوشيجة في الاصل عرق الشجرة ، يقال : و شجت العروق و الاغصان : اذا اشتبكت . و المراد : تأصل ايمانهم و معرفتهم ،

و تغلغلها في نفوسهم .

[ 2 ] و لم ينفذ طول الرغبة اليه مادة تضرعهم : ان رغبتهم و انقطاعهم اليه لم يعتريها الكلل و الملل .

[ 3 ] و لا اطلق عنهم عظيم الزلفة ربق خشوعهم : الزلفة :

الرفعة و القرب و الربق : جمع ربقة : الحلقة من الحبل . و المعنى : ان قرب منزلتهم منه لم يسلبهم الخضوع له ، بل ان قربهم زادهم خضوعا .

[ 63 ]

سلف منهم ، و لا تركت لهم استكانة الإجلال نصيبا في تعظيم حسناتهم [ 1 ] ، و لم تجر الفترات فيهم على طول دؤوبهم [ 2 ] ، و لم تغض [ 3 ] رغباتهم فيخالفوا عن رجاء ربّهم ، و لم تجفّ لطول المناجاة أسلات ألسنتهم [ 4 ] ، و لا ملكتهم الأشغال فتنقطع بهمس الجؤار إليه أصواتهم [ 5 ]

[ 1 ] و لا تركت لهم استكانة الاجلال نصيبا في تعظيم حسناتهم : الاستكانة : السكون و الخضوع ، و المراد :

ان خضوعهم له جلّ جلاله ، و معرفتهم به تجعلهم يستصغرون حسناتهم و ان عظمت .

[ 2 ] و لم تجر الفترات فيهم على طول دؤوبهم : الفترة :

السكون و الانقطاع عن العمل . و الدأب : المداومة .

و المعنى : انهم لم يعتريهم فتور على طول المدة .

[ 3 ] و لم تغض . . . : لم تنقص رغبتهم اليه فيعدلوا عن رجائه .

[ 4 ] اسلات السنتهم : اسلة اللسان : طرفه . و المعنى : لم تيبس اطراف السنتهم فتقف عن ذكره و تمجيده .

[ 5 ] و لا ملكتهم الاشغال فتنقطع بهمس الجؤار اليه اصواتهم : الهمس : الصوت الخفي . و الجؤار : رفع الصوت بالدعاء . و المعنى : ليس لهم شغل يقطعهم عن العبادة ، بل و لا خفض اصواتهم فيها ، و ان عبادتهم على نسق واحد لا يعتريها تغيير و لا فتور .

[ 64 ]

و لم تختلف في مقاوم الطّاعة مناكبهم [ 1 ] ، و لم يثنوا إلى راحة التّقصير في أمره رقابهم [ 2 ] ، و لا تعدوا على عزيمة جدّهم بلادة الغفلات [ 3 ] ،

و لا تنتضل في هممهم خدائع الشّهوات [ 4 ] قد

[ 1 ] و لم تختلف في مقاوم الطاعة مناكبهم : مقاوم : جمع مقام . و المراد به الصفوف . و المعنى : انهم لم ينحرفوا عن صفوفهم و مقامات عبادتهم .

[ 2 ] و لم يثنوا الى راحة التقصير في امره رقابهم : لم يصرفوا رقابهم من اجل تعب العبادة .

[ 3 ] و لم تعدوا على عزيمة جدهم بلادة الغفلات : تعدو :

تسطو . و عزيمة جدهم : ثباتهم في الأمر . و البلادة :

عدم الذكاء و الفطنة . و المعنى : ان طاعتهم لا يعتريها فتور و لا غفلة .

[ 4 ] و لا تنتضل في هممهم خدائع الشهوات : الانتضال :

الرمي بالسهام ، و المعنى : ان الشهوات لم ترمهم بسهامها فيؤثر ذلك في عزمهم .

[ 65 ]

اتّخذوا ذا العرش ذخيرة ليوم فاقتهم . [ 1 ] و يمّموه عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم [ 2 ] لا يقطعون أمد غاية عبادته [ 3 ] ، و لا يرجع بهم الاستهتار بلزوم طاعته إلاّ إلى موادّ من قلوبهم غير منقطعة من رجائه و مخافته [ 4 ] لم تنقطع أسباب الشّفقة منهم فينوا في جدّهم [ 5 ] و لم

[ 1 ] قد اتخذوا ذا العرش ذخيرة لهم ليوم فاقتهم : الذخيرة :

ما يحفظ و يجمع لوقت الحاجة . و فاقتهم : حاجتهم .

[ 2 ] و يمّموه عند انقطاع الخلق الى المخلوقين برغبتهم :

قصدوه بالطاعة حين قصد المخلوقين بعضهم بعضا بحوائجهم .

[ 3 ] لا يقطعون امد غاية عبادته : لا يمكنهم الوصول الى منتهى الغاية من عبادته ، لان ذلك متوقف على كمال معرفته و هي غير متناهية .

[ 4 ] و لا يرجع بهم الاستهتار . . . : الاستهتار : الولع .

و المعنى : ان منشأ ولعهم بعبادته ، و شغفهم بها يعود الى مواد ناشئة من قلوبهم لا تنقطع فيوضاتها ، و هي :

رجاؤه و خوفه .

[ 5 ] لم تنقطع اسباب الشفقة منهم فينوا في جدهم :

الشفقة : الخوف و الحذر . فينوا : فيضعفوا و يفتروا :

و المعنى : ان اسباب الخوف منه جلّ جلاله لم تنقطع عنهم فيضعفوا عن الجد و الاجتهاد في العبادة .

[ 66 ]

تأسرهم الأطماع فيؤثروا وشيك السّعي على إجتهادهم [ 1 ] و لم يستعظموا ما مضى من أعمالهم ، و لو استعظموا ذلك لنسخ الرّجاء منهم شفقات وجلهم [ 2 ] و لم يختلفوا في ربّهم بإستحواذ الشّيطان عليهم ، و لم يفرّقهم سوء التّقاطع ، و لا تولاّهم غلّ التّحاسد ، و لا شعبتهم مصارف

[ 1 ] و لم تأسرهم الاطماع فيؤثروا و شيك السعي على اجتهادهم : هم منزهون عن صفات البشر ،

و استسلامهم للمطامع ، و ايثارهم لمكسب دنيوي على سعادة باقية ، و نعيم لا يزول .

[ 2 ] لنسخ الرجاء منهم شفقات وجلهم : نسخ : بطل .

و الشفق : طول الخوف ، و الوجل : الخوف .

و المعنى : انهم لا يستعظمون عبادتهم و طول اجتهادهم ، و لو استعظموها لازال رجاؤهم الخوف و الوجل منه جلّ جلاله .

[ 67 ]

الرّيب [ 1 ] و لا إقتسمتهم أخياف الهمم [ 2 ] فهم أسراء إيمان لم يفكّهم من ربقته زيغ ، و لا عدول و لا ونى و لا فتور [ 3 ] و ليس في أطباق السّماء موضع إهاب [ 4 ] إلاّ و عليه ملك ساجد ، أو ساع حافد [ 5 ] يزدادون على طول الطّاعة بربّهم علما ،

[ 1 ] و لا شعبتهم مصارف الريب : شعبتهم : فرقتهم .

و الريب : الشك . و مصارف : هي الأمور الباطلة التي تنصرف اليها الاذهان ، و المراد : تنزيههم عن الشكوك و الأوهام ، و جميع طرق الباطل .

[ 2 ] اخياف الهمم : اختلافها . و المراد : انهم باجمعهم همتهم واحدة ، و هي التوجه نحوه جلّ جلاله بالطاعة و العبادة .

[ 3 ] فهم اسراء ايمان . . . : مأسورون مشدودون له .

و الربقة : الحلقة من الحبل . و الزيغ : الميل عن الحق . و العدول : الميل . و الوني : الضعف و الفتور .

و المراد : بيان مواظبتهم على العبادة ، و انقطاعهم في طاعة ربهم .

[ 4 ] الاهاب : الجلد .

[ 5 ] حافد : مسرع .

[ 68 ]

و تزداد عزّة ربّهم في قلوبهم عظما .