( 95 ) و من خطبة له عليه السلام

نحمده على ما كان ، و نستعينه من أمرنا على

[ 1 ] و حتى تكون نصرة احدكم . . . : انهم قاهرون متسلطون عليكم ، و حالكم معهم كحال العبد من سيده في عدم الانتصار لنفسه ، و دفع الظلامة عنه .

[ 2 ] اعظمكم فيها عناء احسنكم باللّه ظنا : العناء : الشدّة .

و المعنى : ان شدة البلاء تنصب على المؤمنين لعدم مجاملتهم الظالمين ، و ابتعادهم عنهم ، و انكارهم عليهم .

[ 27 ]

ما يكون ، و نسأله المعافاة في الأديان [ 1 ] ، كما نسأله المعافاة في الأبدان .

عباد اللّه ، أوصيكم بالرّفض لهذه الدّنيا التّاركة لكم ، و إن لم تحبّوا تركها ، و المبلية لأجسامكم ، و إن كنتم تحبّون تجديدها . فإنّما مثلكم و مثلها كسفر سلكوا سبيلا [ 2 ] فكأنّهم قد قطعوه ، و أمّوا علما [ 3 ] فكأنّهم قد بلغوه ، و كم عسى المجرى إلى الغاية أن يجري إليها [ 4 ] حتّى

[ 1 ] نسأله المعافاة في الاديان : ان امراض الدين أشد فتكا ، و اصعب علاجا ، و أعسر شفاء من امراض البدن ، و جميع الاخلاق الرذيلة من بخل و حسد و سوء خلق و كذب و خيانة هي من الامراض الدينية ، بل ان جميع ما نهى اللّه جلّ جلاله عنه من الذنوب .

[ 2 ] كسفر سلكوا سبيلا : السفر : جماعة المسافرين .

و المعنى : أنتم في هذه الدنيا كمسافرين اتجهوا الى بلد سيصلونه قريبا .

[ 3 ] امّوا علما : قصدوا ناحية ( بلدا ) .

[ 4 ] و كم عسى المجري الى الغاية ان يجري اليها : و ما يؤمّل الراكب المتجه الى غاية إلاّ وصولها . و المراد :

انكم سائرون الى الموت ، و على و شك الوصول اليه .

[ 28 ]

يبلغها ، و ما عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه ؟ [ 1 ] و طالب حثيث يحدوه [ 2 ] في الدّنيا حتّى يفارقها ؟ فلا تنافسوا في عزّ الدّنيا [ 3 ] و فخرها ، و لا تعجبوا بزينتها و نعيمها ، و لا تجزعوا من ضرّائها [ 4 ] و بؤسها ، فإنّ عزّها و فخرها إلى انقطاع ، و إنّ زينتها و نعيمها إلى زوال ، و ضرّاءها و بوسها إلى نفاد [ 5 ] ، و كلّ مدّة

[ 1 ] لا يعدوه : لا يتعداه . لا يتجاوزه .

[ 2 ] و طالب حثيث يحدوه : الطالب : الموت . و يحدوه :

يسوقه .

[ 3 ] فلا تنافسوا في عز الدنيا : التنافس : بذل الجهد في سبيل التفوّق . و المراد : لا يكن اهتمامكم في التفوّق على غيركم بالمال و العقار ، بل اجعلوا اهتمامكم فيما يقربكم الى اللّه جلّ جلاله .

[ 4 ] الضراء . . . : الشدة . و البؤس : الشقاء و الفقر .

[ 5 ] نفاد : زوال .

[ 29 ]

فيها إلى انتهاء ، و كلّ حيّ فيها إلى فناء ، أ و ليس لكم في آثار الأوّلين مزدجر [ 1 ] و في آبائكم الماضين تبصرة و معتبر ، إن كنتم تعقلون ؟ أو لم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون ؟ و إلى الخلف الباقين لا يبقون ؟ أو لستم ترون أهل الدّنيا يصبحون و يمسون على أحوال شتّى : فميّت يبكى ، و آخر يعزّى ، و صريع مبتلى ، و عائد يعود ، و آخر بنفسه يجود [ 2 ] و طالب للدّنيا و الموت يطلبه ، و غافل و ليس بمغفول عنه ؟ ؟ و على أثر الماضي ما يمضي الباقي [ 3 ] .

[ 1 ] أو ليس لكم في آثار الاولين مزدجر : الانزجار : الارتداع و الاتعاظ . و المعنى : ان مخلفات الامم و آثارها لا سيما الامم المعذبة كقوم لوط و شعيب و صالح عظة لمن اتعظ و تدبّر .

[ 2 ] و آخر بنفسه يجود : يعاني سكرات الموت و شدائده .

[ 3 ] و على اثر الماضي ما يمضي الباقي : ان الاحياء في الدنيا سوف يلحقون بالماضين من اسلافهم .

[ 30 ]

ألا فاذكروا هادم اللّذّات ، و منغّص الشّهوات ، و قاطع الأمنيّات ، عند المساورة للأعمال القبيحة [ 1 ] و استعينوا اللّه على أداء واجب حقّه ، و ما لا يحصى من أعداد نعمه و إحسانه .