( 120 ) و من كلام له عليه السلام في حثّ أصحابه على القتال

فقدّموا الدّارع ، و أخّروا الحاسر ، و عضّوا على الأضراس ، فإنّه أنبى للسّيوف عن الهام [ 1 ] و التووا في أطراف الرّماح فإنّه أمور للأسنّة [ 2 ] ،

و غضّوا الأبصار فإنّه أربط للجأش [ 3 ] ، و أسكن

[ 1 ] فقدّموا الدارع . . . : لابس الدرع ( ثوب من حلق الحديد يحمي المقاتل ) و الحاسر : الذي بلا درع . و نبا السيف :

كلّ و لم يقطع . و الهام : الرؤوس .

[ 2 ] التووا . . . : انعطفوا ( ميلوا ) . و المور : التحرك و الاضطراب . و الاسنة : الرماح . و المراد : الحركة الجانبيّة للمقاتل عند مجي‏ء الرمح لتفشل الطعنة و تخطى‏ء القصد .

[ 3 ] غضّ بصره : خفضه و كفّه و كسره ، أربط للجأش : أقوى للقلب . و المراد : ينبغي للمقاتل ان لا يمدّ بصره الى صفوف عدوّه فيرتاع لكثرتهم ، و يهوله جمعهم .

[ 49 ]

للقلوب ، و أميتوا الأصوات فإنّه أطرد للفشل [ 1 ] ،

و رايتكم فلا تميلوها ، و لا تخلّوها ، و لا تجعلوها إلاّ بأيدي شجعانكم و المانعين الذّمار منكم [ 2 ] فإنّ الصّابرين على نزول الحقائق ، هم الّذين يحفّون براياتهم ، و يكتنفونها : حفافيها [ 3 ] ، و وراءها ،

و أمامها ، لا يتأخّرون عنها فيسلموها ، و لا يتقدّمون عليها فيفردوها .

[ 1 ] أميتوا الأصوات . . الخ : قللوا الكلام فانه أدعى للنصر .

[ 2 ] راياتكم . . . : أعلامكم . فلا تميلوها : لا تعدلوا تبتعدوا عنها ، و الذمار : ما وراء الرجل مما يجب عليه حمايته .

[ 3 ] الحقائق . . . : جمع حاقة : الأمر الصعب الشديد الحَاقَّةُ . مَا الحَاقَّةُ 69 : 2 . و يحفّون : يحيطون .

و يكتنفون حفافيها : يلتزمون جانبيها .

[ 50 ]

أجزأ امرؤ قرنه و آسى أخاه بنفسه ، و لم يكل قرنه إلى أخيه فيجتمع عليه قرنه و قرن أخيه [ 1 ] .

و ايم اللّه لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلموا من سيف الآخرة [ 2 ] ، و أنتم لها ميم العرب و السّنام الأعظم [ 3 ] . إنّ في الفرار موجدة اللّه [ 4 ]

[ 1 ] أجزأ امرؤ قرنه . . . : كفى كل منكم خصمه . و آسى أخاه :

أعانه على عدوّه . و لم يكل قرنه الى أخيه : لا ينكل و ينهزم فيترك خصمه متفرغا لأخيه . فيجتمع عليه قرنه و قرن أخيه :

فيتفرغ عدوان على المجاهد فيقتلانه ، ثم يتفرغان له فيقتلانه أيضا ، و هذا من أنفس الكلام ، و أحثّه على الجهاد .

[ 2 ] لئن فررتم من سيف العاجلة . . . : القتل . لا تسلموا من سيف الآخرة : العذاب . و المعنى : ان الفار و ان تمتع بنفسه فانه عرّضها لعذاب طويل .

[ 3 ] و أنتم لهاميم العرب : . . . : ساداتهم . و السنام : المرتفع الذي يعلو ظهر البعير . و المراد تشبيههم بالعلوّ و الرفعة .

[ 4 ] موجدة اللّه : غضبه .

[ 51 ]

و الذّلّ اللاّزم ، و العار الباقي ، و إنّ الفارّ لغير مزيد في عمره ، و لا محجوز بينه و بين يومه [ 1 ] الرّائح إلى اللّه [ 2 ] كالظّمآن يرد الماء ، الجنّة تحت أطراف العوالي [ 3 ] ، اليوم تبلى الأخبار [ 4 ] ، و اللّه لأنا أشوق إلى لقائهم منهم إلى ديارهم [ 5 ] . اللّهمّ

[ 1 ] و لا محجوز بينه و بين يومه : ان فراره لا يزيد من عمره الذي كتبه اللّه تعالى في اللوح المحفوظ .

[ 2 ] الرائح الى اللّه : المراد به الشهيد ، و فرحه بالشهادة و ما أعدّ اللّه تعالى له فرح الظمآن بالماء فَرِحِينَ بِمَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يستَبشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلفِهِم ألاّ خَوْف عَلَيهِم وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ 3 : 170 .

[ 3 ] العوالي : الرماح . و المراد : ان أبواب الجنان مفتوحة للمجاهدين .

[ 4 ] اليوم تبلى الأخبار : اليوم تنكشف الأسرار ، و تتبيّن الحقائق ،

و يمتاز المؤمن من غيره ، و الراغب في الآخرة من الراغب في الدنيا .

[ 5 ] لأنّا أشوق الى لقائهم منهم الى ديارهم : ان شوقي و فرحي بالجهاد أكثر من شوق و فرح أعدائي بأولادهم و منازلهم .

[ 52 ]

فإن ردّوا الحقّ فافضض جماعتهم ، و شتّت كلمتهم ، و أبسلهم بخطاياهم [ 1 ] ، إنّهم لن يزولوا عن مواقفهم دون طعن دراك يخرج منه النّسيم ،

و ضرب يفلق الهام ، و يطيح العظام ، و يندر السّواعد و الأقدام [ 2 ] ، و حتّى يرموا بالمناسر تتبعها المناسر ، و يرجموا بالكتائب تقفوها الحلائب [ 3 ]

[ 1 ] فافضض جماعتهم . . . : فرقهم . ابسلهم بخطاياهم :

أهلكهم بذنوبهم .

[ 2 ] طعن دراك . . . : متدارك ( متتابع ) . و النسيم : الريح اللينة ، لا تحرّك شجرا ، و لا تعفّي أثرا . و المراد : الدعاء عليهم بالموت . و يفلق الهام : يشقق الرؤوس . و يندر السواعد و الاقدام : يسقطها .

[ 3 ] المنسر . . . : القطعة من الجيش تكون أمامه . و الكتيبة :

قطعة من الجيش بين المائة الى الألف . و الحلبة : جماعة من الفرسان تجتمع من كل جهة لنصرة اخوانهم .

و الخميس : الجيش لأنه مؤلّف من خمسة أقسام : الميمنة ،

و الميسرة ، و المقدّم ، و الساقة ، و القلب .

[ 53 ]

و حتّى يجرّ ببلادهم الخميس يتلوه الخميس ،

و حتّى تدعق الخيول في نواحر أرضهم و بأعنان مساربهم و مسارحهم [ 1 ] . قال الشريف : أقول : الدعق : الدق ،

أي : تدقّ الخيول بحوافرها أرضهم ، و نواحر أرضهم : متقابلاتها ، يقال : منازل بني فلان تتناحر ، أي : تتقابل .