( 93 ) و من خطبة له عليه السلام

و لئن أمهل الظّالم فلن يفوت أخذه [ 1 ] و هو له بالمرصاد [ 2 ] على مجاز طريقه ، و بموضع الشّجى من مساغ ريقه . أما و الّذي نفسي بيده ليظهرن هؤلاء القوم عليكم ، ليس لأنّهم أولى بالحقّ منكم ، و لكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم

[ 1 ] و لئن أمهل الظالم فلن يفوت أخذه : أقتضت حكمته جلّ جلاله ان لا يعاجل الظالمين بالأخذ أختبارا و ابتلاء لهم و لغيرهم ، و افساح المجال لتوبتهم ، و هم و ان تمتعوا بالامهال و النضرة فلن يفلتوا من عذاب اللّه جلّ جلاله .

[ 2 ] و هو له بالمرصاد . . . : المرصاد : قنطرة على الصراط لا يجتازها ظالم . و الشجى : ما يعترض في الحلق من عظم و غيره . و مساغ الريق : ممر الحلق . و المعنى :

انه لو قدّر للظالم ان يسلم من الأخذ في الدنيا فانه لن يفوت في الآخرة ابدا .

[ 19 ]

و إبطائكم عن حقّي . و لقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها ، و أصبحت أخاف ظلم رعيّتي :

استنفرتكم [ 1 ] للجهاد فلم تنفروا ، و أسمعتكم فلم تسمعوا ، و دعوتكم سرّا و جهرا فلم تستجيبوا ، و نصحت لكم فلم تقبلوا . أشهود كغيّاب [ 2 ] و عبيد كأرباب ؟ ؟ أتلو عليكم الحكم فتنفرون منها ، و أعظكم بالموعظة البالغة فتتفرّقون عنها ، و أحثكم على جهاد أهل البغي [ 3 ] فما آتي على آخر القول حتّى أراكم

[ 1 ] الاستنفار : طلب الاسراع للجهاد .

[ 2 ] شهود كغيّاب . . . : شهود : حضور ، و المعنى : ان حضوركم و سماعكم كلامي بدون تنفيذ منكم لاوامري يجعلكم في حكم الغائبين . و عبيد كأرباب : المفروض طاعة المأموم للامام طاعة العبد لربه مالكه و لكنكم جعلتم انفسكم في مقام من يريد ان يأمر فيطاع .

[ 3 ] البغي : الظلم و مجاوزة الحد . و المراد بأهل البغي أهل الشام .

[ 20 ]

متفرّقين أيادي سبا [ 1 ] ترجعون إلى مجالسكم و تتخادعون عن مواعظكم [ 2 ] ، أقوّمكم غدوة [ 3 ] و ترجعون إليّ عشيّة كظهر الحيّة ، عجز المقوّم ،

و أعضل المقوّم . . [ 4 ] أيّها الشّاهدة أبدانهم ، الغائبة عقولهم ،

المختلفة أهواؤهم [ 5 ] ، المبتلى بهم أمراؤهم

[ 1 ] ايادى سبا : سبا : الابو الاعلى لقبائل اليمن ، فهم بعد غرق بساتينهم تفرّقوا في البلاد ، و ضرب بهم المثل في التفرّق .

[ 2 ] تتخادعون عن مواعظكم : ينسي بعضكم البعض المواعظ في الخوض في احاديث الدنيا فيكون بمنزلة المخادع له .

[ 3 ] اقوّمكم غدوة . . . : اصلحكم صباحا و ترجعون مساء الى سليقتكم المعوجّة .

[ 4 ] اعضل المقوّم : اعضل : استعصى . و المقوّم : من أريد تقويمه و ارجاعه لطريق الحق .

[ 5 ] اهواؤهم : ميولهم و شهواتهم .

[ 21 ]

صاحبكم يطيع اللّه و أنتم تعصونه ، و صاحب أهل الشّام يعصى اللّه و هم يطيعونه لوددت و اللّه أنّ معاوية صارفني بكم صرف الدّينار بالدّرهم ،

فأخذ منّي عشرة منكم ، و أعطاني رجلا منهم .

يا أهل الكوفة ، منيت [ 1 ] بكم بثلاث و اثنتين : صمّ ذوو أسماع ، و بكم ذوو كلام ،

و عمي ذوو أبصار ، لا أحرار صدق عند اللّقاء [ 2 ] ، و لا إخوان ثقة عند البلاء .

تربت أيديكم [ 3 ] يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها

[ 1 ] منيت . . . : أبتليت . و الابكم : العاجز عن الكلام .

وصفهم بالصفات المتضادة لعدم أخذهم بالتعاليم و المواعظ ، فهم بمنزلة من لا يستفيد بحواسّه .

[ 2 ] لا احرار صدق عند اللقاء . . . : لعدم ثباتهم في الحرب ، شابهوا العبيد في الفرار من ميدان القتال . و لا اخوان ثقة عند البلاء : لستم ممن يوثق باخوتهم و تعاونهم عند البلاء .

[ 3 ] تربت ايديكم : دعاء عليهم بعدم اصابة الخير .

[ 22 ]

كلّما جمعت من جانب تفرّقت من جانب آخر ،

و اللّه لكأنّي بكم فيما إخال [ 1 ] أن لو حمس الوغى [ 2 ] ، و حمي الضّراب ، و قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج المرأة عن قبلها [ 3 ] و إنّي لعلى بيّنة من ربّي [ 4 ] ، و منهاج من نبيّي . و إنّي لعلى الطّريق الواضح ألقطه لقطا . انظروا أهل بيت نبيّكم فالزموا سمتهم [ 5 ] و اتّبعوا أثرهم ، فلن يخرجوكم

[ 1 ] أخال : أظن .

[ 2 ] حمس الوغى : أشتد القتال .

[ 3 ] أنفرجتم انفراج المرأة عن قبلها : حين الولادة . و قال الشراح : القصد من هذا التشبيه ليرجعوا الى الانفة و الحميّة .

[ 4 ] و اني لعلى بيّنة من ربي . . . : على يقين و حجّة .

القطه لقطا : اتتبعه و أميّزه عن طريق الضلال . و يلزم كل مسلم ان يقتدي بالامام عليه السلام في التقاط طريق النجاة و السلامة ، و ان يميّزه من بين طرق الضلال ليسلم .

[ 5 ] فالزموا سمتهم : اسلكوا طريقهم . و هذه دعوة منه صلوات اللّه عليه لجميع المسلمين بلزوم طريق أهل البيت عليهم السلام ، و اتباع منهجهم ، و اقتفاء آثارهم و التقيّد بمذهبهم .

[ 23 ]

من هدى ، و لن يعيدوكم في ردى [ 1 ] . فإن لبدوا [ 2 ] فالبدوا ، و إن نهضوا فانهضوا ، و لا تسبقوهم فتضلّوا ، و لا تتأخّروا عنهم فتهلكوا . لقد رأيت أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله ، فما أرى أحدا منكم يشبههم لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا [ 3 ] و قد باتوا سجّدا و قياما ، يراوحون بين جباههم و خدودهم [ 4 ] و يقفون على مثل الجمر [ 5 ]

[ 1 ] الردى : الضلال .

[ 2 ] فان لبدوا : قعدوا .

[ 3 ] الشعث : المغبر الرأس . و المراد : انهم في اتجاه انساهم حتى انفسهم ، و يروى عن ابي ذر الغفاري رضوان اللّه عليه و قد شكا عينيه ، و أشير عليه بالطبيب ، فاجاب اني في شغل عن ذلك ، و سئل عن شغله ، فقال : العظيمتان : الجنة و النار .

[ 4 ] يراوحون بين جباههم و خدودهم : يشير الى صلاتهم و دعائهم ، فبالصلاة يضعون جباههم على الارض ،

و بالدعاء و التذلل يضعون خدودهم عليها .

[ 5 ] يقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم : المراد قلقهم و خوفهم من ذكر المعاد ، و العرض على اللّه تعالى فيكون حالهم مثل الواقف على النار . و جاء في سيرة الامام الحسن عليه السلام : كان اذا ذكر الموت بكى ،

و اذا ذكر القبر بكى ، و اذا ذكر العرض على اللّه تعالى شهق شهقة يغشى عليه منها .

[ 24 ]

من ذكر معادهم كأنّ بين أعينهم ركب المعزى [ 1 ] من طول سجودهم إذا ذكر اللّه هملت أعينهم [ 2 ] حتّى تبلّ جيوبهم ، و مادوا كما يميد الشّجر [ 3 ] يوم الرّيح العاصف ، خوفا من

[ 1 ] كأن بين اعينهم ركب المعزى : ان جباههم اسودت من كثرة سجودهم ، و صارت كركب المعزى ، و ثفنات البعير ، و من هذا لقّب الامام زين العابدين عليه السلام بذي الثفنات .

[ 2 ] هملت عيونهم . . . : سالت . حتى تبلّ جيوبهم :

جيب القميص : ما يدخل منه الرأس عند لبسه .

[ 3 ] مادوا كما يميد الشجر : اضطربوا و ارتعدوا اضطراب الشجر عند مهب الرياح .

[ 25 ]

العقاب ، و رجاء الثّواب .