( 121 ) و من كلام له عليه السلام في التحكيم [ 2 ]

إنّا لم نحكّم الرّجال ، و إنّما حكّمنا القرآن ،

[ 1 ] بأعنان مساربهم : جهات مراعيهم .

[ 2 ] التحكيم : لمّا لاحت بالافق علائم النصر لجيش الامام ( عليه السلام ) ، و همّ معاوية أن ينهزم ، جاءه ابن العاص بمكيدة رفع المصاحف على الرماح ، يطلبون أن يكون الكتاب حكما فيما بينهم ، و أبي الإمام ( عليه السلام ) ذلك معرفة منه باللعبة ، و لكن جيشه أصرّ على القبول ، و إيقاف الحرب ،

و انتخبوا أبا موسى الأشعري ممثلا عنهم خلافا لرغبة الامام ( عليه السلام ) ، و انتخب أهل الشام ابن العاص ، و تبيّن بعد ذلك لجيش الامام ( عليه السلام ) مكيدة ابن العاص في رفع المصاحف ، كما تبيّن لهم غلطهم في اختيار ممثلهم .

[ 54 ]

و هذا القرآن إنّما هو خطّ مستور بين الدّفّتين [ 1 ] لا ينطق بلسان ، و لا بدّ له من ترجمان ، و إنّما ينطق عنه الرّجال . و لمّا دعانا القوم إلى أن نحكّم بيننا القرآن لم نكن الفريق المتولّي [ 2 ] على كتاب اللّه تعالى ، و قد قال اللّه سبحانه : فَإنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ فردّه إلى اللّه : أن

[ 1 ] الدفّتان : جلدتا غلاف القرآن الكريم .

[ 2 ] المتولي : المعرض .

[ 55 ]

نحكم بكتابه ، و ردّه إلى الرّسول أن نأخذ بسنّته ،

فإذا حكم بالصّدق في كتاب اللّه فنحن أحقّ النّاس به ، و إن حكم بسنّة رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و آله ) ، فنحن أولاهم به [ 1 ] .

و أمّا قولكم : لم جعلت بينكم و بينهم أجلا في التّحكيم ، فإنّما فعلت ذلك ليتبيّن الجاهل ،

و يتثبّت العالم [ 2 ] ، و لعلّ اللّه أن يصلح في هذه الهدنة أمر هذه الأمّة [ 3 ] ، و لا تؤخذ بأكظامها [ 4 ]

[ 1 ] أولاهم به : نحن أولى و أحقّ منهم بالنبيّ ( صلى اللّه عليه و آله و سلّم ) و الأخذ و الالتزام بسنّته .

[ 2 ] ليتبيّن الجاهل . . . : طريق الحق . و يتثبّت : العالم : يطمئن و يستيقن .

[ 3 ] الهدنة : إيقاف الحرب لأجل وضع شروط الصلح .

[ 4 ] و لا تؤخذ بأكظامها : مجاري أنفاسها . و المراد : فسح المجال ، و إعطاء المدّة الكافية .

[ 56 ]

فتعجل عن تبيّن الحقّ ، و تنقاد لأوّل الغيّ [ 1 ] .

إنّ أفضل النّاس عند اللّه من كان العمل بالحقّ أحبّ إليه و إن نقصه و كرثه [ 2 ] من الباطل و إن جرّ إليه فائدة و زاده ، أين يتاه بكم ؟ من أين أتيتم [ 3 ] ؟ استعدّوا للمسير في قوم حيارى [ 4 ] عن الحقّ لا يبصرونه ، و موزّعين بالجور [ 5 ] لا يعدلون

[ 1 ] فتعجل عن تبيّن الحق . . . : تترك التريّث و التثبّت . و الغيّ :

الضلال .

[ 2 ] كرّثه : اشتدّ و صعب عليه . و المعنى : ان المسلم من انتهج طريق الحقّ و ان كلّفه جهدا ، فهو أحبّ إليه من سلوك طريق الضلال و ان جلب له مغنما .

[ 3 ] فأين يتاه بكم . . . : في بعد عن طريق الحقّ . و من أين أتيتم : من أيّ طريق جاءكم الشيطان و أوقعكم في شباكه .

[ 4 ] حيارى : يعيشون في حيرة و قلق .

[ 5 ] موزعين بالجور . . . : مولعين به ، اعتادوه . لا يعدلون به :

لا يستبدلون به .

[ 57 ]

به جفاة عن الكتاب ، نكّب عن الطّريق [ 1 ] ، ما أنتم بوثيقة يعلق بها ، و لا زوافر عزّ يعتصم إليها [ 2 ] ،

لبئس حشّاش نار الحرب أنتم [ 3 ] أفّ لكم ، لقد لقيت منكم برحا [ 4 ] يوما أناديكم ، و يوما أناجيكم فلا أحرار صدق عند النّداء ، و لا إخوان ثقة عند النّجاء [ 5 ] .

[ 1 ] جفاة عن الكتاب . . . : بعيدين عنه ، قد تركوا تعاليمه .

نكب جمع ناكب : العادل عن الطريق ( السائر في طريق الضلال ) .

[ 2 ] ما أنتم بوثيقة يعلق بها . . . : ما أنتم بعروة وثيقة يستمسك بها . و زوافر الرجل أنصاره و عشيرته . و يعتصم بها :

يستعين و يمتنع بها .

[ 3 ] حشاش جمع حاش : الموقد للنار . و المراد : بئس رجال الحرب أنتم ، ليس فيكم ذبّ عن ذين ، و لا دفاع عن وطن .

[ 4 ] برحا : شدّة و أذى .

[ 5 ] يوما أناديكم . . . : أدعوكم علانية للجهاد . و يوما أناجيكم :

أكلمكم سرّا . فلا أحرار صدق عند النداء : لا تجيبون المستعين و المستنصر بكم كما يفعل الأحرار و حماة الدار .

و لا إخوان ثقة عند النجاء : و لستم لي بثقة في كتمان السرّ .

[ 58 ]