( 129 ) و من كلام له عليه السلام

و انقادت له الدّنيا و الآخرة بأزمّتها ، و قذفت إليه السّموات و الأرضون مقاليدها [ 2 ] ، و سجدت له بالغدوّ و الآصال [ 3 ] الأشجار النّاضرة ، و قدحت له

[ 1 ] أوفاز . . . : استعجال . و الظهور : الحيوانات المعدّة للركوب . و الزيال : الفراق . و المراد : الاسراع بالأعمال التي تنفع الانسان من عالم الآخرة .

[ 2 ] الزمام . . . : حبل يوضع في عنق الدابة تنقاد به . و المراد : انقياد الدنيا و الآخرة و من فيهما له جلّ جلاله ، و نفوذ أمره فيهما وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَواتِ وَ الأرْضِ طَوعاً و كَرهاً وَ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ 3 : 83 . و مقاليدها : مفاتيحها . و المراد بذلك :

مالك أمرها و تدبيرها و حفظها .

[ 3 ] و سجدت له . . : المراد بذلك الخضوع و الاستسلام ، و الانقياد .

و الغدو : أوائل النهار . و الآصال : أواخره . و القدح : استخراج النار من الزناد . و القضبان : أغصان الأشجار . و المراد التنبيه على قدرته جلّ جلاله في استخراج النار من الشجر ، فالعرب كانت زندها شجرة المرخ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ 36 : 80 . و تتجلّى القدرة الإلهية في جعل عموم الأشجار رغم خضرتها و رطوبتها قابلة للاحتراق .

[ 83 ]

من قضبانها النيران المضيئة ، و آتت أكلها بكلماته [ 1 ] الثّمار اليانعة .

منها : و كتاب اللّه بين أظهركم ناطق لا يعيى لسانه [ 2 ] ، و بيت لا تهدم أركانه ، و عزّ لا تهزم أعوانه .

[ 1 ] بكلماته : بإرادته وَ إذَا قَضى‏ أَمراً فَإنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ 2 : 117 .

[ 2 ] لا يعي : لا يعجز : و المراد : بيان عظمة القرآن الكريم و خلوده ، و ان النصر للمسلمين لأنّهم أهل القرآن .

[ 84 ]

و منها : أرسله على حين فترة من الرّسل ،

و تنازع من الألسن [ 1 ] ، فقفّى به الرّسل [ 2 ] ، و ختم به الوحي ، فجاهد في اللّه المدبرين عنه ،

و العادلين به [ 3 ] .

و منها : و إنّما الدّنيا منتهى بصر الأعمى لا يبصر ممّا وراءها شيئا ، و البصير ينفذها بصره [ 4 ]

[ 1 ] على حين فترة من الرسل . . . : انقطاع من النبوة ، و المراد بها 567 سنة التي بين عيسى و محمد ( عليهما السلام ) .

و تنازع من الألسن : اختلافها في معبودها ، فقوم يعبدون الأصنام ، و آخرون النار ، و فريق عبدوا الشمس و القمر و الكواكب ، الى غير ذلك .

[ 2 ] فقفى به الرسل : اتبع من كان قبله من النبيّين .

[ 3 ] المدبرين عنه . . . : المعرضين عن نهجه ، المخالفين لشرعه . و العادلين به : الجاعلين له سبحانه و تعالى عديلا و نظيرا ، يعبدونه من دونه .

[ 4 ] منتهى بصر الأعمى . . . : هو لا يبصر غيرها ، و لا يفكّر في سواها ، و لا يعمل إلاّ لها . و البصير : العارف . ينفدها بصره :

يبصر ما وراءها .

[ 85 ]

و يعلم أنّ الدّار وراءها ، فالبصير منها شاخص ،

و الأعمى إليها شاخص [ 1 ] ، و البصير منها متزوّد ،

و الأعمى لها متزوّد [ 2 ] .

و منها : و اعلموا أن ليس من شي‏ء إلاّ و يكاد صاحبه أن يشبع منه و يملّه ، إلاّ الحياة فإنّه لا يجد له في الموت راحة ، و إنّما ذلك بمنزلة الحكمة الّتي

[ 1 ] فالبصير منها شاخص . . . : شخص : خرج . و المراد :

العارف خرج من فتنها و كيدها . و الأعمى إليها شاخص :

المراد بالأعمى هنا أعمى القلب فَإنَّهَا لاَ تَعْمَى‏ الأبْصَارُ وَ لكِنْ تَعمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ 22 : 46 .

و المعنى : ان الأعمى إليها اتّجه ، و فيها انغمس .

[ 2 ] و البصير منها متزوّد : أخذ منها ما يصلحه للدار الآخرة ،

و حصّل منها زادا لسفره الطويل . و الأعمى لها متزوّد : يدّخر و يجمع لها .

[ 86 ]

هي حياة للقلب الميّت ، و بصر للعين العمياء ،

و سمع للأذن الصّمّاء ، و ريّ للظّمآن ، و فيها الغنى كلّه و السّلامة [ 1 ] : كتاب اللّه تبصرون به ،

و تنطقون به ، و تسمعون به ، و ينطق بعضه ببعض ، و يشهد بعضه على بعض ، و لا يختلف

[ 1 ] فانّه لا يجد له في الموت راحة . . . : ورد ان الموت كنشر بالمناشير ، و قرض بالمقاريض ، و أيضا هو مفتاح لما بعده ،

و بداية لكل مكروه . و انّما ذلك بمنزلة الحكمة : اقتضت حكمته بأن يكون الموت باب شدّة و عناء تنفر منه الطباع ليكون ذلك ازدجار و حياة للقلب الميّت فيحيا ، و تبصرة للعين العمياء لتنظر الحق فتهتدي به ، و سمع للأذن الصمّاء لتعي المواعظ ، و ريّ للظمآن البعيد عن المعارف فيرتوي منها .

و فيها الغنى الأكبر و السلامة : الحكمة التي اقتضت أن يكون الموت بهذه المثابة من الشدّة فيها الغنى الأكبر للإنسان إذا اعتبر ذلك ، و أحرز سبل النجاة فيسلم من كوارث الآخرة و شدّاتها .

[ 87 ]

في اللّه ، و لا يخالف بصاحبه عن اللّه [ 1 ] .

قد اصطلحتم على الغلّ فيما بينكم [ 2 ] و نبت

[ 1 ] تبصرون به . . . : سبل الرشاد . و تسمعون به : مواعظ اللّه جلّ جلاله ينطق بعضه ببعض ، و يشهد بعضه على بعض :

يفسّر بعضه بعضا ، و أحسن المفسّرين من فسّر القرآن بالقرآن . لا يختلف في اللّه : كلّه مؤدّ الى رضوان اللّه تعالى .

و لا يخالف بصاحبه : لا يخرج بقاريه و العامل به عن طريق السداد و الرشاد إنّ هذا القُرآنَ يهدي للّتي هيَ أَقوَمُ 17 :

9 . و تقول الزهراء ( عليها السلام ) في خطبتها في مسجد رسول اللّه ( صلى اللّه عليه و آله ) قائدا الى الرضوان أتباعه ،

مؤدّ الى النجاة استماعه . به تنال حجج اللّه المنوّرة ،

و عزائمه المفسّرة ، و محارمه المحذّرة ، و بيّناته الجالية ،

و براهينه الكافية ، و فضائله المندوبة ، و رخصه الموهوبة ،

و شرائعه المكتوبة .

[ 2 ] قد اصطلحتم على الغلّ فيما بينكم . . . : اتّفقتم و أجمعتم على الحقد و الحسد و الأخلاق الرذيلة ، و المرعى : موضع الرعي الذي ترعاه الدواب . و الدمن : ما تلبّد من فضلات الحيوانات . و المراد تشبيه تمكن الغل و الحقد و الحسد في النفوس ، و رسوخه فيها ، ثمّ خروجه منها شرّا على الآخرين . و تصافيتم على حبّ الآمال : اجتمعتم و توافقتم على حبّ ما يؤمّله بعضكم من بعض من منافع يسترضيه و يصانعه لأجلها ، و أيضا فهو لا يأمره بمعروف ، و لا ينهاه عن منكر خوفا أن تضيع آماله عنده ، و تفسد مكانته لديه .

[ 88 ]

المرعى على دمنكم ، و تصافيتم على حبّ الآمال ، و تعاديتم في كسب الأموال ، لقد استهام بكم الخبيث و تاه بكم الغرور [ 1 ] ، و اللّه المستعان على نفسي و أنفسكم .

[ 1 ] استهام بكم . . . : اشتدّ عشقه لكم ، و ملازمته إياكم .

و الخبيث : الشيطان . وتاه بكم : جعلكم تائهين متحيّرين .

و الغرور : الشيطان .

[ 89 ]