( 110 ) و من خطبة له عليه السلام

الحمد للّه الواصل الحمد بالنّعم ، و النّعم

[ 1 ] قد تصافيتم : تواخيتم و اجتمعتم .

[ 2 ] اللعقة : الشي‏ء القليل يؤخذ من الاناء ، و المراد : قلّة دينهم .

[ 3 ] صنيع من قد فرغ من عمله . . . : انجز ما هو مطلوب منه .

و أحرز رضا سيّده : حصّل على رضاء مالكه . و المراد :

كأنّكم في اطمئنانكم اطمئنان من أدّى واجبه ، و أنجز عمله .

[ 9 ]

بالشّكر [ 1 ] . نحمده على آلائه ، كما نحمده على بلائه ، و نستعينه على هذه النّفوس البطاء عمّا أمرت به [ 2 ] السّراع إلى ما نهيت عنه ، و نستغفره ممّا أحاط به علمه ، و أحصاه كتابه : علم غير قاصر و كتاب غير مغادر [ 3 ] . و نؤمن به إيمان من عاين الغيوب [ 4 ] ، و وقف على الموعود : إيمانا نفى

[ 1 ] الواصل الحمد بالنعم . . . : الواجب على العبد أن يحمد اللّه عزّ و جلّ على نعمه . و النعم بالشكر : جعل الشكر سببا لدوام النعم و زيادتها لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذَابِي لَشَدِيدةٌ 14 : 7 .

[ 2 ] البطاء عما أمرت به : المتأخرة عن أداء ما كلّفت به .

[ 3 ] كتاب غير مغادر : لم يترك شيئا إلاّ أحصاه مَا لِهَذَا الْكِتاب لا يُغَادِرُ صَغيرَةً وَ لا كَبِيرةً إلاَّ أَحْصاها و وَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَ لا يَظلِمُ رَبُّكَ أَحَداً 18 : 49 .

[ 4 ] عاين الغيوب . . . : تيقن بما غاب عنه من عوالم الآخرة .

و وقف على الموعود : كأنّه اطلع الى ما فيها من نعيم و عذاب .

[ 10 ]

إخلاصه الشّرك ، و يقينه الشّكّ . و نشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، و أنّ محمّدا عبده و رسوله ، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، شهادتين تصعدان القول ، و ترفعان العمل : لا يخفّ ميزان توضعان فيه ، و لا يثقل ميزان ترفعان عنه .

أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه الّتي هي الزّاد ،

و بها المعاد ، زاد مبلّغ ، و معاد منجح [ 1 ] ، دعا إليها أسمع داع ، و وعاها خير واع [ 2 ] فأسمع

[ 1 ] أوصيكم . . بتقوى اللّه . . . : امتثال أوامره ، و اجتناب ما نهى عنه . و هي الزاد : لسفركم الطويل وَ تَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقوى وَ اتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلبَابِ 2 : 197 . و بها المعاد : فيها الكفاية لشدائد المعاد . زاد مبلغ : موصل الى الجنة . و معاد منجح : متيقّن بها النجاح في يوم القيامة .

[ 2 ] دعا إليها اسمع داع . . . : أحسن الداعين الى اللّه تعالى و أفضلهم ، و هو الرسول الأعظم ( صلّى اللّه عليه و آله ) و وعاها خير واع : تفهّم هذه الدعوة و استجاب إليها خيار الناس و أفاضلهم .

[ 11 ]

داعيها ، و فاز واعيها [ 1 ] .

عباد اللّه ، إنّ تقوى اللّه حمت أولياء اللّه محارمه [ 2 ] ، و ألزمت قلوبهم مخافته حتّى أسهرت لياليهم ، و أظمأت هواجرهم [ 3 ] فأخذوا الرّاحة بالنّصب [ 4 ] و الرّيّ بالظّمأ [ 5 ] ، و استقربوا الأجل [ 6 ] ،

[ 1 ] فاسمع داعيها . . . : بلّغها لأمّته . و فاز واعيها : نجح من فهمها و استجاب لها بالعمل الصالح .

[ 2 ] ان تقوى اللّه حمت أولياء اللّه محارمه : حمى الشي‏ء :

منعه . و المعنى : ان التقوى منعتهم من ارتكاب المحارم .

[ 3 ] اظمأت هواجرهم : الهواجر : جمع هاجرة ، نصف النهار ،

عند اشتداد الحرّ ، و المراد : صيامهم في الأيام الحارّة .

[ 4 ] فأخذوا الراحة بالنصب : النصب : التعب ، و المعنى : أن تعبهم وجدهم في أمر اللّه تعالى أورثهم الراحة في الآخرة .

[ 5 ] و الريّ بالظمأ : ان ظمأهم صومهم حصّلوا به الري :

شربهم من الكوثر و غيره من أنهار الجنّة ، في دار الخلود .

[ 6 ] استقربوا الأجل : الأجل : الموت . المعنى : جعلوا الموت نصب أعينهم فاستعدّوا له .

[ 12 ]

فبادروا العمل ، و كذّبوا الأمل ، فلا حظوا الأجل .

ثمّ إنّ الدّنيا دار فناء و عناء ، و غير و عبر : فمن الفناء أنّ الدّهر موتّر قوسه [ 1 ] لا تخطى‏ء سهامه ،

و لا تؤسى جراحه [ 2 ] يرمي الحيّ بالموت و الصّحيح بالسّقم ، و النّاجي بالعطب [ 3 ] ، آكل لا يشبع ، و شارب لا ينقع ، و من العناء أنّ المرء يجمع ما لا يأكل ، و يبني ما لا يسكن ، ثمّ يخرج إلى اللّه لا مالا حمل ، و لا بناء نقل ، و من غيرها [ 4 ] أنّك ترى المرحوم مغبوطا [ 5 ] ، و المغبوط

[ 1 ] موتر قوسه : شدّ فيها سهامه استعدادا للضرب .

[ 2 ] و لا توسى جراحه : لا تداوى .

[ 3 ] العطب : الهلاك .

[ 4 ] غيرها : تقلّبها .

[ 5 ] ترى المرحوم مغبوطا ، و المغبوط مرحوما : المغبوط :

صاحب النعمة التي يتمنّاها الآخرون . و المراد : أن الدنيا سريعة التقلب بأهلها ، فترى من كنت ترحمه لفقره وفاقته أصبح في ليلة وضحاها مغبوطا ، و من كان فيها منعّما مغبوطا صار مرحوما فقيرا .

[ 13 ]

مرحوما ، ليس ذلك إلاّ نعيما زلّ [ 1 ] و بؤسا نزل ،

و من عبرها أنّ المرء يشرف على أمله ، فيقطعه حضور أجله [ 2 ] ، فلا أمل يدرك ، و لا مؤمّل يترك [ 3 ] فسبحان اللّه [ 4 ] ما أغرّ سرورها ، و أظمأ ريّها ، و أضحى فيئها [ 5 ] ، لا جاء يردّ [ 6 ] و لا ماض

[ 1 ] زلّ : انتقل .

[ 2 ] و من عبرها أن المرء يشرف على أمله فيقطعه حضور أجله :

و من تقلباتها ان المرء يسعى جاهدا لتحقيق أمله حتى يكاد يبلغه فيأتيه الموت .

[ 3 ] فلا أمل يدرك ، و لا مؤمّل يترك : لا يحصل الأمل ، و لا يترك المؤمّل .

[ 4 ] فسبحان اللّه : تنزيها له .

[ 5 ] ما أغرّ سرورها . . . الغرور : الخداع ، و ذلك لعدم دوامه و اظمأ ريّها : هي مع روائها و بهجتها ، و التمكّن منها اظمأ ما تكون لأهلها ، لأنها تؤدّي بهم الى النار . و أضحى فيئها :

أضحى : برز للشمس . و فيئها : نعيمها و احراز الكثير منها .

و المراد : أن فيئها يؤدّي الى شدّة الحرارة و هي النار .

[ 6 ] لا جاء يرد ، و لا ماض يرتدّ : الجائي : الموت ، و الماضي :

الميت . و المراد : لا تستطيع ردّ الموت ، و لا إعادة الميّت .

[ 14 ]

يرتدّ فسبحان اللّه ما أقرب الحيّ من الميّت للحاقه به ، و أبعد الميّت من الحيّ لانقطاعه عنه .

إنّه ليس شي‏ء بشرّ من الشّرّ إلاّ عقابه ، و ليس شي‏ء بخير من الخير إلاّ ثوابه ، و كلّ شي‏ء من الدّنيا سماعه أعظم من عيانه ، و كلّ شي‏ء من الآخرة عيانه أعظم من سماعه [ 1 ] ، فليكفكم من العيان السّماع ، و من الغيب الخبر ، و اعلموا أنّ

[ 1 ] عيانه أعظم من سماعه : ان الجنّة و النار ، و بقية أمور الآخرة ، واقعها أعظم و أكبر مما وصفت .

[ 15 ]

ما نقص من الدّنيا و زاد في الآخرة خير ممّا نقص في الآخرة و زاد في الدّنيا ، فكم من منقوص رابح ، و مزيد خاسر . إنّ الّذي أمرتم به أوسع من الّذي نهيتم عنه [ 1 ] ، و ما أحلّ لكم أكثر ممّا حرّم عليكم ، فذروا ما قلّ لما كثر ، و ما ضاق لما اتّسع ، قد تكفّل لكم بالرّزق ، و أمرتم بالعمل ،

فلا يكوننّ المضمون لكم طلبه أولى بكم من

[ 1 ] ان الذي أمرتم به أوسع من الذي نهيتم عنه . . . : ان مجالات الحلال في المكاسب و غيرها أوسع بكثير من المحرمات . و ما أحلّ لكم أكثر مما حرّم عليكم : ان ما أحلّه اللّه تعالى لعباده من المطعوم و المشروب و الملبوس أكثر مما حرّمه عليهم قُلْ لا أجِدُ فِي ما أُوحِىَ إليَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطعَمُهُ إلاّ أن يَكُونَ مَيتَةً أَو دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْم خِنزيرٍ فإنَّهُ رِجس أو فِسقاً أُهلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ 6 : 145 .

فالحذر من مخادعة الشيطان الى تناول المحرّمات .

[ 16 ]

المفروض عليكم عمله [ 1 ] ، مع أنّه ، و اللّه ، لقد اعترض الشّكّ ، و دخل اليقين [ 2 ] حتّى كأنّ الّذي ضمن لكم قد فرض عليكم [ 3 ] ، و كأنّ الّذي قد فرض عليكم‏قد وضع عنكم فبادروا العمل ،

[ 1 ] فلا يكنن المضمون لكم طلبه أولى بكم من المفروض عليكم عمله : لا يكون الرزق الذي ضمنه اللّه تعالى لكم وَ فِي السَّماءِ رزقُكُمْ وَ مَا تُوعَدُونَ 51 : 22 ، و تعهد بإيصاله إليكم ، أهمّ عندكم من الفرائض التي فرضها عليكم و أمركم بأدائها .

[ 2 ] اعترض الشكّ و دخل اليقين : تسرّب الشكّ للإنسان في تعهد اللّه تعالى له بالرزق ، و صار يتصور أن كثرة السعي هي التي تأتي به ، فبلغ الغاية في الطلب ، كما أن شكوكه مشت الى بعض ما كلفه اللّه تعالى به ، فهو في نظره غير مستطيع الحج ، و لا متمكّن من الصوم ، و ليس عليه أمر بمعروف . . .

[ 3 ] حتى كأن الذي ضمن لكم الخ : انقلبت الموازين عندكم ،

فصار طلبكم و اهتمامكم للرزق الذي تعهّد لكم به ،

و تكاسلتم عن عمل الآخرة فكأنّها ضمنت لكم ، و تعهد لكم بها .

[ 17 ]

و خافوا بغتة الأجل [ 1 ] ، فإنّه لا يرجى من رجعة العمر ما يرجى من رجعة الرّزق [ 2 ] ما فات من الرّزق رجي غدا زيادته ، و ما فات أمس من العمر لم يرج اليوم رجعته . الرّجاء مع الجائي ، و اليأس مع الماضي [ 3 ] فَاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَ لاَ تَمُوتُنَّ إلاَّ

[ 1 ] بغتة الأجل : مفاجأة الموت .

[ 2 ] فانّه لا يرجى من رجعة العمر ما يرجى من رجعة الرزق : ان ما يفوتكم من الأرزاق يمكن تعويضه ، أما العمر فانه يذهب فلا يعود ، و كما قال ( عليه السلام ) : أنفاس المرء خطاه الى أجله .

[ 3 ] الرجاء مع الجائي . . . : الجائي : هو الرزق ، و باب الرجاء مفتوح لزيادته .

فان ضاق رزق اليوم فاصبر الى غد
عسى نكبات الدهر عنك تزول

و الماضي : هو العمر ، فلا ترجى زيادته .

[ 18 ]

وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .