( 117 ) و من كلام له عليه السلام

و قد قام إليه رجل من أصحابه فقال : نهيتنا عن الحكومة [ 1 ] ثم أمرتنا بها ، فلم ندر أي الأمرين أرشد ؟ فصفق ( عليه السلام ) إحدى يديه على الاخرى ثم قال :

هذا جزاء من ترك العقدة [ 2 ] أما و اللّه لو أنّي

[ 1 ] الحكومة : المراد بذلك التحكيم الذي فرض على الامام ( عليه السلام ) في وقعة صفّين .

[ 2 ] ترك العقدة : المراد بذلك العزم و التصميم على الحرب حتى النصر .

[ 37 ]

حين أمرتكم بما أمرتكم به حملتكم على المكروه [ 1 ] الّذي يجعل اللّه فيه خيرا : فإن استقمتم هديتكم ، و إن اعوججتم قوّمتكم ، و إن أبيتم تداركتكم ، لكانت الوثقى [ 2 ] ، و لكن بمن ؟

و إلى من ؟ أريد أن أداوى بكم و أنتم دائي ،

[ 1 ] حملتكم على المكروه : الحرب كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَ هُوَ كُرهٌ لَكُمْ وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لكُم 2 : 216 .

[ 2 ] أعوججتم . . . ملتم و انحرفتم عن الطريق المستقيم .

قومتكم : أرجعتكم إليه و ألزمتكم إياه . و تداركتكم : بما يلزم من المصالح . و الوثقى : الطريق السديد . و المراد :

الاشارة الى الأخذ بالشدّة ، و هو النهج الدولي خصوصا في ساحات الحرب ، فليس لعسكري مهما علت رتبته أن يعترض الخطّة العسكرية أو يناقش فيها ، و هذا المبدأ و ان كان به صلاح الجيش و لكن ينافي الخلق الذي تخلّق به الامام ( عليه السلام ) ، و السيرة المثالية التي كان يسير عليها ، و هو القائل : قد يرى الحوّل القلّب وجه الحيلة و دونها حاجز من تقوى اللّه .

[ 38 ]

كناقش الشّوكة بالشّوكة ، و هو يعلم أن ضلعها معها [ 1 ] .

اللّهمّ قد ملّت أطبّاء هذا الدّاء الدّويّ [ 2 ] و كلّت النّزعة بأشطان الرّكيّ [ 3 ] أين القوم الّذين

[ 1 ] أريد أن أداوي بكم و أنتم دائي : جئت بكم لاصلاح أهل الشام ، و ارجاعهم الى طريق الهدى و أنتم بحاجة الى إصلاح . و الشوكة : هي العود الشائك الذي يدخل الجسم .

و ناقش الشوكة بالشوكة : هو الذي يحاول استخراجها بشوكة أخرى . و ضلعها معها : إشارة الى المشابهة بينهما ، و انها تنكسر داخل الجسم أيضا ، و المعنى : أنا أستعين بكم على إصلاح قوم مع التشابه بينكم و بينهم في الفساد .

[ 2 ] أطباء . . . : علاج . و الداء الدوي : المرض المؤلم ،

و المراد بالطبيب نفسه كما أشار الى ذلك في مواضع أخرى .

و المراد بالمرض هو مرض النفوس و جهلها ، و هو أعسر في العلاج ، و أبعد في الشفاء .

[ 3 ] كلت . . . : ضعفت . و النزعة جمع نازع : الذي يستقي الماء . و الاشطان جمع شطن : الحبل . و الركى جمع ركي البئر . و المراد : بيان معاناته في اصلاحهم ، و عدم تجاوبهم مما سبب له الكلل و الملل .

[ 39 ]

دعوا إلى الإسلام فقبلوه ؟ و قرأوا القرآن فأحكموه ، و هيّجوا إلى القتال فولهوا وله اللّقاح إلى أولادها [ 1 ] و سلبوا السّيوف أغمادها و أخذوا بأطراف الأرض [ 2 ] زحفا زحفا و صفّا صفّا ؟ بعض هلك و بعض نجا لا يبشّرون بالأحياء ، و لا يعزّون بالموتى [ 3 ] ، مره العيون من البكاء ، خمص البطون

[ 1 ] فأحكموه . . . : أذعنوا له ، و عملوا بموجبه . و هيّجوا الى القتال : دعوا للحرب . فولهوا به : اشتاقوا إليه . و اللقاح :

الناقة المرضعة . و المعنى : أنّهم استقبلوا الدعوة الى الجهاد بفرح يشبه فرح الناقة بولدها .

[ 2 ] اطراف الأرض . . . : جهاتها . و المراد : ساروا للجهاد شرقا و غربا ، جيوشا بعضها أثر بعض ، و قاتلوا العدوّ صفوفا كما وصفهم القرآن الكريم : إنَّ اللَّهَ يُحبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِه صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوسٌ 61 : 4 .

[ 3 ] يبشّرون بالأحياء ، و لا يعزون عن الموتى : فهم لشدة تعلّقهم بالجهاد ، و شوقهم إليه ، لا يفرحون لمن سلم منهم ، و لا يحزنون على من استشهد منهم .

[ 40 ]

من الصّيام ، ذبّل الشّفاه من الدّعاء [ 1 ] صفر الألوان من السّهر ، على وجوههم غبرة الخاشعين [ 2 ] ، أولئك إخواني الذّاهبون ، فحقّ لنا أن نظمأ إليهم [ 3 ] ، و نعضّ الأيدي على فراقهم .

إنّ الشّيطان يسنّي لكم طرقه [ 4 ] و يريد أن يحلّ دينكم عقدة عقدة ، و يعطيكم بالجماعة الفرقة [ 5 ]

[ 1 ] مره العيون . . . : فسدت أعينهم و ابيضّت من كثرة بكائهم خمص البطون : ضوامرها : قد هزلت أجسامهم ذبل الشفاه : فهم لكثرة أدعيتهم و إذكارهم جفّت شفاههم .

[ 2 ] غبرة الخاشعين : سيماء الصالحين ، و علامة المتّقين .

[ 3 ] نظمأ إليهم : نشتاق إليهم شوق الظمآن الى الماء .

[ 4 ] يسني : يسهّل .

[ 5 ] يحلّ دينكم عقدة عقدة . . . : يتدرّج بكم بالتطاول على الحرمات ، و ترك الواجبات ، حتى لا يبقي لكم شيئا من الدين . و يعطيكم بالجماعة الفرقة : يجعلكم تستبدلون بإلفتكم و اجتماعكم التشتّت و التباغض .

[ 41 ]

فاصدفوا عن نزغاته و نفثاته [ 1 ] ، و اقبلوا النّصيحة ممّن أهداها إليكم ، و اعقلوها على أنفسكم [ 2 ] .