( 111 ) و من خطبة له عليه السلام في الإستسقاء

[ 1 ] اللّهمّ قد انصاحت جبالنا ، و اغبرّت أرضنا ،

و هامت دوابّنا ، و تحيّرت في مرابضها ، و عجّت عجيج الثّكالى على أولادها ، و ملّت التّردّد في مراتعها ، و الحنين إلى مواردها . اللّهمّ فارحم أنين الآنّة ، و حنين الحانّة [ 2 ] . اللّهمّ فارحم

[ 1 ] الاستسقاء : هو الدعاء و الطلب منه تعالى انزال المطر .

[ 2 ] هامت دوابنا . . . : عطشت و تحيّرت . مراتعها : مكانها المعد لغذائها و استقرارها . و عجت : رفعت أصواتها بالبكاء . و الثكالى جمع ثاكل : الفاقد للأحبة . و انّ المريض : تأوّه . و حنين الناقة : ترجيع صوتها أثر ولدها .

[ 19 ]

حيرتها في مذاهبها ، و أنينها في موالجها [ 1 ] اللّهمّ خرجنا إليك حين اعتكرت [ 2 ] علينا حدابير السّنين ، و أخلفتنا مخايل الجود [ 3 ] ، فكنت الرّجاء للمبتئس و البلاغ للملتمس [ 4 ] : ندعوك حين قنط الأنام ، و منع الغمام ، و هلك السّوام [ 5 ] أن لا تؤاخذنا بأعمالنا ، و لا تأخذنا بذنوبنا ، و انشر علينا

[ 1 ] مذاهبها . . . : مسالكها ( طرقها ) . و موالجها مداخلها في المرابض .

[ 2 ] اعتكرت : تكررت .

[ 3 ] أخلفتنا . . . : لم تف لنا . و مخائل الجود : هي الغيوم و الرعد و غير ذلك مما يرجى به المطر ، و المعنى : ان ما توقعناه من السحاب و الغيوم قد أخلف ظنّنا .

[ 4 ] المبتئس . . . : الذي مسّته البأساء . و البلاغ : الكفاية .

و الملتمس : الطالب .

[ 5 ] قنط . . . : يأس . و الانام : الناس . و السوام جمع سائمة : تطلق على الغنم و البقر و الابل .

[ 20 ]

رحمتك بالسّحاب المنبعق ، و الرّبيع المغدق و النّبات المونق [ 1 ] سحّا وابلا [ 2 ] تحيي به ما قد مات ، و تردّ به ما قد فات . اللّهمّ سقيا منك ،

محيية ، مروية ، تامّة ، عامّة ، طيّبة ، مباركة ،

هنيئة ، مريعة [ 3 ] زاكيا [ 4 ] نبتها ، ثامرا فرعها ، ناضرا ورقها ، تنعش بها الضّعيف من عبادك ، و تحيي بها الميت من بلادك . اللّهمّ سقيا منك تعشب بها نجادنا ، و تجري بها وهادنا ، و تخصب بها جنابنا و تقبل بها ثمارنا ، و تعيش بها مواشينا ، و تندى بها

[ 1 ] المنبعق . . . : المنفرج بالمطر . و المغدق : كثير الماء .

و المونق : المعجب .

[ 2 ] سحا . . . : صبّا . و الوابل : الشديد من المطر .

[ 3 ] مريعة : يحصل بها الخصب ( تنبت بها الأرض ) .

[ 4 ] زاكيا : ناميا .

[ 21 ]

أقاصينا ، و تستعين بها ضواحينا [ 1 ] من بركاتك الواسعة ، و عطاياك الجزيلة على بريّتك المرملة و وحشك المهملة [ 2 ] ، و أنزل علينا سماء مخضلة مدرارا هاطلة [ 3 ] ، يدافع الودق منها الودق ،

و يحفز القطر منها القطر [ 4 ] غير خلّب برقها [ 5 ] و لا

[ 1 ] النجاد . . . : ما ارتفع من الأرض . و الوهاد : ما انخفض منها . جنابنا : ناحيتنا ( الأراضي القريبة منّا ) أقاصينا :

الاراضي البعيدة منا . و الضاحية : الناحية الظاهرة خارج البلد .

[ 2 ] بريتك المرملة . . . : عبادك الفقراء . وحشك المهملة : ما لا يستأنس به من دواب البر .

[ 3 ] مخضلة . . . : اخضل الشي‏ء : أبتل . و المدرار : الكثير الدرّ ، و هطل المطر : تتابع متفرقا ، عظيم القطر .

[ 4 ] الودق . . . : المطر . و يحفز : يدفع . و القطر : المطر .

و المراد : نسألك أن تتابع علينا المطر .

[ 5 ] الخلب : السحاب يومض برقه حتى يرجى مطره ، ثم يخلف و ينقشع .

[ 22 ]

جهام [ 1 ] عارضها و لا قزع ربابها ، و لا شقّان ذهابها حتّى يخصب لإمراعها المجدبون [ 2 ] ،

و يحيا ببركتها المسنتون ، فإنّك تنزل الغيث بعد ما قنطوا ، و تنشر رحمتك و أنت الوليّ الحميد . قال الشريف : قوله ( عليه السلام ) « انصاحت جبالنا » أي : تشققت من المحول ،

يقال : انصاح الثوب ، إذا انشقّ . و يقال أيضا انصاح النبت و صاح و صوّح إذا جفّ و يبس . و قوله « و هامت دوابنا » أي : عطشت ، و الهيام :

[ 1 ] الجهام . . . : السحاب الذي لا مطر فيه . و العارض :

السحاب الذي يعترض في أفق السماء .

[ 2 ] يخصب لامراعها المجدبون : مرع الوادي : أخصب بكثرة المطر . و المجدبون : الذين أجدبت يبست أرضهم لاحتباس الماء عنها . و المسنتون : الذين أصابتهم شدّة السنة .

[ 23 ]

العطش و قوله « حدابير السنين » جمع حدبار :

و هي الناقة التي أنضاها السير فشبه بها السنة التي فشا فيها الجدب ، قال ذو الرمّة :

حدابير ما تنفكّ إلاّ مناخة
على الحسف أو نرمي بها بلدا قفرا

و قوله « و لا قزع ربابها » : القزع : القطع الصغار المتفرقة من السحاب ، و قوله « و لا شفان ذهابها » فإن تقديره : و لا ذات شفان ذهابها ،

و الشفان : الريح الباردة ، و الذهاب : الأمطار اللينة ، فحذف « ذات » العلم السامع به .