( 105 ) و من خطبة له عليه السلام

كلّ شي‏ء خاشع له [ 1 ] ، و كلّ شي‏ء قائم به :

غنى كلّ فقير ، و عزّ كلّ ذليل ، و قوّة كلّ صعيف ، و مفزع كلّ ملهوف [ 2 ] ، من تكلّم سمع نطقه ، و من سكت علم سرّه ، و من عاش فعليه رزقه ، و من مات فإليه منقلبه ، لم ترك العيون فتخبر عنك ، بل كنت قبل الواصفين من خلقك ، لم تخلق لوحشة ، و لا استعملتهم لمنفعة ، و لا يسبقك من طلبت [ 3 ] ، و لا يفلتك

[ 1 ] خاشع له . . . : خاضع . و قائم به : به قوام كل شي‏ء ، و يتدبيره بقاء الاشياء .

[ 2 ] مفزع كل ملهوف : ملجأ كل مستغيث .

[ 3 ] لا يسبقك من طلبت . . . : لا يفوتك من تريد أخذه ،

فالجميع في سلطانك ، و لا يستطيع التخلّص و الهرب من أخذته .

[ 75 ]

من أخذت ، و لا ينقص سلطانك من عصاك ، و لا يزيد في ملكك من أطاعك ، و لا يردّ أمرك من سخط قضاءك ، و لا يستغني عنك [ 1 ] من تولّى عن أمرك ، كلّ سرّ عندك علانية [ 2 ] ، و كلّ غيب عندك شهادة ، أنت الأبد لا أمد لك [ 3 ] ، و أنت المنتهى لا محيص عنك [ 4 ] ، و أنت الموعد لا منجا منك إلاّ إليك [ 5 ] ، بيدك ناصية كلّ

[ 1 ] و لا يستغني عنك من تولّى عن امرك : تولّى : اعرض و ابتعد . و المعنى : ان المعرض عنك يرجع اليك عند الشدّة ، و يتوسّل بك عند النكبة فَاذَا ركبُوا في الفُلكِ دعوا اللَّهَ مخلِصِينَ لَهُ الدينَ فَلَمَّا نجهُم إلى البَرِّ اذا هم يُشركُونَ 29 : 65 .

[ 2 ] كل سر عندك علانية . . . : كل ما كتمه العبد فأنت مطلع عليه . و كل غيب عندك شهادة : و كل غائب و مستتر تعلم حاله ، و تشاهد تقلباته .

[ 3 ] أنت الابد لا امد لك : أنت الدائم فلا نهاية لك .

[ 4 ] و أنت المنتهى لا محيص عنك : الى حكمك ينتهي الخلائق ، و لا مفرّ لهم من ذلك .

[ 5 ] أنت الموعد لا منجا منك إلاّ اليك : أنت النهاية التي ينتهى عندها الخلق ، و ليس لاحد ان يهرب منك إلاّ ان يكون هربه اليك فَفِرُّوا إِلى اللَّهِ اِنّي لكُم مِنهُ نذيرٌ مُبِينٌ 51 : 50 .

[ 76 ]

دابّة [ 1 ] ، و إليك مصير كلّ نسمة ، سبحانك ما أعظم ما نرى من خلقك [ 2 ] ، و ما أصغر عظيمه في جنب قدرتك ، و ما أهول ما نرى من ملكوتك [ 3 ] ، و ما أحقر ذلك فيما غاب عنّا من

[ 1 ] بيدك ناصية كل دابة : الناصية : الشعر المسترسل من مقدّم الرأس ، و المراد : ان جميع الخلق في حكمك و سلطانك ، و الى حكمك مصير الجميع .

[ 2 ] سبحانك ما أعظم ما نرى من خلقك . . . : تنزيها لك ان نقيس عظائم مخلوقاتك على سعة قدرتك ، فقدرتك غير متناهية .

[ 3 ] ما أهول ما نرى من ملكوتك . . . : ملكوتك : ملكك العظيم . و المعنى ما نراه من مخلوقاتك العظيمة كالارض و السماء و ما فيها من المجرات هي لا شي‏ء في القياس الى قدرتك و عظمتك . و كأنه عليه السلام يشير الى ما أكتشف اخيرا من سعة العوالم الكونية ، و ان بعض الكواكب أكبر من الشمس ملايين المرات ، و بيننا و بينها ملايين الكيلومترات ، بل ما تضيق عنه الارقام ،

حتى عبروا عن ذلك بالسنين الضوئية .

[ 77 ]

سلطانك ، و ما أسبغ [ 1 ] نعمك في الدّنيا ، و ما أصغرها في نعم الآخرة .

( منها ) من ملائكة أسكنتهم سمواتك ،

و رفعتهم عن أرضك ، هم أعلم خلقك بك .

و أخوفهم لك ، و أقربهم منك ، لم يسكنوا الأصلاب ، و لم يضمّنوا الأرحام ، و لم يخلقوا من ماء مهين [ 2 ] و لم يشعبهم ريب المنون [ 3 ]

[ 1 ] أسبغ . . . : أتمّ . و المراد : ان نعمك التي انعمت بها على عبادك ، و التي لا تعد و لا تحصى وَ انِ تعدُّوا نعمَتَ اللَّهِ لا تُحصُوهَا 14 : 34 هي لا شي‏ء بالقياس الى ما أعددته للمطيعين من عبادك و اوليائك .

[ 2 ] و لم يخلقوا من ماء مهين : هو النطفة ، و المعنى : انهم لم يمرّوا بالمراحل التكوينية التي يمر بها الانسان .

[ 3 ] و لم يشعبهم ريب المنون : التشعب : الاقتسام و التفريق . و المنون : الدهر . و الريب : احداثه التي تكره . و المراد : انهم في منجاة مما يتعرض له البشر .

[ 78 ]

و إنّهم على مكانهم منك ، و منزلتهم عندك ، و استجماع أهوائهم فيك ، و كثرة طاعتهم لك ، و قلّة غفلتهم عن أمرك لو عاينوا كنه ما خفى عليهم منك لحقروا أعمالهم ،

و لزروا على أنفسهم [ 1 ] ، و لعرفوا أنّهم لم يعبدوك حقّ عبادتك ، و لم يطيعوك حقّ طاعتك .

سبحانك خالقا و معبودا : بحسن بلائك عند خلقك [ 2 ] خلقت دارا ، و جعلت فيها مأدبة [ 3 ] :

مشربا ، و مطعما ، و أزواجا ، و خدما ، و قصورا ،

[ 1 ] و لزروا على انفسهم : لعابوا انفسهم . و المراد : انهم على كثرة عبادتهم و طاعتهم لو ازدادوا معرفة بعظمتك لاستقلوا عبادتهم ، و وجدوها لا تليق بمقامك .

[ 2 ] بحسن بلائك عند خلقك خلقت دارا : البلاء :

الامتحان . و المراد : لاجل اختبارهم خلقت الدار الآخرة و نعيمها ليتسابقوا اليها فيفوز السابقون .

[ 3 ] مأدبة : الطعام المعد للمدعوين ، و المراد به نعيم الجنة .

[ 79 ]

و أنهارا ، و زروعا ، و ثمارا ، ثمّ أرسلت داعيا [ 1 ] يدعو إليها ، فلا الدّاعي أجابوا ، و لا فيما رغبت إليه رغبوا ، و إلى ما شوّقت إليه اشتاقوا أقبلوا على جيفة افتضحوا بأكلها ، و اصطلحوا [ 2 ] على حبّها ، و من عشق شيئا أعشى بصره [ 3 ] و أمرض قلبه ، فهو ينظر بعين غير صحيحة ، و يسمع بأذن غير سميعة ، قد خرقت [ 4 ] الشّهوات عقله ، و أماتت الدّنيا قلبه ، و ولهت عليها نفسه [ 5 ] فهو عبد لها ، و لمن في يده شي‏ء

[ 1 ] ثم ارسلت داعيا : هو الرسول الاعظم صلى اللّه عليه و آله و سلم .

[ 2 ] اصطلحوا : اتفقوا .

[ 3 ] اعشى بصره : اعماه . و المراد : ان العاشق للشي‏ء يعمى عن معائبه ، و كذلك عشّاق الدنيا نسوا اضمحلالها ، و الاستعداد لغيرها .

[ 4 ] خرقت : مزّقت . و المراد : ان الشهوات تجعل العقل كالثوب الممزّق الذي لا ينتفع به .

[ 5 ] و ولهت عليها نفسه : الوله : التحيّر في الوجد و المحبّة و المراد : بلغ حبّه النهاية ، فهو لا يرى في الوجود غيرها .

[ 80 ]

منها : حيثما زالت [ 1 ] زال إليها ، و حيثما أقبلت أقبل عليها ، و لا يزدجر [ 2 ] من اللّه بزاجر ، و لا يتّعظ منه بواعظ ، و هو يرى المأخوذين على الغرّة [ 3 ] حيث لا إقالة و لا . رجعة كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون ، و جاءهم من فراق الدّنيا ما كانوا يأمنون ، و قدموا من الآخرة على ما كانوا يوعدون ، فغير موصوف ما نزل بهم ، اجتمعت عليهم سكرة الموت و حسرة الفوت [ 4 ] ، ففترت

[ 1 ] زالت : مالت .

[ 2 ] و لا يزدجر . . . : و لا يمتنع . و المراد : لا يتعظ بما وعظ اللّه جلّ جلاله في كتابه ، و بما ورد عن رسوله صلى اللّه عليه و آله ، في النهي عن الاهتمام للدنيا .

[ 3 ] و هو يرى المأخوذين على غرّة . . . : بغتة و فجأة . حيث لا أقالة : لم يتجاوز اللّه سبحانه عن سيئاتهم . و لا رجعة : لم يتمكنوا من الرجوع الى الدنيا لاصلاح ما أفسدوه .

[ 4 ] حسرة الفوت : على ما فاتهم من صالح الاعمال .

[ 81 ]

لها أطرافهم ، و تغيّرت لها ألوانهم ، ثمّ ازداد الموت فيهم ولوجا [ 1 ] فحيل بين أحدهم و بين منطقه ، و إنّه لبين أهله ينظر ببصره ، و يسمع بأذنه على صحّة من عقله ، و بقاء من لبّه يفكّر فيم أفنى عمره ، و فيم أذهب دهره ، و يتذكّر أموالا جمعها : أغمض في مطالبها [ 2 ] و أخذها من مصرّحاتها و مشتبهاتها [ 3 ] ، قد لزمته تبعات [ 4 ] جمعها ، و أشرف على فراقها : تبقى لمن وراءه ينعمون فيها ، و يتمتّعون بها ، فيكون المهنأ لغيره و العب‏ء [ 5 ] على ظهره . و المرء قد غلقت رهونه

[ 1 ] ولوجا : دخولا . و المراد : ازداد تأثير الموت في ابدانهم .

[ 2 ] اغمض في مطالبها : تساهل في جمعها ، و لم يميّز بين حلالها و حرامها .

[ 3 ] أخذها من مصرحاتها و مشتبهاتها : من طرق مشروعة و مشتبهة .

[ 4 ] قد لزمته تبعات : آثام ، ذنوب .

[ 5 ] العب‏ء : الحمل الثقيل .

[ 82 ]

بها [ 1 ] فهو يعضّ يده ندامة على ما أصحر [ 2 ] له عند الموت من أمره ، و يزهد فيما كان يرغب فيه أيّام عمره ، و يتمنّى أنّ الّذي كان يغبطه [ 3 ] بها و يحسده عليها قد حازها دونه فلم يزل الموت يبالغ في جسده حتّى خالط لسانه سمعه [ 4 ] ، فصار

[ 1 ] و المرء قد غلقت رهونه بها : استحقها المرتهن لعدم تمكّنه من تخليصها و فكّها . و المراد : تعذّر الخلاص مما هو فيه ، بينما كان قادرا على تدارك ذلك بالتوبة و العمل الصالح .

[ 2 ] اصحر : برز في الصحراء . و المراد : تنكشف له عند الموت الحقيقة فيندم أشدّ الندم .

[ 3 ] و يتمنى ان الذي كان يغبطه . . . : يودان دنياه التي كان محسودا عليها قد حصّل عليها من كان يحسده عليها .

ورد ان عبد الملك بن مروان رأى في ساعاته الاخيرة اجيرا يغسل الملابس ، فتمنى مكانه ، و لم يحصّل على الملك .

[ 4 ] خالط لسانه سمعه : توقّفا معا ، فهو لا يستطيع النطق و لا يسمع .

[ 83 ]

بين أهله لا ينطق بلسانه ، و لا يسمع بسمعه : يردّد طرفه بالنّظر في وجوههم يرى حركات ألسنتهم ،

و لا يسمع رجع كلامهم [ 1 ] . ثمّ ازداد الموت التياطا به [ 2 ] فقبض بصره كما قبض سمعه ،

و خرجت الرّوح من جسده فصار جيفة بين أهله قد أوحشوا من جانبه ، و تباعدوا من قربه ، لا يسعد [ 3 ] باكيا ، و لا يجيب داعيا . ثمّ حملوه إلى محطّ في الأرض [ 4 ] ، و أسلموه فيه إلى عمله ،

و انقطعوا عن زورته [ 5 ] حتّى إذا بلغ الكتاب أجله ، و الأمر مقاديره ، و ألحق آخر الخلق بأوّله ،

و جاء من أمر اللّه ما يريده : من تجديد خلقه ،

[ 1 ] و لا يسمع رجع كلامهم : ما يتداولون به من الكلام .

[ 2 ] التياطا به : التصاقا .

[ 3 ] لا يسعد : لا يعين .

[ 4 ] محطّ في الارض : هو القبر .

[ 5 ] و انقطعوا عن زورته : عن زيارته .

[ 84 ]

أماد السّماء [ 1 ] و فطرها ، و أرجّ الأرض و أرجفها ،

و قلع جبالها و نسفها ، و دكّ بعضها بعضا من هيبة جلالته ، و مخوف سطوته ، و أخرج من فيها فجدّدهم بعد أخلاقهم [ 2 ] و جمعهم بعد تفرّقهم ،

ثمّ ميّزهم لما يريد من مسألتهم عن خفايا الأعمال ، و خبايا الأفعال [ 3 ] ، و جعلهم فريقين :

أنعم على هؤلاء ، و انتقم من هؤلاء : فأمّا أهل طاعته فأثابهم بجواره ، و خلّدهم في داره ، حيث لا يظعن النّزّال [ 4 ] ، و لا تتغيّر بهم الحال ، و لا

[ 1 ] أماد السماء : . . حرّكها . فطرها :

شقّها . و أرجّ الارض : زلزلها إذَا زُلزِلتِ الأرضُ زلزَالَهَا ، وَ أخرجتِ الارضُ أَثقَالَهَا 99 : 2 .

و الرجفة : الزلزلة الشديدة يَومَ تُرجفُ الراجِفَةُ 79 : 6 .

[ 2 ] فجّددهم بعد أخلاقهم : أحياهم بعد إنّ أبلتهم الأرض و صاروا رميما .

[ 3 ] و خبايا الأفعال : ما أستتروا به من أفعالهم .

[ 4 ] حيث لا يظعن النزال : لا يخرجون منها مَثَلُ الجَنَّةِ الّتي وَُعِدَ المتَّقُونَ تَجري مِن تحتِهَا الأنْهَارُ أكُلُهَا دائمٌ و ظِلُّهَا تِلكَ عُقْبَى الذِينَ اتَّقَوا وَ عقبى الكافرينَ النَّارُ 13 : 35 .

[ 85 ]

تنوبهم الأفزاع [ 1 ] و لا تنالهم الأسقام ، و لا تعرض لهم الأخطار ، و لا تشخصهم [ 2 ] الأسفار . و أمّا أهل المعصية فأنزلهم شرّ دار ، و غلّ الأيدي إلى الأعناق ، و قرن النّواصي [ 3 ] بالأقدام ، و ألبسهم سرابيل القطران [ 4 ] و مقطّعات النّيران [ 5 ] في عذاب

[ 1 ] لا تنوبهم الافزاع : لا يصيبهم خوف .

[ 2 ] و لا تشخصهم : و لا تزعجهم .

[ 3 ] النواصي . . جمع ناصية : الشعر المسترسل من مقدّم الرأس ، جمع بالاقدام تنكيلا لهم ، و زيادة في التعذيب يُعرفُ المجرِمُونَ بسيماهم فيُؤْخَذُ بالنَّواصي وَ الاقدامِ 55 : 41 .

[ 4 ] و البسهم سرابيل القطران : سرابيل : جمع سربال :

القميص . قطران : نحاس مذاب في منتهى الحرارة سََرَابيلُهُم مِنْ قِطرَانٍ وَ تَغْشَى‏ وُجُوهَهُمُ النَّارُ 14 : 50 .

[ 5 ] مقطعات النيّران : ثياب قصار .

[ 86 ]

قد اشتدّ حرّه و باب قد أطبق على أهله [ 1 ] في نار لها كلب و لجب [ 2 ] و لهب ساطع ، و قصيف هائل [ 3 ] ، لا يظعن مقيمها ، و لا يفادى أسيرها [ 4 ] ، و لا تفصم كبولها [ 5 ] لا مدّة للدّار فتفنى [ 6 ] ، و لا أجل للقوم فيقضى .

[ 1 ] أطبق على أهله : بعد اجتماعهم فيها تغلق عليهم أبوابها ، فيزيدهم الاياس من الخروج الما .

[ 2 ] لها كلب . . . : شدّة . و لجب : صوت مرتفع و المراد : بيان شدّتها و اشتعالها .

[ 3 ] قصيف هائل : صوت شديد .

[ 4 ] و لا يفادى أسيرها : لا يمكنه أن يخرج مما هو فيه بمال و نحوه كما هو الحال في الاسارى .

[ 5 ] و لا تفصم . . . : و لا تنقطع . كبولها : قيودها .

و المراد : أنّهم في قيود و سلاسل لا تنزع عنهم .

[ 6 ] لا مدة للدار فتفنى . . : مخلّدون فيها لاَبثينَ فيهَا أَحقَاباً 78 : 23 قال المفسّرون : أحقابا لا إنقطاع لها ، كلما مضى حقب جاء بعده حقب آخر ، و الحقب ثمانون سنة من سني الآخرة .

[ 87 ]