( 89 ) و من خطبة له عليه السلام

أمّا بعد اّيها النّاس ، فأنا فقأت عين الفتنة [ 1 ] و لم تكن ليجرأ عليها أحد غيري بعد أن ماج غيهبها [ 2 ] و أشتدّ كلبها فاسألوني قبل أن

[ 1 ] فانا فقأت عين الفتنة : شققتها و قلعتها . و المراد : تغلبه عليها ، و انتصاره على الفئات التي قاتلها في عهد الرسالة الاول ، أو الحروب التي اثيرت بعد بيعته ، فقد كان في جميعها المنتصر ، و المحطّم لالوية الكفر و النفاق .

[ 2 ] ماج . . . القوم : اختلفت امورهم و اضطربت .

غيهبها : ظلمتها . و الكلب : داء يصيب الكلاب ، و من عضته يصاب به فيموت . و المراد : شدّة الفتنة و هلاك الناس بها .

[ 4 ]

تفقدوني [ 1 ] فو الّذي نفسي بيده لا تسألوني عن شي‏ء فيما بينكم و بين السّاعة ، و لا عن فئة تهدى مائة و تضلّ مائة إلاّ أنبأتكم بناعقها [ 2 ] و قائدها ، و سائقها ، و مناخ ركابها [ 3 ] ، و محطّ رحالها ، و من يقتل من أهلها قتلا ، و يموت منهم موتا ، و لو قد فقدتموني و نزلت بكم كرائه الأمور [ 4 ] و حوازب الخطوب لأطرق كثير من السّائلين ، و فشل كثير من المسئولين ، و ذلك إذا

[ 1 ] فاسألوني قبل ان تفقدوني : و هذه الكلمة من مختصاته عليه السّلام ، و في كتب التاريخ و السير ذكر بعض من قالها ، و سئل باسئلة بسيطة فعجز عنها و افتضح .

[ 2 ] ناعقها : الداعي اليها .

[ 3 ] مناخ ركابها ، و محط رحالها : مناخ الابل : موضع اناختها ( مبركها ) و المحط : النزول . و الرحال : مركب البعير ، و المراد : محل نزولهم . و المعنى : أنا عالم بسيرهم ، و محل نزولهم .

[ 4 ] كرائه الامور . . . : الأمور الكريهة . و حوازب : جمع حازب : الأمر الشديد . و خطوب : جمع خطب : الأمر الشديد الذي يكثر فيه التخاطب .

[ 5 ]

قلّصت [ 1 ] حربكم و شمّرت عن ساق ، و ضاقت الدّنيا عليكم ضيقا تستطيلون [ 2 ] معه أيّام البلاء عليكم حتّى يفتح اللّه لبقيّة الأبرار منكم . إنّ الفتن إذا أقبلت شبّهت [ 3 ] و إذا أدبرت نبّهت :

ينكرن مقبلات [ 4 ] ، و يعرفن مدبرات ، يحمن حول الرّياح [ 5 ] يصبن بلدا و يخطئن بلدا ، ألا

[ 1 ] قلصت . . . : تمادت و استمرت . و شمرت عن ساق :

رفعت الساتر عن ساقها . و المراد : اشتدادها .

[ 2 ] تستطيلون : تحبونها طويلة لما فيها من شدّة .

[ 3 ] اذا اقبلت شبهت . . . : يشتبه على الكثير من الناس وجه الحق ، و يلتبس عليه المخرج . و اذا دبرت نبهت :

تّتضح و تعلم هويتها بعد إنقضائها ، فيتنبه الناس لخطرها .

[ 4 ] ينكرن مقبلات . . . : لا يعرف حالهن و إبعادهن .

و يعرفن مدبرات : ينكشف أمرهن ، و تتضح نوايا القائمين عليها .

[ 5 ] يحمن حول الرياح . . . : حام الطائر حول الماء اذا دار و طاف لينزل عليه . يصبن بلدا . . . : إنّ القائمين بالفتن ، و المدبرين لها ، و المستفيدين منها ، يلحظون البلد الذي يمكنهم الاستفادة من أهله ، و زرع الفتن فيه فيسرعون إليه ، و ينجو من شرورهم بلدان كثيرة ، كما هو الحال في إنتشار أفكار و مبادى‏ء في بعض البلدان ،

و نجاة البعض من شرورها .

[ 6 ]

إنّ أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أميّة فإنّها فتنة عمياء مظلمة : عمّت خطّتها [ 1 ] و خصّت بليّتها ، و أصاب البلاء من أبصر فيها [ 2 ] و أخطأ البلاء من عمى عنها ، و ايم اللّه لتجدنّ بنى أميّة لكم أرباب [ 3 ] سوء بعدي كالنّاب الضّروس :

[ 1 ] عمت خطتها ، و خصت بليتها : الخطة : الحال و الامر ، و المعنى : شمل شرّها جميع المسلمين .

و خصت بليتها : قال الشيخ محمد عبده : و خصت بليتها آل البيت لانها اغتصاب لحقهم .

[ 2 ] و اصاب البلاء من ابصر فيها : ان شدّة البلاء تركز على أهل البصائر و الدين لقيامهم بالامر بالمعروف ، و النهي عن المنكر ، و تحدّي الظالمين ، و عدم التعاون معهم .

[ 3 ] ارباب . . . : جمع رب ، و يطلق على المالك و المنعم ، و المدبر و المربي . و المراد : ولايتهم ولاية سيئة . و الناب : الناقة المسنة . و الضروس : السيئة الخلق .

[ 7 ]

تعذم [ 1 ] بفيها ، و تخبط بيدها ، و تزبن برجلها ،

و تمتع درّها ، لا يزالون بكم حتّى لا يتركوا منكم إلاّ نافعا لهم أو غير ضائر بهم ، و لا يزال بلاؤهم حتّى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلاّ كانتصار العبد من ربّه [ 2 ] و الصّاحب من مستصحبه ترد عليكم فتنتهم شوهاء [ 3 ] مخشيّة و قطعا جاهليّة ليس فيها منار [ 4 ]

[ 1 ] تعذم . . . : تعض . و تخبط : تضرب . و تزبن :

تدفع . و درها : حليبها . و المراد : تشبيه ملكهم بهذه الناقة المجتمع ضررها و اذاها ، و لا يرجى خيرها .

[ 2 ] كانتصار العبد من ربه . . . : ان العبد لا يمكنه الانتصار لنفسه من سيده و مالكه ، و الصاحب : التابع الذي من شأنه الضعف و عدم الاستقلال بنفسه ممن يستصحبه .

و المراد : وصف جبروتيتهم و طغيانهم ، و يكفي في ذلك ما رواه المؤرخون من استفتاح الوليد بالقرآن الكريم و رميه بالسهام و هو يقول :

تهددني بجبار عنيد
انا ذاك جبار عنيد

اذا ما جئت ربك يوم حشر
فقل يا رب مزقني الوليد

 

( 3 ) شوهاء . . . : قبيحة المنظر . و مخشيّة : مخوّفة .

( 4 ) المنار : العلم الذي يهتدى به الى مسالك الطريق .

و المعنى : ليس فيها طريق للنجاة و السلامة لعمومها بالشر .

[ 8 ]

هدى ، و لا علم يرى نحن أهل البيت منها بمنجاة و لسنا فيها بدعاة ، ثمّ يفرّجها اللّه عنكم كتفريج الأديم [ 1 ] : بمن يسومهم خسفا [ 2 ] و يسوقهم عنفا ،

و يسقيهم بكأس مصبّرة لا يعطيهم إلاّ السّيف ، و لا يحلسهم [ 3 ] إلاّ الخوف ، فعند ذلك تودّ قريش ،

بالدّنيا و ما فيها ، لو يرونني مقاما واحدا ، و لو قدر جزر جزور [ 4 ] لأقبل منهم ما أطلب اليوم بعضه فلا يعطونني .

[ 1 ] كتفريج الاديم : مثل سلخ الجلد عن اللحم .

[ 2 ] يسومهم خسفا . . . : اولاهم ذلا ( جعلهم أذلاء ) و يسوقهم عنفا : يسير فيهم بعنف و شدة . و يسقيهم بكأس مصبرة : ممزوجة بالصبر : عصارة شجر مر .

و المراد : وصف ما يصيبهم من الذل و الشدّة .

[ 3 ] الحلس : كساء يوضع على ظهر البعير . و المراد :

يذيقهم و يلبسهم الخوف .

[ 4 ] قدر جزر جزور : مقدار الزمن الذي يذبح فيه البعير .

[ 9 ]